استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-17-2026, 09:56 PM   #103

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 387 الى صـــ 406
الحلقة (103)






قُلْتُ: وهو أيضًا راوي الحديث الضعيف: «من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات» (١). قَالَ عن نفسه: وإنما رغبت في الحسنات، وقد كان شديد الاتباع للآثار.
وفي أفراد مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أنه - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: «عمدًا صنعته يا عمر» (٢).
وقد أسلفنا في أول باب الوضوء أن جماعة من السلف ذهبوا إلى إيجاب الوضوء لكل صلاة فرض، وأن قومًا ادعوا نسخه يوم الفتح.
وحديث بريدة هذا دال له، وكذا حديث عامر وأن الإجماع استقر على أنه يصلي به ما شاء، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ويحتمل أن يكون ذَلِكَ من خصائصه.
قَالَ ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا
يتعمدون الوضوء لكل صلاة (٣)، يعني إلا ابن عمر، كذا قَالَ.

----------------------
(١) رواه أبو داود (٦٢)، والترمذي (٥٩)، وابن ماجه (٥١٢)، وابن أبي شيبة ١/ ١٦ (٥٣)، وعبد بن حميد ٢/ ٥٥ - ٥٦ (٨٥٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢، والعقيلي في «ضعفائه» ٢/ ٣٣٢ (٩٢٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٨/ ٢٤٠ - ٢٤١.
قال أبو عيسى: إسناده ضعيف.
وقال النووي في «الإيجاز في شرح سنن أبي داود» ص ١٩٠: ضعيف، في إسناده ضعيفان: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وأبو غطيف وهو مجهول لا يعرفون حاله ولا اسمه اهـ.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٧٧/ ٨٦) كتاب: الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد.
(٣) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ص ٨٨.



وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة (١). وفي لفظ: كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضئون لكل صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست (٢).
وقال علي: قَالَ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٣) [المائدة: ٦].
وقال ابن عمر: كان فرضًا ثم نسخ بالتخفيف (٤).
وقول أنس: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث. دال على أن الوضوء من غير حدث غير واجب، ويشهد له حديث سويد الذي بعده، وفعل ذَلِكَ ليُرِي أمته أن ما يلتزمه في خاصته من الوضوء لكل صلاة غير لازم كما سلف.
واختلف أصحابنا متى يستحب التجديد على أوجه:
أصحها عندهم: أنه إنما يستحب إذا صلى بالأول صلاة ما، ولو نفلًا دون ما إذا مس به مصحفًا أو سجد لتلاوة ونحوها (٥). والمسألة بسطتها في كتب الفروع.

----------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠٢).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠٣).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (٣٠١).
(٤) ذكره ابن عبد البر في: «التمهيد» ١٨/ ٣٢٨.
(٥) انظر: «المجموع» ١/ ٤٩٤.



٥٥ - باب مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتَرِ مِنْ بَوْلِهِ
٢١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الَمدِينَةِ -أَوْ مَكَّةَ- فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذُّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَينِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا» أَوْ «إلى أَنْ يَيْبَسَا». [٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ١/ ٣١٧]
حَدَّثنَا عُثْمَانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ -أَوْ مَكةَ- فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» أَوْ «إلى أَنْ يَيْبَسَا».
هذا حديث صحيح متفق على صحته والكلام عليه من أوجه، وقد أوضحت الكلام عليه في «شرح العمدة» (١) في نحو كراسة فليراجع منه.
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع هنا وفي موضعين إثره (٢)،

-----------------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٥٠٤.
(٢) سيأتي معلقًا في الباب بعده، ثم بعده بباب مسندًا برقم (٢١٨).



وفي الجنائز (١) والحج (٢) وفي الأدب في موضعين (٣).
وأخرجه مسلم (٤) والأربعة هنا (٥)، والنسائي في الجنائز (٦)، وذكره البخاري قريبًا من حديث الأعمش عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس به (٧)، وهو أصح من الطريق الأولى كما قاله الترمذي ونقله عن البخاري أيضًا (٨)، واقتصر عليه مسلم.
وقال ابن حبان في «صحيحه»: هما محفوظان (٩). وقد رواه شعبة، عن الأعمش كرواية منصور فأسقط طاوسًا.
ثانيها:
وجه مطابقة الحديث للترجمة أنه كبيرة؛ كونه عذب عليه.
وقد قَالَ ابن عباس: ما عصي الله به فهو كبيرة (١٠).

----------------------
(١) سيأتي برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر، وبرقم (١٣٧٨) باب: التعوذ من عذاب القبر.
(٢) كذا في الأصل، وقد تابع المصنفُ المزىَّ في عزوه هذا الحديث إلى كتاب الحج من «صحيح البخاري» كما في «التحفة» (٥٧٤٧)، وليس كذلك، وقد تعقب وليّ الدين العراقي في كتابه «الإطراف بأوهام الأطراف» ص ١١٩ المزي بقوله: قلت: قد نظرت كتاب الحج من «صحيح البخاري» من أوله إلى آخره فلم أره فيه فليراجع. اهـ.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٥٢) باب: الغيبة، وبرقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر.
(٤) مسلم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول …
(٥) أبو داود (٢٠)، الترمذي (٧٠)، النسائي ١/ ٢٨ - ٣٠، ابن ماجه (٣٤٧).
(٦) «سنن النسائي» ٤/ ١٠٦.
(٧) سيأتي برقم (٢١٨).
(٨) «العلل الكبير» ١/ ١٣٩، ١٤٠.
(٩) «صحيح ابن حبان» ٧/ ٤٠٠.
(١٠) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٢٧٣ (٢٩٢) بلفظ: كل ما نهى الله عنه كبيرة.
ورواه بلفظ: كل ما عصي الله به .. عن ابن سيرين عن عبيدة برقم (٢٩٣).



وللعلماء في ضابط الكبيرة اختلاف، لعلنا نذكره إن شاء الله في موضعه.
ثالثها: في ألفاظه:
قوله: (بحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ) كذا ذكره هنا على الشك، وذكره في كتاب الأدب على الصواب (١) فقال: بالمدينة (٢).
وقوله: «يستتر» هو بتائين مثناتين من فوق من السترة. وروي: «لا يستبرئ» (٣). وروي: «لا يستنزه» (٤)، وهذِه الثلاث في «صحيح البخاري» وغيره. وروي أيضًا: «لا يستنتر». والنميمة: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. والجريدة: السعفة. كما جاء في بعض الروايات عن أنس، وجمعها جريد.
وقوله: (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) أي: قطعتين.
وقوله: «وما يعذبان في كبير» أي: عندهما وهو عند الله كبير، وإليه يرشد قوله: (..) (٥) «بلى» أي في أنه كبير عند الله وفي هذا حسب، وهو حجة على من أنكر حجيتها له.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٦٠٥٥) باب: النميمة من الكبائر.
(٢) في هامش الأصل: وبخط المصنف: روي من حديث أنس: مرَّ بقبرين من بني النجار … وهو يوضح هذا.
(٣) أخرجه النسائي في «السنن» ٤/ ١٠٦، وفي «الكبرى» ١/ ٦٦٤ (٢١٩٦)، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ٤٢ (١٣٠)، وهذِه الرواية جاءت في أحد نسخ البخاري. ورواها ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤ (١٢٠٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في عذاب القبر ومم هو؟
(٤) رواها مسلم برقم (٢٩٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستبراء من البول، وابن حبان ٧/ ٣٩٨، ٣٩٩ (٣١٢٨).
(٥) كلمة غير واضحة.



وقوله: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا».
الظاهر أنه شك من الراوي، و(ييبسا) مفتوح الباء ويجوز كسرها، وقد حصل ما ترجاه في الحال فأورقا في ساعته، ففرح بذلك.
وقال: «رفع عنهما العذاب بشفاعتي» وأبعد من قال: إن صاحب هذين القبرين كانا من غير أهل القبلة، وعين بعضهم صاحب أحد القبرين بما لا أوثر ذكره، وإن ذكره القرطبي في «تذكرته» حكاية ووهاه (١).
رابعها: في فوائده مختصرة:
الأولى: إثبات عذاب القبر ولا عبرة بمن أنكره.
الثانية: وجوب الاستنجاء (٢)، وهو المراد بعدم الاستتار من البول. فلا يجعل بينه وبينه حجابًا من ماء أو حجر، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين.
الثالثة: نجاسة الأبوال، إذ روي أيضًا: «من البول». وسواء قليلها وكثيرها، وهو مذهب العامة، وسهل فيه الشعبي وغيره، وعفا أبو حنيفة عن قدر الدرهم الكبير (٣)، ورخص الكوفيون في مثل رءوس الإبر منه.

--------------------
(١) من قوله: وقوله: وما يعذبان … لحق استدركه الناسخ في هذا الموضع ولعله قد التبس عليه، واللائق بالسياق أن تكون بعد قوله: فقال بالمدينة.
(٢) وهو ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية وذهب الحنفية إلى أنه مستحب، واختلف المالكية على قولين: الأول أن الاستنجاء سنة، والثاني: أنه واجب، وهو الراجح عندهم.
انظر: «التحقيق» ١/ ١٨١، ١٨٢، «المنتقى» ١/ ٤١، «الحاوي» ١/ ١٦٣، «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٣.
(٣) انظر: «شرح فتح القدير» ١/ ٢٠٢، «البناية» ٢/ ٧٣٣، ٧٣٦.



الرابعة: حرمة النميمة وهو إجماع.
الخامسة: التسبب إلى تحصيل ما يخفف عن الميت، فإن وضعه - ﷺ - الجريدة على القبر؛ لشفاعته لهما بالتخفيف ولتسبيحهما ما دامت رطبة (١)، ومن هذا استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر (٢).

----------------------
(١) الصحيح أن حديث وضع الجريدة على القبر من خصائصه - ﷺ - بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف، كما أن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها لعدة أمور:
١ - حديث جابر عند مسلم وفيه: «فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين» فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما بسبب شفاعته - ﷺ - ودعائه، لا بسبب النداوة، وسواء اتحدت قصة ابن عباس مع جابر، أو تعددت، فإنه على كلا الاحتمالين فالعلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولأن كون النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعًا ولا عقلًا، ولو كانت النداوة سببًا لتخفيف العذاب عن ذلك لكان أخف الناس عذابًا في قبورهم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان.
٢ - قولهم: إن سبب تأثير الندواة في التخفيف كونها تسبح الله، فإذا يبست انقطع تسبيحها، فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
٣ - في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، وبالأحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله: ثم دعا بعسيب فشقة اثنين. يعني: طولًا، فإنه من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويُبْسه بسرعة فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق.
٤ - لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح، ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فُعِل ذلك لاشتُهِر عنهم ثم نقله الثقات إلينا.
«أحكام الجنائز» للألباني ص ٢٥٣ - ٢٥٦.
(٢) قال الألباني رحمه الله: قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها؛ إذ لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله - ﷺ -، وعلمها أصحابه، لاسيما وقد سألته عائشة رضي =



وقد روى البيهقي في أواخر «دلائله» في باب: ما جاء في سماع يعلى بن مرة ضغطة في قبر من حديثه أنه - ﷺ - أمره أن يضع إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه. وقال: «فلعله أن يُرَفَّه أو يخفف عنه ما لم ييبسا» (١).
------------------------
= الله عنها وهي من أحب الناس إليه - ﷺ - عما تقول إذا زارت القبور، فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو كانت القراءة مشروعة لما كتم ذلك عنها.
ومما يقوي عدم المشروعية الأحاديث الآتية: منها قوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقُرأ فيه سورة البقرة». أخرجه مسلم، ففي هذا الحديث إشارة إلى أن المقابر ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها كما أشار في الحديث الآخر أنها ليست موضعًا للصلاة أيضًا وهو قوله: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم كراهة القراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد، قال أبو داود في «مسائله» ص ١٥٨: سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا.
فائدة: حديث: «من مر بالمقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَهُ أَحَدُ (١)﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات»، فهو حديث باطل موضوع أهـ، «أحكام الجنائز» ص ٢٤١ - ٢٤٢، ٢٤٥.
(١) «دلائل النبوة» للبيهقي ٧/ ٤٢.



٥٦ - باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ
وَقَالَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِصَاحِبِ القَبْرِ: «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وَلَمْ يَذْكُرْ سِوى بَوْلِ النَّاسِ.

٢١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْن القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي عطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تَبَرَّزَ لَحِاجَتِهِ أَتَيتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ. [انظر: ١٥٠ - مسلم: ٢٧١ - فتح: ١/ ٣٢١]
هذا الحديث قد فرغنا من الكلام عليه آنفًا، وأراد البخاري بقوله:
(وَلَمْ يَذْكُرْ سِوى بَوْلِ النَّاسِ) أن يبين أن معنى روايته في هذا الباب «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ» أن المراد: بول الناس لا بول سائر الحيوان؛ لأنه قد روى الحديث في الباب قبل هذا وغيره «لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» فلا تعلق في حديث هذا الباب لمن احتج به في نجاسة بول سائر الحيوان، كذا قاله ابن بطال في «شرحه»، وقال في أوله: أجمع الفقهاء على نجاسة البول والتنزه عنه.
قَالَ: وقوله: «كان لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» يعني أنه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول، فلما عذب على استخفافه بغسله والتحرز منه، دل أنه مَنْ ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب.
واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، فقال مالك: إزالتها ليست بفرض. وقال بعض أصحابه: إزالتها فرض (١)، وهو قول الشافعي (٢)، وأبي حنيفة، إلا أنه يعتبر في النجاسات ما زاد على قدر

--------------------
(١) انظر: «الذخيرة» ١/ ١٩٣ - ١٩٤، «مواهب الجليل» ١/ ٢٨.
(٢) انظر: «الوسيط» ١/ ٥٨، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨.



الدرهم (١). وحجة من أوجب الإزالة هذا الحديث، وهو وعيد عظيم وتحذير.
واحتج ابن القصار بقول مالك فقال: يحتمل أنه عذب؛ لأنه كان يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهور، فيحتمل أن يكون عمدًا. قَالَ: وعندنا أن من ترك السنة بغير عذر ولا تأويل، أنه مأثوم، فإن تركها متأولًا أو لعذر فصلاته تامة (٢).
ثم قَالَ البخاري حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَني عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ، فَيَغْسِلُ بِهِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم (٣) أيضًا.
ومعنى (تبرز): خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع.
وقوله: (فيغسل به) صريح في الاستنجاء بالماء، فنقل ابن التين عن بعضهم أن هذا محمول على المعنى وإلا فقد قَالَ مالك: لم يصح أن النبي - ﷺ - استنجى بالماء عمره كله. وهذا قد أوضحنا الكلام فيه في باب: الاستنجاء بالماء.
فائدة: رَوح بن القاسم هذا بفتح الراء قطعًا لا نعلم فيه خلافًا.
وقال ابن التين في «شرحه»: روح هذا ذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه ليس في المحدثين رُوح بالضم، وذكر أن روحًا هذا قرئ بالضم، ورويناه بالفتح. قُلْتُ: وهذا غريب.

-----------------------
(١) «الهداية» ١/ ٣٧، «بدائع الصنائع» ١/ ١٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٢٥، ٣٢٦.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٧١) كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز.



باب
٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ-: مَرَّ النَّبِيِّ - ﷺ - بِقَبْرَينِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمِ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». قَالَ ابن الُمثَنَّى: وَحَدَّثَنَا وَكيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثلَهُ: «يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ١/ ٣٢٢]
حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بقَبْرَيْن .. وساق الحديث. وقد سلف ما فيه.
و(خازم) بالخاء المعجمة كما سلف في المقدمات (١).

----------------------
(١) سلفت ترجمته في الحديث رقم (١٠).


٥٧ - باب تَرْكِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالنَّاسِ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فيِ المَسْجِدِ
٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسٍ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - رَأى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الَمسْجِدِ، فَقَالَ: «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. [٢٢١، ٦٠٢٥ - مسلم: ٢٨٤ - ٢٨٥ - فتح: ١/ ٣٢٢]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا هَمَّامٌ، أَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - رَأى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.


٥٨ - باب صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ
٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ ابْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِي الَمسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النُّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». [٦١٢٨ - فتح: ١/ ٣٢٤]

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبدَانُ قَالَ: أَخبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. [مسلم: ٢٨٤ - فتح: ١/ ٣٢٤]
ثم ساق بإسناده حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فِي المَسْجِدِ فبال، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَنَا عَبْدُ الله، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن أنس به.


باب يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ
٢٢١ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الَمسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَولَهُ أَمَرَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيهِ. [انظر ٢١٩ - مسلم ٢٨٤، ٢٨٥ - فتح: ١/ ٣٢٤]
ثم ساق من حديث سُلَيْمَانَ -وهو ابن بلال- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عن أنس: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.
والكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
حديث أنس أخرجه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق، وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة (١)، ومن طريق يحيى القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس (٢).
وأخرجه النسائي من طريق [ابن] (٣) المبارك عن يحيى الأنصاري (٤)، ورواه البخاري ومسلم من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عنه (٥). وشيخ عبدان هو عبد الله بن المبارك.

---------------------
(١) مسلم (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.
(٢) مسلم (٢٨٤/ ٩٩) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) «سنن النسائي» ١/ ٤٨.
(٥) سيأتي برقم (٦٠٢٥) كتاب: الأدب، باب: الرفق في الأمر كله، ورواه مسلم (٢٨٤/ ٩٨) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.



وأما حديث أبي هريرة فمن أفراده عن مسلم، وأخرجه أيضًا في الأدب (١).
ثانيها:
هذا الأعرابي هو ذو الخويصرة اليمانى، كما ساقه أبو موسى المديني في «معرفة الصحابة» فاستفده (٢).
ثالثها: في ألفاظه:
الأعرابي: هو الذي يسكن البادية وإن لم يكن من العرب.
والمسجِد بكسر الجيم ويجوز فتحها.
والسَجْل -بفتح السين المهملة وسكون الجيم- الدلو الضخمة المملوءة مذكر. قَالَ ابن سيده: وقيل: هو ملؤها والجمع سجال وسجول. ولا يقال لها فارغة: سَجل، ولكن دلو (٣).
وعند أبي منصور الثعالبي: حتى يكون فيها ماء قل أو كثر بخلاف الذَّنوب، فإنها لا تسمى بذلك إلا إذا كانت ملأى (٤).
والذنوب -بفتح الذال المعجمة- يذكر ويؤنث.

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٦١٢٨) باب: قول النبي - ﷺ -: «يسروا ولا تعسروا».
(٢) ذكره ابن الأثير في «أسد الغابة» ٢/ ١٧٣ ولم يذكر في ترجمته سوى حديث بوله في المسجد وعزاه لأبي موسى المديني. وكذا ذكره ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٨٥ (٢٤٥١).
وورد بهامش الأصل ما نصه: وقال الذهبي في ترجمة ذي الخويصرة: الذي يروى في حديث مرسل هو الذي بال في المسجد وقد رأيت بخط بعض الفضلاء أنه عيينة بن حصن، ونقله عن أمالي أحمد بن فارس اللغوي.
(٣) «المحكم» ٧/ ١٩٤.
(٤) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٧٢٥، «غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٤٣، ٣٤٤، «لسان العرب» ٤/ ١٩٤٥.



وقوله: (فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ). قَالَ ابن التين: هذا إنما يصح على ما قاله سيبويه؛ لأنه فعل ماض وهاؤه ساكنة، وأما على الأصل فلا تجتمع الهمزة والهاء في الماضي. قَالَ: ورويناه بفتح الهاء، ولا أعلم لذلك وجهًا.
وقوله: (فَصَبَّهُ عَلَيْهِ). كذا في هذِه الرواية، وفي بعض طرق مسلم: فشنه (١) بالشين المعجمة، وروي بالمهملة وهو: الصب. وفرق بعضهم بينهما فقال: بالمهملة: الصب في سهولة. وبالمعجمة: التفريق في الصب.
رابعها: في أحكامه وفوائده:
الأولى: نجاسة بول الآدمي وهو إجماع، وسواء الكبير والصغير بإجماع من يعتد به، لكن بول الصغير يكفي فيه النضح كما ستعلمه في الباب بعده (٢).
الثانية: طهارة الأرض بصب الماء عليها. ولا يشترط حفرها، وهو
مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا تطهر إلا بحفرها (٣)، وفيه حديث مرسل (٤)، ولا يكفي مرور الشمس عليها، ولا الجفاف عند أحمد

------------------------
(١) «صحيح مسلم» (٢٨٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول.
(٢) سيأتي في باب بول الصبيان حديث رقم (٢٢٣).
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٤) رواه أبو داود (٣٨١) عن موسى بن إسماعيل، عن جرير بن حازم، عن عبد الملك ابن عمير، عن عبد الله بن معقل، عن النبي - ﷺ -، وفيه قال النبي - ﷺ -: «خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه …»، وقال أبو داود: هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي - ﷺ -. ومن طريقه أخرجه الدارقطني في «سننه» ١/ ١٣٢، وقال: عبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل. وأخرجه البيهقي أيضا من طريق أبي داود ١/ ٤٢٨.
ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٧٧ - ٧٨ وقال: =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال أبو داود السجستاني: وقد روي مرفوعًا ولا يصح.
وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٥: بعدما ذكر مرسل ابن معقل ومرسل طاوس: ورواتها ثقات، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٠٧) واعتمد على تقوية الحافظ له وعلى الشاهد، وهو المرسل الثاني الذي روي عن طاوس كما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٤٢٥ (١٦٦٢) عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس عن النبي - ﷺ -. وأخرجه أيضًا عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس به.
وأخرجه أيضًا الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤ من طريق ابن عيينة به، وعزاه الحافظ في «التلخيص» ١/ ٣٧ لسعيد بن منصور، وقد أشار الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٥ لصحة إسناده. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٧): وهذا مرسل صحيح الإسناد أيضًا.
وقد روي موصولًا عن عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع، أما حديث ابن مسعود فرواه أبو يعلى في «مسنده» ٦/ ٣١٠ (٣٦٢٦) من طريق أبي بكر بن عياش، عن سمعان بن مالك المالكي، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٤ (١٣) من طريق يحيى بن عبد الحميد، عن أبي بكر بن عياش به، والدارقطني في «سننه» ١/ ١٣١ - ١٣٢ من طريق أبي هشام الرفاعي، عن أبي بكر بن عياش به، وقال: سمعان مجهول. وقال في «العلل» ٥/ ٨٠: يرويه أبو بكر بن عياش واختلف عنه، فرواه يوسف الصفار وأبو كريب وحسين بن عبد الأول عن أبي بكر بن عياش، عن سمعان المالكي.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى الحماني، وسليمان بن داود الهاشمي وأبو هشام الرفاعي، عن أبي بكر، عن سمعان بن مالك، وقال أحمد بن محمد بن أيوب، عن أبي بكر، عن المعلى بن سمعان الأسدي. قال أحمد بن يونس، عن أبي بكر، عن المعلى المالكي، ويقال: إن الصواب المعلى بن سمعان والله أعلم. اهـ. ورواه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» بإسناده إلى الدارقطني ١/ ٧٨ وقال: قلت: وأبو هشام الرفاعي ضعيف.
قال البخاري: رأيتهم أجمعوا على ضعفه، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= والتعديل«٤/ ٣١٦: سمعت أبا زرعة يقول: إنه حديث منكر، وسمعان ليس بالقوي، وقال في»العلل«: سمعت أبا زرعة يقول في حديث سمعان في بول الأعرابي: هذا حديث ليس بالقوي.
وقال ابن حجر في»الفتح«١/ ٣٢٥: أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره. وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٦: رواه أبو يعلى، وفيه: سمعان بن مالك، قال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن خراش: مجهول، وبقية رجاله رجال الصحيح.
أما حديث أنس فرواه أبو يعلى في»مسنده«٦/ ٣١١ (٣٦٢٧) قال: حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر، حدثنا منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بمثل حديث ابن مسعود.
وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٦: إسناده رجاله رجال الصحيح. وقال ابن الجوزي في»العلل المتناهية«١/ ٣٣٤،»التحقيق في أحاديث الخلاف«١/ ٧٨: رواه أبو داود محمد بن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس به، ثم قال: قال الدارقطني: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛ لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد، فلم يذكر أحدهم الحفر.
إنما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار، عن طاوس أن النبي - ﷺ - قال:»احفروا مكانه«مرسلًا واختلط على عبد الجبار المتنان.
وأما حديث واثلة فقد عزاه الحافظ في»التلخيص«١/ ٣٧ إلى أحمد والطبراني.
وقال: وفيه عبيد الله بن حميد الهذلي، وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم. اهـ.
ولم أجده في»المسند«وما في الطبراني فهو من رواية أنس التي ليس فيها الحفر كما في»المعجم الكبير«٢٢/ ٧٧ (١٩٢)، وقد وجدت كلامًا للألباني في»صحيح أبي داود«٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨ يصرح فيه بعدم وجود الحديث في»المسند«وكذا قال محقق»المطالب العالية«.
وقال الحافظ في»التلخيص" ١/ ٣٧: إلا أن هذِه الطريق المرسلة -طريق ابن معقل- مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة.



والشافعي خلافًا لأبي حنيفة (١).
الثالثة: إن غسالة النجاسة طاهرة، وهو أصح الأقوال عندنا، إن طهر المحل ولم تنفصل متغيرة (٢)، فإن اختل شرط فهي نجسة (٣).
الرابعة: الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعسف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا، فإنه - ﷺ - على خلق عظيم، وبالمؤمنين رءوف رحيم.
الخامسة: دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله: «دعوه». وفي رواية أخرى في مسلم: «لا تزرموه» (٤) أي: لا تقطعوا عليه بوله فإنه لو قطع عليه بوله لتضرر، وأصل التنجيس قد حصل فلا يزاد.
السادسة: قوة الوارد، وأنه يطهر إذا غلب ولم يغير.
السابعة: تطهير المساجد من النجاسات وتنزيهها عن الأقذار.

---------------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣ - ١٣٤، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨، «الكافي» لابن قدامة ١/ ١٩١.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ولم تزد وزنًا.
(٣) «البيان» ١/ ٤٩، ٥٠.
(٤) انظر: «مسلم» برقم (٢٨٥).



٥٩ - باب بَوْلِ الصِّبْيَانِ
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الُمؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. [٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥ - مسلم: ٢٨٦ - فتح: ١/ ٢٣٥]

٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. [٥٦٩٣ - مسلم: ٢٨٧ - فتح: ١/ ٣٢٦]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَبِيٍّ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيِّاهُ.
أخبرنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
الكلام عليهما من أوجه:
أحدها:
حديث عائشة أخرجه البخاري هنا وفي الدعوات (١) والعقيقة (٢) والأدب (٣).

----------------------
(١) سيأتي برقم (٦٣٥٥) باب: الدعاء للصبيان بالبركة.
(٢) سيأتي برقم (٥٤٦٨) باب: تسمية المولود.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٠٢) باب: وضع الصبي في الحجر.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* هذا زوجي فضيلة الشيخ سعد عرفات
* هل يجب قلع ضرس العقل وما مخاطر الإجراء؟
* الأنياب المطمورة؛ أسباب تكوينها وأهمية الحفاظ عليها
* كيف تتغلبين على خوف طفلك من عيادة طب الأسنان؟
* فتاوى رمضانية ***متجدد
* سَير المعركة أحد
* الهجرة المحمدية حدث غير وجه التاريخ

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-17-2026, 10:00 PM   #104

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 407 الى صـــ 426
الحلقة (104)






وأخرجه مسلم هنا (١) وفي الاستئذان (٢)، وحديث أم قيس أخرجه مسلم هنا وفي الطب (٣)، والأربعة (٤)، وذكر الترمذي له طرقًا (٥) وأهمل طريق أم كرز في أحمد وابن ماجه (٦).
وقال الأصيلي فيما حكاه ابن بطال (٧): انتهى آخر حديث أم قيس إلى قوله: (فنضحه)، وقوله: (ولم يغسله)، من قول ابن شهاب، وقد رواه معمر، عن ابن شهاب فقال: فنضحه ولم يزد (٨).

----------------------
(١) مسلم (٢٨٦) كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل …
(٢) مسلم (٢١٤٧) كتاب: الأدب، باب: استحباب تحنيك المولود عند ولادته بنحوه.
وورد بهامش الأصل: من خط المصنف، النسائي وابن ماجه هنا وأبو داود في الأدب وأهمله ابن عساكر.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٨٧) كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع، و(٢٨٧/ ٨٦) كتاب: السلام، باب: التداوي بالعود الهندي.
(٤) أبو داود (٣٧٤)، الترمذي (٧١)، النسائي ١/ ١٥٧، ابن ماجه (٥٢٤).
(٥) وفي الباب عن علي وعائشة وزينب ولبابة بنت الحارث وأبي السمح، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو وأبي ليلى.
(٦) ابن ماجه (٥٢٧)، وأحمد ٦/ ٤٢٢ (٢٧٣٧٠). ومن طريقه الطبراني في «الكبير ٢٥/ ١٦٨ (٤٠٨) وعبد الكريم القزويني في»تدوينه«٢/ ٣٥٤، وابن الجوزي في»التحقيق في أحاديث الخلاف«١/ ١٠٥. كلهم من طريق أبو بكر الحنفي، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أم كرز الخزاعية به. وقال البوصيري في»مصباح الزجاجة«١/ ٧٦ - ٧٧: هذا إسناد منقطع عمرو بن شعيب لم يسمع من أم كرز وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب رواه أبو داود، والترمذي وقال: وفي الباب عن أم قيس وعائشة وزينب ولبابة بنت الحارث وأبي السمح وغيرهم. وصححه الألباني في»صحيح ابن ماجه«(٤٢٦) بما قبله، ورواه الطبراني في»الأوسط«من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ١/ ٢٥١ (٨٢٤). وقال الهيثمي في»المجمع«١/ ٢٨٥: رواه الطبراني في»الأوسط«وإسناده حسن.
(٧)»شرح ابن بطال«١/ ٣٣٢.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في»مصنفه" ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (١٤٨٥)، ومن طريقه أحمد في =



ورواه ابن عيينة، عن ابن شهاب، فقال فيه: فَرَشَّه ولم يزد، رواه ابن أبي شيبة (١).
قُلْتُ: ولا يقدح في رواية مالك لصحتها وللمتابعة عليها (٢).
ثانيها:
الصبي المذكور في حديث عائشة يحتمل أن يكون عبد الله بن الزبير

------------------
= «مسنده» ٦/ ٣٥٦ (٢٧٠٠٠)، وأبو عوانة ١/ ١٧٣ (٥٢١).
(١) «المصنف» ١/ ١١٣ (١٢٨٧) كتاب: الطهارات، باب: في بول الصبي الصغير .. والحديث رواه مسلم إثر حديث (٢٨٧) كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع … والترمذي (٧١)، وابن ما جه (٥٢٤)، والحميدي (٣٤٦)، وأحمد ٦/ ٣٥٥، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٦/ ٥١ (٣٢٥٣)، وابن الجارود (١٣٩)، وابن خزيمة ٤/ ١٤١ (٢٨٥)، وأبو عوانة ١/ ١٧٢ - ١٧٣ (٥١٩)، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤١٤.
(٢) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٢٧ قوله: (ولم يغسله) ادعى الأصيلي أن هذِه الجملة من كلام ابن شهاب راوي الحديث وأن المرفوع انتهى عند قوله: «فنضحه»
قال: وكذلك روى معمر، عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال: «فرشه» لم يزد على ذلك انتهى.
وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك لكنه لم يقل: «ولم يغسله» وقد قالها مع مالك الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب، أخرجه بن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده. نعم زاد معمر في روايته قال: قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يرش بول الصبي ويغسل بول الجارية، فلو كانت هذِه الزيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها فلا إدراج.
وأما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة، عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره وبينا أنها غير مخالفة لرواية مالك والله أعلم.



أو الحسن أو الحسين، لروايات في ذَلِكَ سقتها في تخريجي لأحاديث الرافعي فليراجع منه (١).
ثالثها:
أم قيس اسمها آمنة بنت وهب بن محصن، قاله السهيلي (٢). وقال أبو عمر: اسمها جذامة (٣).
رابعها:
الصبي جمعه صبيان -بضم الصاد وكسرها- الغلام من حين يولد إلى أن يبلغ (٤).
خامسها:
معنى (فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ): رشَّه. وفي أخرى: فنضحه. والمعنى واحد.
سادسها:
الابن في حديث أم قيس لا يقع إلا على الذكر خاصة، بخلاف الولد فإنه يقع عليه وعلى الأنثى.
سابعها:
قولها: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ). هو في موضع خفض صفة لابن.
والطعام: ما يؤكل اقتياتًا، فيخرج ما يحنك به عند الولادة، وربما خص الطعام بالبُر، كما في حديث أبي سعيد في الفطرة. ومعنى لم يأكله: لم يستعن به ويصير له غذاء عوضًا عن الإرضاع، لا أنه لم يدخل جوفه شيء قط، فإن الصحابة كانوا يأتون بأبنائهم ليدعُوَ لهم.

---------------------
(١) «البدر المنير» ١/ ٥٤٣.
(٢) «الروض الأنف» ٢/ ١٩٦.
(٣) «التمهيد» ٩/ ١٠٨.
(٤) «لسان العرب» ٧/ ٢٣٩٧ مادة: صبا.



والحجر -بفتح الحاء وكسرها- لغتان مشهورتان (١).
ثامنها:
النضح هو: إصابة الماء جميع موضع البول، وكذا غلبة الماء على الأصح عند أصحابنا، ولا يشترط أن ينزل عنه، ويدل عليه قولها: (فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ)، والغسل أن يغمره وينزل عنه، ولا يشترط العصر هنا.
وهل النضح بالمهملة كالمعجمة أو بينهما فُرقان؟ فيه اختلاف ذكرته في «شرح العمدة» فراجعه (٢).
تاسعها: في أحكامه وفوائده:
وأهمها: الاكتفاء بالنضح في بول الصبي، وهو مخالف للجارية في ذَلِكَ، وهو الصحيح عند أصحابنا (٣)، وبه قَالَ أحمد (٤).
وخالف أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما، فقالا: لابد من غسلهما تسوية بينهما (٥)، وربما حملوا النضح على الغسل، وهو ضعيف؛ لنفي الغسل والتفرقة بينهما في الحديث، وعندنا وجه أنه يكفي النضح في الجارية أيضًا (٦) وهو مصادم للنص، وهو حديث

------------------
(١) انظر: «تهذيب اللغة» ١/ ٧٤٧، «لسان العرب» ٢/ ٧٨٢، «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٩٤.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٧٧.
(٣) انظر: «المجموع» ٢/ ٦٠٧، ٦٠٨، «مغني المحتاج» ١/ ٨٤، ٨٥.
(٤) انظر: «الكافي» ١/ ١٩٢، ١٩٣، «الإقناع» ١/ ٩٤.
(٥) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٦٩، ٧٠، «المدونة» ١/ ٢٧، «عارضة الأحوذي» ١/ ٩٣، ٩٤.
(٦) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٣١، «المجموع» ٢/ ٦٠٨.



علي (١) في الفرق بينهما في السُنن.
واختلف في السر في الفرق بينهما على أقوال كثيرة، ومنها ما ذكره ابن ماجه بإسناده إلى الشافعي أن بول الغلام (٢) من الماء والطين، وبولها من اللحم والدم (٣).
وفي الحديث أيضًا: التبرك بأهل الصلاح والخير وإحضار الصبيان لهم، وسواء فيه وقت الولادة وبعدها (٤)، وأن قليل الماء لا ينجسه قليل

--------------------
(١) رواه أبو داود (٣٧٨) كتاب: الطهارة، باب: بول الصبي يصيب الثوب.
بلفظ: «يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام».
ورواه الترمذي (٦١٠)، وابن ماجه (٥٢٥)، وابن خزيمة ١/ ١٤٣، ١٤٤ (٢٨٤)، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٠٣): إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يغسل من بول الجارية ويرش من بول غلام رووه خلا النسائي وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي من رواية أبي السمح مالك وقيل: إياد والحاكم وقال صحيح وقال [....] انتهى -يعني: كلام المصنف- في تخريج أحاديث الرافعي له.
(٣) «سنن ابن ماجه» عقب حديث (٥٢٥).
وقال ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» ٢/ ٧٨، ٧٩:
والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله.
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا ها هنا وها هنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى؛ فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذِه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق.
(٤) قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في «تيسير العزيز الحميد» ١/ ١٥٣ - ١٥٤. =



النجاسة إذا غلب عليها، وأن التطهير لا يفتقر إلى إمرار اليد، وإنما المقصود الإزالة ووجوب غسل بول الصبي إذا طعم، ولا خلاف فيه، والندب إلى حمل الآدمي وما يعرض لبنيه، وجبر قلوب الكبار بإكرام أطفالهم وإجلاسهم في الحجر وعلى الركبة ونحو ذلك.
----------------------
= تنبيه: ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم، والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك.
وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في «شرح مسلم» في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئًا من ذلك مع النبي - ﷺ -، وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي - ﷺ -، وهذا خطأ صريح لوجوه:
منها عدم المقارنة فضلًا عن المساواة للنبي - ﷺ - في الفضل والبركة. ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الإطلاع عليه إلا بنص كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح، وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.
ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم الله له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره.
ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه فلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ونحوهم من الذين شهد لهم النبي - ﷺ - بالجنة، وكذلك التابعون فهلَّا فعلوه مع سعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين وأويس القرني، والحسن البصري، ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم. فدل أن ذلك مخصوص بالنبي - ﷺ -.
ومنها أن فعل هذا مع غيره - ﷺ -، لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه فسه فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم. اهـ.



٦٠ - باب البَول قَائِمًا وَقَاعِدًا
٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِل، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ. [٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧١ - مسلم: ٢٧٣ - فتح: ١/ ٣٢٨]
حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ به.
كذا ترجم على القاعد والقائم ولم يذكر إلا القائم، وكأنه يقول: إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز لأنه أمكن. ثم قَالَ:


٦١ - باب البَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرِ بِالْحَائِطِ
٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - نَتَمَاشَى، فأاَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. [انظر: ٢٢٤ - مسلم: ٢٧٣ - فتح: ١/ ٣٢٩]
حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - نتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.


٦٢ - باب البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، ويَقُولُ: إِنَّ بَنِي اِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. [انظر: ٢٢٤ - مسلم:٢٧٣ - فتح: ١/ ٢٣٩]
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.
الكلام على ذَلِكَ من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في المظالم (١)، وأخرجه مسلم (٢) والأربعة هنا أيضًا (٣).
وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة أسدي مشهور، وانفرد أبو داود (٤)
(١) سيأتي برقم (٢٤٧١) الوقوف والبول عند سباطة قوم.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٧٣) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين.
(٣) أبو داود (٢٣)، الترمذي (١٣)، النسائي ١/ ١٩، ابن ماجه (٣٠٥).
(٤) قلت: بل أخرج له أيضًا الترمذي وابن ماجه كما ذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ في ترجمة عبد الله بن بحير. وقد وقفت له على حديثين في الترمذي برقم (٢٣٠٨)، (٣٣٣٣) وعند ابن ماجه وقفت على حديث له برقم (٤٢٦٧) وننبه بأن بعض طبعات «جامع الترمذي» جعلته عبد الله بن بُجَير وهو خطأ: إذ أن عبد الله بن بجير لم يروي له إلا أبو داود في «المراسيل». وقد ذكر ابن الملقن مرة أخرى أن أبا داود انفرد بأبي وائل عبد الله بن بحير عند شرحه لحديث (٢٩٧).



بأبي وائل القاص عبد الله بن بَحير (١) وليس في الكتب الستة غير هذين بهذِه الكنية، وصرح الحميدي في «مسنده» سماع الأعمش إياه من أبي وائل (٢)، وكذا أحمد بن حنبل (٣).
وقال الدارقطني: رواه عاصم بن بَهْدَلة وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة وهو خطأ (٤).
وقال الترمذي وجماعة من الحفاظ فيما حكاه البيهقي: حديث الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن حذيفة أصح من رواية عاصم وحماد (٥).
وجمع ابن خزيمة بينهما في الحديث، وساق حديث حماد وعاصم (٦)، ورواه ابن ماجه من حديث عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة (٧)، وعن عاصم عن المغيرة بإسقاط أبي وائل (٨).

----------------------
(١) عبد الله بن بحير بن ريسان المراداي أبو وائل القاص اليماني الصنعاني والد يحيى بن عبد الله. وثقه بن معين. وقال على بن المديني: سمعت هشام بن يوسف وسئل عن عبد الله بن بحير القاص الذي روى عن هانئ مولى عثمان. فقال: كان يتقن ما يسمع. وذكره ابن حبان في «الثقات» روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وانظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ١٥ (٦٩). و«ثقات ابن حبان» ٨/ ٣٣١. و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٣ (٣١٧٤).
(٢) «مسند الحميدي» ١/ ٤٠٩ (٤٤٧). وإسناده: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، قال سمعت أبا وائل يقول: سمعت حذيفة
(٣) «مسند أحمد» ٥/ ٣٨٢. وإسناده: ثنا سفيان ثنا الأعمش، ثنا شقيق عن حذيفة، ٥/ ٤٠٢ وإسناده: ثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش حدثني شقيق عن حذيفة.
(٤) «علل الدارقطني» ٧/ ٩٥ (١٢٣٤).
(٥) «سنن الترمذي» (١٣)، «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ١٠١.
(٦) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٧ (٦٣).
(٧) «سنن ابن ماجه» (٣٠٦).
(٨) لم أقف على هذِه الطريق عند ابن ماجه ولم يذكرها المزي في «تحفة الأشراف».



ثانيها:
السُّباطة -بضم السين وفتح الباء الموحدة (١) -: الموضع الذي يرمى فيه التراب ونحوه يكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، ويكون ذَلِكَ في الغالب سهلًا فلا يرد على بائله. وقيل: إنها الكناسة نفسها (٢).
ثالثها:
كانت هذِه السباطة بالمدينة كما ذكره محمد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش.
رابعها:
بوله - ﷺ - في هذِه السباطة يحتمل أوجهًا:
أظهرها: أنهم كانوا يؤثرون ذَلِكَ، ولا يكرهونه بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه، بل كانوا يستشفون به، بل ورد أن الأرض تبتلع ما يخرج منه ويفوح له رائحة طيبة (٣).

--------------------
(١) ورد بهامش الأصل: لا حاجة إلى تقييد الباء بالفتح لأنه لا يكون قبل الألف إلا مفتوح.
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣٣٥، «مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٦٥، «لسان العرب» ٤/ ١٩٢٢ مادة: (سبط).
(٣) روى هذا الخبر ابن سعد في «الطبقات» ١/ ١٧٠ - ١٧١ من طريق الفضل بن إسماعيل، عن عنبسة، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد، عن عائشة: بلفظ: «قلت يا رسول الله تأتي الخلاء منك شيء من الأذى! فقال:»أوما علمت يا عائشه أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء«
ومن نفس الطريق أخرجه الطبراني في»الأوسط«٨/ ٢١ (٧٨٣٥)، وأبو نعيم في»دلائل النبوة«(٣٦٤) بنحوه.
ومن طريق ليلى مولاة عائشة عنها، أخرجه أبو نعيم في»أخبار أصبهان«١/ ١٧٦ بنحو ما أخرجه ابن سعد وبزيادة»وأجد رائحة المسك". =



ثانيها: أنها كانت مواتًا مباحة لا اختصاص لهم بها، وكانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيفت إليهم؛ لقربها منهم، فإضافتها إضافة اختصاص لا ملك.
ثالثها: أن يكونوا أذنوا في ذَلِكَ إما صريحًا أو دلالة.
خامسها:
روى وكيع، عن زائدة، عن زكريا، عن عبد العزيز أبي عبد الله، عن مجاهد: ما بال - ﷺ - قائمًا إلا مرة واحدة في كثيب أعجبه (١). وهذا الحديث يرده.
سادسها:
المعروف من عادته عليه أفضل الصلاة والسلام البعد في المذهب. وأما بوله في هذِه السباطة؛ فلأنه - ﷺ - كان من الشغل بأمور المسلمين

--------------------
= ومن طريق حسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة. وقال: - ﷺ - لهذِه الأحاديث كلها أصول -يقصد أحاديث حسين بن علوان- إلا حديث السخاء، فإنه يعرف من حديث الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه البيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٧٠ وقال: فهذا من موضوعات الحسين بن علوان لا ينبغي ذكره ففي الأحاديث الصحيحة والمشهورة في معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان.
ورواه أيضًا الخطيب في «تاريخ بغداد» ٨/ ٦٢ ونقل تضعيف أئمة الجرح والتعديل للحسين بن علوان. وأخرجه ابن الجوزي في «العلل» من طريقين عن هشام بن عروة وقال: هذا لا يصح.
أما الطريق الأول: ففيه الحسين بن علوان كذبه أحمد ويحيى، وقال النسائي وأبو حاتم والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن عدي: كان يضع الحديث.
وأما الطريق الثاني: فقال الدارقطني: تفرد به محمد بن حسان، قال أبو حاتم الرازي: كان كذابًا.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١١٦ (١٣٢٠). وفيه: وكيع عن زكريا عن عبد العزيز …



والنظر في مصالحهم بالمحل المعروف، فلعله طال عليه المجلس حتى حضره البول فلم يمكن التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة لدمثها، وقام حذيفة بقربه؛ ليستره عن الناس.
سابعها:
في سبب بوله - ﷺ - قائمًا أوجه:
أحدها: أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب به، فلعل ذَلِكَ كان به (١).
ثانيها: أنه فعل ذلك لجرح كان بمأبضه، والمأبض باطن الركبة.
ورواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: رواته كلهم ثقات (٢). وفيه نظر لا جرم ضعفه البيهقي وغيره (٣).
ثالثها: أنه لم يجد مكانًا للقعود فاضطر إلى القيام؛ لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا مرتفعًا.
رابعها: أنه فعل ذَلِكَ؛ لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر، بخلاف القعود.
ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: البول قائما أحصن للدبر (٤).

--------------------
(١) حكاه البيهقي ١/ ١٠١ عن الشافعى.
(٢) «المستدرك» ١/ ١٨٢ عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - بال قائمًا من جرح كان بمأبضه ثم قال: هذا حديث صحيح تفرد به حماد بن غسان ورواته كلهم ثقات. وتعقبه الذهبي بقوله: في إسناده حماد ضعفه الدارقطني. اهـ بتصرف.
(٣) «سنن البيهقي الكبرى» ١/ ١٠١. حيث قال: حديث لا يثبت مثله. وقال النووي في «شرح صحيح مسلم» ٣/ ١٦٥: ضعيف. وقد رواه الخطابي في «معالم السنن» ١/ ١٨. وقال الذهبي في «المهذب» ١/ ١١٠: قلت: هذا منكر.
(٤) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٢٢. والبيهقي في «سننه» ١/ ١٠٢. وعزاه الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٣٠، والهندي في «كنز العمال» (٢٧٢٤٤) لعبد الرزاق.



خامسها: أنه فعله لبيان الجواز، وعادته المستمرة القعود، دليله حديث عائشة: من حدثكم أنه - ﷺ - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد، لا جرم صححه ابن حبان والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم.
وقال الترمذي: إنه أحسن شيء في الباب وأصح (١).
سادسها: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة، وهي رخوة،

---------------------
(١) رواه الترمذي (١٢)، وقال: حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب، والنسائي ١/ ٢٦، وابن ماجه (٣٠٧)، وأحمد ٦/ ١٣٦، وابن حبان ٤/ ٢٧٨ (١٤٣٠)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ١٨٥، وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وكأنهما تركاه لما رأياه معارضًا لخبر حذيفة. ووافقه الذهبي، وقال في «المهذب» ١/ ١١١: سنده صحيح، ورواه أيضًا أبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٢٩٦، والبيهقي في «سننه» ١/ ١٠١ - ١٠٢.
وقال السيوطي في «شرحه لسنن النسائي» ١/ ٢٦ - ٢٧ وكذا السندي في «حاشيته» ١/ ٢٦ - ٢٧. أخرجه الترمذي وقال: أنه أحسن شيء في هذا الباب وأصح، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وقال الشيخ ولي الدين: هذا الحديث فيه لين؛ لأن فيه شريكًا القاضي، وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، وقول الترمذي أنه أصح شيء في الباب لا يعني تصحيحه، ولذلك قال ابن القطان: إنه لا يقال فيه صحيح، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرطهما مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرج له استشهادًا لا احتجاجًا وحديث حذيفة أصح منه؟. اهـ.
وقال أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٧٨: هذا الخبر يوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أنه مضاد لخبر حذيفة وليس كذلك.
وقد صحح الحديث الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٠١) بمتابعة سفيان الثوري لشريك، عن المقدام كما عند أبي عوانة والبيهقي وأحمد وغيرهم وأشار إلى وهم العراقي، ومن بعده السيوطي والسندي وغيرهم.



فخشي أن يتطاير عليه، أبداه المنذري.
وقد يقال: القائم أجدر بهذِه الخشية من القاعد، واعلم أن بعضهم ادعى نسخ حديث حذيفة بعائشة.
قَالَ أبو عوانة في «صحيحه» بعد أن أخرجه بلفظ: ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. حديث حذيفة منسوخ بهذا (١).
وقال الحاكم في «مستدركه» بعد أن أخرجه بلفظ: ما رأى أحد النبي - ﷺ - يبول قائمًا منذ أنزل عليه القرآن: الذي عندي أنهما لما اتفقا على حديث حذيفة وجدا حديث عائشة معارضًا له تركاه (٢) -ولك أن تقول: إنه غير معارض؛ لأن عائشة أخبرت بما شاهدت ونفت ما علمت وذلك الأغلب من حاله، ثم المثبت مقدم على النافي (٣)، ثم حذيفة من الأحدثين، فكيف يتجه النسخ؟!
ثامنها:
روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت، وحديث عائشة السالف ثابت.
ومن الأحاديث الضعيفة حديث جابر: نهى رسول الله - ﷺ - الرجل أن يبول قائمًا (٤). وسبب ضعفه عدي بن الفضل راويه.

--------------------
(١) «مسند أبي عوانة» ١/ ١٩٦ (٥٠٤).
(٢) «المستدرك» ١/ ١٨٥.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط المصنف، وروى ابن ماجه، عن سفيان بن سعيد: الرجل أعلم بهذا من المرأة.
(٤) رواه ابن ماجه (٣٠٩)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٩٤ ترجمة (١٥٤٠)، وابن شاهين في «ناسخه» (٣٨٥)، والبيهقي ١/ ١٠٢. وقال البوصيري: في «مصباح الزجاجة» ١/ ٤٥: إسناد جابر ضعيف لاتفاقهم على ضعف عدي بن الفضل، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٦٤): ضعيف جدًا.



وحديث بريدة مرفوعًا: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا» الحديث. قَالَ الترمذي: غير محفوظ (١). لكن البزار أخرجه بسند جيد (٢).
وحديث عمر: رآني رسول الله - ﷺ - وأنا أبول قائمًا فقال: «يا عمر، لاتبل قائمًا» فما بلت قائمًا بعد (٣).
قَالَ الترمذي: إنما رفعه عبد الكريم، وهو ضعيف.
وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قَالَ: قَالَ عمر: ما بلت قائمًا منذ أسلمت (٤).

-----------------------
(١) ذكره عقب الرواية (١٢) كتاب: الطهارة، باب: البول قاعدًا.
(٢) رواه البزار كما في «كشف الأستار» ١/ ٢٦٦ (٥٤٧)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ١٢٩ (٥٩٩٨). وذكره البخاري في «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٩٥، ٤٩٦ ترجمة (١٦٥٤) بلفظ: «أربع من الجفاء …».
(٣) رواه ابن ماجه (٣٠٨)، والحاكم ١/ ١٨٥، والبيهقي ١/ ١٠٢.
وقال البوصيري في «الزوائد» ١/ ٤٥: عبد الكريم مجمع على تضعيفه، وفد تفرد بهذا الخبر وعارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على تثبته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان لهذا الخبر من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر فإنه قال بعده: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع، وقد صح ظنه فإن ابن جريج إنما سمعه من ابن أبي المخارق كما ثبت في رواية ابن ماجه هذِه ورواية الحاكم في «المستدرك» واعتذر عن تخريجه أئمة إنما أخرجه في المتابعات.
وحديث عبيد الله العمري أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» والبزار في «مسنده» وحديث بريدة أخرجه البخاري في «تاريخه» والبزار في «مسنده» ورجاله رجال ثقات إلا أنه معلول. اهـ.
وقال ابن المنذر في «الأوسط»: لا يثبت لأن الذي رواه عبد الكريم أبو أمية، قال يحيى بن معين: عبد الكريم البصري ضعيف … إلخ. ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٦٣): ضعيف.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١١٦ (١٣٢٤)، والبزار كما في «كشف الأستار» ١/ ١٣٠ (٢٤٤)، وقال الهيثمي: في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٠٦: رواه البزار ورجاله ثقات.



وهذا أصح منه (١).
وأما ابن حبان فأخرجه في «صحيحه» وقال: أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع (٢).
وقال الكرابيسي في كتاب «المدلسين»: روى الأعمش، عن زيد بن وهب، أنه رأى عمر بال قائمًا، فخالف رواية الحجازيين.
وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر (٣) وابنه (٤) وزيد بن ثابت (٥) وسهل بن سعد (٦) بالوا قيامًا. قَالَ: وروي ذَلِكَ عن علي (٧)

---------------------
(١) «جامع الترمذي» عقب حديث (١٢).
(٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٧١، ٢٧٢ عقب الرواية (١٤٢٣).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١١٥ (١٣١٠)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٣٤.
(٤) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٦٤ برواية يحيى، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١١٥ (١٣١٣)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٣٥.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١١٥ (١٣١٢)، وابن المنذر في: «الأوسط» ١/ ٣٣٥.
(٦) رواه ابن أبي شيبة في «مسنده» ١/ ٩٥ (١١٢)، والروياني في «مسنده» ٢/ ١٩٤ (١٠٢٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣٦، ورواه الطبراني ٦/ ١٤٧ (٥٨٠١)، ٦/ ١٥٣ (٥٨٢٢)، ٦/ ١٧١ (٥٨٩٥) من طرق عن أبي حازم به، ورواه ابن السكن في «الحروف» وكذا القاضي أبو الطاهر الذهلي كما في «الإمام» لابن دقيق العيد ٢/ ١٢١ وقال ابن دقيق العيد: وهذا إسناد على شرط الشيخين، فيعقوب الدورقي وعبد العزيز وأبوه مخرج لهم في الصحيحين، وشيوخ ابن السكن فيهم غير واحد من الثقات أو كلهم ثقات. اهـ. ثم حسن طريق أبي الطاهر الذهلي. وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٧٧: إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «المطالب العالية» ٢/ ١٧٦: إسناده صحيح.
(٧) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٢٠١ بلفظ: «رأيت عليًّا بال وهو قائم حتى أرغى …»، ومسدد في «مسنده» كما في «الإتحاف» ١/ ٢٧٧، «المطالب العالية» ٢/ ١٧٣، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١١٥ (١٣١١)، وابن المنذر في =



وأنس (١) وأبي هريرة (٢).
وفعل ذَلِكَ ابن سيرين وعروة بن الزبير (٣).
وكرهه ابن مسعود، والشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان ابن سعد لا يجيز شهادة من بال قائمًا (٤)، ولم يبلغه الحديث، كما قَالَ الداودي في «شرحه».
قَالَ: وفيه قول ثالث أنه إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فمكروه، وإن كان لا يتطاير فلا بأس به، وهذا قول مالك (٥).
قَالَ ابن المنذر: والبول جالسًا أحب إليَّ، وقائمًا مباح، وكل ذَلِكَ ثبت عنه - ﷺ - (٦).

-----------------------
= «الأوسط» ١/ ٣٣٥، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٦٨، والبيهقي في «سننه» ١/ ٢٨٨، وابن دقيق العيد في «الإمام» ٢/ ٢٠٩، وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٧٧: هذا إسناد حسن. ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٦/ ٢٤١ دون لفظة: «قائم» وكذا الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٣٧٣. كلهم عن أبي ظبيان يقول: «رأيت عليًّا يبول قائمًا …». ورواه ابن سعد أيضًا في «الطبقات» ٦/ ٢٤١ عن مالك بن الجون قال: «رأيت عليًّا جالسًا فبال ..».
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المسند» كما في «المطالب العالية» ١/ ١٧٥ بلفظ: «أن أنسًا - ﷺ - أتى المهراس فبال قائمًا ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم توجه إلى المسجد …». والبخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٦٧ - ٦٨ مختصرًا، والضياء في «المختارة» ٦/ ١٤٤ (٢١٣٩).
(٢) رواه مسدد كما في «الإتحاف» ١/ ٢٧٦، قال: ثنا يحيى، عن عمران بن حدير، عن رجل من أخوال المحرر بن أبي هريرة: أنه رأى أبا هريرة بال قائمًا، وعليه موردتان، فدعا بماء فغسل ما هنالك، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١١٥ (١٣١٤). قال: حدثنا معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير به. وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧: هذا إسناد ضعيف لجهالة تابعيه.
(٣) «الأوسط» ١/ ٣٣٣، ٣٣٤.
(٤) «الأوسط» ١/ ٣٣٥، ٣٣٦.
(٥) انظر: «المدونة» ١/ ٣٣٨.
(٦) «الأوسط» ١/ ٣٣٨.



وقال أصحابنا: يكره قائما كراهة تنزيه دون عذر (١).
تاسعها:
قوله: (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ). فيه جواز الاستعانة في العبادات.
وقوله: (فَتَوَضَّأَ به). إن كان المراد به الوضوء الشرعي ففيه الاستعانة بإحضار الماء للطهارة، ومطلوبية الوضوء عقب الحدث حتى يكون على طهارة، وإن كان المراد بالوضوء الاستنجاء ففيه رد على من منعه بالماء، وقد سلف ما فيه.
عاشرها:
معنى (انْتَبَذْتُ مِنْهُ) تأخرت عنه بعيدًا، وفَعَل حذيفة ذَلِكَ تأدبًا معه، لأنها حالة تخفِّي ويستحَيى منها.
حادي عشرها:
قوله: (فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ). وفي رواية فقال: «ادنه» (٢). قد يستدل به على جواز التكلم عند قضاء الحاجة، إلا أن يئول القول على الإشارة، إنما اسْتَدْنَاه ليستتر به عن أعين الناس، ولكونها حالة يستخفي فيها ويُسْتَحَى منها عادة كما سلف، وكلانت الحاجة بولًا يؤمن معه من الحدث الآخر، فلهذا استدناه.
وجاء في حديث آخر أنه قَالَ: «تنح» لكونه كان قاعدًا ويحتاج إلى الحدثين جميعًا.
ولهذا قَالَ بعض العلماء في هذا الحديث: من السنة القرب من البائل إذا كان قائمًا، وإن كان قاعدًا فالسنة الإبعاد عنه، وقال

-------------------
(١) انظر: «البيان» ١/ ٢٠٩، «المجموع» ٢/ ١٠٠.
(٢) رواها مسلم (٢٧٣) كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين.



إسحاق بن راهويه: لا ينبغي لأحد يتقرب من الرجل يتغوط أو يبول جالسًا، لقوله: «تنح فإن كل بائلة تفيخ» ويروى: تفيس (١).
ثاني عشرها:
مقصود حذيفة بقوله: (لَيْتَهُ أَمْسَكَ). أنَّ هذا التشديد خلاف السنة، فإنه - ﷺ - بال قائمًا، ولا شك في كون القائم يتعرض للرشاش فلم يتكلف إلى هذا الاحتمال، ولا تكلف البول في قارورة، كما كان يفعله أبو موسى (٢).
ثالث عشرها:
قوله: (كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ). وفي رواية: إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه (٣) -يعني: بالجلد التي كانوا يلبسونها، كما قاله القرطبي.
قال وحمله بعض مشايخنا على ظاهره، وأن ذَلِكَ من الإصر الذي حملوه. وقرضه: أي: قطعه (٤).
رابع عشرها: في فوائده مختصرة:
فيه: جواز البول قائمًا، وقرب الإنسان من البائل، وطلب البائل من صاحبه الذي يسدل عليه القرب منه؛ ليستره، واستحباب التستر، وجواز البول بقرب الديار والاستعانة كما سلف، وكراهة مدافعة البول إذا قلنا إن البول في السباطة لذلك، وكراهة الوسوسة، وتقديم أعظم المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، وخدمة العَالِم، والتسهيل على هذِه الأمة،

----------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٣٣٥.
(٢) رواها مسلم (٢٧٣).
(٣) التخريج السابق.
(٤) «المفهم» ١/ ٥٢٥.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* هذا زوجي فضيلة الشيخ سعد عرفات
* هل يجب قلع ضرس العقل وما مخاطر الإجراء؟
* الأنياب المطمورة؛ أسباب تكوينها وأهمية الحفاظ عليها
* كيف تتغلبين على خوف طفلك من عيادة طب الأسنان؟
* فتاوى رمضانية ***متجدد
* سَير المعركة أحد
* الهجرة المحمدية حدث غير وجه التاريخ

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-17-2026, 10:03 PM   #105

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 427 الى صـــ 446
الحلقة (105)



والرخصة في يسير البول، لأن المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رءوس الإبر، وهو مذهب الكوفيين خلافًا لمالك والشافعي، وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول (١).
------------------
(١) انظر: «الأصل» ١/ ٦٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٧٦، «المدونة» ١/ ٢٧، «الأم» ١/ ٥٥.
وورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في السادس بعد الأربعين كتبه مؤلفه.



٦٣ - باب غَسْلِ الدَّمِ
٢٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلَّي فِيهِ». [٣٠٧ - مسلم:٢٩١ - فتح: ١/ ٣٣٠]

٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابنةُ أَبِي حُبَيشِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي اَمْرَأةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلَّي». قَالَ: وَقَالَ أَبِي: «ثُمَّ تَوَضَّئي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ». [٣٠٦، ٣٢٠، ٣٢٥، ٣٣١ - مسلم: ٣٣٣ - فتح ١٤/ ٣٣١]
ذكر فيه حديثين فقال: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (١) قَالَ: حَدَّثنَا يَحْييَ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلّي فِيهِ».
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في الحيض من حديث مالك، عن هشام (٢).

--------------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: في أصلنا المصري والدمشقي محمد بن المثنى، وكذا طرقه المزي، والظاهر أن يحيى تصحيف من مثنى، والله أعلم.
[«تحفة الأشراف» (١٥٧٤٣)].
(٢) سيأتي برقم (٣٠٧) كتاب: الحيض، باب: غسل دم المحيض.



وأخرجه مسلم والأربعة (١) ولأبي داود: «تنظر فإن رأت فيه دما، فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر» (٢).
وقال في كتاب «التفرد»: تفرد به أهل المدينة. وللترمذي: «اقرصيه بماء ثم رشيه» (٣). ولابن خزيمة: «فلتحكه ثم لتقرصه بشيء من ماءٍ، وتنضح في سائر الثوب بماء وتصلي فيه» (٤).
ثانيها:
يَحْيَى هذا هو القطان. وفاطمة هي بنت المنذر. وأسماء هي الصديقة بنت الصديق.
ثالثها:
روى الشافعي أن هذِه المرأة السائلة هي أسماء نفسها (٥)، وضعفه النووي (٦)، وليس كما ذكر كما أوضحته في تخريج أحاديث الرافعي (٧).
رابعها:
«تحتُّه» -هو بالمثناة فوق، ثم حاء مهملة، ثم مثناة فوق أيضًا- وهو الحَكُّ، كما جاء في رواية ابن خزيمة (٨)، والقشر والفرك أيضًا.
«وتَقْرُصه» بفتح أوله وإسكان ثانيه وضم ثالثه، ويجوز ضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه.

---------------------
(١) مسلم (٢٩١) كتاب: الطهارة، باب: نجاسة الدم وكيفية غسله، أبو داود (٣٦٠، ٣٦١)، الترمذي (١٣٨)، النسائن ١/ ١٥٥، ابن ماجه (٦٢٩).
(٢) أبو داود (٣٦٠).
(٣) الترمذي (١٣٨).
(٤) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١٤٠ (٢٧٦).
(٥) «مسند الشافعي» ١/ ٢٤ (٤٦)، «الأم» ١/ ٥، ١٥.
(٦) «المجموع» ١/ ١٣٨.
(٧) «البدر المنير» ١/ ٥١٢.
(٨) سبق تخريجها.



قال القاضي عياض: رويناه بهما جميعًا، والصاد مهملة، وهو الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره (١).
«وتنضِحه» بكسر الضاد المعجمة، أي: تغسله.
خامسها: في أحكامه:
وهو أصل في غسل النجاسات من الثياب.
الأول: نجاسة الدم، وهو إجماع.
ثانيها: وجوب غسل قليله وكثيره. وقال ابن بطال: إنه محمول عند العلماء على الدم الكثير؛ لأن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحًا، وعني به الكثير الجاري، وعند أهل الكوفة أن القليل منه وفي سائر النجاسات دون الدرهم (٢).
ثالثها: تعين الماء في إزالة النجاسة، وبه قَالَ مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وزُفَر وعامة الفقهاء، وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف فجوزا إزالتها بكل مائع طاهر يمكن إزالتها به، والمسألة مبسوطة في الخلافيات (٣).
وحديث مجاهد عن عائشة في البخاري: ما كان لإحدانا إلا ثوب
واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته (٤)

--------------------
(١) «إكمال المعلم» ٢/ ١١٧.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٣٨، ٣٣٩.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٨٣، ٨٧، «التفريع» ١/ ١٩٩، «المجموع» ١/ ١٤٢، ١٤٣، «المغني» ١/ ١٤٢، ١٤٣.
(٤) مصعته: أي حركته وفركته. انظر: «لسان العرب» مادة: مصع.



بظفرها (١). أي: عركته. قد أنكر أحمد وجماعة سماع مجاهد منها. نعم، أثبته الشيخان (٢)، وفي البخاري من حديث القاسم عنها: ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره ثم تصلي فيه (٣).
رابعها: عدم اشتراط العدد في إزالة النجاسة والواجب فيها الإنقاء، فإن بقي من أثرها شيء يشق إزالته عفي عنه، فمان كانت النجاسة حكمية كفي فيها جري الماء وندب فيها التثليث.
وعند أبي حنيفة أنها تغسل إلى أن يغلب على الظن طهرها من غير عدد مسنون، فإن كانت عينية فلابد من إزالة عينها، وندب ثانية وثالثة بعدها، ولا يشترط عصر الثوب على الأصح، فإن عسر إزالة اللون لم يضر بقاؤه، وكذا الريح، فإن اجتمعا ضَّر على الصحيح، وإن بقي الطعم وحده ضر (٤).
وكان ابن عمر إذا شق عليه إزالة الأثر في الثوب قطعه (٥).
خامسها: الأمر بالحت والقرص، وهو أمر استحباب عند فقهاء الأمصار، وأوجبه بعض أهل الظاهر وبعض الشافعية (٦).

--------------------
(١) سيأتي برقم (٣١٢) كتاب: الحيض، باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه.
(٢) قال يحيى بن سعيد: لم يسمع مجاهد من عائشة، وسمعت شعبة ينكر أن يكون سمع منها، وتبعهما على ذلك يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي.
انظر: «جامع التحصيل» ٢٧٣، «تحفة التحصيل» ص ٢٩٤.
(٣) سيأتي برقم (٣٠٨) كتاب: الحيض، باب: غسل دم الحيض.
(٤) انظر: «الوسيط» ١/ ٥٩، «روضة الطالبين» ١/ ٢٨.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٨٠ (٢٠٧٣) عن نافع عن ابن عمر أنه رأى في ثوبه دمًا فغسله فبقي أثره أسود فدعى بمقص فقصه فقرضه.
(٦) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٢٨.



الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عْرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بنت أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي». قَالَ: وَقَالَ أَبِي: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث سيأتي قريبًا في الاستحاضة (١)، وقد أخرجه مسلم (٢) والأربعة (٣)، وهو حديث متفق على صحته، وأخرجه أبو داود والنسائي من مسند فاطمة هذِه (٤).
ثانيها:
محمد هذا شيخ البخاري، هو ابن سلام كما جاء في بعض نسخه، وكذا نسبه ابن السكن والمهلب وصرح به البخاري في النكاح، فقال: حَدَّثنَا محمد بن سلام، ثنا أبو معاوية (٥).
وذكر الكلاباذي أن البخاري روى عن محمد بن المثنى، عن أبى معاوية. وعن محمد بن سلام، عن أبي معاوية.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٣٠٦) كتاب: الحيض، باب: الاستحاضة.
(٢) مسلم (٣٣٣) كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها.
(٣) أبو داود (٢٨٢)، والترمذي (١٢٥)، والنسائي ١/ ١٢٢، وابن ماجه (٦٢١).
(٤) أبو داود (٢٨٠)، والنسائي ١/ ١٢١، وهو أيضًا عند ابن ماجه برقم (٦٢٠).
(٥) سيأتي برقم (٥٢٠٦) باب: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾.



ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق إسحاق بن إبراهيم عن أبي معاوية، وذكر أن البخاري رواه عن محمد بن المثنى، عن أبي معاوية.
ثالثها:
والد فاطمة هذِه هو قيس بن المطلب، ووقع في أكثر نسخ مسلم: عبد المطلب. وهو غلط، ووقع في «مبهمات الخطيب» أنها أنصارية (١)، وهي غير فاطمة بنت قيس المذكورة في النكاح، ولا يعرف للمذكورة هنا -أعني: في باب الحيض- غير هذا الحديث.
وذكر الحربي أن فاطمة (٢) هذِه تزوجت بعبد الله بن ، فولدت له محمدًا، وهو صحابي، هاجرت رضي الله عنها، وهي إحدى المستحاضات على عهد رسول الله - ﷺ -، وقد عددتهم في «شرح العمدة» فبلغن نحو العشرة، فراجع ذَلِكَ منه (٣).
رابعها: في ألفاظه:
الاستحاضة: جريان الدم في غير أوقاته. وقولها: (فلا أطهر) أي: لا أنْظُف من الدم.
والعِرق بكسر العين. ويقال له: العاذل بذال معجمة، وحكي إهمالها، وبدل اللام راء، وهذا العرق فمه في أدنى الرحم.
وقوله: («فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ») يجوز فيه فتح الحاء وكسرها، وهو بالفتح: الحيض، وبالكسر الحالة.

---------------------
(١) «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» ص ٢٥٤.
(٢) هي فاطمة بنت أبي حُبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن فقصي القرشية الأسدية. انظر: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٤١٣ (٣٩٧٥، «الاستيعاب» ٤/ ٤٤٧ (٣٤٨٩)، «أسد الغابة» ٧/ ٢١٨ (٧١٧١)، «الإصابة» ٤/ ٣٨١ (٨٣٥).
(٣) «الإعلام» ٢/ ١٧٧، ١٨٠.



والإدبار: الانقطاع.
خامسها: في فوائده:
وقد وصلتها في «شرح العمدة» (١) إلى نيف وعشرين فائدة، ونذكر منها عشرة:
الأولى: أن المستحاضة تصلي أبدًا إلا في الزمن المحكوم بأنه حيض، وهو إجماع.
ثانيها: نجاسة الدم، وهو إجماع كما سلف في الحديث قبله إلا من شذ.
ثالثها: استفتاء المرأة وسماع صوتها عند الحاجة.
رابعها: الأمر بإزالة النجاسة.
خامسها: وجوب الصلاة بمجرد الانقطاع.
سادسها: إن الصلاة لا يتركها من عليه دم كما فعل عمر - رضي الله عنه - حيث صلى وهو يثعَبُ دمًا (٢).
سابعها: ترك الحائض الصلاة، وهو إجماع لم يخالف فيه إلا الخوارج.
ثامنها: الرد إلى العادة أو التمييز.
تاسعها: عدم وجوب الغسل لكل صلاة.

---------------------
(١) «الإعلام» ٢/ ١٨٣، ١٩١.
(٢) رواه مالك ص ٥٠، وعبد الرزاق ١/ ١٥٠ (٥٧٩)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٦٤ (٣٠٣٥٢)، والدارقطني في ١/ ٢٢٤، واللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» ٤/ ٩٠٦ (١٥٢٨)، والبيهقي ١/ ٣٥٧.



العاشرة: إثبات الاستحاضة، فإن حكم دمها غير حكم دم الحيض، ومحل الخوض في أقسامها كتب الفروع، وقد أوضحناه فيها، ولم يذكر هنا الاغتسال من دم الحيض، وإن كان ورد في رواية أخرى؛ لأن الغسل من دم الحيض معلوم، وإنما إجابتها عما سألته، وهو حكم الاستحاضة.

٦٤ - باب غَسْلِ المَنِيِّ وَفَرْكِهِ، وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ
٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ الجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وإِنَّ بُقَعَ الَماءِ فِي ثَوْبِهِ. [٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢ - مسلم: ٢٨٩ - فتح ١/ ٣٣٢]

٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ح. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَألتُ عَائِشَةَ عَنِ الَمنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الَماءِ. [انظر: ٢٢٩ - مسلم: ٢٨٩ - فتح: ١/ ٣٣٢]
حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبيِّ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَع المَاءِ فِي ثَوْبِهِ.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا يَزِيدُ، ثَنَا عَمْرٌو، عَنْ سُلَيْمَانَ بن يسار سَمِعْتُ عَائِشَةَ. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا عَبْدُ الوهاب (١) ثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ.

--------------------
(١) ورد بهامش الأصل: صوابه: عبد الواحد.


٦٥ - باب إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيَرْهَا فَلَم يَذْهَبْ أَثَرُهُ
٢٣١ - حَدَّثَنَا موسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدُّثَنَا عَمْرُو بْن مَيْمُونٍ قَالَ: سَأَلْتُ سلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَة؟ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كنْتُ أَغسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسول اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ يَخْرج إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ بقَعُ الَماءِ. [انظر: ٢٢٩ - مسلم: ٢٨٩ - فتح: ١/ ٣٣٤]

٢٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بن مَيمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عن سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عن عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَغسِلُ الَمنِىَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقعَةَ أَوْ بُقَعًا بنحوه. [انظر: ٢٢٩ - مسلم: ٢٨٩ - فتح: ١/ ٣٣٥]
حَدَّثنَا مُوسَى بن إسماعيل، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ سمعت سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ؟ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ.
ثم ساقه أيضا من حديث عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، ثنَا زُهَيْرٌ، ثنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنهَا كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا بنحوه.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة (١).

--------------------
(١) رواه مسلم (٢٨٩) كتاب: الطهارة، باب: حكم المني، وأبو داود (٣٧٣)، والترمذي (١١٧)، والنسائي ١/ ١٥٦، وابن ماجه (٥٣٦).


ثانيها:
اختلف في يزيد هذا الراوي عن عمرو، هل هو يزيد بن هارون (١) أو يزيد بن زريع (٢)، فقال أبو مسعود الدمشقي: يقال: هو ابن هارون لا ابن زريع وهما جميعًا قد روياه. وأقره الحافظ شرف الدين الدمياطي، ورواه الإسماعيلي من طريق جماعة عن يزيد بن هارون، وكذا رواه أبو نعيم وأبو نصر السجزي في «فوائده»، وقال: خرجه البخاري من حديثه، والحديث محفوظ لابن هارون، وكذا ساقه الجياني من حديثه أيضًا. وقال الحافظ جمال الدين المزي: الصحيح أنه يزيد بن زريع، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زُريع دون يزيد بن هارون. قُلْتُ: وكذا نسبه ابن السكن فقال: يزيد يعني: ابن هارون (٣)، وأشار إليه الكلاباذي.
ثالثها:
لم يذكر البخاري الفرك في طريق من هذِه الطرق مع أنه ترجم له، وقد أخرجه مسلم من حديث الأسود وهمام عن عائشة: كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - (٤).

---------------------
(١) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٤٩).
(٢) هو يزيد بن زريع العيشي، أبو معاوية البصري، من بكر بن وائل، وقيل: التيمي من تيم من بني عبس، ويقال: من تيم اللات بن ثعلبة.
قال يحيى بن سعيد القطان: لم يكن ها هنا أحد أثبت من يزيد بن زريع. وقال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال أبو حاتم: ثقة. وروى له الجماعة. قال محمد بن سعد: توفي بالبصرة، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٦٣ (١١١٣)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٢٤ (٦٩٨٧).
(٣) في هامش الأصل ما نصه: صوابه زريع، وكذا عزاه الجياني أبو علي.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٨٨) كتاب: الطهارة، باب: حكم المني.



قَالَ أبو عمر: وحديث همام والأسود في الفرك أثبت من جهة الإسناد (١).
رابعها:
إتيان البخاري بتصريح التحديث من عائشة لسليمان (٢)، وكذا هو في «صحيح مسلم»، فيه رد على ما قاله أحمد والبزار، إنما روي الغسل عن عائشة من وجهٍ واحد، رواه عنه عمرو بن ميمون عن سليمان، ولم يسمع من عائشة (٣).
قَالَ البزار: فلا يكون معارضًا للأحاديث التى فيها الفرك.
قُلْتُ: قد روي عنها الفرك في حالةٍ والغسل في أخرى مع الدارقطني و«صحيح أبي عوانة» من حديث عمرة عنها: كنت أفرك المني من ثوبه إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا (٤).

----------------------
(١) «الاستذكار» ٣/ ١١٢.
(٢) هو: سليمان بن يسار الهلالي أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، المدني مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -.
قال محمد بن سعد: ويقال: إن سليمان نفسه كان مكاتبًا لأم سلمة. قال الزهري: كان من العلماء. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: سليمان بن يسار ثقة.
وقال أبو زرعة: ثقة مأمون فاضل عابد، وقال النسائي: أحد الأئمة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة عالمًا رفيعًا فقيهًا كثير الحديث. روى له الجماعة. وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» روى عن ميمونة، وأم سلمة، وعائشة.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٧٤، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٤٩ (٦٤٣)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ١٠٠ (٢٥٧٤)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ١١٢.
(٣) نقل هذا القول ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ٢/ ١١٣، ثم قال: هو مردود، فقد ثبت سماعه منها في «صحيح البخاري».
(٤) الدارقطني ١/ ١٢٥، وأبو عوانة ١/ ١٧٤ (٥٢٧). وصححه الألباني في «الإرواء» (١٨٠).



خامسها: ترجم البخاري أيضًا لغسل ما يصيب من المرأة، ووجه استنباطه مما ذكره أن منيه - ﷺ - إنما كان من جماع، لأن الاحتلام ممتنع في حقه، وإذا كان من جماع فلابد أن يكون قد خالط الذكر الذي خرج منه المني شيئًا من رُطوبة فرج المرأة، وكذا مراده بقوله: أو غيرها. في الترجمة الثانية: رطوبة فرج المرأة.
سادسها:
قوله في الترجمة: (فلم يذهب أثره) ظاهر إيراده أن المراد: أثر المني؛ ولهذا أورد عقبه الحديث أن عائشة كانت تغسل من ثوب رسول الله ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا.
ورجحه ابن بطال، إذ قَالَ: قوله: وأثر الغسل. يحتمل أن يكون معناه بلل الماء الذي غسل به الثوب، والضمير راجع فيه إلى أثر الماء، فكأنه قَالَ: وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه، يعني: لا بقع الجنابة. ويحتمل أن يكون معناه: وأثر الغسل يعني: أثر الجنابة التي غسلت بالماء فيه بقع الماء الذي غسلت به الجنابة، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء، وكلا الوجهين جائز.
لكن قوله في الحديث الآخر: أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - ﷺ -، ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا. يدل على أن تلك البقع كانت بقع المني وطبعه لا محالة؛ لأن العرب أبدًا ترد الضمير إلى أقرب مذكور، وضمير المني في الحديث الآخر أقرب من ضمير الغسل (١).

--------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٤٤، ٣٤٥.


سابعها:
المراد بالجنابة هنا: المني، من باب تسمية الشيء باسم سببه؛ فإن وجوده سبب لبعده عن الصلاة ونحوها.
ثامنها: في فوائده:
الأولى: ذهب الأكثرون من أهل العلم إلى طهارة مني الآدمي، وهو الأصح عن الشافعي (١) وأحمد (٢)، وخالف مالك وأبو حنيفة فقالا بنجاسته. قَالَ مالك: فيغسل رطبًا ويابسًا (٣)، وقال أبو حنيفة: يفرك يابسًا ويكفي في تطهيره (٤).
وسواء في الخلاف الرجل والمرأة، وأغرب من نجسه منها دونه، والفرك دال على الطهارة، إذ لو كان نجسًا لم يكتف به. وفركه تنزهًا، وكذا الغسل، هذا حظ الحديثي من المسألة، وأما الجدلي فمحل الخوض معه كتب الخلافيات (٥).
الثانية: خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة.
الثالثة: نقل أحوال المقتدى به وإن كان يُستحى من ذكرها عادة للاقتداء.
الرابعة: طهارة رطوبة الفرج، وقد سلف.

------------------------
(١) انظر: «الأم» ١/ ٥٥، «البيان» ١/ ٤١٩، ٤٢١، «المجموع» ٢/ ٥٧٤.
(٢) انظر: «التحقيق» ١/ ١٥٦، «الإفصاح» ١/ ١٥٣، «إكشاف القناع» ١/ ٢٢٤.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٣٦، «عيون المجالس» ١/ ٢٠١.
(٤) انظر: «الأصل» ١/ ٦١، «مختصر الطحاوي» ٣١، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٣.
(٥) انظر: «الأوسط» ٢/ ١٦٠.



الخامسة: إن الأثر الباقي بعد الغسل] (١) لا يضر، وقد قاس البخاري سائر النجاسات على الجنابة.
السادسة: الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه والخروج به إلى المسجد قبل جفافه.

----------------------
(١) هنا انتهى السقط من (ج) وذلك من حديث (١٦٠ - ٢٣٣).


٦٦ - باب أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا
وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ البَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ وَالْبَرِّيَّةُ إلى جَنْبِهِ، فَقَالَ: هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ.

٢٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِن عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الَمدِينَةَ، فَأَمَرَهُم النَّبِيُّ - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فجاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الَحرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَأبَةَ: فهؤلاء سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ. [١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩ - مسلم: ١٦٧١ - فتح: ١/ ٣٣٥]

٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الَمسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ. [٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ١/ ٣٤١]
وهذا الأثر أسنده ابن أبي شيبة في «مصنفه» فقال: حَدَّثنَا وكيع، ثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قَالَ: كنا مع أبي موسى في دار البريد، فحضرت الصلاة فصلى بنا على روث (وتبن) (١) فقلنا له:
(ها هنا تصلي) (٢) والبرية إلى جنبك. فقال: البرية وها هنا سواء (٣).
وأسنده أبو نعيم في كتاب الصلاة عن الأعمش بلفظ: صلى بنا
أبو موسى في دار البريد، وثم السرقين الدواب وتبن، والبرية على

-------------------
(١) كذا بالأصل، وفي المطبوع من «مصنف ابن أبي شيبة»: نتن.
(٢) في (ج): تصلي ها هنا.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٧٢ (٧٧٥٣).



الباب فقالوا: لو صليت على الباب؟ فقال: ها هنا وثم سواء. وقال ابن حزم: روينا من طريق شعبة وسفيان كلاهما، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبيه قَالَ: صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين. وهذا لفظ سفيان، وقال شعبة: روث الدواب.
قَالَ: ورويناه من طريق غيرهما: والصحراء أمامه. وقال: (ها هنا) (١) وهناك سواء (٢).
واعلم أن البخاري قاس بول غير المأكول على المأكول فيما ترجم له، واستشهد بفعل أبي موسى؛ ليدل على أرواث الإبل وأبوالها، وليس ذَلِكَ بلازم؛ لاحتماله بحائل وهو جائز إذ ذاك. نعم الأصل عدمه.
فائدة:
دار البريد: الموضع الذي ينزل فيه البريد، ومواضعها يكون فيه روث الدواب غالبًا.
والسِرقين -بكسر السين وفتحها حكاهما ابن سيده (٣): الزبل وبالجيم أيضًا فارسي، وكان الفارسي ينطق بها بين القاف والجيم، واقتصر القاضي وغيره على الكسر (٤).
والبرية: الصحراء، والجمع البراري.
ثم ذكر البخاري في الباب حديثين:
أحدهما: حديث أنس فقال: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عن حَمَّادِ بْنِ

---------------------
(١) كذا بالأصل، وفي المطبوع من «المحلى»: هنا.
(٢) «المحلى» ١/ ١٧٠.
(٣) «المخصص» ٣/ ٩٥ بنحوه.
(٤) انظر: «مشارق الأنوار» ٢/ ٢١٣، «لسان العرب» ٤/ ١٩٩٩.



زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ ناس مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النِّبِيُّ - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بقطع أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فهؤلاء سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
أنه حديث صحيح متفق على صحته، أخرجه البخاري في عدة مواضع منها المغازي (١)، والجهاد (٢)، والتفسير (٣)، والحدود (٤)، وذكر أنهم كانوا في الصفة -يعني: أولًا- ولما خرجه في الزكاة من حديث قتادة، عن أنس (٥)، قَالَ آخره: تابعه أبو قلابة وحميد وثابت، عن أنس. وحديث أبي قلابة عَلِمْتَه، وحديث حميد أخرجه مسلم (٦)، وثابت أخرجه أبو داود (٧).
وأخرجه مسلم في الحدود، وأدخل بين أيوب وأبي قلابة أبا رجاء

--------------------
(١) سيأتي برقم (٤١٩٢) باب: قصة عكل وعرينة.
(٢) سيأتي برقم (٣٠١٨) باب: إذا حرّق المشرك المسلم هل يحرقه.
(٣) سيأتي برقم (٤٦١٠) باب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾.
(٤) سيأتي برقم (٦٨٠٣) باب: المحاربين من أهل الكفر والردة، وكرره بعده مبوبًا عليه عدة أبواب.
(٥) سيأتي برقم (١٥٠١) باب: استعمال إبل الصدقة …
(٦) مسلم برقم (١٦٧١/ ٩) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين.
(٧) أبو داود (٤٣٦٧).



مولى أبي قلابة (١)، وذكر الدارقطني أن رواية حماد إنما هي عن أيوب، عن أبي رجاء، عن أبي قلابة قَالَ: وسقوط أبي رجاء وثبوته صواب، ويشبه أن يكون أيوب سمع من أبي قلابة، عن أنس قصة العُرنيين مجردة، وسمع من أبي رجاء، عن أبي قلابة حديثه مع عمر بن عبد العزيز، وفي آخرها قصة العُرنيين، فحفظ عنه حماد بن زيد القصتين، عن أبي رجاء، عن أبي قلابة، وحفظ الآخرون عنه، عن أبي قلابة، عن أنس قصة العُرنيين حسب.
قَالَ: ورواه صالح بن كيسان، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا (٢).
ثانيها:
هذِه القصة كانت في شوال سنة ستٍّ، ورواها ابن جرير الطبري (٣) من حديث جرير (٤)، وفيه أنه - ﷺ - بعثه في أثرهم. وفيه نظر، لأن إسلامه كان في السنة العاشرة على المشهور، وعلى قول ابن قانع وغيره، أنه أسلم قديمًا يزول الإشكال (٥).
ثالثها:
عُكْل -بضم العين المهملة وإسكان الكاف، ثم لام- قبيلة نسبت

--------------------
(١) مسلم (١٦٧١/ ١١) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، ولم أجده في الحدود.
(٢) «العلل» ١٢/ ٢٣٩ (٢٦٦٦).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: تخريج أحاديث الوسيط للمؤلف ما لفظه: وروى محمد بن الفضل الطبراني من حديث جرير أنه -عليه السلام- بعثه في أثرهم. [كذا في هامش الأصل: الطبراني، والصحيح الطبري كما في «الإعلام» ٩/ ١٣٨].
(٤) «تفسير الطبري» ٤/ ٥٤٨ (١١٨١٥)، أشار إليه ابن حجر في «تهذيب التهذيب»، وقال: لا يصح؛ لأنه من رواية موسى بن عبيدة الرَّبذي، وهو ضعيف جدًّا.
(٥) سبقت ترجمة جرير في حديث رقم (٥٧).





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* هذا زوجي فضيلة الشيخ سعد عرفات
* هل يجب قلع ضرس العقل وما مخاطر الإجراء؟
* الأنياب المطمورة؛ أسباب تكوينها وأهمية الحفاظ عليها
* كيف تتغلبين على خوف طفلك من عيادة طب الأسنان؟
* فتاوى رمضانية ***متجدد
* سَير المعركة أحد
* الهجرة المحمدية حدث غير وجه التاريخ

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009