![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#109 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الرابع من صــ 391الى صــ 405 الحلقة (109) المبيت، يجب التفريق بين الأمرين، والحديث الواضح الصريح: أنّه مَن صلّى صلاتنا هذه» معنا في جمع، وكان قد وقف على عرفة ساعةً من الليل أو النهار؛ فقد تمّ حجُّه وقضى تَفَثَهُ«(١). فجعل صلاة الصبح في مزدلفة والوقوف في عرفة أوّلًا شيئًا واحدًا؛ ثمّ رتَّب على مجموع الأمرين بأنّه قد تمّ حَجُّهُ. ومعنى ذلك: أنّه إِذا أخلّ بأحد الأمرين المذكورين في هذا الحديث الصحيح؛ فحجّه لم يتمّ». انتهى. أقول: صلاة الفجر في المزدلفة لغير النساء والضعفة رُكن على الراجح، والله أعلم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ولقول النّبيّ - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم» (٢). ولحديث عروة بن مضرِّس -رضي الله عنه- قال: «أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف -يعني: الجمع- قلت: يا رسول الله! من جبل طَيءٍ، أكللت مَطِيَّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (٣) إِلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو -------------------- (١) ذكر شيخنا -رحمه الله- حديث عروة بن المضرِّس بمعناه، وسيأتي في الصفحة الآتية إِن شاء الله تعالى. (٢) تقدّم تخريجه. (٣) حَبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه. وقيل: الحبال في الرمل؛ كالجبال في غير الرمل». «النهاية». وفي بعض النسخ (جبل) بالجيم. نهارًا؛ فقد تمّ حجُّه، وقضى تفَثه (١)» (٢). وفي لفظ: «من أدرك جمْعًا مع الإِمام والناس حتى يُفيض منها؛ فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرك مع الناس والإِمام؛ فلم يُدرك» (٣). قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣) -بعد حديث عروة بن المضرّس -رضي الله عنه-: «وبهذا احتجّ من ذهب إِلى أنّ الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة ...» ثمّ ذكر من يرى هذا من الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم، وقال: ولهم ثلاث حجج، هذه إحداها. والثانية: قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (٤). والثالثة: فِعل رسول الله - ﷺ - الذي خرَج مخرج البيان لهذا الذّكر المأمور به. حُجج من يرد على الركنية: *١ - احتج بعضهم بقول النّبيّ - ﷺ -: «الحج عرفة». ويرد عليهم: ------------------- (١) التفَث: هو ما يفعله المحرم بالحج إِذا حلّ؛ كقص الشارب، والأظفار، ونتْف الإِبط، وحلق العانة. وقيل: هو إِذهاب الشعَث والدَّرَن والوسخ مطلقًا. «النهاية». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٨)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٤٢)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٤٥). (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٤٦). (٤) البقرة: ١٩٨. أ- أنّ عندهم فرائض يبطل الحجّ بتركها سوى عرفة؛ كترك الإِحرام، وترك طواف الإِفاضة، وترك الصفا والمروة. ب- ليس قوله - ﷺ -: «الحج عرفة» بمانع من أن يكون غيرُ عرفة الحجَّ أيضًا، إِذا جاء بذلك نصّ، وقد قال تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إِليه سبيلًا﴾ (١)؛ والبيت غير عرفة بلا شكّ. .. وقد قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إِلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (٢). وأخبر رسول الله - ﷺ - أنّ يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ ولا يكون يوم الحج الأكبر إِلا وغيره يوم الحج الأصغر، ومحال ممتنع أن يكون هو يوم الحج الأكبر ولا يكون فيه من فرائض الحج شيء، ويكون فرض الحج في غيره. فصحّ أن جملة فرائض الحج الأكبر، وهي الوقوف بمزدلفة الذي لا يكون في غيره، ورمي الجمرة، والإفاضة؛ وقد يكونان فيما بعده كما عرفة فيما قبله* (٣). وذكر ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٧/ ١٧٠) بإِسناده إِلى ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّه قال: «من أفاض من عرفة؛ فلا حجّ له». وقال (ص ١٧١): «وقد ذكرنا عن ابن الزبير أنّه كان يقول في خطبته: ألا ------------------- (١) آل عمران: ٩٧. (٢) التوبة: ٣. (٣) ما بين نجمتين من»المحلّى" (٧/ ١٦٩) بتصرّف. لا صلاة إِلا بجمع! فإِذا أبطل الصلاة إِلا بمزدلفة؛ فقد جعَلها من فرائض الحج. ومن طريق شعبة عن داود بن يزيد الأزدي عن أبي الضحى قال: سألت علقمة عمن لم يدرك عرفات أو جمعًا أو وقع بأهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: عليه الحج. ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن إِبراهيم النخعي قال: كان يقال: من فاته جمع أو عرفة؛ فقد فاته الحج. ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: من فاته عرفة أو جمع أو جامع قبل أن يزور؛ فقد فسد حجه. ومن طريق سفيان الثوري أيضًا عن عبد الله بن أبي السَّفَرِ عن الشعبي أنه قال: من فاته جمع؛ جعلها عمرة. وعن الحسن البصري: من لم يقف بجمع؛ لا حجّ له. وعن حمّاد بن أبي سليمان قال: من فاته الإِفاضة من جمع؛ فقد فاته الحج؛ فليحلّ بعمرة ثمّ ليحج من قابل. ومن طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، ألا ترى أنه إِذا فاته عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فاته الحج؟! قال أبو محمد: صدق سعيد؛ لأنّ من فاتته عرفة يوم عرفة؛ لم يفته الحج؛ لأنّه يقف بعرفة ليلة النحر يوم النحر؛ وأمّا يوم النحر فإِنما سماه الله تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ (١)؛ لأنّ فيه فرائض ثلاثًا من فرائض الحج، وهو الوقوف بمزدلفة لا يكون جازئًا إِلا غداة يوم النحر، وجمرة العقبة وطواف الإِفاضة؛ ويجوز تأخيره؛ فصح أن مزدلفة أشد فروض الحج تأكيدًا وأضيقها وقتًا؛ وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا. ٢ - واحتجّ بعضهم بأنّ النّبيّ - ﷺ - مدّ وقت الوقوف بعرفة إِلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صحّ حجّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا؛ لم يصحّ حجّه (٢). قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٤): «وأمّا توقيت الوقوف بعرفة إِلى الفجر؛ فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة رُكنًا، وتكون تلك الليلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات (٣)، وتضييق الوقت لأحدهما لا يُخرجه عن أن يكون وقتًا لهما حال القدرة». ٣ - واحتجّ بعضهم بأنّه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرجال والنّساء، فلمّا قدَّم رسول الله - ﷺ - النساء بالليل؛ عُلم أنه ليس بركن! فأقول: ---------------------- (١) التوبة: ٣. (٢) قلت: وإذا قلنا بركنية صلاة الفجر دون ركنية المبيت لأهل القوّة؛ في حال يضيق عليه الوقت؛ فإِنه يتمكن من الجمع بين الوقوف في عرفة قبل الفجر وشهود صلاة الفجر بالمزدلفة. وتأمّل قوله - ﷺ -: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمْع؛ فقد تمّ حجّه». أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٢٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٤١)، وانظر «الإِرواء» (١٠٦٤). (٣) يعني: كوقت آخر الظهر وأول العصر مثلًا. أ- قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٤): «وفي [هذا] نظر؛ فإِنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما قدّمهنّ بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة؛ والواجب هو ذلك». ب- إِنما يكون الأمر بحسب القدرة؛ فعند الضعف يكون التخفيف أو رفع التكليف، فالقيام في الصلاة من أركانها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (١). وفي الحديث: «صلِّ قائمًا، فإِن لم تستطِع فقاعدًا ...» (٢). *٤ - وأجابوا .. عن حديث عروة: بأنّ الإِتمام يكون على وجوه: تارة يكون إِتمامًا لا يصح الشيء إِلا به، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء به مع نفي التحريم، والمراد بالإِتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة: إِتمام الواجب الذي تصح العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور* (٣). فأقول: ١ - ما هو الدليل على هذا الاختيار في تفسير مدلول الإِتمام؛ فإِن هذا يتقرّر من خلال مجموع أفراد المسائل الأُخرى! وقد بيّنت الردّ عليها. ٢ - إِن النّبي - ﷺ - لم يذكر كلّ أعمال الحج حتى يقال هذا القول فإِنّه لم --------------------- (١) البقرة: ٢٣٨. (٢) تقدّم تخريجه. (٣) ما بين نجمتين عن كتاب «الشرح الممتع» (٧/ ٤١٥) للشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-. يذكر إِلا شهود صلاة الفجر والوقوف بعرفة، فبهما يتمّ الحج ويُقضى التفث، والحاج مُعرَّض للتمام الذي يصحّ الحج به؛ سواءً أكان مع التحريم أو بدونه؛ بالأعمال التي تأتي بعد هذه العبارة. ج- إِنّ الله -تعالى- قد أوجب على الرجال أمورًا لم يوجبها على النساء؛ كصلاة الجمعة والجماعة ... فإِن قالوا: لكن هناك البدل والمبدل منه. قلنا: فالجهاد؟! وما الدليل على البدل والمبدل منه؟ فهذه أمور تُستقرأ من النصوص ولا تُؤصّل. والحاصل أنّ هناك أمورًا يسقط وجوبها بالكلية، وهناك من الأمور ما يكون فيه البدل منه. أقول: إِنّ تقديم ما فيه الاختيار للركنية (١) وبراءة الذّمة أولى. جاء في كتاب «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» للحازمي -رحمه الله- (ص ٣٧): "الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين، ولا يكون في الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين أولى (٢). --------------------- (١) أمّا مَن ترجح لديه الوجوب دون الركنية من خلال بحثه الموضوعي بتجرّد؛ فله عدم الأخذ بهذا الاحتياط. وعلى أي حال: فثمرة هذا الحكم يتعلّق بأهل القوّة، فينبغي التأني في إِطلاق القول بالوجوب ارتجالًا. (٢) وتقدّم. ولا يجوز لنا أن نخرج عن موضوعية البحث العلمي، أو أن يُفضي الأمر بنا إِلى الخصومة والعداء؛ فإِنّ المراد هو وجه الله -تعالى- عند القائلين بأيّ رأيٍ من الرأيَيْن، وهو بين الأجر والأجرين، فلا يجوز أن نتخطّى دائرة الأجر والأجرين إِلى الإِثم، أو ما يبلغنا إِليه! ونسأل الله الهدى والسداد. ثمّ يأتي المشعر الحرام (وهو جبل في المزدلفة)، فيرقى عليه ويستقبل القبلة، فيحمد الله ويكبّره ويهلّله ويوحّده ويدعو، ولا يزال كذلك حتى يُسفر (١) جدًّا. عن جابر -رضي الله عنه- في حديثه الطويل: «أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئًا، ثمّ اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإِقامة، ثمّ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (٢)، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلله ووحدّه، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس» (٣). فضل الوقوف في المشعر الحرام: روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: "وقف النّبيّ - ﷺ - بـ (عرفات) وقد كادت الشمس أن تؤوب؛ فقال: يا بلال! أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله - ﷺ - فأنصت الناس --------------------- (١) الإِسفار: إِضاءة الفجر إِضاءة تامّة. (٢) جبل معروف في المزدلفة. (٣) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وتقدّم. فقال: معاشر الناس. أتاني جبرائيل آنفًا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله -عز وجل- غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر ابن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثُر خير الله وطاب» (١)! هل التحصِيب (٢) سُنّة؟ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «من السّنّة النزول بـ (الأبطح) (٣) عشية النَّفْر» (٤). قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٦٧٥): ولقد بادرت إِلى تخريج هذا الحديث فور حصولي على نسخة مصوّرة من «المعجم الأوسط» لعزّته، وقلّة من أورده من المخرجين وغيرهم، ولكونه شاهدًا قويًا لما ---------------------- (١) انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٥١)، وتقدّم. (٢) التحصيب: النزول بـ (المحصَّب) وهو الشعب الذي مخرجه إِلى الأبطح بين مكة ومنى. وهو أيضًا (خيف بني كنانة). قاله شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة». وقال الخطابي -رحمه الله-: التحصيب: هو أنّه إذا نفَر من منى إِلى مكة للتوديع؛ يقيم بالمحصّب حتى يهجع به ساعة ثم يدخل مكّة. «عمدة القارئ» (١٠/ ١٠٠). وقال النووي -رحمه الله-: والمحصّب والحصْبة والأبطح والبطحاء وخَيْف بني كنانة اسم لشيء واحد. (٣) الأبطح: يعني أبطح مكّة، وهو مسيل واديها، ويجمع على البطاح والأباطح، ومنه قيل: قريش البطاح، هم الذين ينزلون أباطح مكّة وبطحاءها. «النهاية». (٤) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط»، وانظر «الصحيحة» (٢٦٧٥). رواه مسلم (٤/ ٨٥) عن نافع أنّ ابن عمر كان يرى التحصيب سنّة. فكأنّ ابن عمر تلقّى ذلك من أبيه -رضي الله عنهما- فتقوّى رأيه بهذا الشاهد الصحيح عن عمر. وليس بخافٍ على أهل العلم أنّه أقوى في الدلالة على شرعية التحصيب من رأي ابنه؛ لما عُرف عن هذا من توسّعه في الاتباع له - ﷺ - حتى في الأمور التي وقعت منه - ﷺ - اتفاقًا لا قصدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد ذكر بعضها المنذري في أول «ترغيبه» بخلاف أبيه عمر كما يدلّ على ذلك نهيه عن اتباع الآثار، فإِذا هو جزم أنّ التحصيب سنّة؛ اطمأن القلب إِلى أنه يعني أنّها سنّة مقصودة أكثر من قول ابنه بذلك، لا سيّما ويؤيّده ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيفٍ بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر». وذلك أنّ قريشًا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلّموا إِليهم رسول الله - ﷺ -. يعني بذلك التحصيب. والسياق لمسلم. قال ابن القيم في «زاد المعاد»: «فقصد النّبيّ - ﷺ - إِظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله. وهذه كانت عادته -صلوات الله وسلامه عليه-: أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك كما أمر - ﷺ - أن يبني مسجد الطائف موضع اللات والعزّى». وأما ما رواه مسلم عن عائشة أنّ نزول الأبطح ليس بسنّة، وعن ابن عباس أنّه ليس بشيء (١)، فقد أجاب عنه المحقّقون بجوابين: الأول: أنّ المثبت مقدّم على النافي. والآخر: أنّه لا منافاة بينهما، وذلك أنّ النافي أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، والمثبت أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -، لا الإِلزام بذلك، قال الحافظ عقبه (٣/ ٤٧١): «ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل كما دلّ عليه حديث أنس وابن عمر». قلت -أي: شيخنا رحمه الله-: وهما في «مختصري لصحيح البخاري» (كتاب الحج/٨٣ - باب و١٤٨ - باب). انتهى. وجاء في «الفتح» (٣/ ٥٩١): «وروى مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق سليمان بن يسار. عن أبي رافع قال:»لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربْتُ قبته فجاء فنزل«. لكن لما نزله النّبيّ - ﷺ - كان النزول به مستحبًا اتباعًا له لتقريره على ذلك، وقد فعَله الخلفاء بعده كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال:»كان النّبيّ - ﷺ - وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح"، وسيأتي للمصنف في الباب الذي يليه (٢) لكن ليس فيه ذكر أبي بكر، ومن طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنّة، قال ----------------------- (١) أي: ليس بنُسك من مناسك الحجّ كما قال عدد من العلماء. (٢) أي: باب ١٤٨ - باب النزول بذي طوُى والنزول بالبطحاء ... نافع: «وقد حصب رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده». فالحاصل أن من نفى أنّه سنّة كعائشة وابن عباس أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء. ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -؛ لا الإِلزام بذلك، ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل؛ كما دل عليه حديث أنس، ويأتي نحوه من حديث ابن عمر في الباب الذي يليه. ويأتي زمزم، فيشرب منها. فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن النزول في المُحصب حين ينفر الحاج من منى إِلى مكة؟ فقال -رحمه الله-: «مسألة خلافية بين الصحابة -رضي الله عنهم- منهم من رآها سنة، ومنهم من لم يرها». قلت: وما تقدّم في «السلسلة» زيادة بيان وفائدة. الرمي مشروعيته: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -: "لما أتى إِبراهيم خليل الله المناسك؛ عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إِبراهيم تتبعون» (١). وسألت شيخنا -رحمه الله- عن قصّة ظهور الشيطان لصرف إِبراهيم -عليه الصلاة والسلام- قبل الاطلاع على تصحيحه. فأجاب: نعم، لكن ليس هناك شيطان قابع ليرميَه الحُجَّاج، ولكنه تذكير بتلك الحادثة الجليلة«. وجوبه: عن جابر بن عبد الله -رضي لله عنه- قال: رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد حَجّتي هذه» (٢). وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون وجوب رمي الجمار،؟ فأجاب: نعم. صفته: ويلتقط الحصيات (٣) التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى، وهي ----------------------- (١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم -واللفظ له-، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٥٦). (٢) أخرجه مسلم: ١٢٩٧. (٣) جاء في كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» (ص ٨١): ".. يجوز له أن يلتقط الحصى = آخر الجمرات وأقربهن إِلى مكة. ويستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه. ويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف، وهو أكبر من الحِمِّصَة قليلًا. الرفق في رمي الجمار وصفتها: عن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب، يُكبّر مع كلّ حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس، فقال النّبيّ - ﷺ -: يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم الجمرة؛ فارموا بمثل حصى الخَذْف» (٢). ------------------------ = من حيث شاء، كما قال ابن تيمية -رحمه الله-؛ وذلك لأن النّبيّ - ﷺ - لم يحدد لذلك مكانًا، وغاية ما جاء فيه حديث ابن عباس (وفي رواية: الفضل بن عباس) قال: قال لي رسول الله - ﷺ - غداة العقبة (وفي رواية: غداة النحر، وفي أخرى: غداة جمع) وهو على راحلته: هاتِ القُطْ لي. فلقطت له حصيات نحوًا من حصى الخذف، فلمّا وضعتهنّ في يده قال: مثل هؤلاء -ثلاث مرات-؛ وإياكم والغلو في الدين؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين«. أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن الجارود في»المنتقى«-والسياق له-، وابن حبان في»صحيحه«، والبيهقي، وأحمد بسند صحيح. فهذا مع كونه لا نص فيه على المكان؛ فهو يشعر بأن الالتقاط كان عند جمرة العقبة، على الرواية الثانية، وكذا الأولى وعليها أكثر الرواة .. فما يفعله كثير من الحجاج -من التقاط الحصيات من المزدلفة وحين وصولهم إِليها- خلاف السُّنّة، مع ما فيه من التكلّف لحمل الحصيات لكل يوم». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٢٩) وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٤٤٥). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (قال رسول الله - ﷺ - غداة العقبة- وهو على ناقته-: أُلقُطْ لي حصًى. فلقطت له سبع حصيات، هنّ حصى الخذْف، فجعل ينفضهنّ في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثمّ قال: يا أيها الناس! إِياكم والغلوّ في الدّين؛ فإِنه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين» (١). ويكبر مع كلّ حصاة. ْفعن جابر -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - كان يكبّر مع كلّ حصاة» (٢). ويقطع التلبية مع آخر حصاة. عن الفضل -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة» (٣). ولا يرميها إِلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء أو الضعفة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، والرمي شيءآخر. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضُحى، وأمّا بعدُ (٤)؛ فإِذا زالت الشمس» (٥). ---------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٥٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٦٣)، وانظر «الصحيحة» (١٢٨٣). (٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وانظر حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في «صحيح البخاري» (١٧٥٠)، و«صحيح مسلم» (١٢٩٦). (٣) أخرجه البخاري: ١٦٧٠، ومسلم: ١٢٨١. (٤) أي: أيام التشريق الثلاثة. (٥) أخرجه مسلم: ١٢٩٩. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#110 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الرابع من صــ 406الى صــ 420 الحلقة (110) وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قَدَّمَنَا رسول الله - ﷺ - ليلة المزدلفة أُغَيْلِمَة (١) بني عبد المطلب على حُمُرات (٢)؛ فجعل يَلْطَخُ (٣) أفخاذنا ويقول: أُبَينِيَّ! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (٤). قال شيخنا -رحمه الله- في كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» (ص ٨٠) -بتصرُّفٍ يسير-: وهنا تنبيهات: الأول: أنّه لا يجوز الرمي يوم النحر قبل طلوع الشمس، ولو من الضعفة والنساء الذين يرخص لهم أن يرتحلوا من المزدلفة بعد نصف الليل، فلا بد لهم من الانتظار حتى تطلع الشمس ثمّ يرمون، لحديث ابن عباس -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - قَدَّمَ أهله وأمَرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس؛ وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وصححه الترمذي، وابن حبان، وحسنه الحافظ في»الفتح«(٣/ ٤٢٢)، ولا يصلح أن يعارض بما في البخاري (٥): أنّ أسماء بنت أبي بكر رمت الجمرة ثمّ صلت الصبح بعد وفاة النّبيّ - ﷺ -. --------------------- (١) أُغيلمَة: تصغير أغلِمة، جمع غلام.»النهاية«. (٢) حُمُرات: جمع حُمُر، وحُمُر: جمع حمار.»عون المعبود«(٥/ ٢٨٩). (٣) قال الجوهري: اللطخ: الضرب اللين على الظهر ببطن الكف.»عون المعبود«(٥/ ٢٨٩) أيضًا. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧١٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٠٩)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٤٥١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٨٧٠)، وانظر»الإِرواء" (٤/ ٢٤٦). (٥) ١٦٧٩، ومسلم: ١٢٩١. لأنه ليس صريحًا أنها فعلت ذلك بإِذن منه - ﷺ -؛ بخلاف ارتحالها بعد نصف الليل؛ فقد صرحت بأنّ النّبيّ - ﷺ - أذن بذلك للظُّعن (١)، فمن الجائز أنها فهمت -من هذا الإِذن- الإِذن أيضًا بالرمي بليل، ولم يبلغها نهيه - ﷺ - الذي حفظه ابن عباس -رضي الله عنه-. الثاني: أن هناك رخصةً بالرمي في هذا اليوم بعد الزوال ولو إِلى الليل، فيستطيع أن يتمتع بها من يجد المشقة في الرمي ضحى، والدليل حديث ابن عباس أيضًا قال:»كان النّبيّ - ﷺ - يُسألُ يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال اذبح ولا حرج. قال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: «لا حرج» (٢). وإلى هذا ذهب الشوكاني، ومن قبله ابن حزم، قال في «المحلّى»: «إِنما نهى النّبيّ - ﷺ - عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر، وأباح رميها بعد ذلك، وإن أمسى، وهذا يقع على الليل والعشي معًا». فاحفظ هذه الرخصة؛ فإِنها تنجيك من الوقوع في ارتكاب نهي الرسول - ﷺ - المتقدّم عن الرمي قبل طلوع الشمس، الذي يخالفه كثير من الحجاج بزعم الضرورة. انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-. قلت: وذكر بعض العلماء حديث عائشة أنها قالت: «أرسل النّبيّ - ﷺ - بأمّ سلمة ليلة النحر؛ فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمّ مضت فأفاضت، وكان ذلك ------------------- (١) قال في»الفتح«:»جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج؛ ثمّ أطلق على المرأة مطلقًا. وانظر «النهاية» -إِن شئت- للمزيد من الفوائد اللغوية. (٢) أخرجه البخاري: ١٧٣٥، ومسلم: ١٣٠٦. اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله - ﷺتعني: عندها-!! وقد ضعّفه شيخنا -رحمه الله- في «ضعيف سنن أبي داود» (٤٢٣). قال الحافظ شمس الدين ابن القيم -رحمه الله- في «تهذيب السنن»: «قال ابن عبد البر: كان الإِمام أحمد يدفع حديث أم سلمة هذا ويضعفه. قال ابن عبد البر: وأجمع المسلمون على أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما رماها ضحى ذلك اليوم. وقال جابر:»رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس«. أخرجه مسلم. وقال أبو داود: اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس لم يجزِهِ وعليه الإِعادة. قال ابن عبد البر: وحجته أن رسول الله - ﷺ - رماها بعد طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفًا للسنة، ولزمه إِعادتها. قال: زعم ابن المنذر أنه لا يعلم خلافًا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنّه يجزئه، قال: ولو علمتُ أن في ذلك خلافًا لأوجبت على فاعل ذلك الإِعادة. قال: ولم يعلم قول الثوري؛ يعني: أنه لا يجوز رميها قبل طلوع الشمس، وهو قول مجاهد، وإبراهيم النخعي. فمقتضى مذهب ابن المنذر: أنه يجب الإِعادة على من رماها قبل طلوع الشمس، وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس، وفعِله - ﷺ - متفق عليه بين الأمّة. فهذا فعله وهذا قوله، وحديث أم سلمة قد أنكره الإِمام أحمد وضعفه. وقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله - ﷺ - أرخص لأحد في الرمي قبل طلوع الفجر. قال الحافظ شمس الدين ابن القيم -رحمه الله-:»والحديث الذي أشار إِليه: هو ما في»الصحيحين«عن عبد الله مولى أسماء: أنها نزلت ليلة جَمْعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلّي، فصلّت ساعة ثمّ قالت: يا بُنَيَّ! هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا؛ فارتحلنا، فمضينا حتى رمت الجمرة، ثمّ رجعت فصلّت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتاه (١)! ما أرانا إِلا قد غَلَّسْنَا؟! قالت: يا بني! إِن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن -وفي لفظ لمسلم: لظعنه-. وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل، فإِن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إِلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إِلى منى، فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده، فهي واقعة عين، ومع هذا فهي رخصة للظُّعن، وإِن دلت على تقدّم الرمي؛ فإِنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر. وهذا قول أحمد في رواية، واختيار ابن المنذر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما». انتهى. تأخير الرمي بعد الزوال ولو إِلى الليل: وله أن يرميها بعد الزوال ولو إِلى الليل؛ إِذا وجد حرجًا في رميها قبل الزوال. عن ابن عباس -رضي الله عنه-: «كان النّبيّ - ﷺ - يُسْأَل يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج» (٢). قال أبو عيسى: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على -------------------- (١) أي: يا هذه.»فتح". (٢) أخرجه البخاري: ١٧٣٥، ومسلم: ١٣٠٦، وتقدّم. هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بأسًا أن يتقدّم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إِلى منى. وقال أكثر أهل العلم بحديث النّبيّ - ﷺ - إِنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النّبيّ - ﷺ -؛ وهو قول الثوري والشافعي» (١). جواز رميها راكبًا: عن قدامة بن عبد الله قال: «رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي الجمار على ناقته، ليس ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ ولا: إِليك (٢) إِليك» (٣). فوائد في الرمي: ١ - سأل أحد الإِخوة شيخنا -رحمه الله- عن مكان الرجم؟ فأجاب: في الحوض، لا العمود. ٢ - وسألته -رحمه الله- قائلًا: إِذا رمى بعض الجمرات، ثمّ وجد زحامًا عند أخرى؛ وقد يكون ذلك لساعات، فهل يلزمه الإِعادة؟ فأجاب: لا يلزمه الإِعادة. ٣ - وسألته عن عدم ترتيب الجمرات جهلًا؟ --------------------- (١) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٢٦٦). (٢) أي: لا يقول: إِليك إِليك، أي: ابتعد ابتعد. وإليك: اسم فعِل أمر. (٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧١١٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٦١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٦٤)، وقال شيخنا -رحمه الله- في «المشكاة» (٢٦٢٣): وإسناده صحيح. فأجاب -رحمه الله-: لا يؤثر. التحلل الأوّل: فإِذا انتهى من رمي الجمرة؛ حلّ له كلّ شيء إِلا النساء؛ ولو لم ينحر أو يحلق؛ فيلبس ثيابه ويتطيب. الطِّيب بعد رمي الجمار (١): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: طيَّبْتُ رسول الله - ﷺ - بيديّ هاتين حين أحرم، ولحلّه حين أحلّ قبل أن يطوف -وبَسطت يديها-» (٢). وهذا هو التحلل الأوّل. لكنْ عليه أن يطوف طواف الإِفاضة -وهو ركن- في اليوم نفسه، إِذا أراد أن يستمر في تمتعه المذكور؛ وإلا فإِنه إِذا أمسى ولم يطف؛ عاد محرمًا كما كان قبل الرمي، فعليه أن ينزع ثيابه ويلبس ثوبي الإِحرام، لقوله - ﷺ -: «إِنّ هذا يوم رُخّص لكم -إِذا أنتم رميتم الجمرة- أن تَحلّوا من كُلّ ما حُرِمتم منه إِلا النساء، فإِذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به» (٣). -------------------- (١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (باب-١٤٣). (٢) أخرجه البخاري: ١٧٥٤، ومسلم: ١١٨٩، وانظر -للمزيد من النصوص والآثار- «الإِرواء» (٤/ ٢٣٦ - ٢٤٠). (٣) وهو حديث صحيح، وقد قواه جمع، منهم الإِمام ابن القيّم، كما بيّنه شيخنا - رحمه الله- في «صحيح سنن أبي داود» (١٧٤٥). ثمّ قال -رحمه الله-: "ولما اطلع على هذا الحديث بعض أفاضل أهل العلم قبل ذيوع = الذبح والنحر ثمّ يأتي المنحر في منى فينحر هديه، وهذا هو السُّنّة. لكن يجوز له أن ينحر في أي مكان آخر من منى، وكذلك في مكة؛ لقوله - ﷺ -: «قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ------------------- = الرسالة؛ استغربوه، وبعضهم بادر إِلى تضعيفه -كما كنت فعلت أنا نفسي في بعض مؤلفاتي بناءً على الطريق التي عند أبي داود! وهذه مع أنها قواها الإِمام ابن القيم في»التهذيب«والحافظ في»التلخيص«بسكوته عليه؛ فقد وجدت له طريقًا أخرى يقطع الواقف عليها بانتفاء الضعف عنه، وارتقائه إِلى مرتبة الصحة، ولكنها لما كانت في مصدر غير متداول عند الجماهير -وهو»شرح معاني الآثار«للإِمام الطحاوي- خفيت عليه كما خفيت عليّ من قبل، فلذلك بادروا إلى الاستغراب أو التضعيف. وشجّعهم على ذلك: أنهم وجدوا من قال من العلماء فيه:»لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به«! وهذا نفي، وهو ليس علمًا؛ فإِن من المعلوم عند أهل العلم؛ أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه، فإِذا ثبت الحديث عن رسول الله - ﷺ - وكان صريح الدلالة كهذا؛ وجبت المبادرة إِلى العمل به، ولا يتوقف ذلك على معرفة موقف أهل العلم منه، كما قال الإِمام الشافعي: »يُقْبَلُ الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يَمْضِ عمل من الأئمة بمثل الخبر الذى قبلوا، إِن حديث رسول الله - ﷺ - يثبت بنفسه، لا يعمل غيره بعده«. قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]:»فحديث رسول الله - ﷺ - أَجَلُّ من أن يستشهد عليه بعمل الفقهاء به؛ فإِنه أصْل مستقل حاكم غير محكوم! ومع ذلك؛ فقد عمل بالحديث جماعة من أهل العلم؛ منهم عروة بن الزبير التابعي الجليل، فهل بعد هذا لأحد عذر في ترْك العمل به؟ ﴿إِن في ذلك لِذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾. هاهنا؛ وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا، وجَمع كلها موقف» (١). وفي رواية: «وكلّ فجاج مكة طريق ومنحر» (٢). والسّنّة: أن يذبح أو ينحر بيده إِن تيسر له؛ وإلا أناب عنه غيره. عن أنس -رضي الله عنه- قال: «.. ونحر النّبيّ - ﷺ - بيده سبع بُدْنٍ قيامًا» (٣). ويذبحها مستقبلًا بها القبلة (٤)، فيُضْجِعُها على جانبها الأيسر، ويضع قدمه اليمنى على جانبها الأيمن (٥). وأمّا الإِبل؛ فالسّنّة أن ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها. عن زياد بن جبير قال: «رأيت ابن عمر -رضي الله عنهما- أتى على رجل -------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وتقدّم. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٠٧)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٤٧٣). (٣) أخرجه البخاري: ١٧١٢. (٤) فيه حديث مرفوع عن جابر: عند أبي داود وغيره، مخرج في»الإرواء«(١١٣٨). وآخر عند البيهقي. وروي عن ابن عمر: أنه كان يستحب أن يستقبل القبلة إِذا ذبح. وروى عبد الرزاق بإِسناد صحيح عنه: أنه كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة. (٥) قال الحافظ (١٠/ ١٦):»ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار". قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قيامًا مقيدة؛ سنةَ محمد - ﷺ -» (١). وعن عبد الرحمن بن سابط: «أنّ النّبيّ - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها» (٢). ووجهها قِبَل القبلة (٣). ويقول عند الذبح أو النحر: بسم الله، والله أكبر، اللهم! إِن هذا منك ولك (٤)، اللهم! تقبل مني (٥). ووقت الذبح أربعة أيام العيد: يوم النحر -وهو يوم الحج الأكبر (٦) - وثلاثة أيام التشريق؛ لقوله - ﷺ -: «كل أيام التشريق ذبح» (٧). وله أن يأكل من هديه، وأن يتزود منه إِلى بلده كما فعَل النّبيّ - ﷺ -. -------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٧١٣، ومسلم: ١٣٢٠. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٥٥٣). (٣) رواه مالك بسند صحيح عن ابن عمر موقوفًا. وعلقه البخاري بصيغة الجزم رقم (٣٣٠) من «مختصر البخاري». (٤) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر. وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رواه أبو يعلى، كما في «المجمع»، وهو مخرج في «الإِرواء» (١١١٨). (٥) انظر «صحيح مسلم» (١٩٦٧). (٦) علقه البخاري، ووصله أبو داود وغيره، «صحيح سنن أبي داود» ١٧٠٠ و(١٧٠١). (٧) أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، قال شيخنا -رحمه الله-: «وهو قوي عندى بمجموع طرقه، ولذلك خرجته في»الصحيحة«(٢٤٧٦)». وعليه أن يُطعِم منها الفقراء وذوي الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائر الله (١) لكم فيها خير فاذكروا الله عليها صوافَّ (٢) فإِذا وجَبَت جنوبُها فكُلوا منها وأطعموا القانع (٣) والمعْتَرَّ (٤)﴾. ويجوز أن يشترك سبعة في البعير أو البقرة. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «حججنا مع رسول الله - ﷺ -، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة» (٥). لا يُعطى الجزّار الأجرة من الهدي: عن علي -رضي الله عنه- قال: «أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدّق بلحمها وجلودها وأجِلَّتها، وأن لا أُعطي الجزار منها، قال: نحن نعطيه من عندنا» (٦). من لم يجد هديًا: فمن لم يجد هديًا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إِذا رجَع إِلى أهله. -------------------- (١) وهو أنه جعَلها تُهدى إِلى بيته الحرام. «ابن كثير». (٢) أي: تصف بين يديها. «ابن كثير». (٣) القانع: السائل. (٤) المعتر: الذي يعترّ بالبُدن يطيف بها معترضًا لها من غني أو فقر. (٥) أخرجه مسلم ١٣١٨، وفي بعض الرويات الشاذّة: البدنة عن عشرة! أشار الى ذلك الذهبي في «تلخيصه»؛ وأفاده شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ٢٥٣). (٦) أخرجه البخاري: ١٧١٦، ومسلم: ١٣١٧ - واللفظ له-. ويجوز له أن يصوم في أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما- قالا: «لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن؛ إلاَّ لمن لم يجد الهدي» (١). الحلق أو التقصير: ثمّ يحلق رأسه كله أو يقصّره، والأول أفضل؛ لقوله - ﷺ -: «اللهمّ! ارحم المحلّقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: اللهم! ارحم المحلّقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: والمقصرين» (٢). والسُّنّة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثمّ أتى منزله بمنى ونحر، ثمّ قال للحلاق: خذ. وأشار إِلى جانبه الأيمن ثمّ الأيسر، ثمّ جعل يعطيه للناس» (٣). والحلق خاصٌّ بالرجال دون النساء، وإنما عليهنّ التقصير؛ لقوله - ﷺ -: «ليس على النساء حلق؛ إِنما على النساء التقصير» (٤). فتجمع شعرها فتقص منه قدر الأنملة؛ وهي عقدة الإِصبع، أو المفْصِل الأعلى من الإِصبع الذي فيه الظُّفْر (٥). --------------------- (١) أخرجه البخاري ١٩٩٧، ١٩٩٨. (٢) أخرجه البخاري: ١٧٢٧، ومسلم: ١٣٠١. (٣) أخرجه مسلم: ١٣٠٥. (٤) وهو حديث صحيح مخرج في «الصحيحة» (٦٠٥)، وأورده شيخنا -رحمه الله- في «صحيح سنن أبي داود» (١٧٤٧). (٥) «المعجم الوسيط» بحذف. فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن إِمرار الموسى على رأس الأصلع؛ كما يرى بعض العلماء؟ فأجاب: «إِذا كان يريد أن يفلق رأسه نصفين؛ فليفعل!». ويُسنّ للإِمام أن يخطب يوم النحر بمنى (١) بين الجمرات (٢) حين ارتفاع الضحى (٣)، يعلِّم الناس مناسكهم (٤). طواف الإِفاضة ثمّ يُفيض من يومه إِلى البيت -وهو ركن- فيطوف به سبعًا كما تقدّم في طواف القدوم؛ إِلا أنه لا يضطبع ولا يرمل. عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - يرمل في السبع الذي أفاض فيه» (٥). ومن السُّنّة أن يصلّي ركعتين عند المقام، كما قال الزهري (٦)، وفعله ابن ----------------------- (١) انظر «صحيح البخاري» (١٧٣٩). (٢) رواه البخاري تعليقًا، ووصله أبو داود، انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٧٠٠)، و«الإِرواء» (١٠٦٤). (٣) رواه أبو داود وغيره، انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٧٠٩). (٤) رواه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٠)، وغيره. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٨٣). (٦) علقه البخاري، ووصله ابن أبي شيبة وغيره، راجع «مختصر البخاري» (١/ ٣٨٦) رقم (٣١٩). عمر (١)، وقال: على كل سَبْع (٢) ركعتان (٣). ثمّ يطَّوَّف ويسعى بين الصفا والمروة كما تقدّم أيضًا؛ خلافًا للقارن والمفرد، فيكفيهما السعي الأول. وبهذا الطواف يحلّ له كلّ شيء حرُم عليه بالإِحرام، حتى نساؤه. ويصلّي الظهر بمكة، وقال ابن عمر: بمنى (٤). البيات في منى: ثمّ يرجع إِلى منى؛ فيمكث بها أيام التشريق بلياليها. ويرمي فيها الجمرات الثلاث كلَّ يوم بعد الزوال، بسبع حصيات لكل جمرة، كما تقدّم في الرمي يوم النحر. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإِذا زالت الشمس» (٥). -------------------- (١) علقه البخاري، ووصله عبد الرزاق، «مختصر البخاري» (١/ ٣٨٦) رقم (٣١٨). (٢) بضم السين وفتحها. (٣) رواه عبد الرزاق بسند صحيح عنه. (٤) قال شيخنا -رحمه الله-: «والله أعلم أيهما فعَل رسول الله - ﷺ -؟! ويُحتمل أنه صلى بهم مرّتين: مرةً في مكة، ومرّة في منى، الأولى فريضة، والثانية نافلة، كما وقَع له في بعض حروبه - ﷺ -». (٥) أخرجه مسلم: ١٢٩٩، وتقدّم. القيام والدعاء ورفع اليدين بعد الرمي أيام التشريق: ويبدأ بالجمرة الأولى، وهي الأقرب إِلى مسجد الخيف، فإِذا فرَغ من رميها، تقدّم قليلًا عن يمينه، فيقوم مستقبلًا القبلة قيامًا طويلًا، ويدعو ويرفع يديه. ثمّ يأتي الجمرة الثانية، فيرميها كذلك، ثمّ يأخذ ذات الشمال، فيقوم مستقبلا القبلة قيامًا طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه. عن سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّه كان يرمي الجمرة الدُّنيا بسبع حصيات؛ يُكبّر على إِثر كلّ حصاة، ثمّ يتقدّم؛ حتى يُسهل (١) فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الوسطى، ثمّ يأخذ ذت الشمال فيُسهل (٢) ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثمّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثمّ ينصرف فيقول: هكذا رأيت النّبيّ - ﷺ - يفعله» (٣). ثمّ يأتي الجمرة الثالثة -وهي جمرة العقبة- فيرميها كذلك، ويجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا رمى جمرة العقبة؛ مضى ولم يقف» (٤). --------------------- (١) أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. «فتح». (٢) في بعض النُّسخ: فيستهلّ. (٣) أخرجه البخاري: ١٧٥١. (٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٥٩)، وانظر «الصحيحة» (٢٠٧٣). ثمّ يرمي اليوم الثاني، واليوم الثالث كذلك. وإن انصرف بعد رميه في اليوم الثاني، ولم يبت للرمي في اليوم الثالث جاز؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه ومن تأخر فلا إِثم عليه لمن اتقى﴾ (١)، لكن التأخر للرمي أفضل؛ لأنّه السُّنّة (٢). والسّنّة الترتيب بين المناسك المتقدّمة: الرمي، فالذبح أو النحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة، فالسعي للمتمتع؛ لكن إِنْ قدّم شيئًا منها أو أخَّر جاز؛ لقوله - ﷺ -: «لا حرج، لا حرج». عن عبد الله بن عمر: «أنّ رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع؛ فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. فما سُئل -------------------- (١) البقرة: ٢٠٣. (٢) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:»فإِذا غربت الشمس وهو بمنى؛ أقام حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث«. قال شيخنا -رحمه الله-: وعليه جماهير العلماء، خلافًا لما ذهب إِليه ابن حزم في»المحلى«(٧/ ١٨٥)! واستدل لهم النووي بمفهوم قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه﴾ فقال في»المجموع«(٨/ ٢٨٣):»واليوم اسم للنهار دون الليل«؛ وبما ثبت عن عمر وابنه عبد الله قالا: من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى؛ فليقم إِلى الغد حتى ينفر مع الناس. ولفظ»الموطإِ«عن ابن عمر: لا ينفرون حتى يرمي الجمار من الغد». وأخرجه عن مالك الإِمام محمد في «موطَّئه» (ص ٢٣٣ - «التعليق الممجد») وقال: «وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة». ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#111 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الرابع من صــ 421الى صــ 435 الحلقة (111) يومئذ عن شيء قُدّم ولا أخّر إِلا قال: افعل ولا حرج» (١). وفي رواية له: «قال سمعت رسول الله - ﷺوأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة- فقال: يا رسول الله! إِني حلقت قبل أن أرمي؟ فقال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني أفضت إِلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج، قال: فما رأيته سُئل يومئذٍ عن شيء؟ إلاَّ قال: افعلوا ولا حرج» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - قيل له في الذبح، والحلق، والرمّي، والتقديم، والتأخير؟ فقال: لا حرج» (٣). ويجوز للمعذور في الرمي ما يأتي: ١ - أن لا يبيت في منى؛ لحديث ابن عمر: «استأذن العباس رسول الله - ﷺ - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته؛ فأَذِن له» (٤). ٢ - وأن يجمع رمي يومين في يوم واحد؛ لحديث عاصم بن عدي قال: «رخّص رسول الله - ﷺ - لرعاء الإِبل في البيتوتة: أن يرموا يوم النحر، ثمّ يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما» (٥). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٧٣٦، ومسلم: ١٣٠٦، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ١٣٠٦، وتقدّم. (٣) أخرجه مسلم: ١٣٠٧. (٤) أخرجه البخاري: ١٧٤٥، ومسلم: ١٣١٥. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٧٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٦٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٧٤)، وابن ماجه "صحيح = ٣ - وأن يرميَ في الليل؛ لقوله - ﷺ -: «الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار» (١). ويشرع له أن يزور الكعبة، ويطوف بها كل ليلة من ليالي منى؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - فعَل ذلك (٢). ويجب على الحاج في أيام منى أن يحافظ على الصلوات الخمس مع الجماعة، والأفضل أن يصلّي في مسجد الخَيف إِنْ تيسّر له؛ لقوله - ﷺ -: «صلّى في مسجد الخَيف سبعون نبيًّا» (٣). فإِذا فرَغَ من الرمي في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق؛ فقد انتهى من مناسك الحج، فينفر إِلى مكة، ويقيم فيها ما كتب الله له، وليحرص على أداء الصلاة جماعة، ولا سيما في المسجد الحرام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٤). ----------------------- = سنن ابن ماجه«(٢٤٦٣)، وهو مخرج في»الإِرواء«(١٠٨٠). (١) حديث حسن؛ أخرجه البزار، والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس، وحسن إِسناده الحافظ، وله شواهد خرّجها شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(٢٤٧٧). (٢) علقه البخاري (٢٨٧ -»مختصر البخاري«)، ووصله جمع ذكرهم شيخنا - رحمه الله- في»الصحيحة«(٨٠٤). (٣) أخرجه الطبراني، والضياء المقدسي في»المختارة«وحسّن إِسناده المنذري، وانظر»تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" (ص ١٠٦ - ١٠٧ - الطبعة الثانية- المكتب الإِسلامي). (٤) أخرجه أحمد وغيره من حديث جابر مرفوعًا بإِسناد صحيح، وصححه جمع = ويُكثر من الطواف والصلاة في أي وقت شاء من ليل أو نهار؛ لقوله - ﷺ - في الركنين الأسود واليماني:»مَسْحُهما يحطّ الخطايا، ومن طاف بالبيت؛ لم يرفع قدمًا ولم يضع قدمًا؛ إِلا كتَب الله له حسنة، وحطّ عنه خطيئة، وكتَب له درجة، ومن أحصى أسبوعًا؛ كان له كعتق رقبة«(١). وقوله: يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة من ليل أو نهار» (٢). طواف الوداع سمّي بهذا الاسم؛ لأنّه لتوديع البيت، وهو طواف لا رمل فيه؛ وهو آخر ما يفعله الحاج -غير المكي- عند إِرادة السفر من مكة. أمّا المكي فإِنّه لا يشرع في حقّه. وأمّا الحائض؛ فإِنه يرخّص لها تركه، ولا يلزم بتركها له شيء (٣). حُكمه: وهو واجب؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك، كما في الحديث المتقدّم: «أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت». ------------------------ = ذكرهم شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١١٢٩). (١) أخرجه الترمذي وغيره، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وغيرهم، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٣٩). (٢) رواه أصحاب «السنن» وغيرهم، وصححه الترمذي والحاكم والذهبي، وهو مخرج في «الإِرواء» (٤٨١). (٣) «فقه السّنّة» (١/ ٧٥٢) -بتصرّف-. وكذلك نهي النّبيّ - ﷺ - أن ينفر أحد من غير طواف، وقوله: «لا يَنْفرنّ ...». وقوله - ﷺ - المتقدّم: «رُخّص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف ...». ولو كان الطواف مستحبًّا؛ لما كان ثمّة فائدة من هذه الرُّخصة. وكذلك قوله: «أحابستنا هي»؛ لأنّ التطوّع لا يَحبِس أحدًا. فإِذا انتهى من قضاء حوائجه، وعزَم على الرحيل؛ فعليه أن يُودّع البيت بالطواف؛ لحديث ابن عباس قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - ﷺ -:»لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت«(١). وكانت المرأة الحائض قد أُمِرت أن تنتظر حتى تطهر لتطوف طواف الوداع (٢)، ثمّ رخص لها أن تنفر ولا تنتظر؛ لحديث ابن عباس أيضًا:»أنّ النّبيّ - ﷺ - رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف، إِذا كانت قد طافت طواف الإِفاضة«(٣). وفي لفظ:»أمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلاَّ أنه خُفّف عن الحائض«(٤). ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ١٣٢٧ وغيره، والبخاري نحوه: ١٧٥٥. (٢) ثبت هذا في حديث الحارث بن عبد الله بن أوس عند أحمد وغيره، وهو مخرج في»صحيح سنن أبي داود«(١٧٤٨). (٣) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه بنحوه، كما هو مبين في»الإِرواء«(١٠٨٦) [سيأتي عقب هذا الحديث -إِن شاء الله تعالى-]، وله شاهد من حديث عائشة عندهما، وهو مخرّج في»صحيح سنن أبي داود" (١٧٤٨). (٤) أخرجه البخاري: ١٧٥٥، ومسلم: ١٣٢٨. وعن عائشة -رضي الله عنها-:»أنّ صفية بنت حُيَيٍّ زوج النّبيّ - ﷺ - حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -؟ فقال: «أحابستنا هي؟! قالوا: إِنها قد أفاضت؟ قال: فلا إِذًا» (١). وله أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر له؛ تبركًا به؛ فقد كان رسول الله - ﷺ - يحمله معه في الأدَواى (٢) والقِرَب، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم (٣). بل إِنّه كان يرسل وهو بالمدينة -قبل أن تفتح مكة- إِلى سهيل بن عمرو؛ أن: أهدِ لنا من ماء زمزم، ولا تترك؛ فيبعث إِليه بمزادتين (٤) «(٥). فإِذا انتهى من الطواف؛ خرج كما يخرج الناس من المساجد؛ فلا يمشي القهقرى، ويخرج مقدمًا رجله اليسرى (٦) قائلًا: اللهم! صلِّ على محمّد وسلّم، اللهمّ! إِني أسألك من فضلك». ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ١٧٥٧، ومسلم: ١٢١١. (٢) الأداوى: جمع الإِداوة: إِناء صغير من جلد؛ يتخذ للماء. «النهاية» بحذف. (٣) أخرجه البخاري في «التاريخ»، والترمذي -وحسنّه- من حديث عائشة -رضي الله عنها- وهو مخرج في «الصحيحة» (٨٨٣). (٤) المزادَة: وعاء يحمل فيه الماء في السفر؛ كالقربة ونحوها، جمعها مَزاد«.»الوسيط«. (٥) أخرجه البيهقي بإِسناد جيد عن جابر -رضي الله عنه- وله شاهد مرسل صحيح في»مصنف عبد الرزاق"، وذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن السلف كانوا يحملونه. (٦) تقدّم. خلاصة جامعة في الحجّ (١) ١ - الإِحرام في إِزار ورداء. ٢ - لُبْسهما والتطيب قبله. ٣ - الإِحرام من الميقات. ٤ - إِحرام النفساء والحائض بعد الاغتسال. ٥ - الإِحرام بحج وعمرة. ٦ - الحج راكبًا. ٧ - الحج بالنّساء والصبيان. ٨ - التلبية بتلبية النّبي - ﷺ -، ورفع الصوت بها. ٩ - فسْخ الحج ممن نواه مفردًا، أو قَرَن إِليه عمرة ولم يسُقِ الهدي. ١٠ - طواف القدوم سبعة أشواط. ١١ - الاضطباع فيها. ١٢ - الرمل في الثلاث الأولى منه. ١٣ - التكبير عند الحجر. ١٤ - تقبيل الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني في كل شوط. ١٥ - صلاة ركعتين بعد الفراغ من الأشواط. ------------------------ (١) عن كتاب «حجّة النّبيّ - ﷺ -» لشيخنا -رحمه الله- (ص ٩٤). ١٦ - القراءة فيها بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾. ١٧ - صلاتهما خلف المقام. ١٨ - الشرب من زمزم والصبّ منها على الرأس. ١٩ - العود إِلى استلام الحجر الأسود. ٢٠ - الوقوف على الصفا مستقبل القبلة. ٢١ - ذِكْر الله عليها وتوحيده وتكبيره وتحميده وتهليله ثلاثًا. ٢٢ - المشي بينها وبين المروة سبعًا. ٢٣ - السعي بينهما في بطن الوادي في كل شوط. ٢٤ - الوقوف على المروة. ٢٥ - الذكر عليها كما فعَل على الصفا. ٢٦ - ختم السعي على المروة. ٢٧ - التحلل من الإِحرام من المتمتّع أو القارن الذي لم يسق الهدي؛ بقصّ الشعر وبلبس الثياب وغير ذلك. ٢٨ - تحلل المتمتّع بقص الشعر لا الحلق. ٢٩ - الإِهلال بالحج يوم التروية. ٣٠ - الذّهاب إِلى منى والبيات فيها. ٣١ - أداء صلاة الظهر وبقية الصلوات الخمس بها. ٣٢ - التوجه منها بعد طلوع شمس يوم عرفة إِلى عرفات. ٣٣ - النزول بنمرة عند عرفات. ٣٤ - الجمع بين الظهر والعصر عندها جمع تقديم. ٣٥ - الوقوف على عرفة مفطرًا. ٣٦ - الخطبة في عرفة. ٣٧ - استقبال القبلة رافعًا يديه يدعو على عرفة. ٣٨ - التلبية على عرفة. ٣٩ - الإِفاضة من عرفة بعد الغروب وعليه السكينة. ٤٠ - الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة. ٤١ - الأذان فيه بإِقامتين. ٤٢ - ترْك السنة بين الصلاتين. ٤٣ - البيات بها بدون إِحياء الليل. ٤٤ - صلاة الفجر حين يتبيّن الفجر. ٤٥ - الوقوف على المشعر الحرام منها مستقبل القبلة؛ داعيًا حامدًا مكبرًا مهللًا حتى الإِسفار جدًّا. ٤٦ - الدفع منها قبل أن تطلع الشمس. ٤٧ - الإِسراع قليلًا في بطن محسِّر. ٤٨ - الذّهاب إِلى الجمرة من طريق أخرى غير طريق الذّهاب إِلى عرفات. ٤٩ - رمي الجمرة الكبرى يوم النحر من بطن الوادي بسبع حصيات ضحى. ٥٠ - الرمي بحصى الخذْف. ٥١ - جواز رميها بعد الزوال. ٥٢ - الرمي من بطن الوادي. ٥٣ - التكبير مع كلّ حصاة. ٥٤ - قطع التلبية عند رمي الجمرة. ٥٥ - التحلُّلُ الحلَّ الأصغر بالرمي. ٥٦ - الرمي في أيام التشريق بعد الزوال. ٥٧ - نحْر القارن والمتمتع للهدي، فمن لم يجد؛ صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع. ٥٨ - نحر البعير وكذلك البقرة عن سبعة. ٥٩ - النحر في منى ومكة. ٦٥ - الأكل من الهدي. ٦١ - التطيب بعد الرمي. ٦٢ - الحلق. ٦٣ - البدء بيمين المحلوق. ٦٤ - الخطبة يوم النحر. ٦٥ - الإِفاضة لطواف الصدر (١) بدون رمل. ------------------------- (١) سمّي هكذا لأنّ الناس يصدرون إِلى مكة المكرّمة. ٦٦ - سعي المتمتع بعد طواف الإِفاضة؛ خلافًا للقارن. ٦٧ - ترتيب المناسك يوم النحر. ٦٨ - الإِحلالُ بعده الحلَّ كلَّه. ٦٩ - الشرب من زمزم عقب الفراغ من الطواف. ٧٠ - الرجوع إِلى منى والمكث فيها أيام التشريق الثلاثة. ٧١ - رمي الجمرات الثلاث في كل يوم منها بعد الزوال. ٧٢ - الطواف للوداع بدون رمل. العمرة المُفردَة العمرة في اللغة: الزيارة، وقيل: إِنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام (١). وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه (٢). فضلها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «العمرة إِلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إِلا الجنة» (٣). عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تابعوا ------------------------ (١)»الفتح«(٣/ ٥٩٧). (٢)»النهاية". (٣) أخرجه البخاري: ١٧٧٣، ومسلم: ١٣٤٩، وتقدّم. بين الحج والعمرة؛ فإِنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إِلا الجنّة» (١). حكمها: العمرة سُنّة، وذكر بعض العلماء أنها فرض! ولا دليل على ذلك (٢). وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٥): «والعمرة في وجوبها قولان للعلماء؛ هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، والمشهور منها وجوبها، والقول الآخر: لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وهذا القول أرجح؛ فإِن الله بما أوجب الحج بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ لم يوجب العمرة، وإنما أوجب إِتمامهما، فأوجب إِتمامهما لمن شرع فيهما، وفي الابتداء إِنما أوجب الحج، وهكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إِلا ايجاب الحج ...». جوازها قبل الحجّ وفي أشهره: يجوز للمرء أن يعتمر في أي شهر من العام، كما يجوز له الاعتمار في أشهر الحج من غير أن يحجّ. ---------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٦٥٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٣٣٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٤٦٧ و٢٤٦٨)، وانظر «الصحيحة» (١٢٠٠)، و«المشكاة» (٢٥٢٤ و٢٥٢٥)، وتقدّم. (٢) أمّا حديث جابر -رضي الله عنه-: أنّ النّبيّ - ﷺ - سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: لا، وأن يعتمروا هو أفضل«! فإِنه ضعيف، انظر»ضعيف سنن الترمذي" (١٦١). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كانوا (١) يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صَفَرًا (٢)، ويقولون: إِذا برأ الدَّبْر (٣)، وعفا الأثر (٤)، وانسلخ صَفَرْ، حلت العمرة لمن اعتمرْ! قدم النّبيّ - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعةٍ مُهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيُّ الحل؟ قال: حلٌّ (٥) كلّه» (٦). وذهب بعض العلماء إِلى كراهتها في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة! وسألت شيخنا -رحمه الله- عن ذلك. فقال: لا دليل على المنع. ----------------------- (١) أي: أهل الجاهلية. (٢) هذا من النسيء الذي كانوا يفعلونه، فكانوا يؤخرون المحرم إِلى ما بعد صفر؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة تُضيِّق علِيهم أمورهم من الغارة وغيرها. «نووي» بتصرّف وحذف. (٣) يعنون: دبر ظهور الإبل بعد انصرافها من الحج؛ فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج. «نووي» أيضًا. (٤) وعفا الأثَر: أي: درس وامّحى والمراد: أثر الإِبل وغيرها في سيرها؛ عفا أثرها لطول مرور الأيام. هذا هو المشهور. وقال الخطابي: المراد أثر الدبر. والله أعلم، وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويُوقَّف عليها؛ لأن مرادهم السجع«.»نووي" كذلك. (٥) وفي لفظ: الحِلُّ. (٦) أخرجه البخاري: ١٥٦٤، ومسلم: ١٢٤٠. فضل العمرة في رمضان: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «عمرة في رمضان تقضي (١) حجة معي» (٢). عمرة التنعيم: عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أنّ النّبيّ - ﷺ - قال له: «أردف أُختك عائشة فَأعْمرها من التنعيم، فإِذا هبطت الأكَمة فمُرها فلتُحرم؛ فإِنّها عُمرة متقبّلة» (٣). قال شيخنا -رحمه الله في «الصحيحة» (٦/ ٢٦٠) تحت الحديث (٢٦٢٦) -بحذف-: «وقد أخرجه البخاري (٣/ ٤٧٨)، ومسلم (٤/ ٣٥) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكر مختصرًا. وكذلك أخرجاه من حديث عائشة نفسها. وفي رواية لهما عنها قالت: فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك». وفي أخرى بنحوه قال: «مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحْلِلْ منها». وفي أخرى: «مكان عمرتي التي أمسكت عنها». وفي أخرى: «جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا». رواها مسلم. وفي ذلك إِشارة إِلى سبب أمره - ﷺ - لها بهذه العمرة بعد الحج، وبيان ذلك: ----------------------- (١) أي: تقوم مقامها في الثواب. «شرح النووي». (٢) أخرجه البخاري: ١٨٦٣، ومسلم: ١٢٥٦. (٣) أخرجه الحاكم وأحمد وأبو داود وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٢٦٢٦). أنها كانت أهلّت بالعمرة في حجتها مع النّبيّ - ﷺ -: إِما ابتداءً أو فسخًا للحج إِلى العمرة (على الخلاف المعروف) (١)، فلما قدمتْ (سَرِفَ) -مكان قريب من مكة- حاضت، فلم تتمكن من إِتمام عمرتها والتحلل منها بالطواف حول البيت؛ لقوله - ﷺ - لها -وقد قالت له: إِني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع بحجتي؟ - قال: «انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلّي بالحجّ، واصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي ولا تصلّي حتى تطهري (وفي رواية: فكوني في حجّك، فعسى الله أن يرزقكيها)». ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إِذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، وقال لها - ﷺ -. -كما في حديث جابر-: «قد حللتِ من حجَّك وعمرتك جميعًا»، فقالت: يا رسول الله! إِنّي أجد في نفسي؛ أنّي لم أطف بالبيت حتى حججت، وذلك يوم النفر، فأبت، وقالت: أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ وفي رواية عنها: يصدر الناس بنسكين وأصدُر بنسك واحد؟! (وفي أخرى: يرجع الناس (وعند أحمد (٦/ ٢١٩): صواحبي، وفي أخرى له (٦/ ١٦٥ و٢٦٦): نساؤك بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟!). وكان - ﷺ - رجلًا سهلًا إِذا هويت الشيء تابعَها عليه، فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن، فأهلت بعمرة من التنعيم. فقد تبيّن مما ذكرنا من هذه الروايات -وكلها صحيحة- أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما أمرها بالعمرة عقب الحج بديل ما فاتها من عمرة التمتع بسبب حيضها، ولذلك قال العلماء في تفسير قوله - ﷺ - المتقدّم: «هذه مكان عمرتك»: أي: -------------------- (١) ورجّح شيخنا -رحمه الله- الأول، وانظر المصدر المذكور -إِن شئت-. العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة، ثمّ أنشأوا الحج مفردًا. إِذا عرفْتَ هذا؛ ظهر لك جليًّا أنّ هذه العمرة خاصة بالحائض التي لم تتمكن من إِتمام عمرة الحج، فلا تشرع لغيرها من النساء الطاهرات، فضلًا عن الرجال. ومن هنا يظهر السرّ في إِعراض السلف عنها، وتصريح بعضهم بكراهتها، بل إِنّ عائشة نفسها لم يصحّ عنها العمل بها، فقد كانت إِذا حجّت تمكث إِلى أن يهلّ المحرم ثمّ تخرج إِلى الجُحْفَةِ فتحرم منها بعمرة، كما في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٦/ ٩٢). وقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٤٤) بمعناه عن سعيد بن المسيب: أنّ عائشة -رضي الله عنها- كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة. وإسناده صحيح. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الاختيارات العلمية» (ص ١١٩): «يكره الخروج من مكة لعمرة تطوّع، وذلك بدعة لم يفعله النّبيّ - ﷺ -، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها، بل أذن لها بعد المراجعة؛ تطييبًا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقًا، ويخرج عند من لم يكرهه على سبيل الجواز». وهذا خلاصة ما جاء في بعض أجوبته المذكورة في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٥٢ - ٢٦٣)، ثمّ قال (٢٦/ ٢٦٤): «ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك، فروى وسعيد بن منصور في»سننه" عن طاوس -أجلّ ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#112 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الرابع من صــ 436الى صــ 443 الحلقة (112) أصحاب ابن عباس- قال:»الذين يعتمرون من التنعيم؛ ما أدري أيؤجزون عليها أم يعذبون؟! قيل: فلِمَ يعذبون؟! قال: لأنّه يَدَع الطواف بالبيت، ويخرج إِلى أربع أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال [يكون] قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء«. وأقرّه الإِمام أحمد. وقال عطاء بن السائب:»اعتمرنا بعد بالحج، فعاب ذلك علينا سعيد ابن جبير«. وقد أجازها آخرون، لكن لم يفعلوها ...». وقال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (١/ ٢٤٣): «ولم يكن - ﷺ - في عُمره عمره واحدة خارجًا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَره كلها داخلًا إِلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة، لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجًا من مكة في تلك المدة أصلًا، فالعمرة التي فعَلها رسول الله - ﷺ - وشرعها فهي عمرة الداخل إِلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إِلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إِلا عائشة وحدها من بين سائر من كان معه؛ لأنّها كانت قد أهلّت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة، وأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة وقع عن حجّتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحباتها بحجّ وعمرة مستقلين -فإِنهن كنّ متمتعات ولم يحضْنَ ولم يَقْرِنّ- وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يُعْمِرَها من التنعيم تطييبًا لقلبها، ولم يعتمر هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه». العمرة الرَّجَبِيَّة! لم يَرد دليل في تخصيص العمرة في رجب، ويجوز من غير تخصيص؛ كما هو الشأن في سائر الشهور، لكن هناك من يعظّم العمرة في رجب إِلى حدٍّ كبير ويحرص ألا تفوته، وذلك نابع عن اعتقادِ أجرٍ خاصّ! عن مجاهد قال: «دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد؛ فإِذا عبد الله بن عمر جالس إِلى حُجْرة عائشة، والنّاس يُصلّون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة (١). فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن! كم اعتمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أربع عُمَر، إِحداهُنَّ في رجب. فكرهنا أنْ نكذّبه ونرُدَّ عليه، وسمعنا اسْتِنان عائشة في الحجرة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أمّ المؤمنين! إِلى ما يقول أبو عبد الرحمن؟! فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر النّبيّ - ﷺ - أربع عمرٍ إِحداهنّ في رجب؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن! ما اعتمر رسول الله - ﷺ - إِلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطّ!» (٢). وهذا لا يعني المنع في ضوء ما سبق في كلامي من جواز العمرة في كلّ الشهور، لكن القول بالأجر الخاص لا بد له من دليل خاص كأجر العمرة في رمضان. ----------------- (١) هذا قد حمله القاضي وغيره على أن مراده أن إِظهارها في المسجد والاجتماع لها هو البدعة؛ لا أن أصل صلاة الضحى بدعة ... والله أعلم. «نووي». (٢) أخرجه البخاري: ١٧٧٦، ١٧٧٧، ومسلم: ١٢٥٥. العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع (١): عن أبي رزين العقيلي:»أنّه أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعْنَ؟ قال: «حُجَّ عن أبيك واعتمِر» (٢). قال أبو عيسى -رحمه الله-: «هذا حديث حسن صحيح، وإنما ذُكرت العمرة عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الحديث: أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه: لَقِيطُ بن عامر». فضائل المدينة النبويّة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِن الإِيمان ليأرِزُ (٣) إِلى المدينة، كما تأرز الحية إِلى جحرها» (٤). فضل الموت بالمدينة النبوية: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها؛ فإِني أشفع لمن يموت بها» (٥). --------------------- (١) هذا العنوان من «سنن النسائي». (٢) أخرجه ابن ماجه، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٣٨). (٣) يأرز: أي: ينضمّ إِليها ويجتمع بعضه إِلى بعض فيها«.»النهاية«. (٤) أخرجه البخاري: ١٨٧٦، ومسلم: ١٤٧. (٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٠٧٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (٢٥٢٦). وعن عمر أنّه قال: «اللهمّ! ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» (١). قلت: وقد كان ذلك بحمد الله -تعالى- وتوفيقه (٢). استحباب شدّ الرحال إِلى المساجد الثلاثة: عن أبي هريرة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى» (٣). وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: «قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثمّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه؛ فإِن الفضل فيه» (٤). فضل الصلاة في المسجد النبوي: عن جابر -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إِلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٥). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٨٩٠. (٢) وانظر «صحيح البخاري» برقم (٣٧٠٠) (باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان؛ وفيه مقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-. (٣) أخرجه البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧. (٤) أخرجه البخاري: ٣٣٦٦، ومسلم: ٥٢٠. (٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٥٥)، وتقدّم. فوائد متعلّقة بالمسجد النبوي الشريف: ١ - لا يجوز شدّ الرّحال إِلى قبر النّبيّ - ﷺ -؛ للحديث المتقدّم: «لا تشدّ الرحال إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد ...». ٢ - لا يجوز التقبيل أو التمسح بالقبر الشريف. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا (١)، وصلّوا عليّ؛ فإِن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٢). ٣ - إِذا بلغ المرء قبر النّبيّ - ﷺ - وصاحبيه -رضي الله عنهما-، قال: «السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر! كما كان ابن عمر يفعل، فإِن زاد شيئًا يسيرًا مما يُلْهَمُهُ ولا يلتزمه؛ فلا بأس -إِن شاء الله تعالى-» (٣). فضل ما بين القبر والمنبر (٤): عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ما بين بيتي ومنبري -------------------- (١) قال ابن القيم -رحمه الله-:».. نهي لهم أن يجعلوه مجمعًا، كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إِليها للصلاة، بل يزار قبره -صلوات الله وسلامه عليه- كما كان يزوره الصحابة -رضوان الله عليهم- على الوجه الذي يرضيه ويحبه، -صلوات الله وسلامه عليه-«.»عون«(٦/ ٢٣). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٧٩٦)، وأحمد، وانظر»المشكاة«(٩٢٦)، و»تحذير الساجد«(ص ٩٦). (٣) انظر»مناسك الحج والعمرة«(ص ٥٨). (٤) هذا العنوان من»صحيح البخاري". روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي» (١). لا يصح أن نقول: حرم المقدس أو حرم الخليل. جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١١٧): «وليس في الدنيا حرم -لا بيت المقدس، ولا غيره إلاَّ هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرمًا كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم المقدس، وحرم الخليل؛ فإِن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه: حرم مكة، وأمّا المدينة فلها حرم أيضًا عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ -، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث: إِلا في»وَجٍّ«، وهو وادٍ بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم». استحباب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله - ﷺ - «يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا» (٢). وعن سهل بن حُنيف قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطهر في بيته، ثمّ أتى مسجد قباء، فصلّى فيه صلاة؛ كان له كأجر عمرة» (٣). مشاركة حاضري المسجد الحرام في الجمع والقصر: قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢٦/ ١٦٨): «ومن سُنَّة ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٩٦، ومسلم: ١٣٩٠. (٢) أخرجه البخاري: ١١٩٣، ومسلم: ١٣٩٩. (٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١١٦٠)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (٦٧٥). رسول الله - ﷺ -: أنّه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء، وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيّون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين؛ فإِن هذا مما يعلم بالاضطرار -لمن تتبع الأحاديث- أنه لم يكن، وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وعليه يدل كلام أحمد». استحباب التعجيل إِلى الأهل: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإِذا قضى نَهْمَتَهُ (١)؛ فليُعجِّل إِلى أهله» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا قضى أحدكم حجه؛ فليُعجِّل إِلى أهله؛ فإِنّه أعظم لأجره» (٣). ------------------ (١) النّهْمَة: بلوغ الهمّة في الشيء. «النهاية». (٢) أخرجه البخاري: ١٨٠٤، ومسلم: ١٩٢٧. (٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٣٧٩). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#113 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 1الى صــ 15 الحلقة (113) الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الخامس كتاب النكاح والطلاق والحضانة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤ الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة بسم الله الرحمن الرحيم النِّكاح النِّكاح تعريفه -في اللغة-: الضمّ والتداخُل (١). وفي الشرع: التزويج وربُّما عُبِّر به عن الغِشْيان نفسه (٢). التَّرغيب في النكاح (٣): لقد رغَّب الإِسلام في الزواج بصورٍ مُتعدِّدة للترغيب: فتارة يذكر أنَّه من سُنن الأنبياء، وهَدْي المرسلين، وأنّهم القادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهُداهم: ﴿ولقد أَرْسَلنا رُسُلًا من قَبْلِك وجَعَلنا لهم أزواجًا وذُرِّيَّة﴾ (٤). وتارةً يذكره في معرض الامتنان: ﴿واللهُ جَعَلَ لكُم مِنْ أَنْفُسكُم أزواجًا وجَعَلَ لكم من أزواجكم بَنِينَ وحَفَدَةً وَرَزَقَكم من الطيِّبات﴾ (٥). وأحيانًا يتحدّث عن كونه آيةً من آيات الله: ﴿ومن آياته أن خَلَقَ لَكُم من أَنْفُسِكم أزواجًا لِتَسْكُنُوا إِليها وجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً ورَحْمَة إِنَّ في ذلك ------------------- (١) «فتح» (٩/ ١٠٣). (٢) «حلية الفقهاء» (ص ١٦٥). (٣) عن «فقه السُّنّة» (٢/ ٣٢٦) بتصرّف. (تنبيه): من هذا العنوان حتى آخر كتابي «الموسوعة الفقهية»؛ سأعتمد -إِن شاء الله تعالى- في عَزْوِي إلى «فقه السنة» -طبعة «الفتح للإِعلام العربي»- مصر. (٤) الرعد: ٣٨. (٥) النحل: ٧٢. لآياتٍ لقوم يتفكرون﴾ (١). وقد يتردّد المرء في قَبول الزواج، فيُحْجِمُ عنه؛ خوفًا من الاضطلاع بتكاليفه، وهروبًا من احتمال أعبائه، فَيَلْفِتُ الإِسلام نظره إِلى أنّ الله سيجعل الزواج سبيلًا إِلى الغنى، ويمده بالقوة، التي تجعله قادرًا على التغلُّب على أسباب الفقر: ﴿وأَنْكِحُوا الأَيَامَى (٢) مِنْكُمْ والصَّالِحين من عِبَادكُمْ (٣) وإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه (٤) واللهُ واسعٌ عليم﴾ (٥). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب (٦) الذي يريد الأداء، والناكح الذي --------------------- (١) الروم: ٢١. (٢) الأيامى: جمع أيّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثمّ فارق، أو لم يتزوج واحد منهما. حكاه الجوهرى عن أهل اللغة، يقال: رجل أيّم، وامرأة أيّم أيضًا.»تفسير ابن كثير«. (٣) أي: عبيدكم. (٤) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعَدهم عليه الغنى، فقال: ﴿إِنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾.»تفسير ابن كثير«. (٥) النور: ٣٢. (٦) المكاتَب: من الكتابة: وهي أن يكاتِب الرجل عبده على مال يؤدّيه إِليه مُنجْمًا، فإِذا أدّاه صار حرًّا، وسُمّيت كتابة لمصدر كَتَب، كأنه يكْتُب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبه مُكاتبة، والعبد مكاتَب. وانظر»النهاية". يريد العفاف» (١). وجاء في «سنن النسائي»: (باب معونَةِ اللهِ الناكحَ الذي يُريد العفاف (٢» وذكر الحديث السابق. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (٣). وعن ثوبان قال: لمّا نزلت: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ (٤)، قال: كنّا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، فقال بعض الصحابة: أُنزلت في الذهب والفضة، لو عَلِمنا أيُّ المال خيرٌ فَنتَّخِذَهُ؟ فقال: «أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إِيمانه» (٥). ْوعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِن سعادة ابن آدم ثلاثة، ومِن شِقْوَةِ ابن آدم ثلاثة. مِن سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح. ومِن شِقْوة ابن آدم: المرأة السوء، ---------------------- (١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٣٥٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٠٤١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠١٧)، وانظر»غاية المرام«(٢١٠). (٢) انظر»صحيح سنن النسائي«(٢/ ٦٧٧). (٣) أخرجه مسلم: ١٤٦٧. (٤) التوبة: ٣٤. (٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٤٧٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٠٥)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (١٩١٣). والمسكن السوء، والمركب السوء» (١). وعنه -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث من السَّعادة: المرأة تراها تعجبك، وتغيب عنها فتأمنها على نفْسها ومالك، والدابّة تكون وَطِيئةً، فتُلحِقُك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق. وثلاث من الشقاء: المرأة ترأها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإنْ غِبت لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابّة تكون قَطُوفًا (٢)، فإِن ضربتها أتعبتك، وإِن تركتها لم تُلْحِقْك بأصحابك، والدار تكون ضيّقة قليلة المرافق» (٣). وعن أنس -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي» (٤). وفي رواية: «إِذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي» (٥). -------------------- (١) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح، والطبراني وغيرهما، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٤)، و«الصحيحة» (١٠٤٧). (٢) القَطُوف من الدواب: التي تُسيء السير وتُبطئ، وقد يوصف بها الإنسان فيقال: هذا غلام قطوف. «الوسيط». (٣) أخرجه الحاكم وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٥)، وانظر «الصحيحة» (١٠٤٧). (٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» وغيره، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٦)، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (٦٢٥). (٥) أخرجه البيهقي، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في "صحيح الترغيب = حُكم الزواج: يجب الزواج على كل شخص يخشى العنَت -وهو الوقوع في الزنى والفجور-. عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة (١) فليتزوج، فإِنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء (٢)» (٣). ------------------ = والترهيب«(١٩١٦). (١) قال النووي -رحمه الله-:»واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان إِلى معنى واحد، أصحهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مُؤَنِهِ، وهي مُؤَنُ النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه؛ فعليه بالصوم ليدفع شهوته، ويقطع شرَّ منيِّه كما يقطعه الوجاء. وعلى هذا القول؛ وقع الخطاب مع الشبَّان الذين هم مَظِنَّة شهوة النساء، ولا ينفكّون عنها غالبًا. والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مُؤَنُ النكاح، سُمّيت باسم ما يلازمها. وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم؛ ليدفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا على أنهم قالوا: قوله - ﷺ -. «ومن لم يستطع فعليه بالصوم»، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إِلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وأجاب الأولون بما قدّمناه في القول الأول وهو أن تقديره من لم يستطع الجماع؛ لعجزه عن مؤنه وهو محتاج إلى الجماع؛ فعليه بالصوم. والله أعلم«. (٢) جاء في»النهاية«:»الوجَاء: أن تُرَضّ أنثيا الفحل رضًّا شديدًا يُذهب شهوة الجماع ...«. وفي»الفتح«(٩/ ١١٠):»... وجأه بالسيف: إِذا طعنه به؛ ووجأ أنثييه؛ غمزهما حتى رضّهما«. وقال النووي -رحمه الله-:»المراد هنا: أنّ الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المنيّ كما يفعله الوجاء". (٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠. قال الحافظ ابن كثير بعد قوله -تعالى-: ﴿وأنكحوا الأيامى ...﴾: «وقد ذهب طائفة من العلماء إِلى وجوبه، على كلّ من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله - ﷺ -:»يا معشر الشباب ... «...». ومن لم يستطع الباءة التي تقدّم ذِكرها فعليه بالصوم؛ لحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- المتقدّم: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء». الزواج الحرام (١): يحرُم الزواج في حق من يُخِلّ بالزوجة في الوطء والإِنفاق، مع عدم قدرته عليه وتَوَقَانِهِ إِليه، قال الطبري: فمتى علم الزوج أنّه يعجز عن نفقة زوجته، أو صَداقها، أو شيء من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحلّ له أن يتزوجها، حتى يُبيّن لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها. وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع، كان عليه أن يبيّن؛ كيلا يغرَّ المرأة من نفسه، وكذلك لا يجوز أن يغرّها بنسب يدّعيه؛ ولا مال ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها. وكذلك يجب على المرأة، إِذا علِمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع؛ من جنون، أو جذام، أو برص، أو داءٍ في الفرج، لم يجُز لها أن تغرّه، وعليها أن تبيّن له ما بها في ذلك، كما يجب على بائع السلعة أن يبيّن ما بسلعته من العيوب. ------------------ (١) هذا العنوان وما يتضمّنه من «فقه السُّنّة» (٢/ ٣٣٤) بتصرّف. ومتى وجَد أحد الزوجين بصاحبه عيبًا، فله الردّ، فإِنْ كان العيب بالمرأة ردّها الزوج، وأخذ ما كان أعطاها من الصَّداق. وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: إِذا اكتشف الرجل عيبًا بالمرأة يمنعه الاستمتاع، فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟ فأجاب -رحمه الله-: إِذا جامعها؛ لا، وإِذا لم يجامعها فله ذلك. النهي عن التبتّل (١) للقادر على الزواج: عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «ردّ رسول الله - ﷺ - على عثمان بن مظعون التبتل (١)، ولو أذِن له لاختصينا» (٢). هل يقدّم الزواج على الحجّ؟ إِذا احتاج الشخص إِلى الزواج وخشي العنت؛ فإِنه يقدّمه على حجّة الإِسلام التي تجب عليه، وإلا قدّم الحجّ عليه. ----------------------- (١) قال النووي -رحمه الله-: «قال العلماء: التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح؛ انقطاعًا إِلى عبادة الله. وأصل التبتل القطع، ومنه: مريم البتول، وفاطمة البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة. ومنه صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف مالكها. قال الطبري: التبتل هو ترك لذَّات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إِلى الله -تعالى- بالتفرغ لعبادته. وقوله:»رد عليه التبتل«معناه: نهاه عنه. وهذا عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه إِلى النكاح ووجد مؤنه، وعلى من أضرّ به التبتل بالعبادات الكثيرة الشاقّة. أمّا الإِعراض عن الشهوات واللذات؛ من غير إِضرار بنفسه، ولا تفويت حق لزوجة ولا غيرها؛ ففضيلة ...». (٢) أخرجه البخاري: ٥٠٧٣، ومسلم: ١٤٠٢. عن أبي هريرةرضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يَتبعْني رجل قد ملَك بُضع (١) امرأة وهو يُريد أن يبنيَ بها ولمّا يَبْنِ بها، ولا آخرُ قد بنى بُنيانًا ولمّا يرفَعْ سقُفَها ...» (٢). جاء في «الصحيحة» تحت هذا الحديث (٢٠٢): «قال ابن المنيِّر: يستفاد منه الردّ على العامّة في تقديمهم الحجّ على الزواج، ظنًّا منهم أنّ التعفّف إِنّما يتأكّد بعد الحجّ، بل الأولى أن يتعفّف ثمّ يحجّ». وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يقدّم الزواج على الحج؟ فأجاب: إِذا خشي العنَت قدّمه، وإلا فلا. في ذمِّ العِشْق: قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٤/ ٢٦٥) -بحذف-: "هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكّن واستحكم، عزّ على الأطباء دواؤه، وأعْيَا العليلَ داؤُه، وإنما حكاه الله -سبحانه- في كتابه عن طائفتين من النّاس؛ من النّساء، وعُشّاق الصبيان المُردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط، فقال -تعالى- إِخبارًا عنهم لمّا جاءت الملائكة لوطًا: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣). ---------------------- (١) البُضع: فرج المرأة. (٢) أخرجه مسلم: ١٧٤٧. (٣) الحجر: ٦٧ - ٧٢. نعم؛ كان رسول الله - ﷺ - يُحبُّ نِساءه، وكان أحبهنّ إِليه عائشة -رضي الله عنها- ولم تكن تبلُغُ محبتُه -لها ولا لأحد سوى ربه- نهايةَ الحبّ. وعِشق الصور إِنما تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله -تعالى-، المُعرضة عنه، المتعوّضة بغيره عنه، فإِذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إِلى لقائه، دفع ذلك عنه مَرَضَ عِشْق الصور، ولهذا قال -تعالى- في حقّ يوسف: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إِنّه من عبادنا المُخلَصين﴾ (١)، فدل على أن الإِخلاص سبب لدفع العشق؛ وما يترتّب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرف المسبَّب صرف لسَبَبِهِ، ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ، يعني: فارغًا مما سوى معشوقه. قال -تعالى-: ﴿وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغًا إِن كادت لتبدي به﴾ (٢) أي: فارغًا من كل شيء إِلا من موسى؛ لِفَرْطِ محبتها له، وتعلّق قلبها به. والمحبة أنواع متعددة: فأفضلها وأجلها: المحبة في الله ولله، وهي تستلزم محبة ما أحبّ الله، وتستلزم محبة الله ورسوله. ومنها: محبة الاتفاق في طريقةٍ، أو دينٍ، أو مذهب، أو نِحلة، أو قرابة، أو صناعة، أو مرادٍ ما. ومنها: محبة لنيل غرض من المحبوب، إِمّا مِن جاهه أو من ماله أو مِن تعليمه وإرشاده، أو قضاء وَطَرٍ منه، وهذه هي المحبة العَرَضِيَّةُ التي تزول بزوال مُوجِبِها، فإِنَّ مَنْ ودَّك لأمرٍ ولّى عنك عند انقضائه. ------------------ (١) يوسف: ٢٤. (٢) القصص: ١١. وأمّا محبةُ المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب، فمحبة لازمة لا تزول إِلا لعارض يُزيلها، ومحبة العشق من هذا النوع، فإِنها استحسان روحاني، وامتزاج نفساني، ولا يَعْرِضُ في شيء من أنواع المحبة -من الوسواس والنحول، وشغل البال، والتلف- ما يَعْرِضُ من العشق». انتهى. قلت: وبهذا؛ فالعِشق مَشْغَلةٌ عن الله -سبحانه- الذي ينبغي أن يكون أحبَّ إِليك من نفسك ومالك والناس أجمعين. وهو عذابٌ لا يُؤجر المرء عليه، وقد يدفع بعضَ الناس إِلى الشرك بالله، وتقديم ذلك المحبوب على الله -تعالى- أو رسوله - ﷺ -. ولو قيل لبعضهم: لو طُلب منك الكُفر لِنَيْلِ محبوبك، أكنتَ فاعلَهُ؟ لقال: نعم! نعوذ بالله -تعالى- من الخِذلان. قال الشاعر: فما في الأرض أشقى من مُحِبٍّ ... وإِنْ وجَدَ الهوى حُلْوَ المذاقِ تراه باكيًا في كلّ حينٍ ... مخافةَ فُرقةٍ أو لاشتياقِ والعِشق يوقع صاحبه في الذُّل؛ فإِنه لا يرضى إِلا بالمعشوق، فكلما تقدّم الخُطّاب -ومهما كانوا متحلّين بحُسن الدين والخُلُق-؛ كان الكذب في إِبداء المعاذير وردّهم. وخيرُ ما يفعله الشابُّ أو الشابّة؛ عدم التعلّق بمعشوق، والجِدّ والمثابرة في النكاح الصحيح؛ في ضوء قوله - ﷺ -: «إِذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه» (١). مع إضافة ما يمكن الحصول عليه من الرغبة في الجمال ونحوه. ----------------- (١) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله تعالى-. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#114 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الخامس من صــ 16الى صــ 30 الحلقة (114) وأنت تَرى أنّ كلّ عاشق يزعم أن عشيقته هي ملكة الجمال في كلّ من خلَق الله -تعالى- من نساء الأرض! وذلك لأنه صادف قلبًا خاليًا فتمكّن؛ كما في قول الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا فليت أوّل لحظة من هذا تكون في فتاة فاضلة، بعد خِطبة شرعيّة وموافقة من الوليّ؛ ليكون تعلّقهما صحيحًا، وبذا يشعران بالغبطة والحبور والسرور والسعادة؛ عند المحادثة وعند اللقاء ونحو ذلك، فحَذارِ أن تعيش في سراب، ولا تتخيّر العذاب! جعلني الله وإِياك من أولي الألباب. ومع رغبتي في الإِفاضة في الموضوع؛ أكتفي بهذا، ففي هذا ذكرى و﴿الذكرى تنفع المؤمنين﴾ (١). الرغبة عن الزواج: ومن المصائب الكُبرى التي ابتُلِيَتْ بها أمّتنا؛ الاستهتار بالنكاح، ولا تجدُ ثمّة تفكير عند الشباب فيه، والأسباب كثيرة؛ من أبرزها الحرص على الحصول على الشهادة -ولا أقول: الحرص على تلقّي العلم-، والكلام في هذا يطول، ولكن ملخّصه: إِنّ مناهج الحياة قد صُنعت لنا وفُرضت علينا من قِبَل الكَفرة والمشركين، وحَرص كثير من الناس على أخْذها بحبّ وقناعة، ومن ذلك النظام التعليمي، فالشباب والشابّات قد أَقْصَوْا عن تفكيرهم أمر الزواج؛ حتى يُنْهوا الدراسة الجامعية، واشترط بعضهم التخصص! واشترط كثيرٌ منهم ممارسة العمل والحصول ---------------------- (١) الذاريات: ٥٥. على الأموال الكثيرة، وماذا يكون من شأنهم وشأنهنّ خلال فترة الدراسة؟! أَيَقْضُونَهَا في غَضِّ بصرٍ وحِفْظ فرجٍ، أم صومٍ ليكون لهم وجاءً؟! وهناك من يلجأ إِلى الاستمناء (العادة السرية) ليطفئ حرارة شهوته. وقال لنا شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه: العادة السرّية [الاستمناء] حرام، ولو خشي الزنى، والحَلُّ هو الزواج! وتلا قوله -تعالى-: ﴿... فَمَن ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلكَ فأولئِك هُمُ العَادُون﴾ (١). أقول: إِنّ في بلاد الكُفر إِباحة جنسية، ففي السنة السادسة الدراسية؛ تُدرّس الموادّ الجنسية، مع التطبيق العملي والوسائل المُعِينَةِ في ذلك! الجنس مُشاعٌ ميسَّر في كل وقت؛ فهم لا يعرفون الحرام. فكيف بنا نقلّدهم؟ ونكبِتُ الشباب والشابّات -هذا للعفيفين والعفيفات-؟! أما من ضعُف إِيمانه؛ فلا يسأل كيف يقضي شهوته؟ وبذلك تكون المعاهد والمجتمعات ملتقى العُشّاق والفُسَّاق!! كل هذا، وهذه التخصّصات الدراسية والعلمية؛ لم تُؤتِ أكُلها كما ينبغي، وكثير من الرّجال والنساء حصلوا على الشهادات، وأَنْهَوْا دراساتهم، ولكنْ هم أنفسهم على قناعةٍ أنهم لم يُفِيدُوا من دراساتهم ما يستحقّ الذِّكر. ولكن أصبح من المُخزي -زعموا- ألا يُدرِّس الرجلُ ولدَه أو ابنتَهُ، وأمسى الرياءُ، وحبُّ الظهور، ومداراةُ المجتمع أمرًا بيِّنًا جليًّا. وأرجو أن يُيسَّر لهذه الأمّة من يجمع بين العِلم النافع وتيسير النكاح. -------------------- (١) المؤمنون: ٧، المعارج: ٣١. وعلى كلّ حال: أريد أن أُذكّر بقول رسول الله - ﷺ -: «مِن حُسن إِسلام المرء ترْكه ما لا يعنيه» (١). فالإِنسان مسؤول أمام الله -تعالى- عن إِضاعة الوقت، وعن تأخير الزواج، وعن إِيقاع نفسه في الفتنة. ولعلّنا نستطيع أن نتّخذ الشهادة والدراسة حُجَّةً أمام الناس. أمّا أمام الله -تعالى- فلا، وقد قال -سبحانه-: ﴿بَل الإِنْسَانُ على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (٢). اختيار الزّوجة: ومَنْ أقبَلَ على النكاح؛ فعليه أن يتحرّى في اختياره الزوجة ما يأتي: ١ - أن تكون ذات دين؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبي - ﷺ - قال: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولِحسبها (٣)، ولجمالها، ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك (٤)» (٥). ------------------- (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٨٨٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٢١١)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «العقيدة الطحاوية» (٢٦٨). (٢) القيامة: ١٤ - ١٥. (٣) «أي: لشرفها، والحسب في الأصل: الشرف بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب، لأنهم كانوا إِذا تفاخروا عدّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها؛ فيُحكم لمن زاد عدده على غيره ...». «فتح» (٩/ ١٣٥). (٤) «تربت يداك؛ أي: لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يُراد به حقيقته ...». «فتح». (٥) أخرجه البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦. وفي الحديث: «الحسب: المال» (١). وفي رواية: «إِنّ أحساب النّاس بينهم هذا المال» (٢). ٢ - أن تكون وَلُودًا وَدُودًا: لحديث معقل بن يسار -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «تزوّجوا الوَدُودَ الوَلوُدَ، فإِني مُكاثر بكم الأمم» (٣). ٣ - أن تكون حانية على ولدها، وراعية على زوجها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «خير نساء ركبن الإِبل: صالحُ (٤) نساءِ قريش، أحناه (٥) على ولد في صِغره، وأرعاه على زوج (٦) في ذات يد» (٧). ------------------ (١) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٧٠). (٢) انظر «الإِرواء» (١٨٧١). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٠٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٠٢٦)، والحاكم، وانظر «الإِرواء» (١٧٨٤)، و«آداب الزفاف» (ص ١٣٢). (٤) قال الحافظ -رحمه الله-: «المراد بالصلاح هنا: صلاح الدين وحُسن المخالطة مع الزوج ونحو ذلك». (٥) الحانية: التي تقيم على ولدها، ولا تتزوّج شفقة وعطفًا. «النهاية». (٦) «أرعاه على زوج؛ أي: أحفظ وأصون لماله بالأمانة فيه، والصيانة له وترك التبذير في الإِنفاق». «فتح». (٧) أخرجه البخاري: ٥٠٨٢، ومسلم: ٢٥٢٧. وهذا -وما قبله من معرفتها وَدُودًا وَلُودًا- إِنما يتمُّ بالاستفسار عن بيئتها وأهل بيتها. وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله- كان أحد الإِخوة من المغرب يتكلّم مُبالِغًا حول لقاء الخطيبَين وحوارهما ومناقشتهما ... إِلخ فقال له شيخنا -رحمه الله-: كيف تعرف أنها وَلُود، هل تقول لها: هل أنتِ وَلُود؟! قال: لا؛ أسأل عن أمّها وأخواتها، قال شيخنا -رحمه الله-: وكذلك هل تقول لها: هل أنت وَدُود؟! انتهى. قلت: ولا مانع من اللقاء فيما لا بُدَّ منه؛ وممّا فيه مصلحة النّكاح، دون مبالغة وإِسراف. ٤ - ويفضّل أن تكون بِكرًا: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «هَلَكَ أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوجتُ امرأة ثيِّبًا، فقال لي رسول الله - ﷺ -: تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكرًا أم ثيّبًا؟ قلت: بل ثيّبًا، قال: فهلا جارية تُلاعِبها وتُلاعِبك، وتُضاحكهَا وتُضاحكك؟ قال: فقلت له: إِنّ عبد الله هَلَكَ وترك بنات، وإِني كَرِهْتُ أنْ أجِيئهنّ بمثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهن وتُصلحهن، فقال: بارك الله لك -أو خيرًا-» (١). وللإِنسان اختيار الزوجة الجميلة أو اشتراطها عند النكاح، لأنه يعمل عملَهُ في غضّ البصر وتحصين الفرج. عن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ - ﷺ - قال: "إِنّ الله جميل يحب --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٣٦٧، ومسلم: ٧١٥. الجمال» (١). وقال - ﷺ -: «عليكم بالأبكار؛ فإِنهنّ أعذبُ أفواهًا، وأنتقُ أرحامًا، وأرضى باليسير» (٢). التقارُب في السِّنِّ: عن بريدة قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة -رضي الله عنهم-، فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنها صغيرة. فخطبها عليّ، فزوّجها منه» (٣). ولكن؛ لا نجعل هذا التقارُب عائقًا إِن لم يتيسّر؛ فالموازنة في المصالح أمرٌ لا بُدّ منه. وهذا لا يمنع من تزويج الصغيرة من الكبير! واقرأ العنوان الآتي: تزويج الصغار من الكبار (٤): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تزوّجني النّبيّ - ﷺ - وأنا بنتُ ستِّ سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوُعِكتُ، فتمزّق شعري (٥)، فوَفَى جُمَيْمَةً (٦)، فأتتني أمّي أمُّ رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٩١. (٢) أخرجه ابن ماجه وغيره، وانظر»الصحيحة«(٦٢٣). (٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٢٠)، وغيره. (٤) هذا العنوان من»صحيح البخاري«. (٥) فتمزّق شعري؛ أي: تقطع.»فتح«. (٦) فوفى جُمَيْمَةً؛ أي: كثر. وجُمَيْمَة: مجتمع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط على المنكبين: جُمّة.»فتح". صواحب لي -فصرخَت بي، فأتيتها- لا أدري ما تريد بي؟ -، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنْهَجُ، حتى سكن بعض نَفَسِي، ثمّ أخذت شيئًا من ماء، فمسحت به وجهي ورأسي، ثمّ أدخلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائرٍ، فأسلمتني إليهنّ، فأصلحن من شأني، فلم يرُعني إِلا رسول الله - ﷺ - ضُحىً، فأسلمتني إِليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين» (١). وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: «أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا» (٢). وفي لفظ عند مسلم (٣): «ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة». وهذا فيه حكمة بالغة، فليس هناك من اضطرار للصغيرة لانعدام الكبيرات مثلًا، ولكن ليكون حكمًا شرعيًّا يُفِيُد منه المسلمون، فتدبّر. واستدلّ البخاري -رحمه الله- على نكاح الصغار بقوله -تعالى-: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤)، وقال: «فجعَل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ» (٥). قال الحافظ في «الفتح» (٩/ ١٩٠): «فدلّ على أنّ نكاحها قبل البلوغ --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٨٩٤، ومسلم: ١٤٢٢. (٢) أخرجه البخاري: ٥١٣٣. (٣) برقم: ١٤٢٢. (٤) الطلاق: ٤. (٥) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٣٨". جائز، وهو استنباط حَسَن ..». وقال لي شيخنا -رحمه الله- عن نكاح الصغار -مجيبًا عن سؤالي-: هل المقصود بالصغيرة التي لا تصلح للاستبضاع والتمتّع بها، أم المقصُود التي لم تبلغ سنّ الرُّشد؟ وأنا أُفرِّق بين الأمرين؛ فإِذا كان السؤال متوجهًا إِلى من لا تصلح أن يتمتّع بها الزوج العاقد عليها لصِغَر سنّها؛ فيمكن أن يُقال بأنّ العقد ليس صحيحًا. أمّا إِذا كانت عاقلة وراشدة، لكنها لَمْ تَحِض؛ فعندنا أدلَّة كثيرة على الجواز. أيّ النساء خير؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أيّ النساء خير؟ قال: «التي تسُرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه فى نفسها ومالها بما يكره» (١). اختيار الزوج: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أتاكم مَن ترضون خُلُقه ودينه فزوّجوه، إِلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض» (٢). ------------------------- (١) أخرجه أحمد، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٠٣٠) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٧٨٦). (٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي، (٨٦٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٠١)، والحاكم وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(١٠٢٢)، و»الإِرواء" (١٨٦٨). عرْض الإِنسان ابنتَه أو أختَه على أهل الخير (١): عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّ عمر بن الخطاب حين تأيّمت (٢) حفصة بنت عمر من خُنيس بن حُذافة السهميّ -وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - فتوفِّي بالمدينة-، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضتُ عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ لياليَ، ثمّ لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا! قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إِن شئت زوجتُك حفصة بنت عمر، فصَمَتَ أبو بكر، فلم يرجع إِليّ شيئًا، وكنت أَوْجَدَ عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ لياليَ، ثمّ خطَبها رسول الله - ﷺ -، فأنكحْتُها إِياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتَ عليّ حين عرضتَ عليّ حفصة فلم أرجع إِليك شيئًا (٣)؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت عليّ إلاَّ أني كنت علمت أن رسول الله - ﷺ - قد ذكرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله - ﷺ -، ولو تركها رسول الله - ﷺ - قَبِلْتُها» (٤). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٩/ ١٧٨): «... وفيه أنه لا بأس ----------------------- (١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٣٣«. (٢)»تأيمّت؛ أي: صارت أيّمًا، وهي التي يموت زوجها أو تبين منه وتنقضي عدتها، وأكتر ما تُطْلَق على من مات زوجها، وقال ابن بطال: العرب تُطْلِق على كل امرأة لا زوج لها وكل رجل لا امرأة له أيِّمًا«.»فتح«. (٣) أي: أعدْ عليك الجواب.»فتح". (٤) أخرجه البخاري: ٥١٢٢. بعرضها عليه، ولو كان متزوّجًا؛ لأنّ أبا بكر كان حينئذ متزوّجًا». التَّزْيين للتنفيق والتّرغيب في النكاح: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «عَثَرَ أسامةُ بِعَتَبَةِ الباب، فشُجّ في وجهه، فقال رسول الله - ﷺ -: أميطي عنه الأذى، فتقذَّرته! فجعل يمصُّ عنه الدم ويمجّه عن وجهه، ثمّ قال: لو كان أسامة جاريةً؛ لحلّيته وكسوته حتى أُنفِّقه» (١). وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «أنّ أباه كتب إِلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهرى؛ يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعمّا قال لها رسول الله - ﷺ - حين استفتته؟ فكتب عمر بن عبد الله ابن الأرقم إِلى عبد الله بن عتبة، يخبره أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خَوْلَةَ -وهو من بني عامر بن لؤي؛ وكان ممن شهد بدرًا-، فتوفي عنها في حَجّة الوداع وهي حامل، فلم تَنْشَبْ (٢) أن وضعت حمْلها بعد وفاته، فلما تعلّت (٣) من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكك -رجل من بني عبد الدار-، فقال لها: ما لي أراك تجمّلتِ للخُطّاب؟ تَرْجيِنَ النكاح؟ فإِنك والله ما أنت بناكحٍ، حتى تمرّ عليك ------------------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٠٧)، وانظر»الصحيحة«(١٠١٩). (٢) فلم تنشب؛ أي: لم تمكث.»نووي«. (٣) أي: ارتفعت وطهُرت. ويجوز أن يكون من قولهم: تعلّى الرجل مِن علّته: إِذا برَأ؛ أي: خَرجَتْ مِن نفاسها وسَلِمت.»النهاية". أربعةُ أشهر وعشر! قالت سُبيعة: فلما قال لي ذلك؛ جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله - ﷺ -، فسألته عن ذلك؛ فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعْت حملي، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي» (١). وفي الحديث فوائد فقهية أخرى؛ ساق الحافظُ الكثيرَ الطيّبَ منها؛ كقوله: «وفيه جواز تجمُّل الموأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطُبها، لأنّ في رواية الزهري عند البخاري: فقال: ما لي أراك تجمّلت للخُطّاب؟ وفي رواية ابن إِسحاق: فتهيأتُ للنكاح واختضبت. وفي رواية معمر عن الزهري: وقد اكتحلت». صلاة المرأة إِدْا خُطِبَت واستخارتُها ربَّها (٢): عن أنس -رضي الله عنه- قال: «لما انقضت عدَّةُ زينب؛ قال رسول الله - ﷺ - لزيد: فاذكُرها عليّ؛ قال: فانطلق زيد فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله - ﷺ - يذكرك. قالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتى أُوامِرَ (٣) ربي! فقامت إِلى مسجدها (٤)، ونزل القرآن، وجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل عليها بغير إِذن» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٩٩١، ومسلم: ١٤٨٤. (٢) هذا العنوان من سنن النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢/ ٦٨٦). (٣) أي: أستخيره، وأنظر أمره على لسانِ رسول الله - ﷺ -، قاله القرطبي في «المفهم» (٤/ ١٤٧). (٤) قال النووي -رحمه الله- (٩/ ٢٢٨): «أي: موضع صلاتها من بيتها. وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا». (٥) أخرجه مسلم: ١٤٢٨. الخِطبة (١) الخِطبة: فِعْلة، كقِعدة وجِلسة، يقال: خَطب المرأة يَخْطُبها، خَطْبًا وخِطْبَةً، أي: طلبها للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، ورجل خطّاب: كثير التصرّف في الخطبة، والخطيب، والخاطب، والخطب؛ الذي يخطب المرأة، وهي خطبة، وخطبته، وخطب يخطب: قال كلامًا يعظ به، أو يمدح غيره، ونحو ذلك. والخِطبة من مقدمات الزواج، وقد شرعها الله قبل الارتباط بعقد الزوجية؛ ليتعرّف كلّ من الزوجين صاحبه، ويكون الإِقدام على الزواج على هدى وبصيرة. ماذا يقول إِذا دُعي ليزوِّج؟ عن أبي بكر بن حفص قال: «كان ابن عمر إِذا دعي إِلى تزويج قال: لا تفضِّضوا (وفي نسخة: تعضضوا) علينا الناس، الحمد لله، وصلّى الله على محمد، إِن فلانًا خطب إِليكم فلانة، إِنْ أَنكحتموه فالحمد لله، وإنْ رددتموه فسبحان الله» (٢). خِطبة معتدَّة الغير (٣): تحرُم خِطبة المعتدَّة؛ سواء أكانت عدتها عدة وفاة، أم عدة طلاق، وسواء أكان الطلاق طلاقًا رجعيًا أم بائنًا، فإِن كانت معتدة من طلاق رجعي، حرمت ------------------------- (١) عن كتاب «فقه السّنة» (٢/ ٣٤٣). (٢) أخرجه البيهقي، وصحّح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في «الإِرواء» (١٨٢٢). (٣) عن «فقه السّنة» (٢/ ٣٤٤) بتصرّف. خطبتها؛ لأنها لم تخرج عن عصمة زوجها، وله مراجعتها في أي وقت شاء. وإِن كانت معتدة من طلاق بائن، حرُمت خطبتها بطريق التصريح، إِذ حقّ الزوج لا يزال متعلّقًا بها، وله حقّ إِعادتها بعقد جديد، ففي تقدُّم رجل آخر لخطبتها اعتداء عليه. واختلف العلماء في التعريض بخطبتها، والصحيح جوازه. وإن كانت معتدة من وفاة، فإِنه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح (١)؛ قال الله -تعالى-: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خِطبة النّساء أو أكننتم في أنفسكم عَلِم الله أنَّكم ستذكُرُونهنّ ولكن لا تُواعدوهنّ سرًّا إِلاّ أن تقولوا قولًا معروفًا ولا تعزِمُوا عُقْدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب أَجَلَه واعلموا أنّ الله يَعْلَم ما في أنفسكُم فاحذَروه﴾ (٢). والمراد بالنساء المعتدات لوفاة أزواجهن؛ لأن الكلام في هذا السياق، ومعنى التعريض؛ أن يذكر المتكلم شيئًا؛ يدل به على شيء لم يذكره، مِثل أن يقول: إِني أريد التزوج، أو: لَودِدْتُ أن يُيسّر الله لي امرأة صالحة، أو يقول: إِن ----------------------- (١) سألت شيخنا عن قول الشيخ السيد سابق -رحمهما الله تعالى-: وإن كانت معتدة من وفاة فإِنه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح؛ لأن صلة الزوجية قد انقطعت بالوفاة، فلم يبق للزوج حق يتعلق بزوجته التي مات عنها. وإنما حرمت خطبتها بطريق التصريح؛ رعاية لحزن الزوجة وإحدادها من جانب، ومحافظة على شعور أهل الميت وورثته من جانب آخر؟ فقال -رحمه الله-: لا أرى صحّة هذا التعليل! (٢) البقرة: ٢٣٥. الله لسائق لكِ خيرًا. عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «﴿فيما عرّضتم به من خِطبة النساء﴾ يقول: إِني أريد التزويج، ولوددت أنه ييسر لي امرأة صالحة. وقال القاسم: يقول: إِنك عليّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنّ الله لسائق إِليك خيرًا، أو نحو هذا. وقال عطاء: يُعرّض ولا يبوح، يقول: إِنّ لي حاجة، وأبشري، وأنتِ بحمد الله نافقة» (١). وخلاصة الآراء: أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للبائن، وللمعتدة من الوفاة، وحرام في المعتدة من طلاق رجعي. وإذا صرَّح بالخِطبة في العدة، ولكن لم يعقد عليها إلاَّ بعد انقضاء عدتها، فقد اختلف العلماء في ذلك؛ قال مالك: يفارقها؛ دخَل بها أم لم يدخل. وقال الشافعي: صح العقد، وإن ارتكب النهي الصريح المذكور؛ لاختلاف الجهة. واتفقوا على أنه يُفرّق بينهما لو وقع العقد في العدة، ودخل بها. وهل تحل له بعد، أم لا؟ قال مالك والليث والأوزاعي: لا يحل له زواجها بعد. وقال جمهور العلماء: بل يحلّ له إِذا انقضت العدة أن يتزوجها، إِذا شاء. وسألت شيخنا -رحمه الله-: «إِذا صرّح بالخِطبة في العدّة، ولكن لم يعقد عليها إِلا بعد انقضاء عدّتها، فهل أنتم مع من قال بصحّة العقد، وإن ارتكب النهي الصريح؟ --------------------- (١) انظر»صحيح البخاري" (٥١٢٤). فأجاب: نعم، أرى صحّة العقد، مع القول بارتكاب النهي». ثمّ رأيت قول عطاء: ولا يواعِد وليّها بغير علمها، وإن واعَدَت رجُلًا في عدّتها ثمّ نكحها بعد، لم يفرّق بينهما (١). تحريم خِطبة الرجل على خِطبة أخيه: عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: أنّ رسول الله - ﷺ -: «المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطُب على خِطبة أخيه حتى يَذَرَ» (٢). وإنْ أذِن الأول للثاني جاز. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: «نهى النّبيّ - ﷺ - أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطُب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب» (٣). قال أبو عيسى الترمذي: «قال مالك بن أنس: إِنما معنى كراهيهّ أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه: إِذا خطبَ الرجلُ المرأة فرضيت به، فليس لأحدٍ أن يخطب على خِطبته. وقال الشافعي معنى هذا الحديث: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، هذا عندنا إِذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به وركنَت إِليه، فليس لأحد أن يخطب(١)»صحيح البخاري" (٥١٢٤). (٢) أخرجه مسلم: ١٤١٤. (٣) أخرجه البخاري: ٥١٤٢، ومسلم: ١٤١٢. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|