الحمد لله المنعم المتفضل، الرحيم المنان، أحمده سبحانه على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه المجيد: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم: 31].
وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، بعثه الله حنيفيًّا سمحًا مبشرًا ونذيرًا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فعليكم بتقوى الله تعالى وطاعته، وشكره على أفضاله التي لا تعد ولا تحصى.
أيها المسلمون: نقف في هذا اليوم المبارك، يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ذي الحجة، وفيه يُتم المتعجلون حجهم بعد أن يرموا الجمار، وهم يستعدون لطواف الوداع، ليعودوا إلى أهليهم سالمين غانمين، قد أدوا فريضتهم في يسر وسهولة، وأمن وطمأنينة، إن هذا المشهد المهيب الذي نراه اليوم، وهذا النجاح الباهر لموسم حج هذا العام 1447هـ، لم يكن ليتحقق لولا فضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، ثم بفضل ما توليه قيادتنا الرشيدة، ورجال أمننا البواسل، وكافة القطاعات الصحية والتنظيمية والخدماتية من جهود جبارة على مدار الساعة.
ولقد سخر لذلك أفضل التقنيات الحديثة، وأعلى معايير التنظيم الميداني؛ لتبقى هذه المشاعر المقدسة كما أرادها الله تعالى: مثابةً للناس وأمنًا، قال جل وعلا: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: 125].
عباد الله:
إن شرف خدمة ضيوف الرحمن هو وسام نبيل خص الله به هذه البلاد المباركة؛ حكامًا وشعبًا، فهنيئًا للحجاج ما نالوه من تيسير، وهنيئًا لكل من ساهم في هذا الإنجاز العظيم بفكره، أو جهده، أو بدنه.
ومن هنا، ينبغي أن ندرك أن هذا التميز والاستقرار الذي نعيشه، يجعل بلادنا محط أنظار الحاقدين والحاسدين، الذين يسعون بين الحين والآخر إلى بث الشائعات، وتجاهل الإنجازات، وإدخال الفرقة بين الناس نشرًا للفتنة.
إن السبيل لرد كيدهم هو التمسك بوحدتنا، وتوحيد صفنا، والتفافنا حول ولاة أمرنا، وأن نكون يدًا واحدةً، فإن يد الله مع الجماعة؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يد الله مع الجماعة))؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، قال تعالى حاثًّا على الاجتماع ومحذرًا من النزاع: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]، وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن النعم تدوم وتزيد بالشكر، ومن أعظم النعم التي تجددت لنا في هذه الأيام هي نعمة البلاغ والتمام، ونجاح موسم الحج نجاحًا باهرًا ملموسًا، والشكر لا يكون بالقلوب فقط، بل بالتحدث بنعمة الله ثناءً واعترافًا، كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11].
إن شعور المسلم الحق وهو يتابع ضيوف الرحمن في الطواف بالبيت، وفي منًى، وعرفات، ومزدلفة، وعند جسر الجمرات، هو شعور الفخر والاعتزاز بما من الله به على هذه البلاد من ريادة تنظيمية راقية، تجعل الحج رحلةً ميسرةً وآمنةً، تتجلى فيها السكينة والروحانية، ولا شك أن وراء هذا النجاح -بعد توفيق الله- عقولًا تخطط، وسواعد تبني وتعمل بإخلاص؛ من أمراء، ووزراء، ورجال أمن، ومتطوعين ومتطوعات، وكل فرد من أبناء هذا الشعب الكريم، الذين يفخرون بخدمة ضيوف الرحمن؛ ابتغاء المثوبة من الله، واقتداءً بقيادتهم، فجزى الله خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، وكل من ساهم في نجاح هذا الموسم خير الجزاء.
اللهم تقبل من الحجاج حجهم، ويسر لهم أمورهم، وأعدهم إلى بلادهم سالمين مغفورًا لهم، اللهم احفظ بلادنا، وأدم أمننا واستقرارنا، واحفظ ولاة أمورنا، ووفِّق رجال أمننا وكل المخلصين لخدمة هذه البلاد المقدسة، هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.