![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#109 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 507 الى صـــ 526 الحلقة (109) ثانيها: أن هذا قبل ورود الأحكام، وأنه لم يكن تعبد بتحريمه إذ ذاك كالخمر، حكاه الخطابي (١)، وهذا قد أسلفناه في أواخر غسل المني وفركه. ثالثها: سلمنا نجاسته كما هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، فإزالة النجاسة ليست واجبة، وقد قَالَ به أشهب والأوزاعي وجماعة من التابعين تنزلنا وسلمنا أيضًا، فقد فرَّق بين ابتداء الصلاة بها، فلا يجوز وبين طروئها على المصلي في نفس الصلاة فيطرحها عنه، وتصح صلاته، حكاه القرطبي (٢) ومشهور مذهب مالك قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها بناء على أن إزالتها واجبة. وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا أمكن طرح الثوب النجس في الصلاة يتمادى في صلاته ولا يقطعها (٣)، وقد أسلفنا هذا في أول الباب عنه. رابعها: وهو ما ارتضاه النووي -رحمه الله- أنه - ﷺ - لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة، وما ندري هل كانت هذِه الصلاة فريضة، فتجب إعادتها على الصحيح عندنا، أم غيرها، فلا يجب؟ فإن وجبت الإعادة فالوقت موسع لها، وإن كان يبعد ألا يحس ما وضع على ظهره، ولئن أحس به فما تحقق نجاسته (٤). قَالَ ابن بطال: ولا شك أن هذا كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، لأن هذِه الآية أول -أي: من أول- ما نزل عليه -------------------- (١) السابق. (٢) «المفهم» ٣/ ٦٥٣. (٣) انظر: «الذخيرة» ١/ ١٩٤. (٤) «شرح مسلم» ١٢/ ١٥١. من القرآن قبل كل صلاة، فريضة كانت أو نافلة، وتأولها جمهور السلف أنها في غير الثياب، وأن المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن الدناءة والآثام، قالوا: وقول ابن سيرين أنه أراد الثياب، شذوذ لم يقله غيره (١). ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٥٦. ٧٠ - باب البُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْبِ قَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: خَرَج النَّبِيُّ - ﷺ - زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ. [انظر: ١٦٩٤، ١٦٩٥] ٢٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيدٍ، عن أَنَسٍ قَالَ: بَزَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ثَوْبِهِ. طَوَّلَهُ ابن أَبي مَرَيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -. [٤٠٥، ٤١٢، ٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ١٢١٤ - مسلم: ٥٥١ - فتح:٣/ ٣٥١] (قَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: خَرَجَ النَّبيُّ - ﷺ - زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) هذِه قطعة من حديث طويل ساقه البخاري بطوله في صلح الحديبية والشروط في الجهاد، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة به (١). قال البخاري: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَزَقَ النَّبيُّ - ﷺ - فِي ثَوْبِهِ. ثم قال البخاري: طَوَّلَهُ ابن أَبِي مَرْيَمَ، أنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة من حديث زهير، عن حميد، عن أنس أن النبي - ﷺ - رأى نخامة في القبلة، وفيه: فأخذ -------------------- (١) سيأتي برقم (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد. طرف ردائه فبصق فيه، وردّ بعضه على بعض (١). وأخرجه أبو داود في الطهارة من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، ومن حديث حماد، عن ثابت، عن أبي نضرة، عن النبى - ﷺ -: أنه بزق في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض، وهذا مرسل (٢). وقال الدارقطني عن يحيى القطان: كان حماد بن سلمة يقول: حديث حميد، عن أنس: أن النبي - ﷺ - بصق في ثوبه، وإنما رواه حميد، عن ثابت، عن أبي نضرة، قَالَ يحيى: ولم يقل شيئًا؛ لأن هذا قد رواه قتادة، عن أنس. قَالَ الدارقطني: والقول عندنا قول حماد بن سلمة، لأن الذي رواه عن قتادة، عن أنس غير هذا، وهو أنه - ﷺ - قَالَ: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» (٣). إذا تقرر لك؛ ذَلِكَ فالكلام على هذا الحديث من أوجه: أحدها: عروة (ع) السالف في الحديث الأول: هو ابن الزبير، الفقيه العالم الثبت المأمون، صائم الدهر، ومات وهو صائم، مات بعد التسعين (٤). والمِسْور (ع): هو ابن مخرمة بن نوفل بن أُهيب الزهري، صحابي صغير. مات سنة أربع وستين (٥). -------------------- (١) سيأتي برقم (٤١٧) كتاب: الصلاة، باب: إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه. (٢) «سنن أبي داود» (٣٨٩، ٣٩٠) ولفظه: وحك بعضه على بعض. (٣) «علل الدارقطني» ١٢/ ٤٧، والحديث سيأتي برقم (٤١٥) كتاب: الصلاة، باب: كفارة البزاق في المسجد. (٤) سبقت ترجمته في شرح حديث (١٦٠). (٥) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ٢٥٤٧ (٢٧١٨)، «الاستيعاب» = ومروان (خ، والأربعة) هو: ابن الحكم الأموي، ولد سنة اثنتين، ولم يصح له سماع وله عن عثمان وبُسْرة، دولته تسعة أشهر وأيام. مات سنة خمس وستين (١). ومحمد (ع) بن يوسف في السند الثاني هو الفريابي، فإن أبا نعيم رواه عن الطبراني، عن ابن أبي مريم، ثنا الفريابي، ثنا سفيان قَالَ: رواه -يعني: البخاري- عن الفريابي، وكذا صرح به خلف في «أطرافه». وسفيان هذا: هو ابن سعيد الثوري، كما صرح به الدارقطني (٢)، فإنه لما ذكر رواة هذا الحديث قَالَ: رواه سفيان بن سعيد، عن حميد ولم يذكر ابن عيينة فيهم، والفريابي كثير الملازمة له أيضًا، ولما ذكر الجياني (٣) وغيره، ما رواه محمد بن يوسف البَيْكَنْدِي عن ابن عيينة لم يذكروا هذا الحديث منها، وابن عيينة مقل في حميد، حتى إن البخاري لم يُخَرِّج له إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث النواة في الصداق، فيما ذكره شيخنا قطب الدين في «شرحه» (٤). وقال الإسماعيلي: رواه معاوية بن هشام، وعفيف بن سالم، وأيوب بن سعيد، وهؤلاء رووا عن الثوري. وحميد: هو الطويل (٥)، وإن كان حُميد بن هلال في طبقته؛ لأن ------------ = ٣/ ٤٥٥ (٢٤٠٠)، «أسد الغابة» ٥/ ١٧٥ (٤٩١٩). (١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢٦٣٢/ ٥ (٢٨١٤)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٤٤ (٢٣٩٩)، و«أسد الغابة» ٥/ ١٤٤ (٤٨٤١). (٢) «العلل» ١٢/ ٤٧. (٣) انظر: «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨. (٤) ورد بهامش الأصل: كذا ذكره الشيخ قطب الدين: (…) المزي لم يذكر في «أطرافه» سفيان (…) حميد، عن أنس في الحديث المشار إليه. (٥) سلف في حديث (٤٩). السفيانين لم يرويا عن حميد بن هلال شيئًا. وابن أبي مريم (ع): هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم المصري الحافظ، روى عنه البخاري، وله «موطأ» رواه عن مالك، وهو ثقة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١). ويحيى (ع) بن أيوب: هو الغافقي المصري مولى عمر بن الحكم بن مروان أبو العباس. مات سنة ثمان وستين ومائة، وفيه لين. قَالَ أبو حاتم: لا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي (٢). وحديثه المطول قد ذكرنا أن البخاري أخرجه في الصلاة، ذكره في باب حك البزاق من المسجد (٣). الوجه الثاني: النُخَامة: ما يخرج من الفم، بخلاف النخاعة: فإنها ما تخرج من الحلق، كذا قاله النووي (٤)، لكن في «الصحاح» و«المجمل»: --------------------- (١) سبق حديث (١٠٣). (٢) هو: يحيى بن أيوب الغافقي، أبو العباس المصري. قال أبو سعيد بن يونس: نسبوه في موالي عمر بن مروان بن الحكم، وقال النسائي في موضع آخر: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات». قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: سيء الحفظ، وهو دون حيوة وسعيد بن أبي أيوب في الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح، وقال مرة: ثقة. قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٦٠ (٢٩١٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٤٧ (١٩٦٢)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٢٧ (٥٤٢)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٢٣٣ (٦٧٩٢)، «تقريب التهذيب» (٧٥١١). (٣) سيأتي برقم (٤٠٥) من طريق قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد به. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ٣٨ - ٣٩. النخامة -بالضم- النخاعة (١)، وفي «المغيث»، و«المغرب» للمطرزي: هي ما يخرج من الخيشوم (٢). وفي «المحكم» لابن سيده: يقال: نخم الرجل نُخمًا ونَخمًا، وتنخم: دفع بشيء من صدره أو أنفه (٣). والبزاق: بالزاي والسين والصاد، والسين أضعفها، ولم يذكرها في «المخصص». الوجه الثالث: في فقه الباب: وهو دال على ما ترجم له من طهارة البُزاق والمخاط وهو [أمر مجمع عليه لا أعلم فيه اختلافا] (٤)، إلا ما روي عن سلمان [الفارسي] (٥) أنه جعله غير طاهر (٦) وأن الحسن بن حيّ كرهه في الثوب، وذكر الطحاوي، عن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه. قُلْتُ: وذكر ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن النخعي، أنه ليس بطهور (٧). وقال ابن حزم: لما عدد أقوالًا غريبة صحت عن بعض السلف يدعي قوم في خلافها الإجماع، صح عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، ثم قَالَ: رويناه من طريق الثوري في حديثه المجموع (٨). ------------------ (١) «صحاح الجوهري» ٥/ ٢٠٤٠، «المجمل» ص ٨٦١. (٢) «المجموع المغيث» ٣/ ٢٧٦، «المغرب» ٢/ ٢٩٤. (٣) «المحكم» ٥/ ١٣٧، مادة: (نخم). (٤) ما بين المعقوفين طمس في الأصل، والمثبت من ابن بطال ١/ ٣٥٩. (٥) كلمة غير واضحة بالأصل، والمثبت من ابن بطال. (٦) «رواه ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٩ (١٤٨٩). (٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٣٠ (١٤٩٠). (٨) «المحلى» ١/ ١٣٩. قُلْتُ: وما ثبت عن الشارع من خلافهم هو المتبع، والحجة البالغة، فلا معنى لقول من خالف، وقد أمر الشارع المصلي أن يبزق عن يساره أو تحت قدمه، وبزق الشارع في طرف ردائه، ثم رد بعضه على بعض، وقال: «أو تفعل هكذا» (١)، وهذا ظاهر في طهارته؛ لأنه لا يجوز أن يقوم المصلي على نجاسة، ولا أنْ يصلي وفي ثوبه نجاسة. وفيه أيضًا التبرك ببزاق الشارع ونخامته، وذلك وجوههم بها تبركًا وتوقيرًا له وتعظيما. -------------------- (١) سيأتي برقم (٤٠٥) كتاب: الصلاة، باب: حك البزاق باليد من المسجد. ٧١ - باب: لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا المُسْكِرِ وَكَرِهَهُ الحَسَنُ وَأَبُو العَالِيَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ. [فتح: ١/ ٣٥٣] ٢٤٢ - حَدَّثَنَا علَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدُّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». [٥٥٨٥، ٥٥٨٦ - مسلم: ٢٠٠١ - فتح: ١/ ٣٥٤] قال البخاري: وَكَرِهَهُ الحَسَنُ وَأَبُو العَاليَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ. أما أثر الحسن فرواه عبد الرزاق في «مصنفه»، عن الثوري، عن إسماعيل بن مسلم -يعني: المكي- عن الحسن قَالَ: لا توضأ بلبن ولا نبيذ (١). وأما أثر أبي العالية: وهو رفيع بن مهران فرواه ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية، عن أبي خلدة، عنه أنه كره أن يغتسل بالنبيذ (٢). ورواه الدارقطني في «سننه» بإسناد جيد عن أبي خلدة، قُلْتُ لأبي العالية: رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ، يغتسل به من الجنابة؟ قَالَ: لا. فذكرت له ليلة الجن، فقال: أنْبِذَتُكُم هذِه الخبيثة، إنما كان زبيبًا (٣). وذكر أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قَالَ: ركبت في البحر مع أصحاب رسول الله - ﷺ -، ففني ماؤهم، فكرهوا الوضوء من ماء البحر، فتوضئوا بالنبيذ، وحكاه ابن حزم عن بعضهم ------------------- (١) المصنف«له ١/ ١٧٩ (٦٩٤). (٢) المصنف» له ١/ ٣٢ (٢٦٦). (٣) «سنن الدارقطني» ١/ ٧٨. ولم يسمه، قَالَ: وهو مخالف لفعل أصحابهم؛ لأنهم لا يجيزون الوضوء بالنبيذ مادام يوجد ماء البحر (١)، وقال الداودي في «شرحه» في قول الحسن وأبي العالية، لو ذكرا أنه التيمم قالا بالتحريم، وما كان حرامًا فهو نجس. وعطاء -السالف- هو ابن أبي رباح. صرح به ابن حزم حيث قَالَ: لا يجوز الوضوء بغير الماء، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وداود وغيرهم، وقال به الحسن وعطاء بن أبي رباح والثوري وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور وغيرهم (٢). وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، حكاها عنه الرازي في «أحكامه» وأشهرها: يتوضأ به، ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، قَالَ قاضي خان (٣): هي قوله الأول، وبها قَالَ زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه جماعة، قال قاضي خان: وهي الصحيحة عنه وقوله الآخر والذي رجع إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء واختيار الطحاوي (٤). والثالثة: روي عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد، فقيل: استحبابًا، وقيل: وجوبًا. --------------------- (١) «المحلى» ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤. (٢) «المحلى» ١/ ٢٠٢. (٣) هو العلامة شيخ الحنفية، أبو المحاسن حسن بن منصور بن محمود البخاري الحنفي، الأوزجندي، صاحب التصانيف. سمع من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز، وطائفة. روى عنه العلامة جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٢٣١ (١١٧)، «كشف الظنون» ١/ ١٦٥، «شذرات الذهب» ٤/ ٣٠٨، «معجم المؤلفين» ١/ ٥٩٤. (٤) «شرح معاني الآثار» ١/ ٩٦. وعنه رواية رابعة: في جوازه بالمطبوخ منه في السفر إذا عدم فيه الماء، وعن الأوزاعي الوضوء بكل نبيذ، وحكى الترمذي عن سفيان الوضوء بالنبيذ (١). ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يتوضأ به مع وجود الماء، لأنه ليس بماء، قال: فلما كان خارجًا من حكم المياه في حال وجود الماء كان خارجًا من حكمها في حال عدمه (٢)، وقد سلف عن ابن حزم ذَلِكَ أيضًا. واستدل للرواية الأولى بحديث أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود قَالَ: سألني النبي - ﷺ - ليلة الجن «ما في إدواتك؟» قُلْتُ: نبيذ، قَالَ: «ثمرة طيبة وماء طهور» (٣) وفي لفظ: «فتوضأ به، وصلى الفجر». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. قَالَ الترمذي: إنما روي عن أبي زيد، عن عبد الله مرفوعًا. وأبو زيد رجل مجهول، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، هذا كلامه (٤). وقد أعل بوجوه: أحدها: جهالة أبي زيد هذا، وتشكك شريك فيه، حيث قَالَ: أبو زيد أو زيد (٥). قَالَ ابن أبي حاتم في «علله»: سمعت أبا زرعة يقول: أبو زيد رجل مجهول (٦). --------------------- (١) «سنن الترمذي» ١/ ١٤٨ عقب حديث (٨٨). (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٦١. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ روي من حديث أبي أمامة أيضًا وهو غريب. (٤) رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤)، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١١): ضعيف. (٥) ورد بهامش (س) ما نصه: لعله يزيد. (٦) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٧ رقم (١٤). وذكر ذَلِكَ ابن عدي، عن البخاري، وزاد لا يعرف بصحبة ابن مسعود (١)، وكذا نص على جهالته غير [واحد] (٢) وإن قَالَ ابن العربي: إنه عمرو بن حريث، وعنه: راشد بن كيسان وأبو روق (٣). وأما أبو فزارة الراوي عنه: فهو راشد بن كيسان (٤)، روى عنه جماعة، وهو ثقة. وقيل: إنهما اثنان. وراوي هذا الحديث مجهول، ليس هو ابن كيسان. قَالَ أحمد: أبو فزارة راوي هذا الحديث رجل مجهول، وذكر البخاري أبا فزارة العبسي، راشد بن كيسان، وأبا فزارة العبسي غير مسمى، فجعلهما اثنين. ورواه عن عبد الله جماعات غير أبي زيد متكلم في أكثرهم، ولقد أنصف الطحاوي الذاب عنهم، فقال في أول كتابه: إنما ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى الوضوء بالنبيذ؛ اعتمادًا على حديث ابن مسعود (٥)، ولا أصل له، ولا معنى لتطويل كتابي بشيء منه. الثاني: أن عبد الله ما شهد ليلة الجن، كما جاء في «صحيح» ----------------------- (١) «الكامل لابن عدي» ٩/ ١٩٠ - ١٩١. (٢) رطوبة بالأصل. (٣) هكذا قال المصنف، والذي في «عارضة الأحوذي» ١/ ١٢٨: وقال غيره: أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق. اهـ قلت: فلعله في إحدى نسخه أو تصرف من محققه. (٤) رجح ابن حجر في «تهذيبه» أنه راشد بن كيسان العبسي أبو فزارة الكوفي، وقال: وثقه ابن معين، والدارقطني، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حُرَيث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا. وفي «علل الخلَّال»: قال أحمد: أبو فَزَارة في حديث عبد الله مجهول. وتعقبه ابن عبد الهادي فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة. انظر: «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٨٤. (٥) «شرح معاني الآثار» ١/ ٩٥ (٦٠٧). مسلم» (١) من قول علقمة عنه، وإن كان شهد أولها واستوقفه وبعد عنه ثم عاد إليه. الثالث: أنه منسوخ على تقدير صحته؛ لأنه كان بمكة، ونزول آية التيمم بالمدينة، وفيه نظر. الرابع: أنه مخالف للأصول، فلا يحتج به عندهم. الخامس: أنهم شرطوا لصحة الوضوء به السفر، والشارع إنما كان في شعاب مكة، كما ثبت في «صحيح مسلم» (٢). السادس: أن المراد بالنبيذ: ما نبذت فيه تمرات، لتعذب، ولم يكن متغيرًا، وقد وصفه - ﷺ - بأنه طهور، ثم هذا إذا لم يشتد ولم يسكر، فإن اشتد حرم شربه، فكيف الوضوء به؟ كما صرح به في «المبسوط» عندهم، فإن كان مطبوخًا فالصحيح عندهم أنه لا يتوضأ به. وقال صاحب «المفيد»: إذا ألقي فيه تمرات فحلا ولم يزل عنه اسم الماء وهو رقيق يجوز الوضوء به، بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز الاغتسال به، خلاف ما في «المبسوط» من جوازه، ووجه الأول أن الجنابة أغلظ الحدثين، والضرورة فيه دون الوضوء، فلا يقاس عليه. وقال الكرخي: المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به، حلوًا كان أو مسكرًا، إلا عند محمد في المسكر. وقال أبو طاهر الدباس: لا يجوز، وصححه في «المحيط»، كمرق الباقلاء. ---------------------- (١) كما جاء في حديث رقم (٤٥٠) من طريق علقمة عن عبد الله، قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ - ووددت أني كنت معه. (٢) انظر التخريج السابق. ثم قَالَ البخاري رحمه الله: حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». هذا حديث متفق على صحته، أخرجه البخاري هنا، وفي الأشربة (١)، وأخرجه مسلم والأربعة هناك (٢). وسفيان هذا هو ابن عيينة. وعلي هو ابن المديني. وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. ووجه إيراد البخاري هذا الحديث هنا، أن المسكر واجب الاجتناب؛ لنجاسته، حرام استعماله في كل حال، ومن جملة ذَلِكَ الوضوء، وما يحرم شربه يحرم الوضوء به؛ لخروجه عن اسم الماء لغة وشرعًا، وكذلك النبيذ أيضًا غير المسكر هو في معنى المسكر من جهة أنه لا يقع عليه اسم الماء، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماء؛ لأن فيه ماءً جاز أن يسمى الخل ماء لأن فيه ماء. وفيه أيضًا تصريح بتحريم جميع ما أسكر سواء أكان خمرًا أو نبيذًا، وأكثر العلماء على تسمية جميع الأنبذة خمرًا، لكن قَالَ أكثرهم: هو مجاز، وهو حقيقة في عصير العنب. وقال جماعة: هو حقيقة لظاهر الأحاديث الواردة في ذَلِكَ، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في كتاب الأشربة، إن قدر الله الوصول إليه، اللهم افعله. ----------------------- (١) سيأتي برقم (٥٥٨٥) كتاب: الأشربة، باب: الخمر من العسل وهو: البتع. (٢) مسلم (٢٠٠١) كتاب: الأشربة، باب: أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، وأبو داود (٣٦٨٢)، والترمذي (١٨٦٣)، والنسائي ٨/ ٢٩٨، وابن ماجه (٣٣٨٦). ٧٢ - باب غَسْلِ المَرْأَةِ (أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) (١) وَقَالَ أَبُو العَاليَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ. ٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلهُ النَّاسُ -وَمَا بَيْنِي وَبَينَهُ أَحَدٌ -: بِأَيِّ شَيءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبيِّ - ﷺ -؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. [٢٩٠٣، ٢٩١١، ٣٠٣٧، ٤٠٧٥، ٥٢٤٨، ٥٧٢٢ - مسلم: ١٧٩٠ - فتح: ١/ ٣٥٤] هذا رواه ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن عاصم، وداود، عن أبي العالية أنه اشتكى رجله فعصبها وتوضأ ومسح عليها، وقال: إنها مريضة (٢). وينبغي أن يقرأ (مُسِحَ) بضم الميم؛ ليوافق ما رواه البخاري. ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ، أنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ -وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ-: بِأَيِّ شَيءٍ (دُووِيَ) (٣) جُرْحُ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد والنكاح (٤)، وأخرجه مسلم في المغازي (٥). -------------------- (١) ورد بهامش الأصل: (وجه أبيها من الدم). وعلم عليها أنها نسخة. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٢٥ - ١٢٦ (١٤٣٧). (٣) كتبت في الأصل بواو واحدة والصواب أنها بواوين، على ما يأتي قريبا. (٤) سيأتي برقم (٢٩٠٣) باب: المجن ومن يترس بترس صاحبه، (٥٢٤٨) باب: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. (٥) رواه مسلم (١٧٩٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد. ثم الكلام عليه من أوجهٍ: أحدها: محمد هذا: هو ابن سلام البيكندي، كذا جاء في بعض نُسَخِهِ، ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح وهشام بن عمار، عن سفيان (١). ورواه الإسماعيلي أيضًا عن محمد بن الصباح، عن سفيان به. وادعى ابن عساكر أن ابن ماجه رواه من حديث سفيان، عن أبي حازم، والذي في نسخة منه عن سفيان، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، وأبو حازم بالحاء المهملة [والزاي] (٢) المعجمة اسمه: سلمة بن دينار الأعرج، أحد الأعلام. مات بعد الثلاثين ومائة (٣). وسهل بن سعد: هو الساعدي (الأنصاري) (٤) مات سنة ثمان وثمانين، أو سنة إحدى وتسعين. ثانيها: (دووي) بواوين، ووقع في بعض النسخ بواحدة، وتكون الأخرى محذوفة كما حذفت من داود. ثالثها: قول سهل: (ما بقي أحد أعلم به مني). إنما قَالَ ذَلِكَ؛ لأن وفاته -------------------- (١) في المطبوع من «سنن ابن ماجه» (٣٤٦٤) حدثنا هشام بن عمار ومحمد بن الصَّباح قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد. ولكنَّ المزي ذكر مكان عبد العزيز سفيانَ بنَ عيينة انظر: «التحفة» ٤/ ١٠٧ (٤٦٨٨). (٢) ضربت عليه الرطوبة في الأصل، والسياق يقتضيها. (٣) سلفت ترجمته في حديث (١٠٢). (٤) ضربت عليه الرطوبة في الأصل، والمثبت من «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٤٠. تأخرت عن [الواقعة] (١) فوق ثمانين سنة؛ لأنها كانت بأُحد، كما سيأتي، وهي في الثالثة؛ لأنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة في قول ابن سعد (…) (٢) وقال ابن الحذاء: بمصر. والترس: الجحفة. رابعها: هذِه الواقعة كانت بأحد، وزعم ابن سعد أن (عتبة) (٣) بن أبي وقاص شج النبي - ﷺ - في وجهه وأصاب رباعيته، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن رسول الله - ﷺ - الدم، والنبي - ﷺ - يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم (٤)، فأنزل الله تعالى: ﴿ليَس لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَئٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨] وساقه من حديث محمد بن حميد العبدي، ثنا معمر، عن قتادة، وزعم السهيلي أن عبد الله بن قميئة هو الذي جرح وجهه - ﷺ - (٥). خامسها: في أحكامه: الأول: غسل الدم من الجسد، وهو إجماع. الثاني: جواز مباشرة المرأة أباها وذَوِي محارمها وإلطافها إياهم، ومداواة أمراضهم. قَالَ المهلب: ولذلك قَالَ أبو العالية لأهله: (امسحوا على رجلي فإنها مريضة) ولم يخص بعضهم دون بعض؛ بل عمهم جميعًا. ---------------------- (١) ضربت عليه الرطوبة، ولعل المثبت الأنسب للسياق. (٢) ضربت عليه الرطوبة. (٣) ضربت عليه الرطوبة، والمثبت من «طبقات ابن سعد» ٢/ ٤٥. (٤) انظر: «طبقات ابن سعد» ٢/ ٤٥. (٥) ورد بهامش (س): (…). أبو الفتح اليعمري في (…) أن الذي توقى ذلك عنه - ﷺ - ثلاثة (…) وابن قميئة وعبد الله بن شهاب (…). الثالث: إباحة التداوي؛ لأنه - ﷺ - قد داوى جرحه بالحصير المحرق، وقد جاء في رواية أخرى، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه (١). -------------------- (١) سيأتي برقم (٤٠٧٥) كتاب: المغازي، باب: ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد. ٧٣ - باب: السِّوَاكِ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: بِتُّ عِنْدَ النَّبىِّ - ﷺ - فَاسْتَنَّ. ٢٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكِ بِيَدِهِ، يَقُولُ: «أُعْ أُعْ». وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ. [مسلم: ٢٥٤ - فتح: ١/ ٣٥٥] ٢٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [٨٨٩، ١١٣٦ - مسلم ٢٥٥ - فتح: ١/ ٣٥٦] هذا قطعة من حديث طويل في مبيته عند ميمونة، وقد سلف بعضه ويأتي أيضًا. ومعنى استن: استاك. ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكِ بِيَدِهِ، يَقُولُ: «أُعْ أُعْ». وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ. والكلام عليه من أوجهٍ: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضًا، لكن قوله: «أع أع» إلى آخره من أفراد البخاري كما بينه الحميدي في «جمعه» (٢)، وفي لفظ: دخلنا عليه نستحمله. ثانيها: أبو النعمان (ع) هذا: هو محمد بن الفضل السدوسي عارم. ---------------- (١) مسلم (٢٥٤) كتاب: الطهارة، باب: السواك. (٢) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٣٠٠. وغيلان بالمعجمة. وأبو بردة: هو ابن أبي موسى الفقيه قاضي الكوفة، اسمه الحارث أو عامر، من نبلاء العلماء. مات سنة أربع ومائة. ووالده عبد الله بن قيس الأشعري الأمير. مات سنة أربع وأربعين. ثالثها: الضمير في: «يقول» عائد إلى رسول الله، ويبعد عوده إلى السواك؛ لأنه ليس له صوت يسمع، ولا قرينة حال تشعر به. رابعها: «أُع أُع» بضم الهمزة وفتحها وسكون العين المهملة، وفي النسائي وابن خزيمة وابن حبان «عَأْعَأْ» (١) وفي «صحيح الجوزقي» «إخ إخ». -بكسر الهمزة وخاء معجمة- وفي «سنن أبي داود» «أُه أُه» (٢) بهمزة مضمومة، وقيل: مفتوحة والهاء ساكنة، وكلها عبارة عن إبلاغ السواك إلى أقاصي الحلق. خامسها: قوله: (كَأَّنَّة يَتَهَوَّعُ). أي: يتقيأ. أي: له صوت كصوته. سادسها: فيه الاستياك على اللسان، وقد رواه أحمد في «مسنده» مصرحًا به (٣). وفيه استياك الإمام بحضرة رعيته. ----------------- (١) «سنن النسائي» ١/ ٩، «ابن خزيمة» ١/ ٧٣ (١٤١)، «ابن حبان» ٥/ ٣٥٥ (١٠٧٣). (٢) «سنن أبي داود» (٤٩). (٣) ٤/ ٤١٧ عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يستاك، وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#110 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 527 الى صـــ 546 الحلقة (110) ثم ذكر البخاري حديثًا ثالثًا فقال: حَدَّثنَا عُثْمَانُ بن أبي شيبة، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة في موضعين، وأخرجه مسلم أيضًا (١) (٢). ثانيها: أبو وائل اسمه: شقيق بن سلمة. وحذيفة (ع) هو -بالذال المعجمة- ابن اليمان حِسْل الأشهلي صاحب السر. مات سنة ست وثلاثين. ومنصور: هو ابن المعتمر الكوفي الإمام. وجرير: هو ابن عبد الحميد الضبي. ثالثها: (كان)، هذِه دالة على الملازمة والاستمرار (٣)، وظاهر قوله: (إذا قام من الليل). تعلق الحكم بمجرد القيام، ويحتمل أن المراد إذا قام من الليل للصلاة، ويؤيده رواية الصحيحين الأخرى: إذا قام ليتهجد (٤). --------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه هنا. (٢) سيأتي برقم (٨٨٩) كتاب: الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة، و(١١٣٦) كتاب: أبواب التهجد، باب: طول القيام في صلاة الليل، ورواه مسلم (٢٥٥) كتاب: الطهارة، باب: السواك. (٣) ورد بهامش (س): إن كان لا يدل على التكرار ولا المداومة. (٤) سيأتي رقم (١١٣٦) كتاب: التهجد، باب: طول القيام في صلاة الليل، ورواه مسلم (٢٥٥) كتاب: الطهارة، باب: السواك. و(من) هنا بمعنى (في) وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: فيه. رابعها: (يَشُوصُ) -بفتح أوله وضم ثانيه، وهو بشين معجمة، وفي آخره صادٌ مهملة- وتحصل لي في تفسيره خمسة أقوال متقاربة: الغسل والتنقية والدلك والحك وأنه بالأصبع، وأنه يغني عن السواك لكن يرده قوله في الحديث: بالسواك. والثالث: أقواها. خامسها: فيه استحباب السواك عند القيام من النوم، وفي معناه: كل حال يتغير فيه الفم، وهو أحد الحالات المتأكد فيها، وحاصل ما ذكره البخاري -رحمه الله- أن السواك سنة متأكدة؛ لإقباله - عليه السلام - عليه ليلًا ونهارًا، وقام الإجماع على كونه مندوبًا حتى قَالَ الأوزاعي: هو شطر الوضوء (١). وما نقل عن أهل الظاهر من وجوبه غير صحيح، وكذا ما نقل عن إسحاق من بطلان الصلاة عند عمد الترك أيضًا. نعم، قَالَ ابن حزم: إنه يوم الجمعة فرض لازم (٢). --------------------- (١) روى ذلك ابن أبي شيبة مرسلًا ١/ ١٥٦ - ١٥٧ (١٨٠٣) عن وكيع، عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الوضوء شطر الإيمان والسوك شطر الوضوء ..». وذكره الذهبي في «اللسان» ٤/ ٣٢٠ في ترجمة عبد الرحمن بن يحيى العذري، وقال: ذكره الأزدي فقال: متروك لا يحتج بحديثه، رَوى عن الأوزاعي عن حسان بن عطية، عن شداد بن أوس رفعه: «الوضوء شطر الإيمان، والسوك شطر الوضوء» وهي زيادة منكرة. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٧٦٢). (٢) «المحلى» ٢/ ٩. ٧٤ - باب دَفعِ السِّوَاكِ إِلَى الأَكْبِرَ ٢٤٦ - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاك، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى أَكبَرُ مِنْهُمَا». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابن الُمبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ. [مسلم: ٢٢٧١، ٣٠٠٣ - فتح: ١/ ٣٥٦] وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا». قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابن المُبَارَكِ، عَنْ أسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ. أما حديث عفان فعلقه البخاري هنا (١)، وأخرجه مسلم في الرؤيا في آخر الكتاب (٢) عن نصر بن علي، عن أبيه، عن صخر (٣)، وأخرجه الإسماعيلي من حديث وهب بن جرير، وشعيب بن حرب، قالا: ثنا صخر به. وأخرجه أبو نعيم، عن أبي أحمد، موسى بن العباس الجويني، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عفان. وثنا أبو إسحاق بن حمزة، --------------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: اعلم أن ما عزاه البخاري إلى بعض شيوخه بصيغة الجزم، كقوله: قال: فلان، وزاد فلان ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق غير شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم الإسناد المصرح به، وحكمه الاتصال بشرط ثبوت اللقاء والسماع. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: في الأطراف في الرؤيا في آخر الكتاب. (٣) مسلم (٢٢٧١) باب: رؤيا النبي - ﷺ -، و(٣٠٠٣) كتاب: الزهد، والرقائق، باب: مناولة الأكبر. ثنا عبد الله قَحْطبة، ثنا نصر بن علي، ثنا أبي، قالا: ثنا صخر به. وأما حديث نعيم فرواه الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا ابن المبارك ولفظه: كان - ﷺ - يستن، فأعطاه أكبر القوم، وقال: «أمرني جبريل أن أكبر» قَالَ: وحَدَّثنَا الحسن، ثنا حبان، أنا ابن المبارك، وفيه قَالَ: «إن جبريل أمرني أن أدفع إلى أكبرهم». إذا عرفت ذَلِكَ؛ فعفان (ع) وهو: ابن مسلم الصفار، شيخ البخاري في الأصول، وهو حافظ من حكام الجرح والتعديل، مات سنة عشرين ومائتين (١). ونعيم (خ قرنه. د. ت. ق): هو ابن حماد الخزاعي الحافظ الأعور، ذو التصانيف، قرنه البخاري بغيره، وهو مختلف فيه، امتحن وقيد فمات بسامراء (٢) محبوسًا سنة تسع وعشرين ومائتين (٣). ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٨، «التاريخ الكبير» ٧/ ٧٢ (٣٣١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣٠ (١٦٥)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١٦٠ (٣٩٦٤). (٢) سامراء: مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة وقد خربت. انظر: «معجم البلدان» ٣/ ١٧٣. (٣) هو نُعيم بن حَمَّاد بن معاوية بن الحارث بن همام بن سلمة بن مالك الخزاعي، أبو عبد الله المرْوَزي الفارِض الأعور، سكن مصر. رأى الحسين بن واقد. قال الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: أول من عرفناه يكتب المسند نعيم بن حماد. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: يُقال: إن أول من جمع المُسند وصنفه نعيم بن حماد. وقال أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد: لقد كان من الثقات. وقال أحمد بن ثابت أبو يحيى، قال: سمعت أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين يقولان: نعيم بن حماد معروف بالطلب، ثم ذمه يحيى، فقال: إنه يروي عن غير الثقات. وقال صاحب «التقريب»: صدوق يخطئ كثيرًا، فقيه عارف بالفرائض، من العاشرة، مات سنة ثمان وعشرين على الصحيح، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ = وصخر (خ. م. د. س. ق) بن جويرية تابعي (١). والحديث ظاهر لما ترجم له، وهو تقديم ذوي السن في السواك، وكذا ينبغي تقديم ذوي السن في الطعام والشراب والكلام والمشي والكتاب، وكل منزلة قياسًا على السواك، واستدلالًا من قوله - ﷺ - لحويصة ومحيصة «كبر كبر» (٢) يريد ليتكلم الأكبر، وهذا من باب أدب الإسلام. وقال المهلب: تقديم ذوي السن أولى في كل شيء، ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن، من الرئيس أو العالم على ما جاء في حديث شرب اللبن. وفيه أيضًا: فضل السواك. -------------------- = فيه، وقال: باقي حديثه مستقيم. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥١٩، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٤٦٣ (٢١٢٥)، و«تهذيب الكمال» ٢٩/ ٤٦٦ (٦٤٥١)، و«تقريب التهذيب» (٧١٦٦). (١) هو صخر بن جويرية البصري، أبو نافع مولى بني تميم، ويقال: مولى بني هلال بن عامر. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: صخر بن جويرية شيخ ثقة ثقة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: صالح. وقال غيره عن يحيى: ذهب كتابه، فبعث إليه من المدينة. وقال محمد بن سعد، عن عمرو بن عاصم: كان مولى لبني تميم، وكان ثقة ثبتًا. وقال أيضًا عن عفان بن مسلم: كان صخر بن جويرية أثبت في الحديث، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو داود: تُكُلِّم فيه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات» ٦/ ٤٧٣. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٧٥، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣١٢ (٢٩٥١)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ١١٦ (٢٨٥٤)، «تقريب التهذيب» (٢٩٠٤). (٢) سيأتي برقم (٣١٧٣) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الموادعة .. ٧٥ - باب فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ ٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ - ﷺ -: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَألجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تتَكَلَّمُ بِهِ». قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَلَمَّا بَلَغْتُ: «اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ». قُلْتُ: وَرَسُولِكَ. قَالَ: «لَا، وَنَبيِّكَ الذِي أَرْسَلْتَ». [٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨ - مسلم: ٢٧١٠ - فتح: ١/ ٣٧٥] حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أنا عَبْدُ اللهِ، أنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِب قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجًعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ .. " الحديث. الكلام عليه من وجوه. أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات (١)، ومسلم (٢) هناك، والترمذي (٣) فيه، وقال: لا نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء إلا في هذا الحديث، وأبو داود (٤) في الأدب، والنسائي في ------------------ (١) سيأتي برقم (٦٣١١) باب: إذا بات طاهرًا. (٢) رواه مسلم (٢٧١٠) كتاب: الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. (٣) الترمذي (٣٥٧٤). (٤) أبو داود (٥٠٤٦). «اليوم والليلة» (١). ثانيها: عبد الله: هو ابن المبارك (٢) ومحمد بن مقاتل (٣): هو المروزي الثقة. مات سنة ست وعشرين ومائتين، ومات بعده محمد بن مقاتل العباداني بعشر سنين، ومحمد بن مقاتل الفقيه الرازي بعشرين. وسفيان: هو الثوري، كما صرح به أبو العباس أحمد بن ثابت الطَرقي، وإن كان ابن عيينة روى عن منصور، وعنه ابن المبارك؛ لاشتهار الثوري بمنصور، وهو أثبت الناس فيه. ومنصور: هو ابن المعتمر. وسعد (٤): سلمي تابعي ثقة. وعُبيدة بضم العين، وليس في الستة سعد بن عبيدة سواه. ------------------- (١) النسائي في «الكبرى» ٦/ ١٩٥ (١٠٦١٨). (٢) سبق في حديث (٦). (٣) محمد بن مقاتل المَرْوَزيَّ، أبو الحسن الكسائي، لقبه رُخ، سكن بغداد، وانتقل بأَخَرَة إلى مكة فجاور بها حتى مات. قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات» وقال: كان مُتْقِنًا. قال البخاري: مات سنة ست وعشرين ومائتين في آخرها. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٤٢ (٧٦٧). و«الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٥ (٤٤٨). و«الثقات» ٩/ ٨١. و«تهذيب الكمال» ٢٦/ ٤٩١ (٥٦٢٦) (٤) سعد بن عُبيدة السُّلَمِيّ، أبو حمزة الكوفي، ختن أبي عبد الرحمن السلمي على ابنته. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال النسائي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، كان يرى رأي الخوارج ثم تركه. ذكره ابن حبان في كتاب «الثقات». روى له أبو داود والترمذي والنسائي هذا الحديث الواحد. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٩٨، «التاريخ الكبير» ٤/ ٦٠ (١٩٦٢)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٨٩ (٣٨٨)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٩٠ (٢٢٢٠) وخالف إبراهيم بن طهمان أصحاب منصور، فأدخل بين منصور وسعد الحكم بن عتيبة. وانفرد الفريابي بإدخال الأعمش بين الثوري ومنصور. ثالثها: معنى: («إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ») أردت النوم، وهو بفتح الجيم، وعن القرطبي كسرها أيضًا كالمطلع وهو موضع الضجع. رابعها: قوله: («فَتَوَضَّأْ») هو للندب؛ لأن النوم وفاة، وربما يكون موتًا، فقد تقبض روحه في نومه، فيكون ختم عمله بالوضوء، فينبغي أن يحافظ على ذَلِكَ ولا يفوته. وفيه سر آخر، وهو أنه أصدق لرؤياه، وأبعد من لعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه، وما أحسن هذِه الخاتمة والدعاء عقبها الذي هو أفضل الأعمال؛ ولذلك كان ابن عمر يجعل آخر عمله الوضوء والدعاء، فإذا تكلم بعد ذَلِكَ استأنفها ثم ينام على ذَلِكَ، اقتداء بالشارع في قوله: «واجعلهن آخر ما تكلم به». فرع: هذا الوضوء يتأكد في حق الجنب أيضًا عند نومه، ولعله ينشط للغسل، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي ظَبْيَة، عن معاذ مرفوعًا: «ما من مسلم يبيت على ذكرٍ (طاهرًا) (١)، فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه» (٢). -------------------- (١) وقع في الأصل: طهارة، والمثبت من «سنن أبي داود». (٢) «سنن أبي داود» (٥٠٤٢)، والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٥٧٥٤). خامسها: قوله: («ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ») هذا أيضًا من سنن النوم، وقد كان - ﷺ - يحب التيامن، ولأن النوم بمنزلة الموت، فِيستعد له بالهيئة التي يكون عليها في قبره. وقيل الحكمة فيه: أن يتعلق القلب على الجانب الأيمن، فلا يثقل النوم، فيكون أسرع إلى الانتباه. قَالَ ابن الجوزي: وهذا هو المصلحة في النوم عند الأطباء أيضًا، فإنهم يقولون: ينبغي أن يضطجع على الجانب الأيمن ساعة، ثم ينقلب إلى الأيسر فينام، فإن النوم على اليمين سبب انحدار الطعام؛ لأن قصبة المعدة تقتضي ذَلِكَ، والنوم عَلَى اليسار يهضم، لاشتمال الكبد على المعدة. سادسها: قوله: («اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ») جاء في رواية أخرى: «أسلمت نفسي إليك» (١) والوجه والنفس هنا بمعنى الذات كلها، كما نقله النووي عن العلماء (٢). وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يراد به الوجه حقيقة، ويحتمل أن يراد به القصد، فكأنه يقول قصدتك في طلب سلامي. وقال القرطبي: قيل: إن معنى الوجه: القصد والعمل الصالح (٣)، ولذلك جاء في رواية: «أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك» (٤) فجمع بينهما، فدل على تغايرهما. ------------------ (١) سيأتي برقم (٦٣١١). (٢) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٧/ ٣. (٣) «المفهم» ٧/ ٣٨. (٤) سيأتي برقم (٦٣١٥) في الدعوات، باب: النوم على الشق الأيمن، ورواه مسلم (٢٧١٠) (٥٧) كتاب: الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. ومعنى أسلمت: سلمت واستسلمت، أي: سلمتها لك إذ لا قدرة ولا تدبير بجلب نفع ولا دفع ضر، فأمرها مُسَلَّم إليك تفعل فيها ما تريد واستسلمت لما نفعل، فلا اعتراض عليك فيه. سابعها: قوله: («وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ») أي: رددت أمري إليك، وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني همه وتولَّ إصلاحه. وقوله: («وَأَلْجَاْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ») أي: أسندته وأملته، يقال: لجأ فلان إلى كذا: مال إليه، فمن استند إلى شيء قوي إليك واستعان، وأنت الملجأ والمستعان. ثامنها: قوله: («رَغْبَةً وَرَهْبَةً») أي: رغبة في رفدك وثوابك، وخوفًا منك ومن أليم عقابك، وأسقط من الرهبة لفظة منك وأعمل لفظة الرغبة بقوله: «إليك» على عادة العرب في أشعارهم. وزججن الحواجب والعيونا والعيون لا تزجج، ولكنه لما جمعهما في النظم حمل أحدهما على حكم الآخر في اللفظ، نبه عليه ابن الجوزي. تاسعها: «لَا مَلْجَأ» هو مهموز من ألجأت «وَلَا مَنْجَا» هو غير مهموز من النجاة. و«كتابك» هنا القرآن، وقَالَ الداودي في «شرحه»: المراد كتبه كلها. «وبنبيك»: هو محمد - ﷺ -. والفطرة: دين الإسلام، كما في الحديث «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١). ------------------ (١) رواه أبو داود (١٦١٦) وأحمد ٥/ ٢٣٣. والحاكم ١/ ٣٥١ وقال: هذا حديث = قَالَ القرطبي: كذا قاله الشيوخ في هذا الحديث. وفيه نظر؛ لأنه إذا كان قائل هذِه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرناها من التوحيد والتسليم والرضى إلى أن يموت على الفطرة، كما تقول: من مات وآخر كلامه: لا إله إلا الله على الفطرة وإن لم يخطر له شيء من تلك الأمور، فأين فائدة تلك الكلمات والمقامات الشريفة، ثم أجاب بأن كلًّا منهما وإن مات على الفطرة، فبين الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الطائفة الأولى، فطرة المقربين، وفطرة الثانية فطرة أصحاب اليمين (١). عاشرها: قوله: (فَلَمَّا بَلَغْتُ: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ». قُلْتُ: وَرَسُولِكَ. قَالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ»). فيه دلالة لمن لم يجوز الحديث بالمعنى، وهو الصحيح من مذهب مالك، ولا شك في أن لفظة النبوة من النبأ وهو: الخبر. فالنبوة أعم والرسالة أخص؛ لأنها أمر زائد عليها، فلما اجتمعا في الشارع أراد أن يجمع بينهما في اللفظ؛ حتى يفهم منه موضوع كل واحد، وليخرج عما يُشبه تكرارًا بغير فائدة؛ لأنه إذا قَالَ: ورسولك الذي أرسلت. فالرسالة فهمت من الأول، فالثانى كالحشو، بخلاف ما إذا قَالَ: ونبيك الذي أرسلت، وأيضًا فالملائكة يطلق عليهم اسم الرسل، قَالَ تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ -------------------- = صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -. والحديث حسنه الألباني في «الإرواء» (٦٨٧). (١) «المفهم» ٧/ ٣٩. [الحج: ٧٥] فإذا قَالَ ذَلِكَ زال ذَلِكَ اللبس، فالمراد هنا التصديق بالنبي - ﷺ - الذي جاء بالكتاب، وإن كان غيره من رسل الله أيضًا واجب الإيمان بهم. آخر الوضوء ومتعلقاته بحمد الله ومنِّه. ٥ كِتابُ الغُسْلِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٥ - كِتابُ الغُسْلِ وقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] وَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] هو بالفتح؛ لأنه المصدر، أما الضم فالماء، والكسر فما يغسل به من خطمي ونحوه. وأما صاحب «المحكم» فقال: غَسلَ الشيءَ يَغسلُه غَسْلًا وغُسْلًا. وقيل: الغَسل المصدر، والغسل الاسم (١). ثم استفتح البخاري رحمه الله الباب بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ ومناسبتهما ظاهرة للباب؛ إذ فيهما الغسل من الجنابة مع زيادات. واللمس في الآيتين عند الشافعي التقاء البشرتين (٢)، وعند غيره الجماع. وقرئ في السبعة: (لمستم) بغير ألف، وهي قراءة الأخوين (٣)، ولامستم قراءة الباقين (٤). ---------------- (١) «المحكم» ٥/ ٢٥٦. (٢) انظر: «الحاوي» ١/ ٨٤، «أحكام القرآن» للشافعي ١/ ٤٦. (٣) هما حمزة والكسائي. (٤) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١/ ٣٩١ - ٣٩٢. ١ - باب الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ ٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبيَّ - ﷺ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الَجنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمُّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الَماءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الَماءَ على جِلْدِهِ كُلهِ. [٢٦٢، ٢٧٢ - مسلم ٣١٦ - فتح: ١/ ٣٦٠] ٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةَ- زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الَماءَ، ثمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، هذِه غُسْلُهُ مِنَ الَجنَابَةِ. [٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٦١] ذكر فيه حديث عائشة وميمونة: أما حديث عائشة فرواه عن عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عن مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْج النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ .. الحديث. وأما حديث ميمونة فأخرجه عن مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاس، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا. هذِه غُسْلُهُ مِنَ الجَنَابَةِ. الكلام عليهما من وجهين: أحدهما: حديث عائشة قد أخرجه البخاري من حديث مالك كما ترى، وأخرجه مسلم من حديث أبي معاوية عن هشام فذكره، وفي آخره: ثم غسل رجليه قَالَ: ورواه جماعة عن هشام وليس في حديثهم غسل الرجلين (١). وحديث ميمونة أخرجه مسلم أيضًا وباقي الستة (٢). ومحمد بن يوسف: هو الفريابي، كما صرح به أبو نعيم. وسفيان هو الثوري. وذكره البخاري في باب الغسل مرة واحدة كما ستعلمه (٣)، وفي باب التستر فيه أيضًا (٤). ثم قَالَ: تابعه أبو عوانة، وابن فضيل في التستر، أي: تابعا سفيان الثوري، وحديث أبي عوانة أسنده في باب من أفرغ بيمنه على شماله في الغسل (٥). وابن فضيل اسمه: محمد بن فضيل. ثانيهما: في فوائدهما: (كان) في حديث عائشة تدل على الملازمة والتكرار (٦)، كقول ابن ----------------- (١) مسلم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة. (٢) مسلم (٣١٧) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، وأبو داود (٢٤٥)، والترمذي (١٠٣)، والنسائي ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وابن ماجه (٥٧٣). (٣) البخاري (٢٥٧) كتاب: الغسل. (٤) سيأتي برقم (٢٨١) كتاب: الغسل، باب: التستر في الغسل عند الناس. (٥) سيأتي برقم (٢٦٦) كتاب: الغسل. (٦) ورد بهامش (س) ما نصه: الصحيح من القولين أن كان لا تدل على ملازمة ولا تكرار. عباس: (كان - ﷺ - أجود الناس بالخير). ويقال: كان فلان يقري الضيف. وقولها: (إِذَا اغْتَسَلَ) يحتمل أن يكون المراد: إذا أراده، ويحتمل أن يكون المراد: شرع فيه. وقولها: (فَغَسَلَ يَدَيْهِ)، أي: قبل إدخالهما الإناء، كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات (١)، ولا خلاف في مشروعية ذَلِكَ، وإنما الخلاف في الوجوب. وقولها: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَلَاةِ). يؤخذ منه استحباب تقديم أعضاء الوضوء في الغسل، والظاهر أنه وضوء حقيقة، وإن كان يحتمل أن المراد تقديم غسل هذِه الأعضاء على غيرها على ترتيب الوضوء، وقُدِّمَتْ على بقية الجسد تكريمًا لها، وبالثاني صرح ابن داود من أصحابنا في «شرح المختصر»، وإذا قلنا بالأول فظاهره إكمال الوضوء، وهو أصح قولي الشافعي رحمه الله، وله قول آخر: إنه يؤخر غسل رجليه عملًا بظاهر حديث ميمونة (٢)، والخلاف عند مالك أيضًا (٣)، وله قول ثالث: إنه إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا أو الماء قليلًا أُخر جمعًا بين الأحاديث. وأجاز (أبو) (٤) حنيفة التأخير (٥)، وفصل صاحب «المبسوط» ----------------------- (١) من ذلك ما رواه مسلم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة. (٢) انظر: «المجموع» ٢/ ٢١١. (٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٩٣، «إكمال المعلم» ٢/ ١٥٧. (٤) في الأصل: (أبي)، والصحيح ما أثبتناه. (٥) انظر: «الهداية» ١/ ١٧. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#111 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 547 الى صـــ 566 الحلقة (111) التفصيل السابق عن مالك، وادعى أبو ثور وأهل الظاهر وجوب هذا الوضوء، وأوجبه بعض أصحابنا إذا كان محدثًا مع الجنابة (١). أما الوضوء بعد الغسل: فعنه: مشروع إذا لم يحصل منه حدث، وقد كان - ﷺ - لا يتوضأ بعده كما رواه الترمذي والحاكم وصححاه (٢)، وما روي عن أبي البحتري عن علي: أنه كان يتوضأ بعد الغسل (٣)؛ فمنقطع، ومحمول على أنه عرض عارض يوجبه. وأما حديث عائشة: أنه - ﷺ - كان إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة. فالمراد -والله أعلم- كان إذا أراد الاغتسال. وأما ابن شاهين، فقال: حديث غريب صحيح. ثم زعم أنه منسوخ (٤)، ولا حاجة إلى ادعاء ذَلِكَ، ونقل ابن بطال في باب من توضأ من الجنابة الإجماع على عدم وجوب الوضوء في الغسل (٥). وقولها: (كَمَا كان يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ). لعله احتراز من الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يمسح رأسه في هذا الوضوء. والصحيح يمسحها، كما قَالَ في «المبسوط» (٦)؛ لأنه أتم للغسل. وقولها: (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشعر). فيه -------------------- (١) انظر: «المجموع» ٢/ ٢١٥ - ٢١٦. (٢) رواه الترمذي (١٠٧). وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم ١/ ١٥٣. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه عن عائشة رضي الله عنها، وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (٩٣): صحيح. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٦٩. (٤) «ناسخ الحديث ومنسوخه» لابن شاهين ص ٦٥. (٥) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٨. (٦) «المبسوط» ١/ ٤٤. استحباب ذَلِكَ وحكمته سهولة إدخال الماء إلى أصل الشعر أو الاستئناس به حتى لا يجد من صب الماء الكثير نفرة، ثم هذا التخليل عام لشعر الرأس واللحية، فقيل: واجب. وقيل: سنة. وقيل: واجب في الرأس، وفي اللحية قولان للمالكية: روى ابن القاسم عدم الوجوب، وروى أشهب الوجوب، وأوجب ذَلِكَ أبو حنيفة في الغسل دون الوضوء (١)، وقد ورد في عدة أحاديث أن «تحت كل شعرة جنابة (٢) فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر» (٣)؛ وفيها مقال. ونقل ابن بطال في باب: تخليل الشعر الإجماع على تخليل شعر الرأس، وقاسوا اللحية عليها (٤). وقولها: (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ). فيه استحباب ذَلِكَ في الرأس، وباقي الجسد مثله، وخالف الماوردي من أصحابنا (٥)، والقرطبي من المالكية فقالا: لا يستحب التثليث في الغسل. قَالَ القرطبي: لا يفهم من هذِه الثلاث، أنه غسل رأسه ثلاث ------------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٥، «المبسوط» ١/ ٤٤، «المنتقى» ١/ ٩٤. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: تحت كل شعرة جنابة في الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، وهو ضعيف. (٣) رواه أبوداود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧). من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. وعلة ضعفه الحارث بن وجيه كما قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف. وقال الترمذي: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وضعفه النووي في «المجموع» ٢/ ٢١٣، «الخلاصة» ١/ ١٩٧، وكذا الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٧). (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٦. (٥) «الحاوي» ١/ ٢٢١. مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع لما في ذَلِكَ من المشقة، وإنما كان ذَلِكَ العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث عائشة (١). وقولها: (ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جسده كُلِّهِ). هذا بقية الغسل ولم يذكر فيه الدلك، وهو مستحب عندنا وعند أحمد وبعض المالكية وأهل الكوفة، وخالف مالك والمزني فذهبا إلى وجوبه (٢). وقولها: (وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذى). فيه مشروعية ذَلِكَ قبل الغسل، والواو هنا للجمع لا للترتيب، إذ المراد غسل فرجه ثم توضأ، كما جاء مبينًا في بعض الطرق (٣). وقولها: (ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا عن الجنابة). فعل ذَلِكَ ليقع الاختتام بأعضاء الوضوء، كما وقع الابتداء بها، واستدل به من يرى التفريق بغير عذر. ----------------- (١) «المفهم» ١/ ٥٧٦ - ٥٧٧. (٢) انظر: «المبسوط» ١/ ٤٤ - ٤٥، «المدونة» ١/ ٣٠، «إكمال المعلم» ٢/ ١٥٧، «المغني» ١/ ٢٩٠. (٣) منها ما سيأتي برقم (٢٦٠). ٢ - باب: غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ ٢٥٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ، يُقَالُ لَة: الفَرَقُ [٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٣٦٣] حَدَّثنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ، يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). و(ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. وهذا الإناء كان من شبه، وهو ضرب من النحاس، كما نبه عليه ابن التين. والفرَق: بفتح الراء أفصح من سكونها، وادعى الباجي أنه الصواب. وقال ابن الأثير: هو بالفتح مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مُدًا وثلاثة آصع، عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق: خمسة أقساط، وكل قسط نصف صاع. وأما بالسكون فمائة وعشرون رطلًا (٢). وأما فقه الباب فقد سلف في باب وضوء الرجل مع امرأته (٣) مع الجواب عما عارضه، والإجماع قائم على تطهر الرجل والمرأة من ---------------- (١) مسلم (٣١٩) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة وغسل أحدهما بفضل الآخر. (٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٤٣٧. (٣) سبق برقم (١٩٣) كتاب: الوضوء. إناء واحد، وعلى تطهر المرأة بفضل الرجل، والخلاف في عكسه، كما سلف هناك. وذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه كان ينهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد (١)، وغاب عنه هذا الحديث، والسنة قاضية عليه. وفيه أيضًا طهارة فضل الجنب والحائض. قَالَ الداودي: وفيه جواز نظرهما إلى عُريةِ بعض. ------------------- (١) «المصنف» ١/ ٤١ (٣٨٤). ٣ - باب الغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ ٢٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلهَا أَخُوهَا عَنْ غَسْلِ النَّبيِّ - ﷺ -، فَدَعَتْ بِإنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ يَزِيد بْنُ هَارُونَ وَبَهْزٌ وَالْجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. [مسلم: ٣٢٠ - فتح: ١/ ٣٦٤] ٢٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ، ثمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. [٢٥٥، ٢٥٦ - مسلم: ٣٢٩ - فتح: ١/ ٣٦٥] ٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَبَهْز وَالجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابن عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخِيرًا عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمونَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوى أَبُو نُعَيْمٍ. [مسلم: ٣٢٢ - فتح: ١/ ٣٦٦] ذكر فيهرحمه الله- ثلاثة أحاديث: أحدهَا: عن عائشة: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثنا شعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَألَهَا أَخُوهَا عَنْ غَسْلِ النِّبيَّ - ﷺ -، فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ. قَالَ يَزيدُ بْنُ هَارُونَ وَبَهْزٌ وَالْجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضًا هنا. واسم أبي بكر: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، مدني ثقة (٢). وأبو سلمة (٣): هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الأئمة، وهو ابن أختها من الرضاعة، أرضعته أم كلثوم بنت الصديق. ثانيها: أخو عائشة هو أخوها من الرضاعة، كما جاء مصرحًا به في «صحيح مسلم»، واسمه فيما قيل: عبد الله بن يزيد، أفاده النووي (٤). وقال مسلم في «الطبقات»: عبد الله بن يزيد رضيع عائشة، وقال الداودي في «شرحه» فيما رأيته إنه أخوها عبد الرحمن. وهذا وهم منه. ثالثها: اسم الجُدي عبد الملك (خ قرنه، د، ت، س) بن إبراهيم، حجازي ---------- (١) مسلم (٣٢٠) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر. (٢) مشهور بكنيته، مجمع على ثقته، فقد وثقه النسائي وابن حبان، والعجلي وقال ابن عبد البر قيل: كان اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة، أجمعوا على ذلك. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٧٦ (٢٠٠)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٦ (١٥٧)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ١٢ «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٢٣ (٣٢٢٨)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٢٢. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: (…) الفقهاء السبعة على قول (…) كما قاله الحاكم. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ٤. ثقة، وهو بضم الجيم نسبة إلى جُدة، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وأبو داود والترمذي والنسائي. مات سنة أربع أو خمس ومائتين (١). وطريق يزيد رواها أبو نعيم، عن أبي بكر بن خلاد، عن الحارث بن محمد عنه. وطريق بهز رواها الإسماعيلي، عن المنيعي، عن يعقوب وأحمد بن إبراهيم قالا: ثنا بهز بن أسد به. وقوله: (بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ). ظاهره كما قَالَ القاضي: أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل لذوي المحارم النظر إليه من ذات المحرم، ولولا أنهما شاهدا ذَلِكَ ورأياه، لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنى، إذ لو فعلت ذَلِكَ كله في سترة عنهما لاكتفت تعليمهما بالقول، وإنما فعلت الستر ليستر أسافل البدن، وما لا يحل للمحرم نظره (٢). الحديث الثاني (٣): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ. ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. ------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠٦ (١٣١٣)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٣٤٢ (١٦١٧)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٨٧، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٨٠ (٣٥١٣). (٢) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٦٣. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن والأربعين كتبه مؤلفه، غفر الله له. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وأبو جعفر: هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي. مدنى تابعي جليل، ويعرف بالباقر؛ لأنه بقر العلم -أي: شقه- فَعَرِفَ أصله، أمه بنت السيد الحسن. وعنه ابنه جعفر الصادق وغيره. مات سنة أربع عشرة ومائة، على أحد الأقوال (٢). وكان مولده سنة ست وخمسين. ووالده: هو علي بن الحسين زين العابدين التابعي الثقة (٣). ثانيها: الرجل الذي قَالَ: (ما يكفيني) (٤). هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (٥)، أبوه ابن الحنفية. مات سنة مائة أو نحوها (٦). والحنفية اسمها: خولة بنت جعفر (٧). ------------------- (١) مسلم (٣٢٩) كتاب: الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: صحح الذهبي في «الكاشف» أنه توفي ١١٨ هـ، ولم يذكر غيره. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٨٣ (٥٦٤)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٦ (١١٧)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ١٣٦ - ١٣٩ (٥٤٧٨). (٤) ورد بهامش الأصل: الرجل المبهم كما قال المصنف، وابنه مسمى في «جامع النووي». (٥) سيأتي برقم (٢٥٦). (٦) ورد في (س) بين السطور في «الكاشف» سنة ٩٥، ولم يذكر غيره، وكذا أرخه في «التذهيب» .. قال: وقيل بعد ذلك وفي «تهذيب النووي» سنة مائة أو تسع وتسعين. (٧) انظر ترجمتها في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٢/ ٣٠٥ (٢٥٦٠). ثالثها: (يَكفي) بفتح أوله فقط. و(أوفي) يحتمل أن تكون بمعنى أطول، فيرجع إلى الصفة. ويحتمل أن تكون بمعنى أكثر، فيرجع إلى الكمية، ويقال: إن هذا الرجل كان تامًا عظيم الخلق كثير الشعر. وقوله: (وخيرًا منك) هو بالنصب عطفًا على (١) مفعول (مَنْ) الذي هو مفعول يكفي. ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمراد به رسول الله - ﷺ -. وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِيِني) ظاهره أنه غير السائل؛ إذ لو كان هو لقال: ما يكفيني (٢). وقوله: (وَعِنْدَهُ قَوْمٌ). جاء في أخرى: وعنده قومه، وهي ما ذكرها عبد الحق في «جمعه»، وصاحب «العمدة» (٣). فقوله: (يَكْفِيكَ صَاعٌ) هو بلفظ الخطاب للواحد، فيحتمل أنهم سألوه عن أشياء وأنواع الغسل وأحكامه، فسأله بعضهم عن صفته وبعضهم في أحكام مائه، فاشتركوا في السؤال فأضيف إليهم، فنقل الراوي جواب مقدار الماء فقط، ويحتمل أنهم اشتركوا في السؤال عن مقدار الماء، فأجابهم بلفظ الواحد كأنه قَالَ: يكفي أحدكم صاع. وقوله: (ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ). لا خلاف في مقتضاه فإن الصلاة فيه جائزة وإن كان إمامًا. --------------------- (١) ورد بهامش (س): كذا، صوابه: عطفًا على (من) الذي هو مفعول يكفي. (٢) أي: دون أن يقول: فقال رجل. (٣) «العمدة» كما في «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٩٤. الحديث الثالث: حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبيِّ - ﷺ - وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَبَهْزُ وَالجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابن عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخِيرًا عَن ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوى أَبُو نُعَيْمٍ. هكذا هو في أكثر النسخ عقب هذا، وسقط في بعضها. وقد رواه مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه من مسند ميمونة (١)، ورجح الدارقطني إسقاطها وقال: إنه أشبه. ووجه إدخال البخاري هذا الحديث هنا، أنه - ﷺ - كان يغتسل هو وعائشة من الفرق، وقد سلف أنه ثلاثة آصع، وإذا كان كذلك فنصفه صاع ونصف، وذلك ثمانية أرطال، وذلك زائد على الصاع بقليل. وأما فقه هذِه الأحاديث، فقد سلف في باب الوضوء بالمد (٢)، والاختلاف في قدره وقدر الصاع، فراجعه منه. وفيه أيضًا: عدم الإسراف في الماء. وفيه أيضًا: صفة النبي - ﷺ - أنه كان كثير الشعر. ----------------------- (١) مسلم (٣٢٢/ ٤٧)، والترمذي (٦٢)، والنسائي ١/ ١٢٩، وابن ماجه (٣٧٧). (٢) إلى هنا انتهى السقط من (ج) وهو من حديث (٢٣٣ - ٢٥٤). ٤ - باب مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ٢٥٤ - حَدَّثَنَا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ ابْن صُرَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا أنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلًاثا». وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيهِمَا. [مسلم: ٣٢٧ - فتح: ١/ ٣٦٧] ٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا. [انظر: ٢٥٢ - مسلم: ٣٢٩ - فتح: ١/ ٣٦٧] ٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بن يَحْيَى بْنِ سَامٍ، حَدَّثَنِي ابو جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ: وَأَتَانيِ ابن عَمِّكَ يُعَرِّضُ بِالَحْسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابن الَحنَفِيَّةِ، قَالَ: كَيْفَ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فَقُلْتُ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا على رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. فَقَالَ لِي الَحسَنُ: إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ. فَفلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا. [انظر: ٢٥٢ - مسلم: ٣٢٩ - فتح: ١/ ٣٦٨] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث سليمان بن صُرد، عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ مرفوعًا: «أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلًاثا». وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كلتاهما. وقد أخرجه مسلم (١) أيضًا. وسليمان بن صرد صحابي أيضًا، قتل سنة خمس وستين، وهو من الأفراد (٢)، وكان أحد العباد (٣). ------------------ (١) مسلم (٣٢٧) في الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا. (٢) كذا في الأصل، وسليمان بن صرد روى له الجماعة، كما في «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٥٤، والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كما في «تحفة الأشراف» (٣١٨٦). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٤/ ١٥ (١٧٥٢)، «أسد الغابة» = وقوله: (كلتاهما). كذا في بعض النسخ، وفي بعضها: كلتيهما، ووجه الأول على من يراهما تثنية، ويرى أن التثنية لا تتغير؛ كقوله: إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها (١) ثانيها: حديث جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُفْرغُ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثًا. ثالثها: حديثه أيضًا: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأُخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفِّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. وفي آخره: كان - ﷺ - أَكْثَرَ شَعَرًا مِنْكَ. وقد سلف في الباب قبله (٢)، وفي إسناد الأول مخول (٣) بن راشد، وهو النهدي مولاهم. وفي الثاني مَعْمَر بن يحيى بن سام، وهو بالتشديد وقيل: بالتخفيف، وليس له في الصحيح غير هذا الحديث، وهو عزيز، وانفرد به البخاري. وقال أبو زرعة في حقه: ثقة. وقال البخاري: روى عنه وكيع مراسيل (٤). وأما فقه الباب: ففيه إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا، واستحبابه متفق عليه، وألحق به أصحابنا سائر الجسد؛ قياسًا على الرأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء، فإن الوضوء مبني على التخفيف مع تكراره، فإذا استحب فيه الثلاث فالغسل أولى. -------------------- = ٢/ ٤٤٩، «السير» ٣/ ٣٩٤ (٦١)، «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٥٤ (٢٥٣١). (١) ورد أعلاها في الأصل: كلمة: الشاهد. (٢) سلف برقم (٢٥٢) كتاب: الغسل، باب: بصاع أو نحوه. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: مخول بتشديد الواو المفتوحة وضم الميم وفتح الخاء المعجمة، كذا ضبطه الكافة، وذكره (…) والحاكم، وضبطه الأصيلي بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة. معنى كلام (…). (٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٧/ ٣٧٧ (١٦٢٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٥٨ (١١٦٧)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٦١٠٩). قَالَ النووي: ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما تفرد به الماوردي، حيث قَالَ: لا يستحب التكرار في الغسل، وهو شاذ متروك (١). قُلْتُ: قد قاله أيضًا الشيخ أبو علي السِّنجي (٢) في «شرح الفروع» فلم يتفرد به. ونقل ابن التين عن العلماء أنه يحتمل أن يكون هذا على ما شرع في الطهارة من التكرار، وأن يكون لتمام الطهارة؛ ولأن الغسلة الواحدة لا تجزئ في استيعاب غسل الرأس، قَالَ: وقيل: ذَلِكَ مستحب، وما أسبغ أجزأ، وكذا قَالَ ابن بطال: العدد في ذَلِكَ مستحب عند العلماء، وما عم وأسبغ أجزأ. قَالَ: وليس في أحاديث الباب الوضوء في الغسل، ولذلك قَالَ جماعة الفقهاء: إنه من سننه (٣). وفيه: أن الغرفة باليدين جميعًا، وعليه يحمل ما في حديث جابر: يأخذ ثلاثة أكف. وقوله - ﷺ -: («أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلًاثا»). الظاهر أنه رد به على قوم يفعلون أكثر من ذَلِكَ، ولنا فيه أسوة حسنة. ------------------ (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ٩. (٢) هو الحسين بن شعيب بن محمد، أبو علي السنجي، من قرية سنج، فقيه العصر، وعالم خراسان، وأول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، وهو والقاضي حسين أنجب تلامذة القفال. من تصانيفه: «شرح المختصر»، «شرح تلخيص ابن القاص»، «شرح فروع ابن الحداد». توفي سنة ثلاثين وأربعمائة. انظر ترجمته في «طبقات الشافعيه الكبرى» ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٨. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٣. ٥ - باب: الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً ٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بنِ أَبِى الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبيِّ - ﷺ - مَاءً لِلْغسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْن -أَوْ ثَلَاثًا- ثمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأرضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيدَيْهِ، ثُمَّ أفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٦٨] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ لي مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. وهو حديث صحيح، أخرجه مع البخاري مسلم وباقي الستة (١)، وقد سلف أول الغسل (٢). والمذاكير: جمع ذكر، على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل وبين الذكر الذي هو العضو، فجمعوا الذكر الفحل على ذكور وذكران وذكارة مثل: حجارة. وقال الأخفش: مذاكير من الجمع الذي ليس له واحد، مثل: الأبابيل، حكاه ابن التين، وموضع الترجمة من الباب قوله: ثم أفاض على جسده ولم يذكر مرة ولا مرتين، فحمل على أقل ما يسمى غسلًا وهو مرة واحدة، والعلماء مجمعون على أنه الشرط فيه التعميم لا العدد. --------------------- (١) مسلم (٣١٧، ٣٣٧)، وأبو داود (٢٤٥)، والترمذي (١٠٣)، والنسائي ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وابن ماجه (٥٧٣). (٢) سبق برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. وفيه: الوضوء في الغسل من الجنابة ولم يذكر فيه مسح الرأس، وقد أسلفنا أنه رواية الحسن عن أبي حنيفة. وفيه: أن الدلك سنة وليس بواجب عملًا بقولها: (ثم أفاض على جسده). ٦ - باب: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ (١) عِنْدَ الغُسْلِ ٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنُّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عن حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الِحلَابِ، فَأَخَذ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأيسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ. [مسلم: ٣١٨ - فتح: ١/ ٣٦٩] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثنَّى، ثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَئءٍ نَحْوَ الحِلَاب، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِق رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأَسِهِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وأبو داود والنسائي عن محمد بن المثنى أيضًا (٢). والقاسم: هو ابن محمد الفقيه، وعائشة عمته، مات سنة سبع ومائة (٣). وحنظلة الراوي عنه: هو ابن أبي سفيان ثبت. مات سنة إحدى وخمسين ومائة (٤). ----------------------- (١) بهامش الأصل إشارة إلى أنه في نسخة: التطيب. (٢) مسلم (٣١٨) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، وأبو داود (٢٤٠)، والنسائي ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٧/ ١٥٧ (٧٠٥)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١١٨ (٦٧٥)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٢٧ - ٤٣٢ (٤٨١٩). (٤) سبق في حديث (٨). ثانيها: الحِلاب -بكسر الحاء المهملة- وهو: إناء يسع حلبة ناقة، وهو: المِحلب -بكسر الميم. فأما المَحلب بفتح الميم، فهو: الحب الطيب الرائحة. والبخاري جعل الحلاب في هذِه الترجمة ضربًا من الطيب، وصرح به الداودي في «شرحه»، وليس كما فعلا، وإنما هو الإناء الذي كان فيه طيبه - ﷺ - الذي كان يستعمله عند الغسل، وقد نص غير واحد على وهم البخاري في ذَلِكَ. قَالَ الحميدي: جمع مسلم هذا الحديث مع حديث الفَرَق وحديث قدر الصاع في موضع واحد، وتأولها على الإناء، وفي البخاري ما ربما ظن ظان أنه قد تأوله على أنه نوع من الطيب، يكون قبل الغسل، لأنه ترجم الباب بذلك الحلاب أو الطيب، وفي بعضها والطيب، ولم يذكر غيره، وقد ذكر الهروي في باب الحاء المهملة الحِلاب والمحلب: الإناء الذي تُحْلب فيه ذوات الألبان. وقال الخطابي (١): إنه إناء، وذكره البخاري في كتابه، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهم أنه أُريد به المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي، وليس هذا من الباب (٢) في شيء، وإنما هو ما فسرت لك (٣). وعند الإسماعيلي دعا بشيء نحو الحلاب. وفي رواية: كان يغتسل من حِلاب (٤)، وهو إشارة إلى إناء لا إلى طيب. --------------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٣٠٢. (٢) كذا في الأصل، وفي «الجمع بين الصحيحين»: الطيب. (٣) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ٣٧ - ٣٨. (٤) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ١٢٢. وفي حديث مكي، عن القاسم أنه سئل: كم يكفي من غسل الجنابة؟ فأشار إلى القدح أو الحلاب، ففيه بيان مقدار ما يحتمل من الماء لا الطيب (أو) (١) التطيب. وقال ابن الجوزي: غلط جماعة في تفسير الحلاب، منهم البخاري، فإنه ظن أن الحلاب شيء من الطيب، وكأنه توهم أن الحلاب المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي، وليس هذا مكانه (٢). وصحف آخرون لفظه منهم الأزهري، فإنه ضبطه بالجيم وتشديد اللام، ثم فسره بأنه ماء الورد، فارسي معرب (٣)، حكاه عنه الحميدي، وقرأناه على شيخنا أبي منصور اللغوي، وقال أراد بالجلاب ماء الورد فارسي معرب، وكذا ذكره أبو عبيد الهروي في باب الجيم، إلا أنه لم ينصره. وهؤلاء عن معرفة الحديث بمعزل، إنما البخاري أعجب حالًا؛ لأن لفظ الحديث: دعا بشيء نحو الحلاب. فلو كان دعا بالحلاب كان ربما يشكل، ونحو الشيء: غيره. على أن في بعض الألفاظ: دعا بإناء مثل الحلاب. وقال ابن قرقول: الحلاب إناء وهو المحلب، وترجم البخاري عليه باب: الطيب عند الغسل، يدل على أنه عنده ضرب من الطيب، وهذا لا يعرف، وإنما المعروف حب المحلب نوع يقع في الطيب. وقال ابن الأثير في «نهايته»: لما ذكر الحلاب بالحاء، قَالَ: وقد رويت بالجيم، ويحتمل أن البخاري أراده؛ ولهذا ترجم به وبالطيب، لكن الذي يروى في كتابه، إنما هو بالحاء، وهو بها أشبه؛ لأن --------------------- (١) في (ج): و. (٢) «غريب الحديث» ١/ ٢٣٣. (٣) «تهذيب اللغة» ١/ ٦٢٦ مادة: (جلب). الطيب لمن يغتسل بعد الغسل أليق به من قبله وأولى؛ لأنه إذا بدأ به، ثم اغتسل أذهبه الماء (١). وقال ابن بطال: أظن البخاري جعله ضربًا من الطيب، فإن كان ظن ذَلِكَ، فهو وهم ثم قال: وفي الحديث الحض على استعمال الطيب عند الغسل تأسيًا بالشارع (٢). قُلْتُ: وفي كتاب «التطيب» للفضل بن سلمة أنه يقال: اغتسلت المرأة بالطيب. ثالثها: (وَسَط رأسه). هو بالفتح، كما قَالَ ابن التين؛ لأنه اسم. قَالَ الجوهري: كل موضع صلح فيه (بَيْنَ) فهو ساكن، وعكسه محرك وربما سُكِّنَ، وليس بالوجه (٣). رابعها: إنما بدأ بشق رأسه الأيمن؛ لأنه كان يحب التيامن في طُهوره. وقوله: (فقال بهما على وسط رأسه). يعني: بيديه. ------------------- (١) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤٢٢ مادة (حلب). (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥. (٣) «الصحاح» ٣/ ١١٦٨. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#112 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 567 الى صـــ 586 الحلقة (112) ٧ - باب المَضمَضَةِ وَالاِسْتِنشَاقِ فيِ الجَنَابَةِ ٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْن حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِىِّ - ﷺ - غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَة، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأرضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتَيِ بِمِنْدِيل، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح:١/ ٣١٧]. ساق فيه حديث ميمونة قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَد الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُرَاب، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى رَأَسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا. وقد سلف الحديث قريبًا (١)، ثم ها هنا أمور: أحدها: عند أبي حنيفة أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل دون الوضوء، وعند الشافعي أنهما سنتان عنهما (٢). وقال ابن بطال: وقام الإجماع (٣) على سقوط الوضوء في غسل الجنابة (٤)، وهما سنتان في الوضوء، فإذا سقط فرض الوضوء فيه سقطت توابعه، فدل على أن ما روته ميمونة في غسله سنة؛ لأنه - ﷺ - --------------- (١) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٥، «الأم» ١/ ٢١. (٣) ورد بهامش الأصل: ما ادعاه ابن بطال من الإجماع فيه نظر إذ قد أخذ بوجوب الوضوء في الغسل أبو ثور وأهل الظاهر، وقال بعض أصحابه به إذا كان عليه حدث أصغر، ولا ينقض عليه في دعوى الإجماع إلا أبو ثور، هذا إن كان لا يعد أهل الظاهر خارقين، فإن عدهم فيردون عليه. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٧. كان يلتزم الكمال، والأفضل في جميع عباداته. ثانيها: الغُسل -بضم العين- هو ما يغتسل به، وهو بالفتح المصدر كما سلف. ثالثها: قوله: (ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ إلى الأَرْضَ). سمي الفعل قولًا، كما سمي القول فعلًا في حديث «لا حسد إلا في اثنتين» (١) وفي قوله في الذي يتلو القرآن: «لو أتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما يفعل». وفيه: أن الإشارة باليد، والعمل قد يسمى قولًا تقول العرب: قل لي برأسك، أي: أمله، وقالت الناقة، وقال البعير، وقال الحائط وكله مجاز. رابعها: مسحها بالتراب؛ لعله -والله أعلم-. [(٢) لأذى كان فيها، وإلا لكان يكفي بالماء وحده. خامسها: تركه للمنديل، أراد به -والله أعلم- إبقاء بركة الماء، والتواضع بذلك؛ لأن فعله عادة المترفين، وإن كان يحتمل أن يكون لشيء رآه به، أو لاستعجاله إلى الصلاة. قَالَ ابن المنذر: أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا، وكرهه عبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية، وعن ابن عباس كراهته ----------------- (١) سيأتي برقم (٥٠٢٦) كتاب: فضائل القرآن، باب: اغتباط صاحب القرآن. من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (٢) بداية سقط من (ج) وهو من حديث (٢٥٩ - ٢٩٢). في الوضوء دون الغسل من الجنابة، ورخص فيهما آخرون (١). قَالَ الترمذي: إنما كرهه من كرهه من قِبَلِ أنه قيل: إن الوضوء يوزن، روي ذَلِكَ عن ابن المسيب والزهري (٢). ولأصحابنا فيه أوجه: أشهرها: المستحب تركه، و(لا يقَال) (٣): فعله مكروه. ثانيها: كراهته. ثالثها: إباحته سواء فعله وتركه، وهو المختار. رابعها: استحبابه لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ. خامسها: يكره في الصيف دون الشتاء (٤)، وسيأتي في حديث ميمونة أنه نفض يديه (٥)، وهو دال على أن النفض مباح، فالتنشيف مثله وأولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء، وفعل التنشيف قد رواه جماعة من الصحابة من أوجه، لكن أسانيدها ضعيفة. قَالَ الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - ﷺ - (٦). فائدة: المِنديل-بكسر الميم، قَالَ ابن فارس: لعله من النَّدْل وهو النقل (٧). وقال غيره: مأخوذ من الندل وهو: الوسخ؛ لأنه يندل به. ---------------- (١) «الأوسط» ١/ ٤١٥ - ٤١٩. (٢) الترمذي عقب الرواية رقم (٥٤) كتاب: الطهارة، باب: المنديل بعد الوضوء. (٣) في الأصل: إلا قال، والمثبت «شرح مسلم» للنووي. (٤) انظر: «شرح مسلم للنووي ٣/ ٢٣١. (٥) سيأتي برقم (٢٧٤) باب: من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده. (٦)»سنن الترمذي«١/ ٧٤ عقب حديث عائشة (٥٣). (٧)»المجمل" ٤/ ٨٦٢ مادة: (ندل). ٨ - باب مَسْحِ اليَدِين بِالتُّرَابِ لِيَكُونَ أَنْقَى ٢٦٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الَجعْدِ، عن كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الَحائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْليْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٧٢] ساق فيه حديث ميمونة: أنه - عليه السلام - اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. وقد سلف شرحه. ٩ - باب هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَن يَغْسِلَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الجَنَابَةِ؟ وَأَدْخَلَ ابن عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ، وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. [فتح: ١/ ٣٧٢] ٢٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءِ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩، ٣٢١ - فتح: ١/ ٣٧٣] ٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. [انظر: ٢٤٨ - مسلم: ٣١٦ - فتح: ١/ ٣٧٤] ٢٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثلَهُ. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٣٧٤] ٢٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَالَمْرْأَةَ مِنْ نِسَائِه يَغتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ، عن شُعْبَةَ: مِنَ الجَنَابَةِ. [فتح: ١/ ٣٧٤] مراده: إذا كانت يده طاهرة من النجاسات وهو جنب، فجائز له إدخال يده في الإناء قبل غسلها، فليس شيء من أعضائه نجسًا بسببها فالمؤمن لا ينجس. قَالَ البخاري: وَأَدْخَلَ ابن عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ، وَلَمْ يَغْسِلْهَا. قُلْتُ: وكذا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن سيرين وعطاء وسالم، وقال الشعبي: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب، وكذلك النساء، ولا يفسد ذَلِكَ بعضهم على بعض، ذكره كله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق (١). وأما ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قَالَ: من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي منه نجس (٢)، فمحمول على أنه كان في يده قذر غير الجنابة، وإلا فهو معارض لما رواه البخاري عن ابن عمر. ونقل ابن التين، عن الحسن أنه قَالَ: إن كانت جنابته من وطءٍ ويده نظيفة فلا بأس بها، وإن كانت من احتلام هراقه ليلًا، فإنه لا يدري أين باتت يده فيصيبه. وقال ابن حبيب: من أدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ساهيًا أو عامدًا فلا شيء عليه، إلا أن يكون بات جنبًا، فلا يدري ما أصاب يده من جنابته، فإنه إن أدخلها قبل الغسل نجس الماء (٣). قَالَ البخاري: وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. يريد بالماء: الذي يغتسل به. أما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة عن حفص، عن العلاء بن المسيب، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس في الرجل يغتسل ----------------- (١) ابن أبي شيبة ١/ ٨١ (٨٩٣ - ٨٩٦)، وعبد الرزاق ١/ ٩١ - ٩٢ (٣١٠). (٢) «المصنف» ١/ ٨١ (٨٩٢). (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٦. من الجنابة فينتضح في إنائه من غسله، فقال: لا بأس به (١)، وهو منقطع فيما بين إبراهيم، وابن عباس، ورُوي مثله عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي والحسن (٢)، فيما حكاه ابن بطال (٣) وابن التين عنهم. وقال الحسن: ومن يملك انتشار الماء، فإنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا (٤). ثم ذكر البخاري أربعة أحاديث: أحدها: حديث أفْلَحَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. وأخرجه مسلم أيضًا عن شيخ البخاري، وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن أفلح (٥). ورواه عن أفلح أيضًا جماعة منهم: عبد الله بن وهب، وفيه: تختلف أيدينا فيه وتلتقي (٦). وفي رواية: يعني: حتى تلتقي وفي بعض طرقه أنه سمع القاسم قَالَ: سمعت عائشة (٧). وأفلح (خ. م. د. س. ق) هذا: هو ابن حميد الأنصاري الصدوق، ليس في البخاري غيره، وأخرج له النسائي وأبو داود وابن ماجه (٨)، وفي ------------------- (١) «المصنف» ١/ ٧٢ (٧٨٤). (٢) روى هذا كله ابن أبي شيبة ١/ ٧٣ (٧٨٥ - ٧٨٧). (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٨. (٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٧٢ (٧٩١) والمقطع الأخير (فإنا لنرجو). وما بعده -من كلام ابن سيرين وليس الحسن. (٥) مسلم (٣٢١/ ٤٥) في الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة. (٦) رواه أبو عوانة (١/ ٢٣٩) (٨١٢)، وابن حبان ٣/ ٣٩٥ (١١١١). (٧) المصدر السابق. (٨) وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال أحمد بن حنبل وابن عدي: صالح وقال النسائي: = مسلم أفلح بن سعيد (١)، .. وأفلح عن مولاه أبي أيوب (٢)، وفي النسائي أفلح الهمداني، عن ابن زرير والأصح: أبو أفلح (٣)، وأفلح (م. س) بن سعيد السابق، وليس في هذِه الكتب سواهم. الحديث الثاني: حديثها أيضًا من طريق هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْها: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. ------------------- = لا بأس به، وفي رواية عن أحمد أنه أنكر عليه حديثين، ولم يخرج له البخاري له شيئًا منهما. وقال الواقدي: مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال غيره: سنة ست وخمسين. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٢/ ٥٣ (١٦٥٥)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٣٢١ (٥٤٧)، «هدي الساري» ص ٣٩١. (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٤٢٨، «التاريخ الكبير» (٢/ ٥٢ (١٦٥٤)، و«تهذيب الكمال» ٣/ ٣٢٣ (٥٤٨)، و«ميزان الاعتدال» (١/ ٢٧٤) (١٠٢٣). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (٢/ ٥٢ (١٦٥٣)، و«تهذيب الكمال» (٣/ ٣٢٥) (٥٤٩)، و«الثقات» لابن حبان (٤/ ٥٨). (٣) قالوا: صوابه أبو أفلح وذكره المزي في «تهذيب الكمال» (٣/ ٣٢٦) (٥٥٠) تحت اسم (أفلح) وقال: والمحفوظ: أبو أفلح. ثم ترجم له تحت اسم -أبو أفلح ٣٣/ ٤٧ (٧٢١٢). وترجم له الذهبي في موضعين، موضع: أفلح، والثاني: أبو أفلح «الميزان» ١/ ٢٧٥ (١٠٢٤)، ٦/ ١٦٧ (٩٩٧٢) وقال في الموضع الأول: لا يدري من هو. وفي الثاني: قال ابن القطان: مجهول. وذكره العجلي في «معرفة الثقات» (٢/ ٣٨٤) وعنده: أبو أفلح، وقال: بصري ثقة. وحديثه عند النسائي (٨/ ١٦٠) في تحريم الذهب على الرجال من حديث علي - رضي الله عنه -، ورواه النسائي في عدة طرق وقع فيها: أبو أفلح إلا طريق ابن المبارك وقع: أفلح، وقال النسائي بعده: وحديث ابن المبارك أولى بالصواب إلا قوله: أفلح، فإن أبا أفلح أشبه. ورواه أبو داود (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) وغيرهم، ووقع عندهم: أبو أفلح، مما يؤكد أن أبا أفلح هو الصواب والله أعلم. هذا الحديث أخرجه هكذا مختصرًا، وأخرجه أبو داود مطولًا (١)، وعزاه أبو مسعود الدمشقي إلى البخاري بإسناده المذكور فيه بلفظ: كنت اغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد. والذي فيه ما قدمناه، وقد نبه عليه الحميدي أيضًا (٢). الحديث الثالث: حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. ذكر أصحاب الأطراف أن حديث عبد الرحمن هذا رواه البخاري، عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الرحمن (٣)، ورواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن عبد الرحمن (٤). ورواه أبو نعيم من طريق أبي خليفة، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن به، بمثل حديث أبي بكر بن حفص، ثم قَالَ: رواه البخاري، عن أبي الوليد حديث عبد الرحمن، وأبي بكر جميعًا، وصرح بذلك أبو مسعود أيضًا. --------------------- (١) «سنن أبي داود» (٢٤٢). (٢) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ٤١ - ٤٢. (٣) قلت: يقصدون هذا الموضع. فإن البخاري يقصد: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن أبي بكر … وعن عبد الرحمن … قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٧٤: قوله (وعن عبد الرحمن بن القاسم). هو معطوف على قوله (شعبة عن أبي بكر بن حفص) فلشعبة فيه إسنادان عن عائشة … وقد وهم من زعم أن رواية عبد الرحمن معلقة. (٤) النسائي ١/ ١٢٨ - ١٢٩. الحديث الرابع: حَدَّثنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جَبْرٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءً وَاحِدٍ. قال: وزَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ، عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الجَنَابَةِ. هذا الحديث من أفراده، ولم يخرج مسلم عن أنس في هذا شيئًا، ومسلم: هو ابن إبراهيم الأزدي، الحافظ الثقة المأمون. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين (١)، وأسقطه أبو مسعود وخلف في أطرافهما، واقتصرا على وهب وحده. ثم هذِه الزيادة التي زادها وهب (٢) وهي: من الجنابة، لم يذكرها الإسماعيلي من طريقه، فإنه قَالَ: أخبرني ابن ناجية، حَدَّثَني زيد بن أخزم، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، وقال: لم يذكر من الجنابة، وذلك بعد أن أخرجه بغير هذِه الزيادة أيضًا من طريق ابن مهدي وبهز. إذا تقرر ذَلِكَ فأين موضع الترجمة التي ذكرها البخاري، وأكثرها لا ذكر فيه لغسل اليد، وإنما جاء ذكر اليد في حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة؟ والجواب من وجوه: أحدها: وهو ما اقتصر عليه ابن بطال أن حديث هشام مفسر لمعنى الباب، وذلك أنه حمل غسل اليد قبل إدخالها الإناء، الذي رواه هشام إذا خشي أن يكون قد [علق] (٣) بها شيء من أذى الجنابة أو غيرها، وما لا ذكر فيه لغسلها من الأحاديث حملها على حال يقين طهارة -------------------- (١) انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» للبخاري ٨/ ١٨٠ - ١٨١ (٧٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٨٧. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: مسلم أيضًا زادها. (٣) في الأصل: علم، والمثبت من «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٧. اليد، فاستعمل من اختلاف الأحاديث فائدتين جمع بهما بين معانيها وانتفي بذلك التعارض عنها، وقد رُوي هذا المعنى عن ابن عمر كما سلف (١). ثانيها: جواب أبي العباس ابن المنير، وهو أنه لما علم أن الغسل إما لحدث حكمي، أو لحادث عيني، (وقد فرض الكلام فيمن ليس على يده حادث بقي الحدث المانع من إدخالها الإناء) (٢)، لكن الحدث ليس بمانع؛ لأن الجنابة لو كانت تتصل بالماء حكمًا لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء حتى يكمل طهارته ويزول حدث الجنابة عنه، فلما تحقق جواز إدخالها في الإناء في أثناء الغسل، علم أن الجنابة ليست مؤثرة في منع مباشرة الماء باليد، فلا مانع إذًا من إدخالها أولًا كإدخالها وسطًا، وحقق ذلك أن الذي ينتضح من بدن الجنب طاهر لا تضر مخالطته لماء الغسل. قَالَ: والشارح -يعني: ابن بطال- أبعد عن مقصوده (٣). الثالث: أن الحديث الثاني ظاهر فيه، وأما الحديث الأول فقولها: (تختلف أيدينا فيه). إذ لو غسلا أيديهما قبل إدخالها في الإناء لقالت: (تختلف أيدينا منه)، أو بينت أن في البعض: (تختلف أيدينا فيه). وفي البعض: (تختلف أيدينا منه). وباقي الباب مستطرد لبقية أسانيد الحديث. ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨. (٢) تصرف المصنف في النقل من «المتواري» فأغمض المعنى، وننقل عبارة ابن المنير فهي أوضح قال: «وقد فرض الكلام فيمن ليس على يده حادث نجاسة ولا قذر، بقي أن يكون بيده حدث حكمي يمنع إدخالها الإناء». وباقي النقل تام. (٣) «المتواري» ص ٧٦. الرابع: أنه يحتمل أنه لما ذكر جل الأحاديث بدون غسل اليد علم أن تركه كاف في الغسل، إذ لو لم يكن كافيًا لذكره في كلها. وتحتمل خامسًا: وهو أن البخاري لما ذكر في بعض طرق حديث عائشة غسل اليد، ولم يذكرها في الباقي جريًا على عادته في الأصل، ذكر الحديث وترك اللفظ المستنبط منه المعنى المحتاج إليه منه، ويكون مراده تبحر المستنبط من طرق الحديث، واستخراج المقصود منه، وقد روى مسلم من حديث أبي سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلهما .. وفي آخره: (وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد) (١). ---------------------- (١) مسلم (٣٢١/ ٤٣) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة. ١٠ - باب مَنْ أَفرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِي الغُسْلِ ٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِى الَجعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الَحارِثِ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - غُسْلًا وَسَتَزتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ -قَالَ سُلَيمَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا -ثُمَ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأْرْضِ -أَوْ بِالَحْائِطِ- ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٧٥] ثم ساق حديث ميمونة: قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ -قَالَ سُلَيْمَانُ يعني الأعمش أحد رواته: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا -ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ -أَوْ بِالْحَائِطِ- ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا. وهو ظاهر فيما ترجم له، والحديث محمول على أنه كان في يده أو في فرجه جنابة أو أذى، فلذلك دَلَك يده بالأرض وغسلها قبل إدخالها في وَضُوئه، على ما سلف في الباب قبله. وفيه إباحة النفض وعدم التنشيف على ما سلف. وفيه غير ذَلِكَ مما سلف. وقولها: (غُسلًا) هو: [بالضم: ماءٌ] (١) يغتسل به كما صرح به في الرواية الآتية في الباب بعده. ------------------- (١) مطموسة في الأصل، ولعل الصواب ما أثبتناه. ١١ - باب تَفْرِيقِ الغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُهُ. ٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبِي الَجعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَاءً يَغْتَسِل بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأرضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٧٥] هذا الباب يقع في بعض النسخ قبل الباب الذي قبله، وفي بعضها بعده، والشراح أيضًا اختلفوا كذلك على حسب النسخ. قَالَ البخاري: وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُه. وهذا رواه بنحوه الشافعي، عن مالك، عن نافع، عنه أنه توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دعي لجنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها (١). قَالَ الشافعي: وأحب أن يتابع الوضوء ولا يفرقه، وإن قطعه فأحب أن يستأنف وضوءه. ولا يتبين لي أن يكون عليه استئناف وضوء (٢). قَالَ البيهقي: وقد روينا في حديث ابن عمر جواز التفريق (٣)، وهو --------------------- (١) «الأم» ١/ ٣٢ ورواه مالك في «الموطأ» ص ٤٨. (٢) «الأم» ١/ ٢٦. (٣) «السنن الكبرى» ١/ ٣١٢. مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وهو قول ابن عمر وابن المسيب وعطاء وطاوس والنخعي والحسن وسفيان بن سعيد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وعن الشافعي: لا يجزئه ناسيًا كان أو عامدًا، وهو قول عمر بن الخطاب، وبه قَالَ قتادة وربيعة والأوزاعي والليث وابن وهب، وذلك إذا فرقه حتى جف، وهو ظاهر مذهب مالك، وإن فرقه يسيرًا جاز. وإن كان ناسيًا، فقال ابن القاسم: يجزئه. وقال ابن حبيب عن مالك: يجزئه في الممسوح دون المغسول. وعن ابن أبي زيد: يجزئه في الرأس خاصة. وقال ابن مسلمة في «المبسوط»: يجزئه في الممسوح رأسًا كان أو خفًّا (١). ثم ذكر البخاري حديث ميمونة: عن مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبٍ، ثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ مَيْمُونَة: وَضَعْتُ للنبي - ﷺ - مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- .. الحديث. وقد سلف أيضًا (٢). ومحمد (خ. د. س) هذا: بصري ثقة من أفراد البخاري (٣). مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٤). -------------------- (١) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٣. (٢) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني عن مسلم وإلا فقد اشترك في الأخذ عنه أبو داود مع البخاري، وأخرج له النسائي، فاعلمه. (٤) انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» للبخاري ١/ ٢٤٥ (٧٧٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٢ (٤٤٠)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٣٧٠ (٥٥٨٢). وعبد الواحد: هو ابن زياد العبدي، مولاهم البصري. مات سنة ست وسبعين ومائة، قَالَ النسائي: ليس به بأس (١). وجه الدلالة لما ذكره البخاري أنه - ﷺ - تنحى عن مقامه فغسل قدميه. فدل على عدم وجوبه، وكذا فعل ابن عمر، واحتج غيره بأن الله تبارك وتعالى أمر المتوضى بغسل الأعضاء، فمن أتى ما أمر به متفرقًا، فقد أدى ما أمر به، وجفوف الوضوء ليس بحدث، فكذا جفوف أعضائه. وأجاب من أوجبه: بأن التنحي في حديث ميمونة كان قريبًا، وهذا وإن قرب في حديث ميمونة، فيبعد في فعل ابن عمر. ومحل بسط المسألة كتب الخلاف. ---------------------- (١) أبو بشر، وقيل: أبو عبيدة البصري، وثقه ابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم. انظر ترجمته في «الطبقات» ٧/ ٢٨٩. و«التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩ (١٧٠٦). و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠ - ٢١ (١٠٨). و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٤ (٣٥٨٥). ١٢ - باب من جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي عَدِىٍّ، وَيَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الُمنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا. [٢٧٠ - مسلم: ١١٩٢ - فتح: ١/ ٣٧٦] ٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدى عَشْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. [٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥ - مسلم: ٣٠٩ - فتح: ١/ ٣٧٧] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ، ثنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدى عَشْرَةَ. قُلْتُ لأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: إِن أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. سعيد هذا: هو ابن أبي عَرُوبة (١)، وقد ذكر البخاري حديثه في باب ------------------ (١) واسم أبي عروبة: مهران العدوي، أبو النضر البصري، مولى بني عدي بن يشكر، أحد الأئمة الحفاظ، وكان أحد أحفظ أهل زمانه، كما قال أبو عوانة، أثبت الناس في قتادة كما قال ابن معين والطيالسي وثقه يحيى بن معين والنسائي وأبو زرعة وزاد: مأمون. ومات سنة ست وخمسين ومائة، وقيل: سنة سبع وخمسين. وروى له الجماعة. «الطبقات» ٧/ ٢٧٣. «التاريخ الكبير» للبخاري ٣/ ٥٠٤ (١٦٧٩). و«تهذيب الكمال» ١١/ ٥ (٢٣٢٧) الجنب يخرج ويمشي في السوق (١)، وكذا في النكاح (٢)، وزعم الجياني أن في نسخة الأصيلي (شعبة) بدل (سعيد) قَالَ الأصيلي: وفي عرضنا على أبي زيد بمكة: سعيد، وكذا رواه ابن السكن وغيره، قَالَ أبو علي: وهو الصواب (٣). ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنَا ابن أَبِي عَدِيٍّ، وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا. أما حديث أنس فالكلام عليه من وجوه: أحدها: نسخ البخاري مختلفة في تقديم حديث أنس على حديث عائشة وعكسه، وتقديم حديث عائشة هو ما مشى عليه الشراح: الداودي، وابن بطال، وبعض شيوخنا في شرحه. وحديث أنس أخرجه مسلم من حديث هشام بن زيد، عنه أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد (٤). وهو مطابق لتبويب البخاري دون ما ذكره، وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث حميد عنه (٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» من ---------------- (١) سيأتي برقم (٢٨٤). (٢) سيأتي برقم (٥٠٦٨) باب: كثرة النساء. (٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٧٩. (٤) مسلم (٣٠٩) كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع. (٥) أبو داود (٢١٨)، والنسائي ١/ ١٤٣، وأحمد ٣/ ١٨٩. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٢): إسناده صحيح على شرط البخاري. حديث ثابت عنه، وقال: غريب والمشهور عن قتادة عنه (١). ولما خرجه الترمذي من حديث قتادة عنه، قال: وفي الباب عن أبي رافع (٢). كذا قال، وحديث أبي رافع معارض لهذا، أخرجه أبو داود بلفظ: أن النبي - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذِه وعند هذِه، فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قَالَ: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٣). وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤)، قَالَ أبو داود: حديث أنس أصح من هذا، وضعفه ابن القطان (٥)، وأما ابن حزم فصححه (٦). ----------------- (١) ابن خزيمة ١/ ١١٥ (٢٢٩). (٢) الترمذي (١٤٠). (٣) أبو داود (٢١٩)، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٦). (٤) رواه النسائي في «الكبرى» ٥/ ٣٢٩ (٩٠٣٥)، وابن ماجه (٥٩٠). (٥) قال في كتاب: «الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ٤/ ١٢٦ (١٥٧٠) معقبًا على هذا الحديث قائلًا: وسكت عنه، وهو لا يصح، فإنه عند النسائي من رواية حبان عن حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن فلان بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع ويختلف في عبد الرحمن هذا، فمنهم من يقول ما ذكرناه، ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن أبي رافع، كذلك ذكره أبو داود من رواية موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، وموسى أصحب الناس لحماد وأعرفهم بحديثه وأقعدهم به، وهكذا ذكره البخاري في «تاريخه» قال: عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته، عن أبي رافع: طاف النبي - ﷺ - على نسائه في ليلة. قاله شهاب عن حماد بن سلمة. (٦) «المحلى» ١٠/ ٦٨ - ٦٩ وساقه بسنده، ثم قال: ولو لم يأت هذا الخبر لكان الغسل بين كل اثنتين منهن حسنًا؛ لأنه لم يأت عن ذلك نهي. ثانيها: قوله: (يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). وفي رواية سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة: في الليلة الواحدة، كما سيأتي في بابه (١). ثالثها: دورانه - ﷺ - عليهن في ذَلِكَ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذَلِكَ عند إقبالهِ من سفره: حيث لا قَسم ملزم؛ لأنه كان إذا سافر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها سافر بها، فإذا انصرف استأنف القسم بعد ذَلِكَ، ولم تكن واحدة منهن أولى من صاحبتها بالبداءة، فلما استوت حقوقهن جمعهن كلهن في وقت، ثم استانف القسم بعد ذَلِكَ. ثانيها: أن ذَلِكَ كان بإذنهن ورضاهن، أو بإذن صاحبة النوبة ورضاها. كنحو استئنذانه لهن أن يُمرَّض في بيت عائشة، قاله أبو عبيد. ثالثها: للمهلب أن ذَلِكَ كان في يوم فراغه من القسم منهن، فيفرغ في هذا اليوم لهن أجمع، ثم يستأنف بعد ذَلِكَ (٢)، وهذِه التأويل إنما يحتاج إليها من يقول بوجوب القسم عليه - ﷺ - في الدوام كما يجب علينا، وهم الأكثرون. وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل، وهو رأي الإصطخري من أصحابنا. وذكر ابن العربي المالكي أن الله خص نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بأشياء في النكاح منها: أنه أعطاه ساعة لا تكون لأزواجه ------------------ (١) سيأتي برقم (٥٠٦٨) كتاب: النكاح، باب: كثرة النساء. (٢) انظر «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٢. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#113 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 587 الى صـــ 606 الحلقة (113) فيها حق، يدخل فيها على جميع أزواجه فيفعل ما يريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها. وفي كتاب مسلم عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر، فلو اشتغل عنها لكانت بعد المغرب أو غيره؛ فلذلك قَالَ في الحديث: في الساعة الواحدة من ليل أو نهار (١). رابعها: فيه أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق عند القيام إلى الصلاة، وهو إجماع، نعم، هل وجب بالتقاء الختانين وإنزال المني أو بالقيام إلى الصلاة أو بالمجموع؟ فيه أوجه لأصحابنا، محل إيضاحها كتب الفروع. خامسها: فيه طهارة بدن الجنب وعرقه. سادسها: قوله: (وَهُنَّ إِحْدى عَشْرَةَ). قَالَ ابن خزيمة: لم يقل أحد من أصحاب قتادة إحدى عشرة، إلا معاذ بن هشام، عن أبيه (٢). وقد ذكر البخاري الرواية الأخرى عن أنس تسع نسوة. وجُمع بينهما بأن أزواجه كن تسعًا في هذا الوقت، كما في رواية سعيد، وسريتاه مارية وريحانة، على رواية من روى أن ريحانة كانت أمة، وروى بعضهم أنها كانت زوجة، وروى أبو عبيد أنه كان مع ريحانة فاطمة بنت شريح. ---------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١/ ٢٣١. (٢) ابن خزيمة ١/ ١١٥ - ١١٦ (٢٣١) ولم أقف على كلامه المشار إليه. قَالَ ابن حبان: حكى أنس هذا الفعل منه في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة؛ لأن هذا الفعل كان منه مرارًا لا مرة واحدة (١). ولا نعلم أنه تزوج نساءه كلهن في وقت واحد، ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره، حيث اجتمع عنده تسع نسوة وجاريتان، ولا نعلم أنه اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة بالتزويج، فإنه تزوج بإحدى عشرة، أولهن خديجة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت. ووقع في «شرح ابن بطال» أنه - ﷺ - لا يحل له من الحرائر غير تسع (٢). والأصح عندنا أنه يحل له ما شاء من غير حصر. سابعها: قول أنس: (كُنَّا نتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ). كذا جاء هنا، وفي «صحيح الإسماعيلي» من حديث أبي يعلى، عن أبي موسى، عن معاذ: قوة أربعين. وفي «الحلية» لأبي نعيم، عن مجاهد: أعطي قوة أربعين رجلًا كل رجل من رجال أهل الجنة (٣). وذكر ابن العربي أنه كان لرسول الله - ﷺ - القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، كما في هذا الحديث، وكان له في الأكل القناعة؛ ليجمع الله -------------------- (١) ذكره ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ١٠ - ١١. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٢. (٣) لم أقف عليه في «الحلية» عن مجاهد، غير أن الحافظ عزاه في «الفتح» ١/ ٣٧٨ لأبي نعيم في «صفة الجنة». وهو في «الطبقات» ١/ ٣٧٤، والذي في «الحلية» ٨/ ٣٧٦ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاني جبريل بقدر يقال له الكفيت، فأكلت منها أكلة فأعطيت قوة أربعين رجلًا في الجماع». وقال أبو نعيم: غريب، وقال الألباني عنه في «الضعيفة»: باطل. له الفضلين في الأمور الاعتيادية، كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية حتى يكون حاله كاملًا في الدارين (١). ثامنها: فيه جواز الجمع بين الزوجات والسراري -كما قررناه- بغسل واحد، لكن الغسل بعد كل وطء أكمل، وهو حجة لمالك في قوله (٢): إن من ظاهر من أمته لزمه الظهار؛ لأنها من نسائه، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وخالف أبو حنيفة والشافعي في ذَلِكَ (٣). تاسعها: ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٤) وفي رواية لابن خزيمة «وضوءه للصلاة» وفي أخرى له: «فهو أنشط للعود» (٥). ولما خرج الحاكم لفظة «وضوءه للصلاة» وصححها قال: هذِه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما (٦). وفي رواية لابن حزم: «فلا يعود حتى يتوضأ» وصححها، ثم قَالَ: لم نجد لهذا الخبر ما يخصصه ولا ما يخرجه إلى الندب إلا خبرًا ضعيفًا، رواه يحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، -------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١/ ٢٣١. (٢) «المدونة»٢/ ٣٢٥. (٣) انظر «المبسوط» ٧/ ٣١، و«الأم» ٥/ ٢٦٢. (٤) مسلم (٣٠٨) كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع. (٥) ابن خزيمة ١/ ١٠٩ - ١١٠ (٢٢٠، ٢٢١). (٦) «المستدرك» ١/ ١٥٢. عن الأسود، عن عائشة: كان النبي - ﷺ - يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل. وقال بإيجاب الوضوء بقول عطاء وإبراهيم وعكرمة وابن سيرين والحسن (١). قُلْتُ: وفي «المصنف» عن ابن عمر: إذا أردت أن تعود توضأ. وروي بإسناده عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يجامع ثم يعود قبل أن يتوضأ، قَالَ: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا، إنما قيل ذَلِكَ؛ لأنه أحرى قبل أن يعود (٢)، وهذ خلاف ما نقله ابن حزم عنهما (٣). وقال أبو عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجبه، إلا طائفة من أهل الظاهر. وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه خلاف الحائض (٤). قُلْتُ: ونقل النووي عن ابن حبيب المالكي وجوبه (٥). وقال أبو عوانة في «صحيحه»: يعارض هذا الخبر حديث ابن عباس مرفوعًا: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» (٦) إن كان صحيحًا عند أهل الحديث. وقال الطحاوي: حديث الأسود السالف هو المعمول به. وقال الضياء المقدسي والثقفي في «نصرة الصحاح»: هذا كله مشروع جائز، من شاء أخذ بهذا ومن شاء أخذ بالآخر. ----------------- (١) «المحلى» ١/ ٨٨. (٢) ابن أبي شيبة ١/ ٧٩ (٨٧٢، ٨٧٣). (٣) «المحلى» ١/ ٨٨. (٤) «التمهيد» ١٧/ ٣٤. (٥) «شرح مسلم» ١/ ٢١٧. (٦) قاله في «مسنده» ١/ ٢٣٦ عقب رواية أنس: أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد، وأما حديث ابن عباس فقد رواه أبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي = قُلْتُ: ولا يمكن حمل حديث أبي سعيد على غَسْلِ الفرج، وإن كان روي «إذا أتى أحدكم أهله فأراد أن يعود فليغسل فرجه» قَالَ الترمذي، عن البخاري: الصحيح موقوف على عمر (١)، ولا شك في تأكد غسل الفرج، لاسيما إذا أراد جماع من لم يجامعها. وأما حديث عائشة (٢): فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه قريبًا أيضًا كما ستعلمه (٣)، وأخرجه مسلم في المناسك (٤). ------------------- = (١٨٤٧)، والنسائي ١/ ٨٥ - ٨٦، وأحمد ١/ ٢٨٢، وابن خزيمة ١/ ٢٣ (٣٥)، وأبو عوانة ١/ ٢٣٦ (٧٩٩)، والطبراني ١١/ ١٢٢ (١١٢٤١)، والبيهقي ١/ ٣٤٨ (١٦٣٦)، والبغوي في «شرح السنة» ١١/ ٢٨٣ (٢٨٣٠). وصححه الألباني في «صحيح الجامع»: (٢٣٣٧)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح). (١) رواه الترمذي (١٤١) من طريق عاصم الأحول عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ وضوءًا». قال: وفي الباب عن عمر، ثم قال: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح، وهو قول عمر بن الخطاب. أما حديث عمر فقد رواه مرفوعًا في «العلل» ١/ ١٩٦ - ١٩٧ (٤٤). من طريق أبي المستهل عن عمر عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أتى أحدكم أهله وأراد أن يعود فليغسل فرجه». ثم قال سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو خطأ، لا أدري من أبو المستهل، وإنما روى عاصم عن أبي عثمان عن سليمان بن ربيعة عن عمر قوله وهو الصحيح، وروى عاصم عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ أخرجه النسائي أيضًا. (٣) سيأتي برقم (٢٧٠) باب: من تطيب، ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. (٤) مسلم (١١٩٢) كتاب: الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، راويه: همداني ثقة قلت: ثقة نبيل. ووالده (ع): تابعي ثقة (١). وابن أبي عدي (ع): هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري ثقة. مات سنة أربع وتسعين ومائة (٢). ثانيها: في بعض طرق الحديث عن محمد بن المنتشر قَالَ: سألت ابن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرمًا. فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا؛ لأن أطَّلِيَ بقطران أحبُّ إليَّ من أن أفعل ذَلِكَ. فدخلت على عائشة فأخبرتها بما قَالَ ابن عمر، فقالت عائشة الحديث (٣). وهو مبين لرواية البخاري هنا، وقد ذكر بعد ذَلِكَ قريبًا منها (٤). ثالثها: قولها: (ينضخ طيبًا) هو بالخاء المعجمة، أي: يفور. ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] وهذا هو المشهور، وضبطه بعضهم بالحاء بالمهملة، قَالَ الإسماعيلي: وكذا ضبطه عامة ------------------- (١) روى عن أنس، وابيه، وعنه أبو حنيفة النعمان وأبو عوانة. وثقه النسائي، وقال أحمد وأبو حاتم: ثقة صدوق. وزاد أبو حاتم: صالح. روى له الجماعة كلهم. «التاريخ الكبير» ١/ ٣٢٠ (١٠٠٢)، و«الجرح والتعديل» ٢/ ١٢٤ (٣٨٣)، و«الثقات» لابن حبان ٦/ ١٤، و«تهذيب الكمال» ٢/ ١٨٣ (٢٣٥). (٢) أبو عمرو البصري، السلمي مولاهم، ويقال له: القسملي؛ لأنه نزل في القساملة، وثقه أبو حاتم والنسائي وابن سعد. روى له الجماعة انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٢، و«الجرح والتعديل» ٧/ ١٨٦ (١٠٥٨)، و«تهذيب الكمال» ٢٤/ ٣٢١ (٥٠٢٩) (٣) روى هذا الطريق مسلم (١١٩٢) في الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. (٤) سيأتي برقم (٢٧٠) باب: من تطيب، ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. من حدثنا، وهما متقاربان في المعنى. قَالَ ابن الأثير: وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل: المعجمة: الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة الفعل نفسه، وقيل: بالمعجمة: ما فعل متعمدًا وبالمهملة: من غير تعمد (١). وذكر صاحب «المطالع» عن ابن كيسان أنه بالمهملة لما رَقَّ كالماء، وبالمعجمة: لما ثخن كالطيب، وقال النووي: هو بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل عكسه (٢). وقال ابن بطال: من رواه بالخاء، فالنضخ عند العرب كاللطخ، يقال: نضخ ثوبه بالطيب، هذا قول الخليل. وفي كتاب «الأفعال»: نضخت العين بالماء نضخًا إذا فارت، واحتج بقوله تعالى: ﴿عَيْنَانِ نَضَاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]، ومن رواه بالحاء فقال صاحب «العين»: نضحت العين بالماء إذا رأيتها تفور (٣). وكذلك العين الناظرة إذا رأيتها تغرورق (٤). رابعها: قولها (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)، فيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهذا مذهب الشافعي (٥). -------------------- (١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٧٠. (٢) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١٠٣. (٣) «العين» ٣/ ١٠٦ مادة: نضح. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٣. (٥) «الأم» ٢/ ١٢٩. وبه قَالَ جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير المحدثين والفقهاء منهم: سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة (١) وأبو حنيفة والثوري وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم (٢). وقال آخرون بمنعه، منهم: الزهري ومالك ومحمد بن الحسن، وحكي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وادعى بعضهم أن هذا التطيب كان للنساء لا للإحرام، وادعى أن في هذِه الرواية تقديمًا وتأخيرًا، التقدير: فيطوف على نسائه ينضخ طيبًا ثم يصبح محرمًا، وجاء ذَلِكَ في بعض الروايات. والطيب يزول بالغسل لاسيما أنه ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدة منهن، وكان هذا الطيب ذريرةً، كما أخرجه البخاري في اللباس (٣)، ومسلم أيضًا (٤)، وهو مما يذهبه الغسل. ويرد هذا رواية البخاري الآتية قريبًا: طيبت رسول الله - ﷺ -، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا (٥). وروايته الآتية: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه وهو محرم (٦)، وفي بعض الروايات: بعد ثلاث. ----------------- (١) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ١٩٨ - ٢٠٠ والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٠ - ١٣٢. (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ١٢٣. (٣) سيأتي برقم (٥٩٣٠) كتاب: اللباس، باب: الذريرة. (٤) مسلم (١١٨٩) كتاب: الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. (٥) ستأتي رقم (٢٧٠) باب: من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. (٦) ستأتي رقم (٢٧١) باب: من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. وقال القرطبي: هذا الطيب كان دهنًا له أثر فيه مسك، فزال وبقيت رائحته (١). ورواية الوبيص ترد ما ذكره، وادعى بعضهم خصوصية ذَلِكَ بالشارع، فإنه، أمر صاحب الجُبَّة بغسله. وقَالَ المهلب: السنة اتخاذ الطيب للنساء والرجال عند الجماع، فكان - ﷺ - أملك لإربه من سائر أمته؛ ولذلك - كان لا يتجنب الطيب في الإحرام، ونهانا عنه؛ لضعفنا عن ملك الشهوات، إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه، والجماع يفسد الحج، فمنع فيه الطيب لسد الذريعة (٢). خامسها: قولها: (فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ)، هو كناية عن الجماع، وإن كان يحتمل أن يكون لتفقد حالهن، لاسيما وكان في أهبة الخروج للسفر، وظاهره أنه كان في ليلة واحدة، ويحمل على رضاهن، أو على أنه لم يكن القسم واجب عليه. كما سلف. سادسها: قد يجتج به من لا يوجب الدلك في الغسل؟؛ لأنه لو تدلك لم ينضخ منه الطيب، ويجوز أن يكون دلكه لكنه بقي وبيصه، والطيب إذا كان كثيرًا ربما غسله فذهب وبقي وبيصه. ----------------- (١) «المفهم» ٣/ ٢٧٤. (٢) انظر «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٥. ١٣ - باب غَسْلِ المَذْيِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ ٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمِكَانِ ابنتِهِ، فَسَأَلَ، فَقَالَ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ». [انظر: ١٣٢ - مسلم ٣٠٣ - فتح: ١/ ٣٧٩] ذكر فيه حديث علي، وقد سلف في كتاب العلم بفوائده (١)، فراجعه منه. وأبو حَصين (ع) المذكور في إسناده بفتح الحاء، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي، ثقة ثبت، صاحب سنة (٢). وأبو عبد الرحمن (ع) راويه عن علي: هو عبد الله بن حبيب السلمي مقرئ الكوفة، مات مع ابن الزبير (٣). ---------------- (١) سبق رقم (١٣٢) باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال. (٢) ويقال: عثمان بن عاصم بن زيد بن كثير بن زيد بن مرة، أبو حصين الأسدي الكوفي، من أثبت أهل الكوفة، قال ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم منهم: أبو حصين الأسدي. ووثقه العجلي، وابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن خراش، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: ثمان وعشرين، وقيل: تسع وعشرين، وقيل: اثنين وثلاثين ومائة. «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٤٠ (٢٢٧٧). و«معرفة الثقات» ٢/ ١٢٩ (١٢١٣). و«الجرح والتعديل» ٦/ ١٦٠ (٨٨٣). و«تهذيب الكمال» ١٩/ ٤٠١ - ٤٠٥ (٣٨٢٨). (٣) هو: عبد الله بن حبيب بن ربيعة -بالتصغير- أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي القارئ، ولأبيه صحبة. كان يقرأ القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج. قال العجلي: وأبو عبد الرحمن السلمي الضرير المقرئ كوفي تابعي ثقة. وقال أبو داود: كان أعمى، وقال النسائي: ثقة. انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٧٢ (١٨٨)، و«معرفة الثقات» ٢/ ٢٦ (٨٧٠)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٣٧ (١٦٤)، و«الثقات» ٥/ ٩، و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٠٨ - ٤١٠ (٣٢٢٢). ١٤ - باب مَنْ تَطَيَّبَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ ٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الُمنْتَشِرِ عن أَبِيهِ قَالَ: سَألتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابن عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، ثمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. [انظر: ٢٦٧ - مسلم: ١١٩٢ - فتح: ١/ ٣٨١] ٢٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قال: حدَّثَنَا شُعْبَةُ، قال: حدَّثَنَا الَحكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبيِّ - ﷺ - وَهوَ مُحْرِمٌ. [١٥٣٨، ٥٩١٨، ٥٩٢٣ - مسلم: ١١٩٠ - فتح: ١/ ٣٨١] حَدَّثنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ المُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابن عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. هذا الحديث سلف قريبًا من حديث شعبة، عن إبراهيم واضحًا (١). ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبيِّ - ﷺ - وَهْوَ مُحْرِم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس (٢)، وأخرجه مسلم في الحج (٣). والوبيص -بالصاد المهملة -: البريق واللمعان (٤)، وقال الإسماعيلي: ------------------ (١) سلف برقم (٢٦٧) كتاب: الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد. (٢) سيأتي برقم (٥٩١٨) باب: الفرق. (٣) مسلم (١١٩٠) باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. (٤) «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ١٤٦. وبيصه: تلألؤه، وذلك لعين قائمة لا لريح فقط، وقال ابن التين: هو مصدر وبص يبص وبيصًا. قَالَ: وقال أبو سليمان -يعني الخطابي- في «أعلامه»: وبض (١) مثله (٢)، ولم يذكره أحد غيره فيما علمت بالضاد المعجمة، والحديثان ظاهران فيما ترجم لهما. -------------- (١) ورد بهامش الأصل: كذا رأيته في أصل المؤلف شيخنا وكذا قرأته عليه، والظاهر أنه بمهملة، ورأيته بغير نقطة في «الأعلام» للخطابي. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٣٠٥. ١٥ - باب تَخْلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ ٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثمَّ اغْتَسَلَ، ثُّمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَرْوى بَشَرَتَهُ، أفَاضَ عَلَيْهِ الَماءَ ثَلَاثَ مَرَّاتِ، ثمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. [انظر: ٢٤٨ - مسلم: ٣١٦ - فتح: ١/ ٣٨٢] ٢٧٣ - وَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٣٨٢] ثم ساق حديث عائشة فيه. وقد سلف من حديث مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة في أول الغسل بفوائده فراجعه (١). ---------------- (١) سبق برقم (٢٤٨) باب: الوضوء قبل الغسل. ١٦ - باب مَنْ تَوَضَّأَ فِي الجَنَابَةِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرى ٢٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَضُوءًا لِجَنَابَةِ، فَأكفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الَحائِطِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الَماءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ: فَأَتَيتُهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٨٢] ثم ساق حديث ميمونة قَالَتْ: وُضِعَ لرسول اللهِ - ﷺ - وضوءه للجنابة. الحديث. وقد سلف أيضًا (١). والكلام عليه من وجوه: أحدها: الفضل (ع) بن موسى المذكور في إسناده هو السيناني. مات سنة اثنتين وتسعين ومائة (٢). ------------------- (١) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. (٢) أبو عبد الله المروزي، مولى بني قطيعة من بني زبيد من مذحج، وسينان قرية من قرى مرو، قال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو عبد الله الديناري عن أبي نعيم: هو أثبت من ابن المبارك، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ١١٧ (٥٢٣)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٦٨ (٣٩٠)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٣١٩، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٢٥٤ - ٢٥٨ (٤٧٥٠). وشيخ البخاري فيه يوسف (خ. م. ت. س) بن عيسى هو الزهري المروزي، مات سنة تسع وأربعين ومائتين (١). ثانيها: قَالَ الإسماعيلي: بيّن زائدة أن قوله: (للجنابة) من قول سالم الراوي عن كريب، لا من قول ابن عباس، ولا من قول ميمونة. وفي حديث زائدة زيادة ذكر: سترته حتى اغتسل. ثالثها: كيف تستفاد الترجمة من الحديث، وإنما قالت بعد غسل وجهه وذراعيه: (ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده). فدخل في قولها: (ثم غسل جسده)، الأعضاء التي تقدم عليها؛ لأنها من جملة الجسد. ووجه استفادتها مع بعده لغة واحتماله عرفًا أنه لم يذكر إعادة غسلها، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفًا بقيته لا جملة، وظن الشارح -أعني: ابن بطال- أن لفظ الحديث في الطريق المتقدمة على الترجمة أبعد بهذِه الترجمة، فإنها قالت فيه: ثم غسل سائر جسده. أي: باقيه. إلا أن يؤول سائر بمعنى: جميع (٢). رابعها: لما نقل ابن بطال الإجماع على سنية الوضوء في غسل الجنابة، شرع يستنبط منه، فقال: لما ناب غسل مواضع الوضوء وهي سنة في الجنابة عن غسلها في الجنابة، وغسل الجنابة فريضة، صح بذلك ----------------- (١) أبو يعقوب المروزي. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات» انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٢٧ (٩٥٤)، و«الثقات» ٩/ ٢٨١، و«تهذيب الكمال» ٣٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠ (٧١٤٨) (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٩. قول أشهب وجماعة عن مالك أن غسل الجمعة يجزئه عن الجنابة، وهو خلاف رواية ابن القاسم (١). ووجهه المهلب: بأن الشارع لما اجتزأ بغسل أعضاء الوضوء عن أن يغسلها مرة أخرى عن الجنابة دل أن الطهارة إذا نُوي بها رفع الحدث أجزأت عن كل معنى يراد به الاستباحة. ولهذا الحديث -والله أعلم- قَالَ عطاء: إذا غسلت كفيَّ قبل إدخالهما الإناء لم أغسلهما مع الذراعين في الوضوء. قَالَ: وفي هذا الحديث أيضًا حجة لأحد قولي مالك في رجل توضأ للظهر وصلى، وأراد أن يجدد الوضوء للعصر، فلما صلاها تذكر أن الوضوء الأول قد انتقض، فقال مالك: تجزئه صلاته. وهو الصواب؛ لأن الوضوء عنده للسنن يجزئ به صلوات الفرائض، وقال مرة: لا يجزئه. ومثل هذِه المسألة اختلاف ابن القاسم وابن الماجشون فيمن صلى في بيته، ثم صلى تلك الصلاة في المسجد، فذكر أنه كان في الأولى على غير وضوء، فقال ابن القاسم: يجزئه. وقال ابن الماجشون: لا يجزئه. والصواب الأول (٢)، بدليل هذا الحديث؛ لأنه وإن كان صلاها على طريق الفضيلة فإنه نوى بها تلك الصلاة بعينها، والقربة إلى الله تعالى بتأديتها، كما نوى بغسل مواضع الوضوء القربة إلى الله تعالى، ولم يحتج إلى إعادتها في الغسل من الجنابة. ----------------- (١) «المنتقى» ١/ ٥٠. (٢) انظر «النوادر والزيادات» ١/ ٣٢٧. وقد قَالَ ابن عمر للذي سأله عن الذي يصلي في بيته، ثم يصليها في المسجد، أيهما أجعل صلاتي؟ قَالَ: أو ذاك إليك؟! ذاك إلى الله تعالى يجعل أيتهما شاء (١) (٢). --------------- (١) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٠٢. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٧ - ٣٨٩. ١٧ - باب إِذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ». ثُمُّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَينَا وَرَأسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّينَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأوزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ [٦٣٩، ٦٤٠ - مسلم: ٦٠٥ - فتح: ١/ ٣٨٣] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شهاب، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ». ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُهْرِيِّ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة (١)، وأما حديث معمر فأخرجه أبو داود، عن (مخلد بن خالد) (٢)، عن إبراهيم بن خالد -إمام مسجد صنعاء- عن رباح بن زيد، عنه (٣). ------------------- (١) مسلم (٦٠٥) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة؟ (٢) وقع في الأصل: خالد بن مخلد، والصواب ما أثبتناه كما في «سنن أبي داود» (٢٣٥). (٣) أبو داود (٢٣٥). وأما حديث الأوزاعي فذكره مسندًا في الصلاة في باب إذا قَالَ الإمام: مكانكم. عن إسحاق، عن محمد بن يوسف، عنه (١). وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب (٢). وأبو داود عن المؤمل بن الفضل، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عنه (٣). قلتُ: وتابعه الزُبيدي، وصالح بن كيسان، وابن عيينة كلهم عن الزهري. رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي (٤). ورواه البخاري في الصلاة، في باب: هل يخرج من المسجد لعلة، من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح (٥). ومتابعة ابن عيينة ذكرها الإسماعيلي. ثانيها: عبد الله (خ. ت) بن محمد: هو: المسنَدِي الحافظ، مات بعد المائتين (٦). وعثمان (ع) بن عمر: هو العبدي البصري صالح ثقة. مات سنة تسع ومائتين (٧). -------------- (١) سيأتي برقم (٦٤٠) كتاب: الأذان. (٢) مسلم (٦٠٥) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة؟ (٣) أبو داود (٢٣٥). (٤) أبو داود (٢٣٥) والنسائي ٢/ ٨١. (٥) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الآذان، باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟ (٦) سبق ترجمته في حديث (٩). (٧) هو عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي، أبو محمد، وقيل: أبو عدي، وقيل: أبو عبد الله، البصري. يقال: أصله من بخارى. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: رجل صالح ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه. وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: أصله بخارىٌّ. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٤٠ (٢٢٧٤)، و«معرفة الثقات» ٢/ ١٣٠ = ويونس: هو ابن يزيد سلف، وكذا باقي الإسناد. ثالثها: قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ). وفي رواية: فعدِّلت الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله - ﷺ - (١). فيه تعديل الصفوف، وهو إجماع، وقال ابن حزم: فرض على المأمومين تعديل الصفوف، الأول فالأول، والتراص فيها (٢)، والمحاذاة بالمناكب والأرجل. رابعها: قوله: (فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) هو موافق لرواية: أقيمت الصلاة، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج. وأما حديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٣). فوجهه أن بلالًا كان يراقب خروجه من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، فلا يقوم الناس حتى يروه، ولا يقوم مقامه حتى يعدل الصفوف، وأخذ المصاف قبل الخروج لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز، أو لعذر. ولعل قوله: «فلا تقوموا حتى تروني» بعد ذلك، والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه. ------------------- = (١٢١٦)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ١٥٩ (٨٧٧)، و«الثقات» ٨/ ٤٥١، و«تهذيب الكمال» ١٩/ ٤٦١ - ٤٦٣ (٣٨٤٨). (١) رواها النسائي ٢/ ٨٩. (٢) «المحلى» ٤/ ٥٢. (٣) سيأتي برقم (٦٣٧) كتاب: الأذان، باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#114 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 607 الى صـــ 626 الحلقة (114) وقد اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب الشافعي وطائفة إلى أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وكان أنس يقوم إذا قَالَ المؤذن: قد قامت الصلاةُ. وبه قَالَ أحمد. وقال أبو حنيفة والكوفيون: يقومون في الصف إذا قَالَ: حي على الصلاة، فإذا قَالَ: قد قامت الصلاة. كبر الإمام (١)، وحكاه ابن أبي شيبة، عن سويد بن غفلة، وقيس بن أبي سلمة، وحماد (٢)، وقال جمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. خامسها: قوله: (فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ). وفي رواية: قبل أن يكبر (٣). وفي رواية أخرى في البخاري: وانتظرنا تكبيره (٤). ولابن ماجه: قام إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف قَالَ: «إنِّي خرجت إليكم جنبًا، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة» (٥). وفي رواية للدارقطني من حديث أنس: دخل في صلاة فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم. «كما أنتم» (٦). وفي رواية لأحمد من حديث -------------------- (١) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٦ - ١٩٧، «المجموع» ٣/ ٢٣٣، «المغني» ٢/ ١٢٣. (٢) «المصنف» ٣٥٥/ ١ (٤٠٨٥، ٤٠٨٦، ٤٠٨٨). (٣) رواه مسلم برقم (٦٠٥) كتاب: المساجد، متى يقوم الناس للصلاة؟ (٤) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الأذان، باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟ (٥) ابن ماجه (١٢٢٠). (٦) الدارقطني ١/ ٣٦٢. علي: كان قائمًا يصلي بهم، إذ انصرف (١). وفي رواية لأبي داود من حديث أبي بكرة: دخل في صلاةِ الفجر، فأومأ بيده أن: مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم (٢)، وفي أخرى له مرسلة: فكبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا. وفي مرسل ابن سيرين وعطاء والربيع بن أنس: كبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا. واختلف في الجمع بين هذِه الروايات، فقيل: أراد بقوله: (كبر): أراد أن يكبر، عملًا بالرواية السالفة: وانتظرنا تكبيره. وقيل: إنهما قضيتا، أبداه القرطبي احتمالًا (٣)، وقال النووي: إنه الأظهر (٤). وأبداه ابن حبان في «صحيحه» فقال بعد أن أخرج الروايتين من حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة: هذان فعلان في موضعين متباينين، خرج - ﷺ - مرة فكبر، ثم ذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل، ثم جاء فاستأنف بهم الصلاة، وجاء مرة أخرى: فلما وقف ليكبر ذى أنه جنب قبل أن يكبر، فذهب فاغتسل، ثم رجع فأقام بهم الصلاة، من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر (٥) قَالَ: وقول أبي بكرة: فصلى بهم، أراد بدأ بتكبير محدث، لا أنه رجع فبنى على صلاته، إذ محالٌ أن يذهب - ﷺ - ليغتسل ويبقى الناس كلهم قيامًا على حالتهم من غير إمام إلى أن يرجع (٦). ------------------- (١) «المسند» ١/ ٨٨، ٩٩. (٢) أبو داود (٢٣٣). (٣) «المفهم» ٢/ ٢٢٨. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٠٣. (٥) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٨ عقب الرواية (٢٢٣٦). (٦) المصدر السابق ٦/ ٦ عقب الرواية (٢٢٣٥). سادسها: يستفاد من رواية الإيماء والإشارة؛ أن الإمام إذا طرأ له ما يمنعه من التمادي استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد القولين لأصحاب مالك، كما حكاه القرطبي، وجواز البنَاء في الحدث، وهو قول أبي حنيفة، لكن إنما يتم ذلك إذا ثبت فعلًا أنه لم يكبر حين رجوعه، بل الذي في الصحيحين أنه كبر بعدما اغتسل عند رجوعه. قَالَ القرطبي: والمشكل على هذِه الرواية إنما هو وقوع العمل الكثير وانتظارهم له هذا الزمان الطويل بعد أن كبروا. قَالَ: وإنما قلنا: إنهم كبّروا؛ لأن العادة جارية بأن تكبير المأموم يقع عقب تكبير إمامه، ولا يؤخر عن ذلك إلا القليل من أهل الغلو والوسوسة. ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفًا لأصل الصلاة قَالَ: إنه خاص بالنبي - ﷺ -. قَالَ: وروى عنه بعض أصحابنا أن هذا العمل من قبل اليسير، فيجوز مثله. وقال ابن نافع: إن المأموم إذا كان في الصلاة فأشار إليه إمامه بالمكث، فإنه يجب عليه انتظاره حتى يأتي فيتم بهم أخذًا بهذا الحدث (١). قَالَ: والصحيح من حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه - ﷺ - ذكر قبل أن يكبر وقبل أن يدخل في الصلاة، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وأقصى ما فيه أن يقال: لم أشار إليهم ولم يتكلم؟ ولم انتظروه قيامًا؟ والجواب أنه لا نسلم أنه لم يتكلم، بل قد جاء في هذِه الرواية أنه ------------------ (١) «المفهم» ٢/ ٢٣٠. قَالَ لهم: «مكانكم» وفي أخرى: أنه أومأ إليهم. فيجمع بينهما بأنه جمع بين القول والإشارة؛ تأكيدًا لملازمة القيام، أو روى الراوي أحدهما بالمعنى. وملازمتهم القيام امتثال لأمره، وأمرهم بذلك ليشعر بسرعة رجوعه؛ حتى لا يتفرقوا ولا يزيلوا ما كانوا شرعوا فيه من القيام للقربة، ولما رجع بَنَى على الإقامة الأولى، أو استأنف إقامة أخرى لم يصح فيه نقل. والظاهر أنه لو وقعت إقامة أخرى لنقلت، وحينئذ يحتج به من يرى أن التفريق بين الإقامة والصلاة لا يقطع الإقامة وإن طال (١). سابعها: فيه جواز النسيان في العبادات على الأنبياء، وقد روي عنه - ﷺ -: «إني لأنسى-أو أنسَّى- لأسُنَّ» (٢). ثامنها: فيه -كما قَالَ ابن بطال- حجة لمالك وأبي حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام، وهو قول عامة الفقهاء (٣). قَالَ: والشافعي أجاز تكبير المأموم قبل إمامه، أي: فيما إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاة؛ لأنه روى حديث أبي هريرة على ما رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار ----------------- (١) انظر: «المفهم» ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠. (٢) ذكره مالك في «الموطأ» ص ٨٣. قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣٧٥ أما هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي - ﷺ - بوجه من الوجوه مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه -والله أعلم- وهو أحد الأحاديث الأربعة في «الموطأ» التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة -والله أعلم- ومعناه صحيح في الأصول. (٣) «المدونة» ١/ ٦٧. أنه - ﷺ - كبر في صلاةٍ من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا، فلما قدم كبر (١). والشافعي لا يقول بالمرسل، ومالك الذي رواه لم يعمل به؛ لأنه صح عنده أنه لم يكبر (٢). وزعم ابن حبيب أن هذا خاص به - ﷺ -، ولعله أمرهم بنقض إحرامهم الأول، وابتدأ الإحرام بعد إحرامه الثاني، وهكذا فسره مطّرِف وابن الماجشون وغيرهما، وهو قول مالك أيضًا. تاسعها: زعم بعض التابعين أن الجنب إذا نسي فدخل المسجد وذكر أنه جنب يتيمم ثم يخرج، وهو قول الثوري وإسحاق (٣). والحديث يرد عليهما، وكذا قول أبي حنيفة (٤) في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء، فإنه يتيمم ويدخل المسجد فيستقي، ثم يخرج الماء من المسجد، والحديث يدل على خلاف قوله؛ لأنه لما لم يلزمه التيمم للخروج. وكذا من اضطر إلى المرور فيه جنبًا لا يحتاج إلى التيمم؛ لأن الحديث فيه الخروج لا الدخول، وفي «نوادر ابن دريد» عن بعض أصحابه فيما حكاه ابن التين: من نام في المسجد ثم احتلم ينبغي أن يتيمم لخروجه، وهذا الحديث يرد عليه. ---------------- (١) «الموطأ» ص ٥٥، ونصه: كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار إليهم أن امكثوا فذهب، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء. (٢) «شرح ابن بطال» ٢٦٦/ ٢. (٣) «المغني» ١/ ٢٠٠. (٤) «المبسوط» ١/ ١١٨. وقد اختلف العلماء في مرور الجنب في المسجد، فرخص فيه جماعة من الصحابة: علي (١) وابن مسعود وابن عباس، وقال جابر: كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب (٢). وممن روي عنه إجازة دخوله عابر سبيل ابن المسيب وعطاء والحسن (٣) وسعيد بن جبير، وهو قول الشافعي (٤)، ورخصت طائفة للجنب أن يدخل المسجد ويقعد فيه، قَالَ زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يحتبون في المسجد وهم جنب (٥). وروى سعيد بن منصور في «سننه» بسند جيد عن عطاء: رأيت رجالًا من الصحابة يجلسون في المسجد وعليهم الجنابة إذا توضئوا للصلاة (٦). وكان أحمد بن حنبل يقول: يجلس الجنب فيه ويمر فيه إذا توضأ، ذكره ابن المنذر، وقال مالك والكوفيون: لا يدخل فيه الجنب [إلا] (٧) عابر سبيل (٨). وروي عن ابن مسعود أيضًا أنه كره ذلك للجنب، وقال المزني وداود: يجوز له المكث فيه مطلقًا، فالمسلم لا ينجس، واعتبروه بالمشرك. ---------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (١٥٥١). (٢) رواه ابن خزيمة ٢/ ٢٨٦ (١٣٣١)، والبيهقي ٢/ ٤٤٣. (٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١٣٥ (١٥٥٥، ١٥٥٨، ١٥٦٠). (٤) «الأم» ١/ ٤٦. (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٣٥ (١٥٥٧)، ولفظه: كان الرجل منهم يجنب ثم يدخل المسجد فيحدث فيه. (٦) «سنن سعيد بن منصور» ٤/ ١٢٧٥ (٦٤٦). (٧) في الأصل: ولا، والمثبت من «الأوسط». (٨) «الأوسط» ٢/ ١٠٧. وفي الصحيح «إن حيضتك ليست في يدك» (١) وحديث الوليدة التي كان لها حِفشٌ في المسجد (٢)، وحديث تمريض سعد فيه، وسيلان دمه فيه (٣). وحديث وفد ثقيف من «صحيح ابن خزيمة»، وإنزالهم المسجد (٤)، وكان أهل المسجد وغيرهم يبيتون في المسجد. واحتج من أباح العبور بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] أي: لا تقربوا مواضعها. ووردت أحاديث تمنع الجنب منه، وكلها متكلم فيها. وأجاب من منع: بأن المراد بالآية نفس الصلاة، وحملها على مكانها مجازًا، وحملها على عمومها، أي: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذِه الحال، إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلّوا. وقد نقل الرازي عن ابن عمر وابن عباس أن المراد بعابر السبيل: المسافر يعدم الماء، يتيمم ويصلي، والتيمم لا يرفع الجنابة، فأبيح لهم الصلاة به تخفيفًا. قَالَ ابن بطال: ويمكن أن يستدل من هذِه الآية لقول الثوري ------------------ (١) رواه مسلم (٢٩٨) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجليه، وأبو داود (٢٦١). والترمذي (١٣٤)، والنسائي ١/ ١٤٦، وأحمد ٦/ ٤٥. (٢) سيأتي برقم (٤٣٩) كتاب: الصلاة، باب: نوم المرأة في المسجد. (٣) سيأتي برقم (٤٦٣) كتاب: الصلاة، باب: الخمية في المسجد للمرضى وغيرهم. (٤) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٢٨٥ (١٣٢٨) عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله - ﷺ - فأنزلهم المسجد حتى يكون أرق لقلوبهم. قال الألباني في تعليقه على «صحيح ابن خزيمة»: إسناده ضعيف، فيه عنعنه الحسن. ورواه أبو داود (٣٠٢٦)، وأحمد ٤/ ٢١٨. وإسحاق السالف، وذلك أن المسافر إذا عدم الماء منع دخول المسجد والصلاة فيه، إلا بالتيمم، وذلك لضرورة وأنه لا يقدر على ماء، فكذلك الذي يجنب في المسجد لا يخرج إلا بعد التيمم؛ لأنه مضطر لا ماء معه، فأشبه المسافر العابر سبيل المذكور في الآية لولا ما يعارضه من حديث أبي هريرة المفسر لمعنى الآية لجواز خروجه من المسجد دون تيمم، ولا قياس لأحد مع مجيء السنن، وإنما يفزع إلى القياس عند عدمها (١). عاشرها: فيه طهارة الماء المستعمل؛ لأنه خرج ورأسه يقطر. وفي روايةٍ أخرى: ينطف (٢)، وهي بمعناها (٣). ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٠ - ٣٩١. (٢) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الأذان، باب: هل يخرج من المسجد؟ (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ٩ من ٢ من تجزئة المصنف. ١٨ - باب نَفْضِ اليَدِ مِن غسلِ الجَنَابَةِ ٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأرضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأخُذهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٨٤] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، ثنَا أَبُو حَمْزَةَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ فذكر حديث ميمونة. وفي آخره: فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأُخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. وقد سلف واضحًا بالكلام عليه. وأبو حمزة: هو محمد بن ميمون السكري (١). ومقصوده بالترجمة ألا يتخيل أن مثل هذا الفعل لإطراح العبادة ونقض له، فنبه أن هذا جائز، ونبه أيضًا على بطلان قول من زعم أن تركه المنديل من قبل إبقاء أثر العبادة عليه وأن لا يمسحها. وقد ظن المهلب هذا احتمالًا، والترجمة تأباه وتبين أن هذا ليس مغزاه، وإنما ترك المنديل -والله أعلم- خوفًا من فعل المترفين (٢). --------------------- (١) روى عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي، وثقه عباس الدُّوري والنَّسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات»، مات سنة ثمان وستين ومائةٍ، وهو من أهل مرو، يقال: سُمي بالسكري؛ لحلاوة كلامِه. وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٧١، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٣٤ (٧٣٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٨١ (٣٣٨)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٤٢٠، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٥٤٤ (٥٦٥٢). (٢) انظر «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩١ - ٣٩٢. ١٩ - باب مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رأسِهِ الأَيْمَنِ فيِ الغُسْلِ ٢٧٧ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِبرَاهِيمُ بن نَافِعٍ، عَنِ الَحسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ. [فتح: ١/ ٣٨٤] حَدَّثنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، ثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ. هذا الحديث من أفراد البخاري بهذا اللفظ، وقد سلف فقهه (١)، وأن البداءة بالأيمن في الغسل مطلوبة. وصفية (ع) هذِه: بنت شيبة حاجب البيت ابن عثمان بن أبي طلحة العبدري، يقال: لها رؤية، وحديثها عن النبي - ﷺ - في السنن خلا الترمذي. وذكرها ابن عبد البر وابن السكن في الصحابة، وخرج لها البخاري في «صحيحه» (٢) في الجنائز عن النبي - ﷺ - (٣). ماتت في خلافة الوليد (٤). ------------------- (١) سلف في الحديث رقم (٢٥٨) باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل. (٢) ورد بهامش الأصل: وقال: أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي - ﷺ - مثله. (٣) سيأتي حديثها بعد حديث رقم (١٣٤٩) باب: الإذخر والحشيش في القبر. تعليقًا. (٤) انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٢٧ (٣٤٤١)، «أسد الغابة» ٧/ ١٧٢ (٧٠٥٨)، «الإصابة» ٤/ ٣٤٨ (٦٥٣). والحسن (خ، م، د، س، ق) بن مسلم هو ابن ينَّاق، ثقة. مات قبل طاوس (١). وإبراهيم بن نافع: هو المكي المخزومي ثقة ثبت (٢). وخلاد سلمي كوفي ثقة. مات سنة سبع عشرة ومائتين (٣) (٤). ------------------- (١) المكيُّ الثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث روى له الجماعة سوى الترمذي. انظر ترجمته في «الطبقات» ٥/ ٤٧٩، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٠٦ (٢٥٦٥)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٦ (١٥٥)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٣٢٥ (١٢٧٥). (٢) أبو إسحاق المكيُّ، قال ابن عيينة: كان حافظًا، وقال ابن مهدي: كان أوثق شيخ بمكة ووثَّقه ابن معين. روى له الجماعة. «التاريخ الكبير» ١/ ٣٣٢ (١٠٤٧)، «ثقات ابن حبان» ٦/ ٥، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٢٧ (٢٦٠). (٣) أبو محمد الكوفيُّ، سكن مكة، وثَّقه أحمد بن حنبل، ولكن كان يرى شيئًا من الإرجاء، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: صدوق إلا أن في حديثه غَلَطًا قليلًا، وقال أبو حاتم: ليس بذاك المعروف، محلُّه الصِّدق، وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال ابن حجر في «التقريب»: نزيل مكة، صدوق رمي بالإرجاء، وهو من كبار شيوخ البخاري، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة، وقيل سنة سبع عشرة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٨٩ (٦٣٨)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٦٨ (١٦٧٥)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٣٥٩ (١٧٤١)، «التقريب» ص ١٩٦ (١٧٦٦) (٤) بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له. ٢٠ - باب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ». ٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالَحْجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَربًا بِالَحْجَرِ. [٣٤٠٤، ٤٧٩٩ - مسلم: ٣٣٩ - فتح: ١/ ٣٨٥] ٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، ولكن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا». [٣٣٩١، ٧٤٩٣ - فتح:١/ ٣٨٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث بهز، وذكره معلقًا فقال: وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ». ثانيها وثالثها: حديث أبي هريرة أن موسى وأيوب صلوات الله وسلامه عليهما كانا يغتسلان عراة، لكن كانا يستتران عن أعين الناس. وهما دليلان لقوله: (مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانَا وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ)، ولا خلاف أن التستر أفضل كما قاله. وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة قَالَ مالك والشافعي وجمهور العلماء (١) ومنعه ابن أبي ليلى (٢)، وحكاه الماوردي وجهًا لأصحابنا، فيما إذا نزل في الماء عريانًا بغير مئزر، واحتج بحديث ضعيف لم يصح عن النبي - ﷺ -: «لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإن للماء عامرًا» (٣). وروى ابن وهب عن ابن مهدي، عن خالد بن حميد عن بعض أهل الشام أن ابن عباس لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، فإذا سئل عن ذلك قَالَ: إنَّ له عامرًا، وروى برد عن مكحول، عن عطية مرفوعًا: «من اغتسل بليل في فضاء فليتحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك، فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه» (٤). -------------------- (١) انظر «النوادر والزيادات» ١/ ٦٥، «المجموع» ٢/ ٢٢٧، «المغني» ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧. (٢) انظر «المجموع» ٢/ ٢٢٨. (٣) من حديث جابر رواه ابن خزيمة ١/ ١٢٤ (٢٤٩)، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ٣٤٣ (١٨٠٧)، والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ٣١٢ وقال بعد أن رواه من طريق حماد بن شعيب: ولا يتابعه عليه إلا من هو دونه ومثله، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٦، ١٦٣، والحاكم ١/ ١٦٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأنه على شرط مسلم. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٥٠٤): بل هو ضعيف الإسناد، لأن الهمداني هذا لم يخرج له مسلم، وهو مختلف فيه، قال الحافظ: صدوق يخطئ. وأبو الزبير -وإن أخرج له مسلم- فهو مدلس، وقد عنعنه. (٤) رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول». انظر: «ضعيف الجامع» (١٥٦٥). وفي مرسلات الزهري فيما رواه أبو داود في: «مراسيله» عنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا تغتسلوا في الصحراء إلا أن تجدوا متوارى، فإن لم تجدوا متوارى، فليخط أحدكم كالدائرة، ثم يسمي الله تعالى ويغتسل فيها» (١). وفي «سنن أبي داود» من حديث يعلى بن أمية أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَراز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» وأخرجه النسائي (٢)، ونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء بغير إزار (٣). وقال إسحاق: هو بالإزار أفضل، لقول الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقد قيل لهما وقد دخلا الماء عليهما بُردان، فقالا: إن للماء سكانًا. قال إسحاق: ولو تجردا رجونا ألا يكون إثمًا، واحتج بتجرد موسى - عليه السلام -. فأما حديث بهز فهو بعض حديث طويل أخرجه أصحاب السنن الأربعة: أبو داود في الحمام، والترمذي في الاستئذان في موضعين، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في النكاح من حديث بهز، عن أبيه، عن جده. وهو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري له صحبة، قلتُ: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قَالَ: ------------------ (١) «المراسيل» ص ٣٢٩ (٤٧٢). (٢) أبو داود (٤٠١٢)، والنسائي ١/ ٢٠٠، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٥٦). (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٣٣٩. «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك» قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض قَالَ: «إن استطعت أن لا تريها أحد فلا تريها» قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا، قَالَ: «فالله أحق أن يستحيى منه من الناس» (١). قَالَ الترمذي: حسن. قَالَ أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين: يريد بقوله: «فالله أحق أن يستحيى منه من الناس». أن لا يغتسل أحد في الفلاة، وهذا حرج. وحديث أيوب أسمح وأثبت وأحسن، ولعله يريد بقوله: «أحق أن يستحيى منه» بمعنى: أن لا يعصى حياء منه. وقال ابن بطال: الحديث محمول عند الفقهاء على الندب والاستحباب للتستر في الخلوة لا على الإيجاب (٢). فرع: حكى الماوردي خلافًا للناس في أن ستر العورة واجب بالعقل أم بالشرع؟ وعلى الأول: المعتزلة، وعلى الثاني: أهل السنة، ولا شك أن جبلة الشخص كارهة لذلك، لكن الشرع هو الحاكم. فائدة: بهز هذا قد عرفت والده وجده مما ذكرته لك، وقد وثقه جماعة، وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا (٣). ------------------- (١) رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، (٢٧٩٤)، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٣١٣ (٨٩٧٢)، وابن ماجه (١٩٢٠). (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٥. (٣) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٢/ ٢٥٤. ووالده حكيم، قَالَ النسائي: ليس به بأس (١). وجده معاوية له صحبة كما سلف. وأما حديث أبي هريرة الأول فقال البخارج: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَحَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْبًا». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ. والكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق (٢)، ------------------- (١) بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، روى عن أبيه عن جده، وعن زرارة بن أوفي، روى عنه إسماعيل ابن علية وأصبغ وغيره. وثقه ابن معين وابن المديني والنسائي، وقال أبو زرعة: صالح، ولكنه ليس بالمشهور. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحاكم أبو عبد الله: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذة لا متابع له فيها، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٤٢ (١٩٨٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٣٠ (١٧١٤)، «تهذيب الكمال» ٤/ ٢٥٩ (٧٧٥). (٢) مسلم (٣٣٩/ ٧٥) كتاب: الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، وبرقم (٣٣٩/ ١٥٥) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى - عليه السلام -. وأخرجه البخاري بمعناه في أحاديث الأنبياء والتفسير (١)، ويأتي -إن شاء الله- من طريق محمد بن سيرين والحسن، وخلاس بن عمرو، عن أبي هريرة (٢). وكذلك مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة (٣). ثانيها: إسحاق هذا: هو ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري، نسبه البخاري إلى جده. مات بعد المائتين (٤)، كان ينزل ببني سعد، وقيل: كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد (٥)، وعن المنذري أنه ضبطه بضم السين والغين المعجمة، ونقله عن بعض علماء (…) (٦). ثالثها: قوله: («كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ») أي: جماعتهم، وكذلك أدخل عليهم التأنيث مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]. رابعها: قوله: («يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ») يحتمل أن هذا --------------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٠٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. وبرقم (٤٧٩٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. (٢) سيأتي برقم (٣٤٠٤) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٣) «صحيح مسلم» (٣٣٩/ ١٥٦) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى - عليه السلام -. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: سنة اثنتين وثلاثين. (٥) قال عنه ابن حجر: صدوق من الحادية عثرة. وانظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ١/ ٣٨٠ (١٢١٢)، و«تهذيب الكمال» ٢/ ٣٨٨ (٣٣٣)، و«تقريب التهذيب» (٣٣٣). (٦) طمس في الأصل. كان جائزًا في شرعهم، وكان موسى يتركه تنزهًا واستحبابًا وحياء ومروءة. ويحتمل أنه كان حرامًا في شرعهم، كما هو حرام في شرعنا، وكانوا يتساهلون فيه، كما يتساهل فيه كثير من أهل شرعنا. وجزم الشارح -أعني ابن بطال-: بهذا، فقال: هذا يدل على أنهم عصاة له، وسالكون غير سنته، إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد، ويطلب الخلوة، فكان الواجب عليهم الاقتداء، ولو كان اغتسالهم عراة في غير الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك لم يلزم فعله (١)؛ لأن شرعنا يخالفه ولو كانوا أهلَ توفيق اتبعوه. ثم لم تكفهم المخالفة حتى أذوه، فنسبوا إليه ما نسبوا، فأظهر الله براءته من ذلك بطريق خارق للعادة، زيادة في دلالة صدقه ومبالغة في قيام الحجة عليهم. خامسها: «آدَر» -بهمزة مفتوحة ممدودة، ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء- عظيم الخُصْيتين، وهي: الأُدْرة بضم الهمزة وفتحها مع إسكان الدال بفتحها (٢)، ولا يقال: امرأة أدراء. سادسها: قوله: («فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ») وضعه - عليه السلام - ثوبه ودخوله الماء عريانًا دليل على جواز ذلك. ---------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٤. (٢) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥٧٧، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣١. وجاء في «صحيح مسلم»: «أنه اغتسل عند مُوَيْه» (١) بضم الميم وفتح الواو وإسكان الياء، تصغير ماء، وأصله: موه، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، هكذا هو في معظم نسخ مسلم، روى ذلك العذري والباجي. وفي بعض نسخ مسلم «مَشْربة» -بفتح الميم وإسكان الشين المعجمة، ثم راء- وهي: حفرة في أصل النخلة، يجمع الماء فيها ليسقيها. قَالَ القاضي عياض: وأظن الأول تصحيفًا (٢). سابعها: قوله: («فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ») هذِه آية ومعجزة لموسى عليه أفضل الصلاة والسلام، لمشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل. ثامنها: قوله: («فجمح موسى») أي: أسرع إسراعًا في مشيه خلف الحجر، ليأخذ ثوبه لا يرده شيء، وكل شيء مضى لوجهه على أمر فقد جمح، قَالَ تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]. قَالَ ابن سيده: جمح الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا: ذهب يجري جريًا غالبًا، وكل شيء مضى لشيء على وجهه فقد جمح (٣). وقال الأزهري في «تهذيبه»: فرس جموح: إذا ركب رأسه فلم يرده اللجام، وهذا ذم، وفرس جموح، أي: سريع، وهذا مدح (٤). ---------------- (١) مسلم (٣٣٩/ ١٥٦) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى. (٢) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٥٠. (٣) «المخصص» ٢/ ١٠٠. (٤) «تهذيب اللغة» (١/ ٦٤٥) مادة: جمح. تاسعها: قوله: («فِي إِثْرِهِ») هو بتثليث الهمزة وإسكان الثاء، ورابعة فتحهما بمعنى، حكاهن كراع، وذكر الثلاث الأول في: «المنتخب»، وفي «المثلث» لابن السيد: الأثر -بالضم- أثر الجرح (١). وفي «الواعي» الأثر: -محرك- ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض. عاشرها: قوله: («ثَوْبِي يَا حَجَرُ») هو منصوب بفعل مضمر تقديره: أعطني ثوبي يا حجر، أو اترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه، وفي «مسلم»: «ثوبي حجر» مرتين (٢) بإسقاط حرف النداء، وإنما نادى موسى الحجر نداء من يعقل؛ لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل، وقال ذلك استعظامًا لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى ليبرئه مما قالوا. الحادي عشر: قوله: («حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى») إنما مشى - عليه السلام - بينهم مكشوف العورة، لأنه إنما نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج يتبع الحجر، والمئزر مبتل بالماء علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأن الأدرة تتبين تحت الثوب المبلول بالماء، وهذا هو ما أجاب به الحسن بن أبي بكر النيسابوري فيما حكاه ابن الجوزي عنه سماعًا (٣). ------------------ (١) «المثلث» ١/ ٣٢١. (٢) مسلم (٣٣٩) كتاب: الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانًا. و(٢٣٧١) كتاب: الفضائل، باب: فضائل موسى - عليه السلام -. (٣) انظر «كشف المشكل» ٣/ ٤٩٦، وذكره ابن حجر في «الفتح» ١/ ٣٨٦ عن ابن الجوزي وقال: وفيه نظر. اهـ. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|