الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:
1- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ في الآيةِ ما يَشملُ ثوابَ قرَّاءِ القُرآنِ؛ فإنَّهم يَصدُقُ عليهم أنَّهم مِن الَّذين يَتلونَ كِتابَ اللهِ ويُقيمونَ الصَّلاةَ، ولو لم يُصاحِبْهم التَّدَبُّرُ في القُرآنِ؛ فإنَّ للتِّلاوةِ حَظَّها مِن الثَّوابِ والتَّنَوُّرِ بأنوارِ كلامِ اللهِ
، وكان مُطَرِّفٌ يقولُ في هذه الآيةِ: (هذه آيةُ القُرَّاءِ) . يُشيرُ بذلك إلى دَلالتِها على فَضلِهم، وتنويهِها بذِكرِهم ، وتِلاوةُ القرآنِ تَتناوَلُ تِلاوةَ لَفْظِه ومعناه، وتِلاوةُ لفظِه وسيلةٌ وطريقٌ، والمقصودُ التِّلاوةُ الحقيقيَّةُ، وهي تلاوةُ المعنى واتِّباعُه؛ تصديقًا بخبرِه، وائْتِمارًا بأمرِه، وانتِهاءً عن نَهْيِه، وائْتِمامًا به، حيثُ ما قادَك انقدْتَ معه، فتلاوةُ المعنَى أشرفُ مِن مجرَّدِ تلاوةِ اللَّفظِ، وأهلُها هم أهلُ القرآنِ الَّذين لهم الثَّناءُ في الدُّنيا والآخرةِ؛ فإنَّهم أهلُ مُتابَعةٍ وتلاوةٍ حقًّا .
2- في قَولِه تعالى: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً أنَّ المُنفِقَ ليس مانًّا على اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه إنَّما يُنْفِقُ ممَّا رَزَقه اللهُ، فمهما بَلَغَتْ بك نفْسُك مِن الإعجابِ والكبرياءِ على إنفاقِكَ فاذْكُرْ قولَه تعالى: مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، كلُّ شيءٍ تُنْفِقُه فليس لك فيه مِنَّةٌ على اللهِ عزَّ وجلَّ، بل للهِ المِنَّةُ عليك به في إيجادِه؛ لأنَّه لولا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رَزَقكَ ما حصَلَ لك، وله المِنَّةُ عليك في إنفاقِه؛ لأنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ يَبخَلون بما آتاهم اللهُ مِن فضْلِه، قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران: 180] ، فمِن نعمةِ اللهِ عليك أنْ يَمُنَّ عليك بالإنفاقِ بعدَ أنْ مَنَّ عليك بالرزقِ والعطاءِ .
3- قَولُ الله تعالى: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً حَثٌّ على الإنفاقِ كيفما يتهيَّأُ؛ فإنْ تهيَّأ سرًّا فذاك ونِعْمَ، وإلَّا فعلانيةً، ولا يَمنَعْه ظَنُّه أن يكونَ رياءً .
4- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ أنَّ الرَّجاءَ ينبغي أن يكونَ في مَحَلِّه؛ بحيث يكونُ الإنسانُ قد عَمِلَ عَملًا يَرجو الثَّوابَ عليه، أمَّا الرَّجاءُ بدونِ عَمَلٍ فهو مِن التَّمَنِّي الَّذي لا يَنفَعُ العبدَ؛ فلا رجاءَ إلَّا بعَمَلٍ .
5- قَولُ الله تعالى: يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ فيه إشارةٌ إلى الإخلاصِ، أي: يُنفِقون لا ليُقالَ: إنَّه كَريمٌ، ولا لشَيءٍ مِن الأشياءِ غيرِ وجهِ الله؛ فإنَّ غيرَ اللهِ بائرٌ، والتَّاجِرَ فيه تجارتُه بائِرةٌ ، أمَّا الَّذي يَرجو ثوابَ اللهِ ويُحْسِنُ النِّيَّةَ والقَصْدَ فهذا تجارتُه لن تَبُورَ؛ ففيه: التَّنبيهُ على الإخلاصِ، وأنَّه ينبغي على الإنسانِ أنْ يكونَ مُخْلِصًا للهِ تعالى في عَمَلِه القاصِرِ والمتعدِّي؛ فالقاصرُ كالصَّلاةِ، والمتعدِّي كالصَّدقةِ .
الدرر السنية
|