استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة
ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة تهتم بعرض جميع المواضيع الخاصة بعقيدة أهل السنة والجماعة
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 01-13-2026, 02:46 PM   #7

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان … الشعبة الخامسة: الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقَدَرَ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنْ اللَّهِ عزّ وجل


  • المؤمن لا يجزع عند المصيبة ولا تبطره النعمة ففي حال البلاء يصبر وحال الرخاء يشكر
  • العمل والكسب والسعي واتخاذ الأسباب الموصلة للغايات كل هذا لا ينافي القضاء والقدر وإنما هو داخل فيه
  • الألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة فلذلك يجب ألا يُعدل عنها نفيًا ولا إثباتًا لئلا يُثبَتَ معنى فاسد أو يُنفَى معنى صحيح
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الشعبة الخامسة من شعب الإيمان هي الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقَدَرَ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ مِنْ اللَّهِ -عزوجل- لِقَوْلِهِ -تعالى-: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} (النساء: 78)، ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصحيحين: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟!، قال: فحج آدم موسى». وبالإسناد المذكور أنشدنا الإمام أبوبكر البيهقي قال: أنشدني أبو الفوارس جنيد بن أحمد الطبري:
العبد ذو ضَجَرٍ والرب ذو قَدَرٍ
والدهر ذو دُوَلٍ والرزق مقسومُ
والخير أجمع فيما اختار خالقنا
وفي اختيار سواه اللّوم والشُّومُ
الشرح:
قوله: «الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله -عزوجل-»: وهو ركن من أركان أعمال القلب يزول الإيمان بزواله، فالإيمان بالقدر: أن يعتقد المؤمن أن كل شيء في هذا الكون مخلوق بقدر -يعني بصفة وزمن-، فلا يقع شيء في هذا الكون -سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا-؛ إلا وهو بقضاء الله وقدره، والإيمان بالقدر: (هو التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، وأنه الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا مَحيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خُط في اللوح المسطور، وأنه خالق أفعال العباد والطاعات والمعاصي، ومع ذلك فقد أمر العباد ونهاهم، وجعلهم مختارين لأفعالهم، غير مجبورين عليها، بل هي واقعة بحسب قدرتهم وإرادتهم، والله خالقهم وخالق قدرتهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.
الإيمان بالقدر خيره وشره
والإيمان بالقدر خيره وشره من الله -تبارك وتعالى-؛ أحد الأركان الستة التي يدور عليها فلك الإيمان، كما دل عليه حديث جبريل وغيره، وكما دلت عليه الآيات الصريحة من كتاب الله -تعالى-، وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملةً وتفصيلًا: فقد كَتَبَ في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. ونحو ذلك... فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكره اليوم قليل. قوله: لقوله -تعالى-: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} (النساء: 78)، قال أبو جعفر: القول في تأويل قوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}. يعني -جل ثناؤه- بقوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}، قل يا محمد، لهؤلاء القائلين: إذا أصابتهم حسنة: {هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ}، وإذا أصابتهم سيئة: {هَذِهِ مِنْ عِندِكَ}: كل ذلك من عند الله، دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة، قال الحافظ ابن كثير: فقوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}، أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} أي: الحسنة والسيئة. وكذا قال الحسن البصري.
فحج آدم موسى
قوله: ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟، قال: فحج آدم موسى».
  • قوله: (احتج) أي تحاجَّ وتناظر.
  • قوله: (خَيَّبْتَنَا): أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان.
  • قوله: (وأخرجتنا من الجنة): وهي دار الجزاء في الآخرة وهي مخلوقة قبل آدم.
قوله: (وخط لك بيده): وهي على ظاهرها بأن الله -تعالى- خط له بيده، ولله -تعالى- يد حقيقية تليق بجلاله ولا تشبه يد المخلوق.
صفات الله -تعالى- الخبرية
ولا يقال عن هذه الصفات -أي صفات الله تعالى الخبرية- إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان، فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فلذلك يجب ألا يُعدل عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا، لئلا يُثبَتَ معنى فاسد أو يُنفَى معنى صحيح، وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمُحق والمُبطل، (وكان مكحول، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، يقولون فيها وفي أمثالها: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله -تعالى- ورسوله). قوله: (على أمر قدره الله)، ويروى قدر الله بدون الضمير، وهي رواية السرخسي والمستملي، والمراد بالتقدير هنا الكتابة في اللوح المحفوظ، أو في صحف التوراة، وإلا فتقدير الله أزلي.
المراد بقوله: أربعين سنة
  • قوله: (بأربعين سنة) قال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله -تعالى-: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30)، إلى نفخ الروح في آدم، وقيل: ابتداء المدة؛ وقت الكتابة في الألواح وآخرها ابتداء خلق آدم، وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، وقد جاء في (الحديث): «إنّ الله قدّر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»ا.هـ
  • قوله: (فحجَّ آدم موسى) حجَّ غيره: غلبه بالدليل والبرهان.
  • قوله: (وبالإسناد المذكور): يقصد السند الذي ذكره في مقدمة الكتاب، والذي ينتهي إلى الإمام أبي بكر البيهقي.
  • قوله: (أنشدنا) أنشد الشعر: قرأه.
الإمام أبو بكر البيهقي قال: أنشدني أبو الفوارس جنيد بن أحمد الطبري.
  • قوله: (العبد ذو ضجر) يعني أن العبد قليل الرضى يتضجر من الأمور ويَمَلُّ كثيرًا. قوله: (والرب ذو قدر) فكل ما في هذا الكون بقدر الله وبعلمه.
  • قوله: (والدهر ذو دول) فيه إشارة لقول الله -تعالى-: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران: 140)، ومن الحكم في ذلك؛ أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى, لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. قوله: (والرزق مقسوم) فيه إشارة لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه».
معنى الخير فيما اختار الله
  • قوله: (والخير أجمع فيما اختار خالقنا... وفي اختيار سواه اللوم والشوم) فيه إشارة لقول الله -تعالى-: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216)، ومعنى الخير فيما اختار الله: أن قضاء الله وقدره كله خير وكله حكمة، وليس فيه شر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «والشرّ ليس إليك» فقضاء الله ﻷ على ثلاثة أنواع؛ فهناك قضاء في اللوح المحفوظ: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} (يس: 12)، وقضاءٌ حَوْلِيٌّ: بمعنى يكون في السنة مرة، وهو في ليلة القدر التي وصفها الله -تعالى- بأنها سلام إلى مطلع الفجر: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر: 5)، وقضاء يومي: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29)، والمعنى: كل يوم له تدبير وتقدير خاص من الرزق والموت والولادة... إلخ.
ويقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: في الآية السابقة، «هذه الآيات عامة مطردة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة؛ أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحبها النفوس -لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة-؛ فهي شر بلا شك. وأما أحوال الدنيا، فليس الأمر مطردًا، ولكن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا أحب أمرًا من الأمور -فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه-؛ أنه خير له، فالأوفق له في ذلك، أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع، لأنه يعلم أن الله -تعالى- أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه، كما قال -تعالى-: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 232)، فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم».
الإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور
يقول الشيخ العلامة ابن عثيمين: «والإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
  • الأول: أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، دليل ذلك: عموم الأدلة مثل قول الله -تعالى-: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: 282)، وخصوص العلم بالغيب، وقد قال موسى -عليه الصلاة والسلام-: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (طه: 52)، أي: لا يجهل ولا ينسى ما علم.
  • ثانيًا: الإيمان بأن الله -تعالى- كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، قال الله ﻷ: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} (يس: 12).
  • ثالثًا: أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله -تعالى-، فلا يخرج شيء عن مشيئته أبدًا، ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فأي شيء يحدث فهو بمشيئة الله، قال الله ﻷ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير).
  • رابعًا: الخلق: ومعناه: الإيمان بأن الله خلق كل شيء، فنؤمن بعموم خلق الله -تعالى- لكل شيء، قال -تعالى-: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}(الفرقان: 2).
فوائد الإيمان بالقضاء والقدر وأثره على المسلم
(1) تحقيق هدوء النفس واطمئنان القلب. (2) المؤمن لا يجزع عند المصيبة، ولا تبطره النعمة، ففي حال البلاء يصبر، وحال الرخاء يشكر. (3) القدر سر من الأسرار لا يجوز الخوض فيه، كل هذا فيما لا علم للمرء فيه مخافة أن تزل به القدم. (4) العمل، والكسب، والسعي، واتخاذ الأسباب الموصلة للغايات؛ كل هذا لا ينافي القضاء والقدر، وإنما هو داخل فيه لقول عمر - رضي الله عنه - جوابًا لأبي عبيدة بن الجراح: (نَعَمْ, نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ). (5) التوكل الذي أمر الله -تعالى- به يكون بعد اتخاذ الأسباب، وهذا يؤيده حديث خروج أهل اليمن للحج، وهم على غير زاد، فلما سئلوا قالوا: نحن متوكلون، فنزلت الآية: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(البقرة: 197).


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الوجه الآخر للطلاق
* أكثر خمسة أخطاء شيوعا في تربية الأطفال
* يوميات أسرة قرآنية في رمضان
* المصطلحات التراثية بين إمكانيات الاستثمار وعوائق الاستعمال
* ظاهرة التقاء الساكنين
* أسماء الكعبة، وأسباب التسميات
* تخريج حديث: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2026, 05:36 PM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: السَّادِسُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ الْإِيْمَانُ بِالْيَوْمِ الآخِرِ


  • من فوائد الإيمان باليوم الآخر الاطمئنان واليقين بعدل الله تعالى وأنه سبحانه سوف يجازي الخلائق حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء
  • من فوائد الإيمان باليوم الآخر: قلّة الركون إلى الدنيا والصبر عليها احتسابًا وثقة بما عند الله تعالى من حسن الجزاء والثواب
  • تلقى الصحابة رضوان الله عليهم علوم الغيب دون السؤال والاستفسار اللهم إلا السؤال الذي يقصد به طلب السلامة وملازمة طريق الهدى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • السادس من شعب الإيمان هو الإيمان باليوم الآخر لِقَوْلِ اللهِ -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 29). قَالَ الحليمي: وَمَعْانَهُ التَّصْدِيْقُ بِأَنَّ لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ، وأنها منقضيةٌ، وَهَذا العَالَمَ مُنْقَضٍ يَوْمًا ما، فَفي الاعْتِرافِ (بانْتِفائِهِ)، اعْتِرافٌ بِابْتِدائِهِ؛ إذ القَديمُ لا يَفْنَى ولا يَتَغَيَّرُ، وَفِي (الصَّحِيْحَيْنِ) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَقُوْمَنَّ السَّاعَةَ، وَ(قَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ) ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُما لا يَتَبَايَعَانِهِ ولا يَطْويَانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَة، وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها، وقَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إلى فِيهِ لا يَطْعَمُها» الْحَدِيْثُ.
الشرح
(الإيمان باليوم الآخر) وهو ركن من أركان أعمال القلب، يزول الإيمان بزواله، ويظهر أثره على عمل الإنسان، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر يوم من أيام الدنيا؛ حيث ينقل الله -تعالى- الخلائق إلى عرصات يوم القيامة، وفي هذا اليوم يأذن الله -تعالى- بدمار الحياة الدنيا، فالسماء تتشقق، والشمس تتكور، والنجوم تُطمس، والجبال تُنسف، والأرض تُبدّل، كما ورد في سور: الواقعة، والقيامة، والنازعات، والتكوير، والانفطار، والمطففين، وغيرها في ذكر أهوال يوم القيامة.
  • قوله: لقول الله -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 29)، يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: «فأَمر ـ بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكرامًا لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل».
التصديق بأن لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ
  • قوله: قال الحليمي: ومعناه التصديق بأن لأَيَّامِ الدُّنْيا آخِرَ، وأنها منقضيةٌ، أي: أن أيام الدنيا إلى انتهاء وإلى أجل معلوم، وقوله: (وَهَذا العَالَمَ مُنْقَضٍ)، أي: أن الدنيا كلها ستنتهي في اليوم الآخر.
  • قوله: «فَفي الاعْتِرافِ بانْتِفائِهِ اعْتِرافٌ بِابْتِدائِهِ»، أي: أن لكل شيء من المخلوقات نهاية وبداية، وهذا بحق المخلوق، أما الخالق فهو كما قال الله -تعالى-: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحديد: 3).
  • قوله: «إذ القَديمُ لا يَفْنَى ولا يَتَغَيَّرُ»، قلت: لفظ القديم إذا كان المقصود به الإخبار عن الله -عز وجل- فهذا لا بأس به، إذ إن باب الإخبار عن الله أوسع من باب الأسماء والصفات، ولكن إن كان المقصود به التسمية بالقديم، فهذا فيه إشكال.
مسألة مهمة: ضابط كون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى
وهنا تأتي مسألة وهي: ما ضابط كون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى؟
  • يقول الشيخ صالح آل الشيخ: الاسم يكون من أسماء الله الحسنى إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط، أو اجتمعت فيه ثلاثة أمور:
- الأول: أن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُصَّ عليه في الكتاب والسنة، نُصَّ عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر. - الثاني: أن يكون مما يُدْعَى الله -عز وجل- به لقوله -تعالى-: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180). - الثالث: أن يكون متضمِّنا لمدحٍ كاملٍ مطلقٍ غير مخصوص.
باب الأسماء أضيق من باب الصفات
وهذا ينبني على فهم قاعدة أخرى من القواعد في منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وهي: أنَّ باب الأسماء الحسنى، أو باب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أضيق من باب الأفعال، وباب الأفعال أضيق من باب الإخبار، وعكس ذلك. فتقول: باب الإخبار عن الله -عز وجل- أوسع، وباب الأفعال أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى، وهذه القاعدة نفهم منها أنَّ الإخبار عن الله -عز وجل- بأنه «قَديمٌ بلا ابتدَاء»، لا بأس به؛ لأنه مشتمل على معنى صحيح، فلما قال: «قَديمٌ بلا ابتدَاء» انتفى المحذور، فصار المعنى حقًا، ولكن من جهة الإخبار، أما من جهة الوصف، وصف الله بالقدم فهذا أضيق؛ لأنه لا بد فيه من دليل.
اجتماع الشروط الثلاثة
وكذلك باب الأسماء، وهو تسمية الله بالقديم، هذا أضيق، فلابد فيه من اجتماع الشروط الثلاثة التي ذَكَرْتُ لك، والشروط الثلاثة غير منطبقة على اسم القديم، وعلى نظائره كالصانع، والمتكلم، والمريد، وأشباههم لأمور:
  • أولا: لم تَرِدْ في النصوص، فليس في النصوص اسم القديم، ولا اسم الصانع، ولا اسم المريد، ولا اسم المتكلم.
  • ثانيًا: اسم القديم لا يُدعى الله -عز وجل- به؛ أي: لا يُتوسل إلى الله به؛ لأنه في ذاته لا يحمل معنىً متعلقًا بالعبد فيسأل الله -عز وجل- به، فلا يقول: يا قديم أعطني، لأنه لا يُتوسل إلى الله بهذا الاسم، كما هي القاعدة في الآية: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180)، فثَمَّ فرق ما بين التّوسل بالأسماء والتّوسل بالصفات.
  • ثالثًا: من الشروط: التي ذكرناها هي أن تكون مشتملة على مدحٍ كاملٍ مطلق غير مختص، وهذا نعني به أنَّ أسماء الله -عز وجل- هي متضمنة لصفات. وهذه الأسماء لابد أن تكون متضمنةً للصفات الممدوحة على الإطلاق، غير الممدوحة في حال، والتي قد تذم في حال، أو ممدوحة في حال وغير ممدوحة في حال، أو مسكوت عنها في حال. وذلك يرجع إلى أنَّ أسماء الله -عز وجل- حسنى، أي: أنها بالغة في الحسن نهايتَه. ومعلوم أن حُسن الأسماء راجع إلى ما اشتملت عليه من المعنى وما اشتملت عليه من الصفة.
الكمال مطلقًا بلا تقييد وبلا تخصيص
والصفة التي في الأسماء الحسنى والمعنى الذي فيها لابد أنْ يكون دالًا على الكمال مطلقًا بلا تقييد وبلا تخصيص، فمثل اسم القديم، هذا لا يدلّ على مدحٍ كامل مطلق، ولذلك لما أراد المصنف أنْ يجعل اسم القديم، أو صفة القِدم مدحًا قال: «قَديمٌ بلا ابتدَاء»، وحتى الدائم هنا قال: «دَائمٌ بلا انْتهاء»، لكن لفظ القديم قيّده بكونه (بلا ابتدَاء)، وهذا يدل على أن اسم القديم بحاجة إلى إضافة كلام حتى يُجعل حقًا وحسنًا ووصفًا مشتملًا على مدح حق. ا.هـ.
  • قوله: وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «والذي نفس محمد بيده، لتقومن الساعة و«قد نشر الرجلان» ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُما لا يَتَبَايَعَانِهِ ولا يَطْويَانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها، وقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ لا يَطْعَمُها» الحديث.
اللِّقْحة: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.
المعنى العام للحديث
بيان سرعة قيام الساعة، وأنها تقوم بغتةً تفجأ الناس وهم في حياتهم اليومية، في البيع والشراء والأكل والشرب والزراعة وهكذا.
  • قوله: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه»، وللبيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «ولتقومن الساعة على رجلين قد نشر بينهما ثوبًا يتبايعانه، فلا يتبايعانه ولا يطويانه».
  • قوله: «ولتقومن الساعة» قَسَمٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - واللام هنا للقسم. (وهو) أي: الرجل.
  • قوله: «يليط حوضه» بفتح أوله من الثلاثي وبضمه من الرباعي، والمعنى يُصْلِحهُ بالطين والْمَدَر، فيسُدّ شُقوقه ليملأه، ويسقى منه دوابه، يقال: لاط الحوض يليطه، إذا أصلحه بالمدر ونحوه.
  • قوله: «ولتقومن الساعة وقد رفع أُكْلَتَهُ» بالضم، أي: لقمته إلى فيه.
  • قوله: «فلا يطعمها» أي: تقوم الساعة من قبل أن يضع لُقمته في فيه، أو من قبل أن يمضغها، أو من قبل أن يبتلعها.
  • قوله: «ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرفَ الرَّجُلُ بِلبنِ لَقْحَتِهِ من تَحْتِها»، وهي الناقة ذات الدَّر، وهذا كله إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة وأسرع من رفع اللقمة إلى الفم.
فوائد الإيمان باليوم الآخر وأثره على المؤمن
  • من آمن باليوم الآخر استعد له، وجدَّ واجتهد في تحصيل ما ينفعه، والبعد عما يضره.
  • الحرص على عدم الانتقال من هذه الدار إلى دار القرار إلا بعمل صالح، وزاد صالح.
  • الاطمئنان واليقين بعدل الله -تعالى-، وأنه -سبحانه- سوف يجازي الخلائق، حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
  • الزهد في هذه الدنيا وعدم الحرص عليها، والرغبة فيما عند الله -تعالى- من النعيم المقيم.
  • عدم الحزن على ما يفوت من هذه الدنيا، وكذا عدم الفرح بما يحصل منها، على اعتبار أن هذا وهذا من الله -تعالى-، وهو لاختبار العبد ومعرفة ما يقابل الابتلاء بالمصيبة، وما يقابل الابتلاء بالنعمة.
  • ومما ذكره الحليمي من فوائد الإيمان باليوم الآخر: «قلة الركون إلى الدنيا، والتهاون بأحزانها ومصائبها، والصبر عليها وعلى مضض الشهوات؛ احتسابًا وثقة بما عند الله -تعالى- من حسن الجزاء والثواب».
فوائد الحديث
  • إن أحوال الناس ستبقى كما هي من حيث البيع والشراء ورعاية الأنعام.
  • ظاهر الحديث يشعر أن هؤلاء حثالة الناس كل لكع بن لكع، بدليل انشغالهم بأمور الدنيا مع رؤيتهم لعلامات الساعة الكبرى التي تسبق قيام الساعة، ورغم ورود أحاديث كثيرة في فضل العبادة بأيام الهرج والفتنة.
  • دقة وصف الحديث لحياة الناس وانقضاء أمر الدنيا؛ حيث وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدق تفاصيل الحياة اليومية.
  • القسم لتأكيد الأمور المهمة وبيان عظمتها للناس.
  • تلقي الصحابة -رضوان الله عليهم- علوم الغيب دون السؤال والاستفسار، اللهم إلا السؤال الذي يقصد به طلب السلامة وملازمة طريق الهدى، مثلما وقع في سؤالهم عن الصلاة وأوقاتها في اليوم الذي يخرج فيه الدجال، وهو يومٌ كسنةٍ، ومثلما وقع في أسئلة حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - كقوله: كان الناس يسألون عن الخير، وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الوجه الآخر للطلاق
* أكثر خمسة أخطاء شيوعا في تربية الأطفال
* يوميات أسرة قرآنية في رمضان
* المصطلحات التراثية بين إمكانيات الاستثمار وعوائق الاستعمال
* ظاهرة التقاء الساكنين
* أسماء الكعبة، وأسباب التسميات
* تخريج حديث: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2026, 05:38 PM   #9

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. السَّابِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ .. الْإِيْمَانُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ


  • يظهر الفرق والتغابن جليا بين الخلائق إذا وقعت الواقعة لأنها ترفع أقواما إلى أعلى عليين وتخفض أقواما إلى أسفل سافلين
  • مع الإيمان بالبعث يترسخ في نفس المؤمن اعتقاده بقدرة الله تعالى الذي يعيد الأرواح بزجرة واحدة
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها؛ فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الشُعَبة السابعة من شعب الْإِيْمَانِ هي: الْإِيْمَانُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} (التغابن:7)، وَلِقَوْلِهِ -تعالى-: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} (الجاثية:26)، وَلِحَدِيْثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عه - فِي الصَّحِيْحِ فِي حَدِيْثِ الإْيْمَانِ: الْإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، وَبِالْقَدَرِ كُلِّه.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بالبعث بعد الموت)، يعني: اليقين الجازم الذي لا يتطرق إليه شك، بأن الله -تعالى- سوف يبعث الخلائق بعد موتهم عند قيام الساعة، وهو ركن من أركان أعمال القلب، وهو تبع للإيمان باليوم الآخر، لقوله -تعالى-: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} (التغابن:7). يقول الطبري في تفسيره: القول في تأويل قوله -تعالى-: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (التغابن:7)، يقول -تعالى- ذكره: زعم الذين كفروا بالله أن لن يبعثهم الله إليه من قبورهم بعد مماتهم. وكان ابن عمر يقول: زعم: كنية الكذب. وقوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}، يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: قل لهم يا محمد: بلى وربي لتبعثن من قبوركم، {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ}، يقول: ثم لتخبرنّ بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا، {وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}، يقول: وبَعْثُكم من قبوركم بعد مماتكم على الله سهل هَيِّنٌ.
ولقوله -تعالى-: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} (الجاثية: 26)، يقول الطبري في تفسيره للآية: يقول -تعالى- ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذّبين بالبعث، القائلين لك: ائتنا بآبائنا إن كنت صادقًا، اللهُ أيها المشركون يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا، ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعًا أوّلكم وآخركم، وصغيركم وكبيركم {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} يقول: ليوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعًا أحياء ليوم القيامة {لَا رَيْبَ فِيهِ} يقول: لا شكّ فيه: فلا تَشُكُّوا في ذلك، فإن الأمر كما وصفت لكم: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}. يقول: ولكن أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث، لا يعلمون حقيقة ذلك، وأن الله محييهم من بعد مماتهم ا.هـ. قوله: ولحديث عمر بن الخطاب ت في الصحيح في حديث الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث من بعد الموت وبالقدر كله».
  • قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وبالبعث من بعد الموت»، زَادَ فِي التَّفْسِير لفظ «الْآخِر»، وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيث عُمَر: «وَالْيَوْم الْآخِر» فَأَمَّا الْبَعْث الْآخِر، فَقِيلَ: ذَكَرَ الْآخِر تَأْكِيدًا، كَقَوْلِهِمْ: أَمْس الذَّاهِب، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْبَعْث وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى: الْإِخْرَاج مِنْ الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، أَوْ مِنْ بُطُون الْأُمَّهَات بَعْد النُّطْفَة وَالْعَلَقَة إِلَى الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَة: الْبَعْث مِنْ بُطُون الْقُبُور إِلَى مَحَلّ الِاسْتِقْرَار، وَأَمَّا الْيَوْم الْآخِر: فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ آخِر أَيَّام الدُّنْيَا؛ أَوْ آخِر الْأَزْمِنَة الْمَحْدُودَة، وَالْمُرَاد بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّصْدِيق بِمَا يَقَع فِيهِ مِن الْحِسَاب وَالْمِيزَان وَالْجَنَّةِ وَالنَّار. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذِكْرِ الْأَرْبَعَة بَعْد ذِكْر الْبَعْث فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ، وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا.
أدلة البعث في القرآن
ساق الحليمي أدلة محسوسة على البعث والنشور ومنها: (1) الإحـالـة على القـدرة: فقـوله -تعالى-: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الأحقاف: 33). (2) الأرض تكون حية تنبت وتثمر وتموت، فتصير إلى ألا تنبت وتبقى خاشعة هامدة. فأما حياتها؛ فإنها تكون عند سخونة الهواء التي جاورتها وإسخانه إياها، وانسياق الماء إليها وترطيبه لها. وأما موتها فإنما يكون عند إسخان الشمس إياها من غير ما تصل إليها؛ لأنها تصير كالفخار. (3) احتج على عباده بقوله -تعالى-: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} (البقرة: 28). يعني نطفًا في الأصلاب والأرحام، فجعلكم منها بشرًا تنتشرون. وقال: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (المرسلات). (4) قوله-تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} (الأنعام: 95) وذلك أن الحب إذا جف ويبس بعد انتهاء تمامه ووقوع الناس من ازدياده. وكذلك النوى إذا تناهى عظمه، وجف ويبس؛ كانا مسببين، ثم إنهما إذا أودعا الأرض الحية فلقهما الله -تعالى-، وأخرج منهما ما يشاهد من النخيل والزرع حبا ينشأ ويثمر. (5) ما أراه إبراهيم -صلوات الله عليه- لما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} (البقرة: 260)، فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطيور، فيقطعهن، ويجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم يدعوهن. فرجع كل جزء إلى مثله، حتى يلتئم جملة ذلك الطير، ويرد الله الحياة إليها، ويأذن له في إحيائه، فيأتينه سعيًا. (6) الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها! وكان معه حمار، وركوة عصير، وسلة تين، على ما جاءت به الأخبار؛ {فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام}. (7) عصا موسى -عليه السلام- فإن الله -تعالى- قال لموسى: {قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} (طه)، ثم إن فرعون جمع له السحرة، فألقوا حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فقال الله-تعالى-: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} (طه: 69)، فلما ألقاها تلقفت حبالهم وعصيهم، ثم عادت كما كانت. فليس لأحد أن يستبعد مع هذا إحياء الله -تعالى- للأموات وبعثهم. (8) أصحاب الكهف فإنهم كانوا بين ظهرانَي قوم يكذبون بالبعث، فضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم أقامهم، وأعثر قومهم عليهم؛ ليعلموا بحفظ الله -تعالى- أجسادهم مع فقدهم الغذاء تلك المدة الطويلة، وصيانة شعرهم وبشرهم مع ذلك عن أن تأكلها الأرض، وكل ذلك خارج عن العادة، دل ذلك على أن الله -تعالى- قادر على إحياء الموتى وإعادة الأجسام الهامدة كما كانت، وإن كان ذلك مفارقًا للعادة. ا.هـ
فوائد الإيمان بالبعث
  • مع الإيمان بالبعث يترسخ في نفس المؤمن اعتقاده بقدرة الله -تعالى-، الذي يعيد الأرواح بزجرة واحدة، والبعث هو إحياء الخلائق جميعًا بعد النفخة الثانية، قال -تعالى-: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر: 68).
  • الاستعداد ليوم البعث بالإيمان بالله والعمل الصالح.
  • تعظيم ذلك اليوم في قلب المؤمن والخوف منه، قال -تعالى-: {خَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (النور: 37).
  • تمييز إيمان المؤمن من عناد الكافرين وإلقائهم لاستبعاد دعوة الرسل -عليهم السلام- حين قالوا: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الجاثية: 25).
  • يظهر الفرق والتغابن جليا بين الخلائق إذا وقعت الواقعة؛ لأنها خافضة رافعة؛ بحيث يُرفع أقوامٌ إلى أعلى عليين، ويُخفض أقوام إلى أسفل سافلين، والعاقل البصير يحرص على أن يكون في زمرة الأولين من أهل الإيمان والعمل الصالح.




اعداد: د. عبدالرحمن الجيران

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الوجه الآخر للطلاق
* أكثر خمسة أخطاء شيوعا في تربية الأطفال
* يوميات أسرة قرآنية في رمضان
* المصطلحات التراثية بين إمكانيات الاستثمار وعوائق الاستعمال
* ظاهرة التقاء الساكنين
* أسماء الكعبة، وأسباب التسميات
* تخريج حديث: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2026, 05:41 PM   #10

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثَّامِنُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ


  • أصحاب الكبائر أَمْرُهم إلى الله تعالى فإن عفا عنهم مبتدئًا وإن شاء شفَّع فيهم نبيهم وإن شاء أمر بإدخالهم النار وكانوا معذبين بها مدة
  • وصفَ الله تعالى يوم القيامة بأنه يوم عظيم ويوم مشهود لأن الخلائق كلها تشهد هذا اليوم
  • من فوائد الإيمان بالحشر بعد البعث أن المؤمن لا يتجرأ على عصيان الله تبارك وتعالى
  • السؤال هل الملائكة يحاسبون في الآخرة وهل يثابون؟ فهذه المسائل التي لا ينبني عليها عمل ولم يأمرنا الشرع بها فليست من مسائل الأصول
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الثَّامِنُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين)، وَلِحَدِيْثِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: «يَقُوْمُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِيْنَ: حَتَّى يَغِيْبُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».
الشرح
  • قوله: «الْإِيْمَانُ بِحَشْرِ النَّاسِ بَعْدَمَا يُبْعَثُوْنَ مِنْ قُبُوْرِهِمْ إلَى الْمَوْقِفِ»، الحشر لغة: حشَرَهُم يَحشُرُهم ويحشِرُهم حشرًا: جمعهم والحشْرُ، جمع الناس ليوم القيامة.
  • وقوله: «الإيمان بحشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى الموقف»، يعني: بعد إحياء الموتى من قبورهم، وإعادة الأرواح إلى أجسادهم، يقوم الناس لرب العالمين، ثم يحشرون ويجمعون في مكان واحد، حفاة غير منتعلين، عراة غير مستترين، غرلًا غير مختونين، وهو ركن من أركان أعمال القلب تبع للإيمان باليوم الآخر.
  • قوله: «لقوله -تعالى-: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين)، دليل من القرآن على الحشر، يقول ابن كثير: قال -تعالى- متوعدًا لهم: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} (المطففين، أي: أما يخافُ أولئك من البعث والقيام بين يَدَي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخَطْب، من خسر فيه؛ أُدخل نارًا حامية؟!
  • قوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، أي: يقومون حُفاة عراة غُرلًا في موقف صعب حَرج ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله ما تَعْجزُ القوى والحواس عنه.
  • قوله: ولحديث عبدالله بن عمر في صحيح مسلم: «يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه»، الرَّشْحُ نَدَى العَرَقِ على الجَسَد، يقال: رَشَحَ فلانٌ عَرَقًا.
  • قال الإمام مالك: عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه، وقال القاضي: يحتمل أن المراد عرق نفسه وغيره، ويحتمل أن المراد عرق نفسه خاصة.
فوائد الإيمان بالحشر بعد البعث
(1) المؤمن لا يتجرأ على المعاصي؛ لإيمانه بالحشر بعد البعث، في حين أن الكافر يتجرأ على المعاصي؛ حيث إنه غير مؤمن بالبعث والنشور بين يدي الله -تعالى-. (2) شدة يوم القيامة، وشدة الحر، مع شدة الأهوال، حتى إن بعض الناس يغيب في عرقه إلى أنصاف أذنيه. (3) وصف الله -تعالى- يوم القيامة بأنه يوم عظيم، ويوم مشهود؛ لأن الخلائق كلها تشهد هذا اليوم.
مسائل وفوائد ذكرها الحليمي
ومن المسائل والفوائد التي ذكرها الحليمي والمتعلقة بالحشر ما يلي: حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى المواقف التي بيَّن لهم من الأرض؛ فيقومون ما شاء الله -تبارك وتعالى-، فإذا جاء الوقت الذي يريد الله به محاسبتهم، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون، تذكر فيها أعمال الناس، فمنهم من يُؤتى كتابه بيمينه، أولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله، أو وراء ظهره، وهؤلاء هم الأشقياء. وقد أخبر الله -جل ثناؤه- أن المحاسبة تكون بمشهد النبيين والشهداء، فقال -جل وعلا-: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الزمر: 69). أنواع الناس في الحساب: الحساب -وإن كان الله -تعالى- ذكره جملة، وكذلك جاء ذكره في كثير من الأخبار-، فإن في بعضها دلالة على أن كثيرًا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم المتوكلون، فصار الناس إذًا ثلاث فرق:
  • الأولى: فرقة لا تحاسَب أصلًا.
  • الثانية: فرقة تحاسَب حسابًا يسيرًا.
  • الثالثة: من يكون أدنى إلى رحمة الله فيدخله الجنة بغير حساب، وليس يبعد أن يكون من الكفار من يكون أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب.
وإذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، ليكون الجزاء بحسبها قال -جل ثناؤه-: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} (الأنبياء: 47).
هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
وأورد هنا مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
  • فيقول الحليمي: ينبغي أن يقال: هل يُعَاقَبُ الكافر المنهمك في السيئات على كفره عقوبة أغلظ مما يعاقب به الكافر المجرِّد للكفر عن تلك السيئات؟، لأن كفره هو الذي حمله على ما اقترفه وجناه، ولا يعاقب على سيئة عقوبة مفردة، هو الذي يليق بأن الكفار مخاطبون بالشرائع.
وأما القول الآخر: فإنه إنما يليق بأن يكونوا غير مخاطبين بالشرائع حتى يؤمنوا، وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها مسؤولون عنها، محاسبون مجزيون على الإخلال بها؛ لأن الله -تعالى- يقول: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (فصلت)، فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنه يقال لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(المدثر: 42)، فيقولون: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} (المدثر)، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث، وبإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهم مسؤولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على ما أخلوا منها والله أعلم. ا.هـ
وزن الأعمال وطبقات الناس
كما أَورد مسألة أخرى وهي مسألة وزن الأعمال وطبقات الناس، فقال: فإن سأل سائل عن وزن الأعمال كيف يكون؟، فإنما الأعمال حركات الناس، وهي أعمال لا بقاء لها، وقال: كيف تبقى الأعمال إلى يوم القيامة وكيف يمكن وزنها؟ والعلماء بها على قولين:
  • الأول: ما يكون المراد من الوزن مقابلة الأعمال، ويتبين ما ينبغي أن يعامل به بيانًا ظاهرًا للملائكة والنبيين والشهداء، أو قد تدعو الحاجة في الدنيا إلى أن يعرف مقدار عمله، كالذي يحتاج إلى أن يعطي آخر مثله، فيقابل عمله ذلك بأمثاله من غير ميزان يكون التعديل به.
  • الثاني: أنه تكون هناك موازين بالحقيقة، لكل ميزان كفتان، إحداهما من نور والأخرى من ظلمة، كما جاءت به الأخبار، فالكفة المنيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات، ثم إن الناس يومئذ ثلاث طبقات:
- الطبقة الأولى: المؤمنون المتقون، وهم الذين يوافون يوم القيامة بلا كبائر الذنوب. - الطبقة الثانية: المؤمنون المخلِّطون، وهم الذين يوافون القيامة بالفواحش والكبائر. - الطبقة الثالثة: الكفار.
مسألة حكم أصحاب الكبائر
ومن المسائل التي أوردها الحليمي: مسألة حكم أصحاب الكبائر: فيقول: «إن سأل سائل عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة إذا وافوا القيامة بلا توبة قدموا، ماذا يكون من أمرهم؟ قيل -وبالله التوفيق- أَمْرُهم إلى الله -تعالى-، فإن عفا عنهم مبتدئًا، وإن شاء شفَّع فيهم نبيهم، وإن شاء أمر بإدخالهم النار وكانوا معذبين بها مدة، ثم أمر بإخراجهم منها إلى الجنة، ولا يخلد في النار إلا الكفار. فإن سأل عن الدلائل على ما قلنا؟ أما الدليل على أن غير الكفار لا يخلدون في النار؛ فهو قول الله ﻷ: { بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 81)، فأخبر أن التخليد في النار إنما هو لمن أحاطت به خطيَّاته، والمؤمن صاحب الكبيرة والكبائر لم تحط به خطياته، لأن رأس الخطايا هو الكفر، وهو غير موجود منهم، فصح أنه لا يخلد في النار.
الملائكة يحاسبون في الآخرة؟
وأورد الحليمي مسألة: هل الملائكة يحاسبون في الآخرة وهل يثابون؟ والظاهر أن مثل هذه المسائل التي لا ينبني عليها عمل، ولم يأمرنا الشرع بها، فليست من مسائل الأصول، ولا من جملة التكاليف الشرعية المأمور بها كل مكلف، اللهم إلا أن يقال: إن إيراد هذه المسائل من باب تدريب طالب العلم، وتعويده على المسائل الجديدة، وكيفية تأصيلها والرد عليها، فقال الحليمي: «فإن سأل سائل عن الملائكة، هل تكتب أعمالهم ويحاسبون ويثابون؟ قيل له: أما كتابة أعمالهم فما يشبه أن تكون؛ لأن الملائكة هم الذين يكتبون أعمال الناس، ولو كُتِبَتْ أعمال الملائكة لاحتاج كل ملك إلى كاتب أو اثنين، وكذلك الكاتب إلى مثل ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بذلك فاسد، والمحاسبة أيضًا لا معنى لها؛ لأنهم لا يخلطون الحسنات بالسيئات، وما أكثر من لا يحاسب من بني آدم، فلا تكون الملائكة أولًا ولا أدنى منزلة منهم. وأما الإثابة، فقد قيل: يرفع التكليف عنهم؛ فيتنعمون بالراحة، ويتلذذون بالخفض والدعة، وليسوا من أهل المطاعم والمشارب، فيوردون موارد بني آدم من الجنة، ويحتمل أن يكون قد أوضع التكليف غيرهم نعمة أعدها الله لهم، ولا تبلغها أفهامنا وعقولنا، فإنه -تعالى- يقول على لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وإذا جاز أن يُعد للناس مثل هذا الثواب المغيب، فأولى أن يكون ذلك للملائكة والله أعلم» ا.هـ كلام الحليمي.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الوجه الآخر للطلاق
* أكثر خمسة أخطاء شيوعا في تربية الأطفال
* يوميات أسرة قرآنية في رمضان
* المصطلحات التراثية بين إمكانيات الاستثمار وعوائق الاستعمال
* ظاهرة التقاء الساكنين
* أسماء الكعبة، وأسباب التسميات
* تخريج حديث: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-04-2026, 02:48 PM   #11

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

( شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان ) التَّاسِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإيْمَانُ بِأَنَّ دَارَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَأْوَاهُمْ الْجَنَّة وَدَارُ الْكَافِرِيْنَ وَمَأْوَاهُم النَّار


  • لـمّا كان الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويكذبونه أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفّين به وبأمره تطييبًا لقلبه وتسكينًا لفؤاده
  • المؤمن على يقين بما أعده الله تعالى لعباده الصالحين وهذا يجعله يجتهد في عبادته لله تعالى وإحسانه فيها
  • من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار قد خُلقتا خلافًا للمعتزلة المنكرين لخلقهما
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
التَّاسِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ هو الْإيْمَانُ بِأَنَّ دَارَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَمَأْوَاهُمْ الْجَنَّة وَدَارُ الْكَافِرِيْنَ وَمَأْوَاهُم النَّار، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة)، وَلِحَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ -تعالى- إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
الشرح:
  • قوله: «الإيمان بأن دار المؤمنين ومأواهم الجنة»: وهو ركن تَبَعٌ للإيمان باليوم الآخر من أعمال القلب.
وقوله: (دار) الدار المنزل اعتبارًا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة دارًا، والصِّقع دارًا، والدنيا -كما هي- دارًا، والدار الدنيا، والدار الآخرة، إشارة إلى المَقَرَّينِ في النشأة الأولى، والنشأة الأخرى.
  • قوله: (دار المؤمنين)، أي: مقر المؤمنين في الآخرة.
  • قوله: (ومأواهم): المأوى مصدر أوى يأوى أويا ومأوى، تقول: أوى إلى كذا، انضم إليه، قال ﻷ: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} (الكهف:10) وقال -تعالى-: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ}.
قوله: (الجنة): كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، والجنان سبعٌ؛ جنة الفردوس، وعدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون.
  • قوله: (ودار الكافرين ومأواهم النار) أي: مقر الكافرين في الآخرة النار وبئس المصير.
  • قوله: لقوله -تعالى-: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة، يقول ابن كثير في تفسيره للآية: يقول -تعالى-: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، -وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات-؛ فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة-؛ فهم من أهل الجنة.
  • قوله: «ولحديث ابن عمر في الصحيحين: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله -تعالى- إليه يوم القيامة».
معنى الحديث
يقول العلامة ابن عثيمين في الجنة والنار: «الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين، والنار لغة: معروفة، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين، وهما مخلوفتان الآن لقوله -تعالى- في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133)، وفي النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)، وقد تمَّ الانتهاء منهما؛ لأن الإعداد: التهيئة، ولقوله صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الكسوف: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها» متفق عليه.
قوله: (عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ)
قال المباركفوري: «أَيْ: أُظْهِرَ لَهُ مَكَانُهُ الْخَاصُّ مِن الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «ثم قيل هذا العرض إنما هو على الرُّوحِ وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد، فيرد إليه الروح كما ترد عند المسألة حين يقعده الملكان، ويقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، وكيفما كان فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم، فإن روحه تعذب أو تنعم في أجواف طير سود بشيء من ذلك». وقال أيضًا: «وهذه حالة مختصة بغير الشهداء، وفي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169)، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترجع أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا».
قوله: (إِنْ كَانَ): أَيْ الْمَيِّتُ.
  • قوله: (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ): قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: التَّقْدِيرُ. إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمَقْعَدٌ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ. أَيْ فَالْمَعْرُوضُ الْجَنَّةُ.
  • قوله: (هَذَا) أَيْ: الْمَقْعَدُ الْمَعْرُوضُ عَلَيْك. قوله: (مَقْعَدُك حَتَّى يَبْعَثُك اللَّهُ... إِلَخْ)، قَالَ اِبْنُ التِّينِ مَعْنَاهُ: أَيْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى ابْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ: حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ اِبْنُ عبدالْبَرِّ: وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّهِ، فَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ اِنْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: «ثُمَّ يُقَالُ هَذَا مَقْعَدُك الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ.
حكمة رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- للجنة والنار
وقد ذكر القرطبي فوائد وحكم مترتبة على رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- للجنة والنار وهي:
  • الفائدة الأولى: إن الكفار لما كانوا يستهزئون به ويكذبونه في قوله، ويؤذيه أشد الأذى، أراه الله -تعالى- النار التي أعدها للمستخفين به وبأمره، تطييبًا لقلبه، وتسكينًا لفؤاده.
  • الفائدة الثانية: الإشارة في ذلك إلى أن من طيّب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام، فالأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبابه بالتحية والشفاعة والإكرام.
  • الفائدة الثالثة: ويحتمل أن عرضها عليه ليعلم مِنَّة الله -تعالى- حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته.
  • الفائدة الرابعة: ويحتمل أنَّ عَرْضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي، يقول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- : أمتي أمتي، وذلك حين تسجر جهنم، ولذلك أمر الله ﻷ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقال -جل من قائل-: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ} (التحريم: 8) الآية.
  • الفائدة الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها، فإذا رأواها جزعوا، وكفت ألسنتهم عن الخطيئة والشفاعة من هولها، وشغلتهم أنفسهم عن أممهم، وأما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه، مثل ما فزعوا، ليقدر على الخطبة، وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه -تبارك وتعالى- في القرآن المجيد وثبت في صحيح السنة.
  • الفائدة السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار قد خُلقتا، خلافًا للمعتزلة المنكرين لخلقها، وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله -تعالى-: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133) {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)، والإعداد دليل الخلق والإيجاد.
  • الفائدة السابعة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خِسَّة الدُّنيا في جنب ما أراه، فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر، حتى يؤديه إلى الجنة، فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء، وبؤسًا لنعمة تردي بصاحبها إلى البلاء.
  • الفائدة الثامنة: ويحتمل أن الله -تعالى- أراد ألا يكون لأحد كرامة إلا يكون لمحمد -صلى الله عليه وسلم- مثلها، ولما كان لإدريس -رحمه الله- كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة، أراد الله -تعالى- أن يكون ذلك لصفيه ونجيه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وكرَّم وعظَّم وبجَّل ووقَّر، قال ذلك جميعه الحافظ ابن دحية -رحمه الله -تعالى- في كتاب: (الابتهاج في أحاديث المعراج).
فوائد الإيمان بالجنة والنار
  • خلق الله -تعالى- الجنة والنار وفرغ منهما -جل وعلا-.
  • إثبات عذاب القبر ونعيمه.
  • المؤمن على يقين بما أعده الله -تعالى- لعباده الصالحين، وهذا يجعله يجتهد في عبادته لله -تعالى- وإحسانه فيها.
  • استمرار عذاب القبر لمن يستحقه إلى يوم القيامة، وذلك من خلال رؤية نار جهنم ومكانه منها، وهذا يجعل المؤمن يخاف من عذاب القبر وأسبابه.
  • استمرار نعيم القبر لمن يستحقه إلى يوم القيامة، وذلك من خلال رؤية الجنة ومكانه منها.

اعداد: د. عبدالرحمن الجيران



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الوجه الآخر للطلاق
* أكثر خمسة أخطاء شيوعا في تربية الأطفال
* يوميات أسرة قرآنية في رمضان
* المصطلحات التراثية بين إمكانيات الاستثمار وعوائق الاستعمال
* ظاهرة التقاء الساكنين
* أسماء الكعبة، وأسباب التسميات
* تخريج حديث: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-04-2026, 02:50 PM   #12

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: الْعَاشِرُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ -تعالى-


  • محبّة الله عزوجل تقتضي حُسن الانقياد له تعالى بإيقاع كل حركة على مقتضى تعظيمه وإجلاله والحياء منه وهذا يشمل حركة القلب واللسان والأركان
  • من محبة الله عز وجل اعتقاد أنه سبحانه محمود من كل وجه فلا شيء من صفاته إلا وهو مدح له واعتقاد أنه مُحسن إلى عباده وأنه متفضل عليهم
  • التوبة النصوح هي توثيق بالعزم على ألَّا يعود لمثله قال ابن عباس ]: التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع بالبدن والإضمار على ألَّا يعود
  • الإيمان له حلاوة وطعم يُذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم فالإيمان غذاء القلوب وقوتها كما إن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها
  • التوبة وتكرارها مما يحبه الله تعالى من عباده جميعًا لأنه سبحانه دعاهم إليها جميعًا ورغبهم فيها وحثهم عليها وهي من أسباب محبة الله تعالى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الْعَاشِرُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ -عز وجل- لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة:165)، وَلِحَدِيْثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ -رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الْإِيْمَانِ، أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سُوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُوْدَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُوْقَدَ لَهُ نَارٌ فَيُقْذَفَ فِيْهَا، وَبِهِ أَنْبَأَنَا الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عبدالرَّحْمَنِ السُّلْمِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أبا نَصْر الطُّوسِيّ يقول: سمعت جَعْفَرًا الْخُلدِيَّ يقول: سمعت الْجُنيد يقول: قال رجلٌ لِسَريٍّ السَّقَطِيَّ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَأَنْشْأَ يَقُوْلُ:
مَنْ لَمْ يَبِتْ والْحُب حَشْوُ فُؤَادِهِ
لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُفَتَّتُ الأَكْبَادُ
وَبِهِ أَنْبَأ أبو عبدالرَّحْمَنِ السُّلِمَيّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرِ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْل قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الشِّيرَازِيّ الْوَاعِظ قَالَ: سَمِعْتُ أَبا دُجَانَةَ يَقُوْلُ: كَانت رَابِعَةُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا حَالُ الْحُبِّ تَقُوْلُ:
تَعْصِي الإله وأَنْت تُظْهِرُ حُبَّهُ
هذا مُحَالٌ في الفِعَال بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأطَعْتَهُ
إن المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
الشرح:
  • قوله: (الإيمان بوجوب محبة الله -عز وجل-)، في اللغة نقول: وَجَب الشَّيْءُ يَجِب وُجُوبًا لَزِم، واسْتَوْجَبَه اسْتَحَقَّه، والحُبُّ نَقِيضُ البُغْضِ والحُبُّ الودادُ والمَحَبَّةُ، وهو واجب وقد يقع به الشرك مثل قوله -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: ١٦٥)، وهو من حركة القلب، وتظهر آثارها على الجوارح، فمن أحب الله ظهر أثر ذلك على عمله، ومن أحب غير الله - كحب الأنداد والشركاء- ظهر أثر ذلك على جوارحه أيضًا.
قوله: (قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: ١٦٥)، قال الطبري: يعني -تعالى- ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له، وأن الذين اتخذوا هذه «الأنداد» من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًّا لله من متخذي هذه الأنداد لأندادهم، ذلك لأن محبة هؤلاء باطلة من أصلها، وستنقطع يوم القيامة، وتنقلب إلى عداوة قال -تعالى-: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} (البقرة: 166)، وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} (فاطر: 14)، وقال: {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا} (العنكبوت: 25).
حقيقة محبة الله -عزوجل-
ومما ذكره الحليمي في محبة الله -عزوجل-:
  • اعتقاد أنه -عز اسمه- محمود من كل وجه لا شيء من صفاته إلا وهو مدح له.
  • اعتقاد أنه محسن إلى عباده وأنه متفضل عليهم.
  • الإحسان الواقع منه أكبر وأجل من أن يقضي قول العبد وعمله.
  • ألا يستقل العبد قضاياه، ولا يستكبر تكاليفه.
  • أن يكون في عامة الأوقات مشفقًا وجلًا من إعراضه عنه وسلبه معرفته التي أكرمه بها، وتوحيده الذي حلاه وزينه به.
  • أن تكون آماله معقودة به، وألَّا يرى في حال من الأحوال أنه غني عنه.
هذا بعض ما ذكره الحليمي في محبة الله -عزوجل-، ومحبة الله -عز وجل- تقتضي حسن الانقياد له -تعالى- بإيقاع كل حركة على مقتضى تعظيمه وإجلاله والحياء منه، وهذا يشمل حركة القلب واللسان والأركان.
  • قوله: (ولحديث أنس بن مالك ت في صحيح مسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها»).
المفردات
الحُلْو نقيض المُرّ، والحَلاوَة ضدُّ المَرارة. ولابن رجب كلام نفيس في توضيح معنى حلاوة الإيمان ومتى تكون؟، ومتى لا تكون؟
  • يقول ابن رجب: هذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كمَّلها فقد وجد حلاوة الإيمان وطَعِم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم؛ فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها، كما إن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما إن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة، وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: سمعت أبا عبدالرحمن السُّلَمِيَّ يقول: سَمِعْتُ أبا نَصْر الطُّوسِيّ يقول: سمعت جَعْفَرًا الْخُلدِيَّ يقول: سمعت الْجُنيد يقول: قال رجلٌ لِسَريٍّ السَّقَطِيَّ: كيف أنت فأنشأ يقول:
مَنْ لَمْ يَبِتْ والْحب حَشْوُ فُؤَادِهِ
لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُفَتَّتُ الأَكْبَادُ
أهمية محبة الله
قلت: في هذا البيت من الشعر بيان أهمية محبة الله، وأن من أحب الله على الحقيقة لم يذق مرارة الهوى وانفطار الكبد، وهذا البيت من الشعر والذي يليه ذكرهما الإمام البيهقي بإسناده عن كبار الصوفية، ومعلوم أن بعض الصوفية لهم شطحات كثيرة في العقيدة والعبادة والسلوك، إلا أن النقل عنهم في غير هذه الشطحات لا بأس به، وهذا ما درج عليه علماؤنا. فهذا الشيخ العلامة الألباني-رحمه الله- كثيرًا ما يردد حكمة جاءت من الصوفية -وهي قاعدة أصولية- وهي: من تعجّل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، وهذه الحكمة وإن كان الصوفية يريدون بها حث المريد على أن يصبر مع شيخه ولا يعترض ولا يسأله حتى يحصل على منشور الولاية -وهذا على زعمهم الباطل- إلا إن الألباني -رحمه الله تعالى- يتمثل هذه الحكمة في نصيحة طلاب العلم الشرعي، السائرين على منهاج الكتاب والسنة، ألاّ يتعجلوا بتصدّر المجالس للفتوى؛ بل يصبروا، ويتقوا، ويجتهدوا في التحصيل حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
رد على من يزعم محبة الله -تعالى-
في هذا البيت رد على من يزعم محبة الله -تعالى- وهو قائم على معصية الله -تعالى-، فهذا محال في الفعل الواقع، وفي القياس، أما واقعًا؛ فالمؤمن كامل الإيمان لا يبقى في قلبه ميل لمعصية الله -تعالى-، ومقتضى القياس يقضي بعدم صحة هذه الدعوى، بدليل البيت الثاني، وهو لو كان حبك صادقًا لأطعت الله -تعالى- فيما يأمر ولا نتهيت عما نهاك عنه، إذ إن العرف والعادة تقضي بأن المحب لمن أحب مطيع.
كيف تحصل على محبة الله -عزوجل-؟
هذه طائفة من الخصال والصفات التي يتحصّل بها العبد على محبّة الله -تعالى-، إذا أخلص في هذا وأحسن في العمل، فإن الله -تعالى- لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ومن هذه الصفات:
أولًا: الإحسان
جاء في القرآن العظيم ذكر صفات يحبها الله، ومنها الإحسان: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)، والإحسان: هو التحقق بالعبودية على مشاهدة حضرة الربوبية بنور البصيرة، أي رؤية الحق موصوفًا بصفاته بعين صفته، فهو يراه يقينًا ولا يراه حقيقة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كأنك تراه»، فمن اتصف بهذا الوصف الكريم لا تراه إلا محسنًا في جميع أقواله وأفعاله، وفي الشريعة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك والإحسان وصف عام يشمل جميع وجوه الإحسان، سواء في عبادة العبد لربه ومولاه، أو معاملته مع الخلق، وإذا اتصف العبد بالإحسان، ولازمَ هذا واستمر عليه في حياته حتى أصبح سجية له وطبعًا وأخلص فيه لله -تعالى-، حاز منشور الولاية لله، وهذا خلق لا يقوى عليه إلا الخواص والأصفياء. يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال...، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم، وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملًا، والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضًا، الإحسان في عبادة الله -تعالى-، وهو كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
ثانيًا: التوبة، قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} (البقرة: 222)
التوبة وتكرارها مما يحبه الله -تعالى- من عباده جميعًا؛ لأنه -سبحانه- دعاهم إليها جميعًا، ورغبهم بها، وحثهم عليها، وهي من أسباب محبة الله -تعالى-، وجاء في معنى التوبة أنها: الرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب. والتوبة النصوح: هي توثيق بالعزم على ألَّا يعود لمثله، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على ألَّا يعود. وقيل: التوبة في اللغة: الرجوع عن الذنب، وكذلك التوب، قال الله -تعالى-: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ}. وقيل التوب، جمع توبة. والتوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة، وهي واجبة على الفور عند عامة العلماء، قال ابن كثير: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} أي: من الذنب، وإن تكرر غشْيانه، فمن أراد محبة الله -تعالى-؛ فليجدد توبته، وليحقق أوبته إلى ربه قبل فوات وقتها، ووقتها العام: هو خروج الشمس من مغربها، ووقتها الخاص؛ إذا بلغت الروح الحلقوم.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الوجه الآخر للطلاق
* أكثر خمسة أخطاء شيوعا في تربية الأطفال
* يوميات أسرة قرآنية في رمضان
* المصطلحات التراثية بين إمكانيات الاستثمار وعوائق الاستعمال
* ظاهرة التقاء الساكنين
* أسماء الكعبة، وأسباب التسميات
* تخريج حديث: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
مُخْتصر, الإيمان, شَرْحُ, شُعَب
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحياء من الإيمان ام هُمام ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 19 07-01-2025 04:57 AM
حياة الإيمان عبده نصار ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 1 01-28-2019 07:13 AM
فقد استكمل الإيمان أبو دعاء ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 6 05-14-2013 11:07 PM
الإيمان في القلب آمال ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 6 11-28-2012 11:46 PM
الإيمان يزيد وينقص جندالاسلام ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 2 01-16-2012 10:10 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009