![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
كل مؤسسة وكل تشريع وكل قانون هناك أحكام وجزاءات والأحكام والجزاءات والعقوبات والتعزيرات هي وسائل لأجل الحفاظ على ما هو أكبر، على ما هو أدوم، على ما هو أهم فقضية الإسراف والتوغل في الحديث عن قضية النشوز والهجر في المضجع والضرب وتخصيص عشرات المؤلفات في المكتبة الإسلامية لأجل فقط الرد على تهمة أن الإسلام يشرّع لضرب المرأة والعنف الأسري، لا أراها في حقيقة الأمر لا أراها أبدًا انعكاسًا لواقع صحي في التعامل مع كتاب الله عز وجلّ. ينبغي لنا أن نعيد النظر في أطروحاتنا التي نطرح ينبغي لنا أولًا وقبل كل شيء أن نتخلص فعلًا من عقدة الشعور بأننا نُتهم وأننا علينا أن نقف موقف الدفاع عن الدين وعن القرآن وعن الأحكام، علينا أن نتخلص من هذه العقدة أولًا وإذا لم نتمكن من التخلص منها ذاتيا قبل أيّ شيء سنبقى ندور في تلك الحلقات المفرغة سنبقى نقدم تبريرات ومسوغات لأحكام وآداب وتشريعات جاء القرآن بها ليصلح بها من شأننا ومن حياتنا وإذا أردنا فعلًا أن نرى تفسيرًا عمليًا لهذا القرآن العظيم ما علينا إلا أن ننظر إلى واقع حياة النبي صلى الله عليه وسلم كيف عاش؟ هل ضرب يومًا امرأة؟ هل ضرب يومًا طفلًا أو خادمًا؟ هل شرّع لعنف أُسري فعلًا؟ كيف أصبح المجتمع المدني الذي كان يعيش فيه ويطبّق تعاليم وآيات القرآن العظيم وكان مجتمعًا حديث عهد بجاهلية الناس كانوا فيه لا يزالون مخلفات الجاهلية ورواسب الجاهلية وتفكير الجاهلية كان يفترض أن يكون له أثر ولكن جاء القرآن العظيم فعالج كل هذا الواقع. يا ترى لو استطعنا فعلًا أن ننظر وأن نقلب في الحوادث والأشياء التي كانت تحدث من خلال المرويات والآثار عن نِسَب العنف الأسري في ذلك المجتمع كم كانت ستكون النسبة؟ ودعونا نقارن بين تلك النسبة وبين النسب ليس في مجتمعاتنا بل النسب في المجتمعات الغربية على سبيل المثال التي يفترض فيها أن تكون تكلمت على قضية العنف وأنهت الموضوع وليس هناك أي إشكالية تتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة على الأقل من الجانب النظري. إذن المسألة ليست مسألة الآيات المسألة ليست مسألة الآداب والأحكام التي يدعي البعض أنها قد شرّعت لعنف أسري، على العكس تمامًا، الواقع الإنساني الذي لم يستطع أن يتمثل آداب وأحكام التشريع، الذي لم يستطع أن يطبّق تلك الأحكام كما ينبغي أن تُفهم من حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يمثل النموذج التطبيقي لآيات هذا الكتاب العظيم. القرآن في هذه الآيات العظيمة يعالج قضية العنف الأسري في واقع الأمر، تأملوا معي في قوله عز وجلّ (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) ثم بعد هذه الآية (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ) التي بدأت تؤسس لوصاية اجتماعية، إقامة نظام اجتماعي نظام علاقات اجتماعية قائمة على تطبيق التوحيد وعلاقة الإنسان بربه في واقع الحياة من خلال إحسان تعامله مع الآخرين فبدأ بقضية الزوجة أولًا في داخل الأسرة ثم انتقل من الأسرة، البيت إلى البيت الأكبر، المجتمع، الأسرة الأكبر المجتمع أسرة ولكني إذا لم أُحسن التعامل داخل أسرتي الصغيرة مع الزوجة ومع الأولاد كيف لي أن أحسن مع الأسرة الأكبر المجتمع أو المؤسسة؟! هكذا سورة النساء هكذا تقرر وتصنع السلام وتعالج ظاهرة العنف والنزاع والشقاق وتعلم الإنسان، الرجل والمرأة، الزوج والزوجة كيف يمكن أن يديروا الصراع أو النزاع أو النشوز وما شابه، ولماذا جاء بها؟ جاء بها كما ذكرت تعاليم القرآن ليست تعاليم مثالية القرآن حين يعالج الواقع الإنساني لأنه من الله سبحانه وتعالى العليم الخبير الحكيم العايم البصير بعباده يعالج واقعًا معاشًا والواقع المُعاش أنت تجد فيه كل شيء وتجد فيه كل أصناف البشر تجد فيه الإنسان الذي يميل بطبعه إلى سرعة الغضب، تجد فيه الإنسان الذي يميل بطبعه إلى الهدوء والتسامح والتعامل باللين والرفق تجد فيه أشكال متنوعة بطبائع مختلفة رجالا ونساء إذا أردت أن تتعامل معه بواقعية وليس بمثالية عليك أن تحيط به علمًا ومن ذا الذي يحيط به علمًا كما يحيط به الرب الذي خلق سبحانه وتعالى؟! خلق الطبائع خلق النفوس وهو أعلم وأدرى بها فحين شرّع ووضع هذه التعاليم شرّعها لأجل أن يستمر الاستقرار الأسري لأن الاستقرار الأسري مطلب من المطالب التي جاءت بها سورة النساء وعملت على تحقيقها من خلال تشريعات الآيات والأحكام والآداب، استقرار الأسرة بقطع النظر عن طبيعة الأزواج والزوجات تلك الطبيعة التي قد تختلف من إنسان لآخر من أسرة لأسرة من امرأة لأخرى من رجل لآخر، هذه الطبائع المختلفة كان لا بد لها أن تقدّم لها علاجات وتعاملات مختلفة بحسب الحالة التي تتعامل بها ونحن كلنا نعلم أن طبيب الجسم وهو طبيب لا يتعامل مع الأمراض حتى لو تشابهت في أعراضها بشكل واحد ولا يصف لمرضاه دواء واحدًا وإنما يأخذ كل حالة من الحالات إذا كان حاذقًا وناجحًا في عمله يأخذها على حدة ينظر فيها حتى لو كان هناك متشابهات فيما بينها، فهو يحاول أن ينظر إلى جانب الفروقات، هذه في الحالات الفيسيولوجية فما بالنا حين ننظر إلى حالات النفسية، حالات علاقات أسرية وعلاقات اجتماعية، القرآن في هذه الآية العظيمة أراد للخلافات الزوجية أن تبقى منحصرة في إطار البيت والحجرة ولا تجاوزها إلى خارج الحجرة الحجرة الخاصة بالزوجين أراد لتلك العلاقات أن تقتصر على جانب الزوج والزوجة لا تخرج خارجها لأن هناك عدد من المشاكل إذا خرج خارج هذا النطاق يتفاقم، لا ينقص لا يعالج وإنما يتفاقم. الصراعات والنزاعات إذا أردنا أن نتعلم كيف نقوم بحلّها ومعالجتها علينا أولًا أن نفهم طبيعة النزاعات والصراعات، الصراعات تحتلف والنزاعات تختلف والخلافات تختلف في درجاتها وفي طبيعتها وفي أسبابها وفي العوامل الباعثة إليها تماما كالخلايا المختلفة. لا أدري لماذا اعتدت أن أسوق أمثلة تتعلق بالجانب الطبي ولكن يحضرني الآن وأنا أتكلم حول هذه القضية الخلايا السرطانية نسأل الله أن يشفي كل مريض وأن يشافي كل المرضى من كل داء ومن كل بلاء وأن يرزقنا جميعًا العفو والعافية، الخلايا السرطانية الطبيب حين يقوم بمعالجتها حتى بعد الاستئصال يلجأ إلى العلاج الكيماوي ليحاصر وليتأكد تمامًا أن تلك الخلايا لن تذهب إلى مكان آخر في الجسد فتهاجمه وتبدأ بعملية التكاثر يحاول أن يحجّم منها قدر ما يستطيع حتى لا تنتشر. نحن نتكلم عن خلافات ونزاعات أسرية القرآن بهذه الآية العظيمة أراد أن يحجّم يحاصر تلك النزاعات التي وقعت بين الزوجين ما أراد لها أن تخرد خارج هذا النطاق لأن هناك أسرار وقضايا في العلاقات بين الزوجين إن خرجت تفاقمت إن خرجت يمكن أن تصل في بعض الأحيان إلى حد الفضائح والقرآن لا يريد لا للرجل ولا للمرأة أن يحدث ما يمسّ أو يمت بأي نوع من الإهانة لكرامة أي واحد منهما لأن الأصل في العلاقة الزوجية المحافظة على الكرامة كل واحد منهم كما أوضحت الآيات (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) هذه الآيات تؤسس الكرامة بين الزوجين وحرص كل واحد منهما على كرامة صاحبه لتحقق مطالب الأسرة التي يبنيها القرآن والأسرة التي يصون كرامة كل فرد من أفرادها، الإنسان حين يهان يهان أمام نفسه وأمام الطرف الآخر الزوج أو الأبناء في محيط الأسرة يصبح أكثر هوانًا على نفسه، أراد القرآن أن يصنع إنسانًا كريمًا على نفسه كريمًا في أسرته كريمًا على زوجه كريمًا ويشعر بتلك الكرامة لأن الإنسان الذي يشعر بتلك الكرامة هو الأقدر على الحفاظ على كرامته وكرامة الآخرين والإنسان مخلوق مكرّم في كتاب الله عز وجلّ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ)[الإسراء: 70] وخلقه في أحسن تقويم كيف يمكن أن يحافظ على تلك الكرامة الإنسانية إذا كانت الأسرار والأحداث الزوجية التي تقع أثناء الخلافات تخرج خارج نطاق الزوجين، في بعض مجتمعاتنا كل شيء يحدث بين الزوجين يُنشَر، النتيجة ليس فقط خلافات وإنما نسب مرتفعة في الطلاق!!. إذن متى يعلمني القرآن أن أخرج بالمشكلة خارج الإطار؟ إذا فقط أردت أن أجد حلًا ولم يتمكن الزوجان من الوصول إلى ذلك الحل فى الداخل عندها فقط يكمن أن يستعان بأطراف أخرى ولا بد لتلك الأطراف أن يكون للزوجين فيها حكمة ونظر بأن فعلًا يكون التحري عمن يريد الإصلاح وليس عمن يريد النزاع أو يريد الشقاق أو يريد الخلاف أو يريد تهديد الحياة الأسرية. هكذا سورة النساء تبني الاستقرار الأسري على أرض صلبة على أساس متين أساس واقعي يتعامل مع مشاكل الناس بواقعية. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) قد يقول قائل ما وجه التناسب بين الحديث عن آيات تتكلم عن الأسرة والنزاعات بين الزوجين ثم بعد ذلك: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا؟ القرآن يعلّمنا أن العبادة واحدة وإن تعددت أشكالها أو صورها. بمعنى آخر الإصلاح بين الزوجين عبادة أيّما عبادة وكذلك السعي في الإصلاح بين الناس، صبر المرأة على الزوج وصبر الزوج على المرأة عبادة، إرادة حل الخلافات والنزاعات عبادة وكذلك العبادة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجلّ في علاقته معه صلاة أو زكاة أو صيامًا أو ما شابه بمعنى آخر أن المؤمن يتعبد ويتقرب إلى الله عز وجلّ بإحسان علاقاته مع الآخرين وأولًا في محيط الأسرة (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). في هذه الآية العظيمة القرآن يعلمني كيف أن مفهوم التوحيد مفهوم عملي وليس مفهومًا تنطيريًا، مفهوم ومقتضى كلمة لا إله إلا الله وعدم الشرك بالله سبحانه وتعالى وله، أن يراعي في تعامله الرقي الذي يليق بعلاقته مع الله عز وجلّ فكلما ارتقى المؤمن فى تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن الشرك يقتضي من الإنسان المؤمن أن يكون راقيًا في علاقته مع ربه عز وجلّ انعكس ذلك إيجابًا على علاقته مع الآخرين وخاصة الأسرة والمحيط الداخلي الذي يعكس صدق تلك العلاقة مع الله عز وجلّ ولذلك تسقط كل تلك الأوهام التي يروج لها البعض: فلان يذهب إلى الصلاة إلى المسجد كذا مرة ولكنه يضرب زوجته ويفعل كذا ويتكلم يكلمات نابية ووو، الدين براء من هذا كله، الدين لا يمكن أن نوجه له اللوم ولكن فهم بعض الأشخاص للدين وللتوحيد وللعلاقة مع الله عز وجلّ هو الذي ينبغي أن يوجه إليه اللوم، الفهم حدثت فيه أخطاء فادحة ولكن الدين الذي هو من عند الله عز وجلّ يأمرني بهذا (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) في لُبّ وفي وسط كل تلك التعاليم والأحكام التشريعية الخاصة بالأسرة وبتنظيم العلاقة والزواج والمال والأعراض يأتي الحديث عن عبادة الله وتوحيده لأنها لا تنفصل لأن العبادة والتوحيد والعلاقة مع الله هي الشيء الأساسي التي تدور حوله كل تلك العلاقات، إن صحت علاقتك به فلا بد أن تنعكس تلك الصحة على علاقتك بالآخرين وإن كان ثمة مرض وخلل في علاقة الإنسان بربه عز وجلّ فقطعًا سينعكس ذلك المرض على علاقاته بالآخرين. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) التذكير بعبادة الله عز وجلّ في خضم الحديث عن العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية، إحسان العلاقة في محيط الأسرة، إحسان العلاقة مع الوالدين، إحسان العلاقة مع الأقارب والجيران والزملاء في محيط العمل والحلقات الأخرى في المجتمع (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أبدًا لا تخرج عن عبادة الله سبحانه والتوحيد. العلاقات الاجتماعية سلسلة من سلسلات العلاقات والعبادات التي يتقرب بها المؤمن لخالقه عز وجلّ، بمعنى آخر العبادة التي تبنيها سورة النساء ليست عبادة محصورة فقط في الصلاة كما سيأتي ذكرها أو في الزكاة أو الصدقات أو ما شابه وإنما هي سلسلة من الروابط والعلاقات الاجتماعية. علاقاتنا بالآخرين نوع من أنواع العبادة والتقرب لله محكومة بإطار التوحيد فكلما ازداد الإنسان تقرّبا وتوحيدًا لخالقه ازداد إحسانًا واتقانًا في مجال العلاقات والروابط الاجتماعية والأسرية هكذا يربينا القرآن. الروابط الاجتماعية لا تقام إلا على عين التوحيد فكلما ازداد الإنسان توحيدًا لخالقه، مراقبة لخالقه استشعارًا بأن الله سبحانه وتعالى رقيب عليه رقيب على ضميره، رقيب في اتقانه لمديات تلك العلاقات الاجتماعية ازداد إحسانًا، انعكس ذلك إحسانًا واتقانًا في مجالات العلاقات الاجتماعية. ولذلك ربي عز وجلّ في هذه الآية العظيمة (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) جاء بلفظ الإحسان والإحسان أعلى مستويات الاتقان ليس فقط في العلاقات الاجتماعية وإنما حتى في محيط العمل ولذلك القرآن يحفل كثيرا بفضيلة الإحسان ويجعل الإحسان أعلى مرتبة من مراتب التقرّب لله سبحانه. ولربما حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين عرّف الإحسان فقال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". أعظم مؤشر على مجالات الإحسان في العلاقات العلاقات الاجتماعية التي جاءت بذكرها الآية. ثم اللافت للنظر أن الله سبحانه وتعالى ختم هذه الآية التي حوت كل العلاقات الاجتماعية: الإحسان في التعامل مع الوالدين قولًا وفعلا حياة وموتًا الإحسان للوالدين والبر بهما لا يتوقف عند حياتهما فقط بل يمتد إلى ما بعد الوفاة ليجعل الإنسان المؤمن في قمة الوفاء ولا يتوقف الوفاء عند حياة الوالدين بل يمتد لما بعد الوفاة بعد الموت حين يكونان الوالدن فعًلا أشد ما يكونان حاجة إلى ذلك البر والوفاء. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) اختار القرآن أعظم وأخطر الصفات الإنسانية التي تنتشرحين يصبح الناس في جاهلية: الاختيال والبخل والأمر بالبخل والرياء والتعالي على الناس، قوّض تلك الصفات قوّض تلك الممارسات التي كانت منتشرة في المجتمع الجاهلي آنذاك تعالي الإنسان على أخيه الإنسان وتغافله ونسيانه بأنه إنسان يشترك معه في الإنسانية، قوّضها القرآن بالتوحيد بالإيمان بالله سبحانه تأملوا القرآن يعطينا بُعدًا آخر لمفهوم القوة بُعدًا لم يعرفه أبدًا المجتمع الجاهلي، القوة الحقيقية التي يأتي بها القرآن هنا قوة الإحسان القوة المبنية على فضيلة الإنسان يصبح الإنسان أقوى في المفهوم القرآني حين يكون أقوى إحسانًا أكثر إحسانًا، يده تمتد بالإحسان لمن عرف ولمن لم يعرف، مفهوم جديد للقوة يخالف كل المفاهيم الجاهلية حتى الجاهلية التي نعرفها في عصرنا وفي زماننا التي طغت على المجتمعات المادية القرآن يقدم مفهومًا آخر للقوة قوة الإحسان، قوة العطاء، وينهي بذلك كل العلاقات المبنية على الاختيال والتفاخر الذي لا يليق بالإنسان المؤمن، الإنسان الذي يصوغه التوحيد لا يمكن أن يكون إنسانًا فخورًا أو متعاليًا على الآخرين مغترًا بما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه النعم: المال، الجاه، المكانة الاجتماعية ما هي إلا وسائل يفترض أن تقرّب الإنسان المؤمن لخالقه عز وجلّ إذا أردت محبة الله فعليك أن تتخلص من ذلك الداء النفسي الكامن في النفس التي تنظر إلى الآخرين بإزدراء أو باحتقار بسببب قلة مال أو جاه أو عنصرية مبنية على لون أو عرق أو ما شابه. ومما لا شك فيه أن هذه الصفات النفسية التي تأتينا الآن الدراسات الحديثة وتبين أن داء التكبر أو التعالي أو التفاخر يأتي من عقدة يشعر بها الإنسان بالنقص فيحاول أن يغطيها من خلال التفاخر أو التعالي أو الاغترار أو التظاهر على الآخرين. |
|
|
|
|
|
|
#8 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
ثم إن القرآن العظيم في سورة النساء يربط بعد ذلك فيأتي على صفة أخرى ذميمة وممارسة سلوكية خطيرة كفيلة بأن تهدم كل العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية: البخل، التقتير، المنع، الحرص الذي هو نابع من قبل الإنسان بناء على شعوره بأن ما وهبه الله من نعم أو مال أو ما شابه هو ملك له، صرف، لا ينبغي للآخرين أن يشاركوه فيها فيأتي القرآن في سورة النساء على ممارسة وصفة نفسية لا تقل خطورة عن قضية الاختيال والفخر . لو أخذنا على سبيل المثال الجانب المادي: المرأة تعمل والرجل يعمل ولأن المرأة تعمل والرجل يعمل في كثير من الأحيان فالرجل ينظر إلى ما تنفقه المرأة والمرأة تنظر إلى ما ينفقه الرجل: أعطيتَ وأعطيتِ، أخذتَ وأخذتِ، وامتد بنا الأمر حتى إلى الحد الذي وصلنا فيه إلى حساب الكلمات والتعبير عن المشاعر، أصبحنا نحاسب بعضنا البعض على الكمّ في الكلمات وفي الجمل وفي المجاملات وفي العلاقات الإنسانية، أنت ابتسمت، فلان ابتسم وفلان لم يبتسم أو لم يسلّم، أو، أو.... لو بحثنا فعلا في جذور هذه الأمور اليومية التي باتت تحدث في محيط الأسرة أو في الزمالة في العمل أو في المجتمع لوجدنا أن واحدًا من أهم الدوافع لهذه الممارسات البخل لأن البخل لا ينحصر فقط في قضية المال البخل يصل بالإنسان إلى البخل بكل أشكاله وصوره، البخل حتى في التعبير عن المشاعر الإنسانية، البخل حتى في التبسم البخل حتى في العواطف في التعبير عنها والمواساة والمشاركة الوجدانية. منع العطاء بكل صوره وأشكاله وهذا ما لا يريده القرآن لأن أجواء البخل تحطّم العلاقات الاجتماعية والعلاقات الأسرية، إذا أردنا لعلاقاتنا الزوجبة وعلاقاتنا الأسرية وعلاقتنا المجتمعة أن تصح وأن تستقر وتهدأ وننعم جميعا بالسعادة في ظلها بحاجة إلى كم هائل من العطاء. وقبل الكمّ علينا أن نتفكر في القيمة التي تدفعنا إلى العطاء، نحتاج إلى نفوس معطاءة، نحتاج إلى نفوس تدرك أن العطاء لا يمكن أن يعود علينا بالنقص أو الائلاف بل على العكس تمامًا كلما ازددت عطاء كلما ازددت إحسانًا زادك الله سبحانه وتعالى قوة ومنعة ورزقًا حلالًا طيبًا حسنًا ورفعة في كل شيء، هكذا يعلمنا القرآن. وربما قائل يقول الآية لتي نزلت (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: 37] آية نزلت كما ذكرت كثير من كتب التفسير في اليهود ولكننا تعلمنا من تدبر كتاب الله عز وجلّ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وسياق الآيات ومقاصد الآيات الي نتحدث عنها في الكلام عن التدبر يعلمنا أن النهي الذي جاء في السياق عن البخل لما لهذا المرض النفسي الاجتماعي من أثر خطير في هدم العلاقات الأسرية والاجتماعية وأنا لا أرى أن مشاكلنا الأسرية زوجية كانت أو على الأسرة أو على المجتمع بأسره لا أراها تُحل في أروقة المحاكم وإنما أراها تحل في أروقة النفوس المفعمة بالإيمان والتوحيد. نحن لا نحتاج لمزيد من القوانين والتشريعات، كل التشريعات هنا في هذا الكتاب العظيم، نحن لا نحتاج إلى مزيد من التشريعات الدولية التي نستوردها من هنا ومن هناك لكي نحل بها الإشكاليات التي تقابلنا في محيط الأسرة أو العمل أو المجتمع بقدر ما نحن بحاجة إلى تصحيح العلاقة مع الله عز وجلّ ذاك التصحيح الذي سينعكس إيجابًا على علاقاتنا الأسرية والاجتماعية بكل تأكيد. |
|
|
|
|
|
|
#9 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
داء الرياء داء خطيرا جدا داء كفيلا كذلك بهدم العلاقات الاجتماعية، داء عرفته الجاهلية ولا تزال الجاهليات المعاصرة تعرفه، داء الرياء الرياء يعطي صورة وشكل العمل الصالح الخيّر ولكن هذا الشكل القرآن العظيم جاء ليعلمنا أن العمل الخيّر لا يقف فقط عند الشكل والصورة، العمل الخيّر الذي فعلا أراد القرآن أن تؤتى ثماره هو عمل يحفل بالمضمون وبالظاهر ولذلك كان لا بد من الاهتمام بباطن العمل، بداخل العمل. يقول الله عز وجلّ (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ) الآية بدأت بقوله عز وجلّ (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) في إطار العلاقات الزوجية والأسرية والمجتمعية الفرد يحتاج إلى الإنفاق إنفاق المال لا يمكن أبدًا أن تصحح العلاقات بدون قدر من الإنفاق، إنفاق مادي حقيقي، إنفاق للمال. لذلك لو نظرنا وتأملنا في كثير من المبادئ والتعاليم النبوية لوجدنا إنفاق المال عنصر مهم جدًا فيها: الهدية، الإحسان إلى الجيران، الإحسان إلى الأقارب، الإنفاق، الصدقات، إنفاق مال. ولكن القرآن لا يريد مني إنفاقًا صوريًا فقط في الشكل، خاوي، فارغ لا تصاحبه سلسلة من العلاقات الإيمانية المنبثقة من التوحيد، لا تصاحبه سلسلة من المشاعر الإنسانية. وتدبروا لو ربطنا بين قضية الإنفاق الشكلي وما قاله الله عز وجلّ في سورة البقرة (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) [البقرة: 263] لدينا صورتان متقابلتان: صدقة حقيقية بالمال، إنفاق ويقابلها قول معروف ومغفرة، مشاعر إنسانية، سلوكيات وعلاقات إنسانية، يا ترى أيهما أجدى نفعا للطرف الآخر حتى لو كان ذلك الطرف الفقير أو المسكين أو المحتاج؟؟ المسكين أو المحتاج؟ أيهما أنفع؟ أيهما أجدى؟ أيهما أقرب إلى مقاصد القرآن وقيم التوحيد؟ الصدقة والإنفاق بالمال، الجانب المادي أو الجانب الإنساني؟ قطعًا الجانب الإنساني ولذلك قال تعالى في سورة البقرة (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى). وهنا في هذه السورة وفي الآية العظيمة (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) القرآن يريد منا الإحسان ويطلب منا الإنفاق بالمال ولكن ما يطلبه ليس إنفاقًا صوريًا شكليًا يريد منا إنفاقا حقيقيًا إنفاقا في المشاعر الإنسانية عطاء تجود به النفس البشرية الإنسانية التي صاغها التوحيد وليس عطاءً شكليًا فما قيمة أن يعطي وينفق الإنسان ولو حتى الآلآف والملايين من الدنانير والدراهم ولكن في نفس الوقت لا تصاحب ذلك الإنفاق مشاعر إنسانية عطاء، جود، حُبّ، إحسان، مشاعر؟! الرجل على سبيل المثال ملزم بالإنفاق وسورة النساء وردت فيها العديد من الآيات قبل وبعد على قضية النفقة لكن أي نوع من النفقة؟ هل فقط النفقة المادية غير المصحوبة بالعطاء الإنساني والمشاعر الجياشة التي أراد القرآن أن يبنيها؟ أبدًا. النفقة في القرآن ليست نفقة مادية فحسب فالزوج حين ينفق على زوجته وأسرته وأبنائه المطلوب منه ألا يتوقف فقط عند الإنفاق المادي من مطعم ومشرب ومسكن وملبس وما شابه، المسألة ليست مادية لا بد أن يصاحبها عطاء نفسيا وجودا وسخاء في المشاعر والعواطف، هذا ما صنعته هذه الآيات العظيمة في النفس وكيف يصنع ذلك من قلب لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ينتظر العطاء من الآخرين؟! ولذلك الآية هدمت صفة الرياء القبيحة لأن الإنسان المرائي حين يعطي يعطي وهو ينتظر المقابل من الآخرين مدحا، ثناء، والقرآن العظيم يريد من الإنسان المؤمن أن يعطي ولكنه حين يعطي لا ينتظر المقابل أو الأجر من الآخرين، ينتظره من الرب الذي يؤمن به ولمنهجه ولتوحيده يخضع في حياته، نوع من أنواع التحرير للإنسان. ولذلك قلنا سابقا أن التوحيد جاء ليحرر الإنسان ليس فقط من عبادة الأحجار والأصنام ولكن كذلك من الخضوع للبشر وما يعطونه وما لا يعطون، الإنسان حين يتحرر من هذه الإشكالية يعطي بسخاء وهو بالضبط ما نحتاج إليه في عالمنا المعاصر |
|
|
|
|
|
|
#10 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
عش حياتك على مبدأ :كـن مُحسناً حتى وإن لم تلق إحساناً، ليس لأجلهم بل لأن الله يحب المُحسنين كثير من الأزواج وكثير من الأفراد في محيط العلاقات الاجتماعية حتى بين الأقارب المشكلة الخطيرة في تلك العلاقات أنها أصبحت تقام على أساس المعاملة بالمثل: أعطاني أعطيه، سلّم عليّ أسلم عليه، وصلني أصله، منعني أمنعه والقرآن لا يريد هذا النوع من التعامل! يريد القرآن أن تقام العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية على محبة غير مشروطة عطاء غير مشروط بتعامل الطرف الآخر وهذا هو الإحسان. هناك شيء يسمى التعامل بالمثل أعطاني سأعطيه لكن هذا التعامل بالمثل إذا طبق في مجال العلاقات الزوجية والعلاقات المجتمعية يمكن أن يصل بها إلى مرحلة لا تستقيم بها تلك العلاقات، لا تدوم!. إذا منع على سبيل المثال القريب عن قريبه الفضل أو الإحسان أو السلام أو الزيارة أو التواصل الاجتماعي إذا قوبل المنع بمنع مثله السؤال إلى أين سنصل؟ لن نصل إلى أقل من القطيعة أبدًا بكل الأحوال هذا ما يحدث للأسف اليوم في كثير من المجتمعات. إذن القرآن يريد أن يرتقي بالنفوس المؤمنة إلى درجة أرقى، مستوى أعلى، هذا المستوى الأعلى لا يمكن أن يتحقق إلا بالإحسان والعطاء غير المشروط، العطائ الذي لا ينتظر المقابل من البشر بل ينتظر من رب البشر. وتدبروا هذه الآية (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ) تأملوا لو أننا طبقنا هذه الآية في محيط التعامل الذي تكلمنا عنه وماذا عليك لو آمنت بالله وأنفقت وأعطيت دون أن نتنظر المقابل من البشر؟ ماذا على الزوج أو الزوجة لو أنهم آمنوا أن الله سبحانه هو المعطي هو الرزاق وأنفقوا برًا وخيرا وإحسانا عطاء ماديا ومعنويا ماذا عليهم؟ ما الذي سيخسر الإنسان؟ ماذا ستخسر حين تعطي دون أن تنتظر المقابل من البشر، ماذا ستخسر حين تسلم حتى لو لم يرد عليك الآخرين التحية والسلام؟ ماذا عليك لو أنك وصلتهم حتى لو قطعوا ومنعوا؟ ماذا ستخسر؟ هل أنت بالفعل ستخسر أم ستربح؟ وتدبروا نهاية الآية (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) عليمًا بما تعطي عليمًا بما سيقابل ذلك العطاء، عليمًا بنفسيات الآخرين إن منعوا عنك العطاء وإن قابلوا إحسانك بالإساءة إن قابلوا عطاءك بالمنع. وتأملوا التناسب بين الآيات في السورة، الآية التي تليها (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) تدبروا كيف يعالج القرآن العظيم الشح في النفوس كيف يُطلق ويحرر تلك النفوس من جانب الشح والبخل إلى فضاء العطاء الواسع (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) يجعل التعامل الأسري والاجتماعي ليس تعامل علاقات بين فرد وفرد بين إنسان وآخر وإنما علاقات مبنية على تعامل بين إنسان وبين خالق سبحانه وتعالىليحرر الإنسان من النظر إلى جزاء الآخرين أو انتظار الجزاء من الآخرين ويجعل الإنسان المؤمن لا ينتظر الجزاء إلا من الخالق سبحانه الذي لا يضيع ولو كان مثقال ذرة (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) الإحسان لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى وإن ضاع عند الخلق وإن ضاع عند الناس وإن ضاع في محيط الأسرة وفي محيط الأقارب |
|
|
|
|
|
|
#11 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
الصلاة في سورة النساء ذُكرت أكثر من مرة وفي أكثر من موضع، صلاة في السفر والإقامة، صلاة في الخوف وفي الأمن، صلاة في الحرب وفي السلم، كل هذا الوقوف الطويل في آيات سورة النساء عند الصلاة يدل على قيمة هذه العبادة العظيمة، أهمية هذه العبادة العظيمة في إرساء قيمة العدل والحرية والأمانة والمساواة وتجديد العهد الذي هو التوحيد بين العبد وربه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) وكانت الخمر في ذلك الوقت الذي نزلت فيه الآية لم تُحرّم بعد والناس كانوا قد اعتداوا على الخمر، ألفوها، أصبحت الخمر جزءًأ لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والأُسرية والمجتمعية بشكل عام في ذلك العصر ولذلك القرآن عالجها بحكمة وتدرج لكن الذي يلفت النظر فعلًا أن الحديث عن أشكال الطهارة قبل الوقوف أمام الله سبحانه وتعالى في الصلاة واضح في هذه الآيات حدثتنا أولًا عن تطهير النفس من التباهي والعالي والتفاخر على الآخرين والبخل والشح والرياء ثم انتقلت بعد ذلك إلى طهارة العقل فجاء النهي عن الخمر فقال (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) الخمر تدنس العقل، العقل الذي هو محط التكليف، محط تشريف الإنسان، فالله سبحانه انتقل من طهارة النفوس من تلك الأمراض إلى طهارة العقل من الخمر ثم إلى طهارة الجسد أو البدن عن طريق الصلاة والتيمم والطهارة والوضوء. ثم بعد ذلك الحديث عن طهارة البدن. قيمة الصلاة، الصلاة من أعظم العبادات التي ينبغي للمؤمن أن يتحرى فيها تلك الأشكال من الطهارات لا يمكن لعلاقات زوجية أو أُسرية أو اجتماعية أو العلاقات الاقتصادية والسياسية التي ستحدثني عنها سورة النساء لا يمكن أبدًا أن تستقر من دون وجود فضيلة الإحسان، وفضيلة الإحسان لا تُبنى إلا على نفوس طاهرة وعقول نظيفة واعية مدركة لعظمة الأمانة التي حمّلت إياها من قبل الله سبحانه وتعالى. وختمت الآية بقول الله عز وجلّ (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) مساحة العفو والمغفرة لأننا ونحن نحاول ونبذل كل ما نستطيع لأجل أن نطهر نفوسنا وعقولنا وأبداننا بالشكل اللائق بالله سبحانه وتعالى. ونحن في كل هذه الرحلة إنما هي محاولات جهود بشرية لا يمكن في كثير من الأحيان إلا أن يعلو فيها جوانب الخطأ والنسيان والتقصير والزلل فكان الحديث عن العفو والمغفرة مناسب تمامًا لتلك المعاني العظيمة. |
|
|
|
|
|
|
#12 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ )
ثم بعد ذلك (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) والآية بطبيعة الحال وهي تكلمنا هنا عن أهل الكتاب وعن بني إسرائيل اليهود لا تخرج أبدًا عن سياق العدل في الحديث عن الآخرين وهو أدب قرآني بامتياز واضح قال الله سبحانه وتعالى (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) ليس كل الذين هادوا واليهود يحرفون الكلم عن مواضعه (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) وربما خصّت كثير من الايات سواء آيات سورة النساء وسور أخرى فئة العلماء أحبار اليهود هؤلاء العلماء الذين حُمّلوا أمانة نقل العلم وتأديته لأمتهم وأهلهم ومجتمعهم لكنهم كانوا في ذات الوقت كانوا يتميزون بمنهج التحريف، التحريف الذي ذكرته الآيات هنا تحريف الكلم عن مواضعه، تحريف بالكلمات. ولذلك هناك آيات أخرى في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن حدثتنا عن أشكال وأصناف من تحريف أهل الكتاب (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ البقرة) شكل من أشكال التحريف. ولماذا الحديث عن التحريف في المنهج والله سبحانه وتعالى سيعطيني بعد قليل آيات ستحدثني عن الأمانة؟! تنبيه لنا جميعًا، نحن حُمّلنا أمانة أمانة هذا الكتاب العظيم علينا أن نحسن أداء تلك الأمانة بدون تحريف ولكن التحريف ربي سبحانه وتعالى تكفل بأن يحفظ هذا القرآن من أيّ تحريف فهو الذي نزّل الذكر وهو الذي تكفّل بحفظه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر)). إذن فلماذا ربي سبحانه وتعالى يؤكد هذه المعاني ويحذّر من الوقوع فيما وقع فيه علماء بني إسرائيل؟! التحريف ليس شكلًا واحدًا، صحيح التحريف الذي وقع هنا والذي جاء سياق الحديث عنه كان تحريف كلمات، تحريف الكلم عن مواضعه كان كتمانًا للحق وخاصة بما يتعلق بمواضع نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ربي يحذرنا من شكل آخر من أشكال التحريف، شكل أن تأتي أفعالي وسلوكي وأخلاقياتي وتعاملاتي اليومية مناقضة لما في كتاب الله عز وجلّ، هذا تحريف! ![]() بمعنى آخر: أن يقول لي المنهج شيء ولكني أفعل شيئًا آخر ولذلك ربي سبحانه وتعالى عاتب عباده المؤمنين فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصفّ)) من أعظم قواعد التدبر أن نتعلم كيف نربط بين الآيات ولو كانت في مواضع مختلفة في كتاب الله، فكتاب الله عز وجلّ يفسر فيه الآية بآية أخرى في موضع آخر وعلى المتدبر أن يدرك تلك المعاني العظيمة ولذلك حذرنا من هذا المسلك في التعامل مع المنهج، مع الكتاب فقال عن أهل الكتاب (وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) المناسبة واضحة، سياق تحذير ولذلك ربي عز وجلّ في خواتيم سورة البقرة قال عن المؤمنين (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). إذن هناك أشكال للتعامل مع المنهج، هناك شكل كالشكل الذي وقع هنا في بني إسرائيل (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وهذه هي العاقب والنتيجة جاءت في الآيات، وهناك شكل آخر ينبغي أن نقوم به وهو الذي ينبغي أن تقوم به أمة القرآن (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ولكن والذي سنأتي عليه بعد قليل في آيات في موضعها في سورة النساء السمع والطاعة ليس عملية ادّعاء، السمع والطاعة ليست كلمات تقال باللسان، السمع والطاعة اتباع وسير على المنهج الذي جاء به هذا الكتاب العظيم وطبقه نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم في حياته وتعاملاته وسلوكياته المختلفة. الطاعة لما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى وإلا فالعاقبة أوضحتها هذه الآيات العظيمة (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) عاقبة واضحة!. |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| (مرض الحقد)رقية العلوانى | امانى يسرى محمد | ملتقى فيض القلم | 2 | 10-25-2025 10:06 PM |
| ( الدعاء بظهر الغيب)رقية العلواني | امانى يسرى محمد | ملتقى فيض القلم | 3 | 10-09-2025 04:56 PM |
| سورة آل عمران (تدبر د/ رقية العلواني) | امانى يسرى محمد | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 8 | 09-15-2025 06:33 PM |
| ( موانع إجابة الدعاء )رقية العلواني | امانى يسرى محمد | ملتقى فيض القلم | 1 | 09-14-2025 07:43 PM |
| ( التغير للأفضل )رقية العلواني | امانى يسرى محمد | ملتقى فيض القلم | 1 | 09-13-2025 04:39 PM |
|
|