![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
لَذَّاتُ الدنيا ولَذَّاتُ الآخرة[1] عبدالله بن عبده نعمان العواضي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: أيها المسلمون، للإنسان في هذه الحياة مطالبُ يسعى لتحصيلها، ومآرب يحرص على الوصول إليها، ألا وإن من تلك من المطالب والمآرب: اللذة؛ فاللذة مطلب كل حي، ومراد كل مخلوق. قال بعض أهل العلم: "مقصود الحياة حصول ما يُنتفع به ويُلتذ به، والحي لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصِحَّاء، فهو يختار الموت ويتمنَّاه ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء ولا مع الأموات"[2]. ولما كانت اللذة والبهجة والسرور مطلبًا حياتيًّا، فإن الأحياء لأجلها يعملون ويتعبون، ويسهرون ويسافرون، وربما ضحَّوا بلذَّات دنيا من أجل الظفر بلذَّات عُلْيا. غير أنكم- معشر المسلمين- لو تنظرون إلى الناس وهم يلهثون وراء لذَّاتهم لوجدتموهم مختلفين فيها؛ فأهل النفوس الشريفة يختارون اللذات السامية النظيفة، التي لا عصيان فيها ولا ضرر، وأهل النفوس الدنيَّة يسارعون إلى ملاحقة اللذَّات المشتهاة من غير نظر إلى حلِّها أو حرمتها، ودون تفكير في سوء عواقبها، فما أقل ما يلتذُّون، وما أكثر ما يندمون ويتألمون! عباد الله، إن اللذَّات الدنيويَّة في الحياة الإنسانية لذَّاتٌ بدنيةٌ، ولذَّاتٌ معنويةٌ، ولذَّاتٌ روحيةٌ. فاللذَّاتُ البدنيَّةُ لذَّاتٌ مرئيةٌ، ولذَّاتٌ مسموعةٌ، ولذاتٌ محسوسةٌ، ولذَّاتٌ مشمومةٌ، ولذَّاتٌ مطعومةٌ. واللذات المعنوية كلذَّة الجاه والرفعة بين الناس، ولذة الغلبة والانتصار، ولذة العلم والمعرفة. واللذات الروحية هي اللذات المرتبطة بالروح كلذَّة العبادة والتديُّن. غير أن اللذَّات الدنيوية منها ما يكون مباحًا، ومنها ما يكون محرمًا. فأنت- أيها الإنسان- تتلذَّذ بالنظر إلى مَن تحبُّ مِن والدٍ أو وَلَدٍ، أو زوجة أو صديق حبيب لقيته بعد غياب، وتتلذَّذ برؤية المشاهد التي تبهج النفس، وتريح الخاطر؛ كرؤية الحدائق الخضرة وجداول المياه المتدفِّقة. قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ﴾ [النمل: 60]. وأنت تلتذُّ أيضًا بسماع أصوات الطيور العذبة، وصوت قطرات المطر في ساعة قحط وشدة، وتلتذُّ بلمس الأشياء الجميلة الناعمة، وتذوُّق الطعام والشراب اللذين تحبهما، كما تلتذُّ بشم الطيب، ورائحة الولد الحبيب. قال الله تعالى عن يعقوب عليه السلام- لما أرسل يوسُف إليه بقميصه، ووجد الأب ريح ابنه من مسافة بعيدة قبل أن يصل إليه-: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ [يوسف: 93، 94]. وقالت إعرابية وهي ترقص ولدها الصغير: يا حبذا ريحُ الولَدْ ![]() ريحُ الخُزامَى في البلدْ ![]() أهكذا كلُّ ولدْ ![]() أم لم يلد قبلي أحدْ[3] ![]() فهذه- معشر الكرام- نماذج من لذَّات الدنيا، وغيرُها كثيرٌ. لكن لو تأملتم في هذه اللذات الدنيوية، ونظرتم إليها نظرة فاحصة لوجدتموها- مقارنةً بلذَّات الجنة- لذاتٍ قليلةً صغيرةً، منقطعة منغصة، لا تسلم أحيانًا من عواقب مؤلمة، ونهايات غير مرغوبة؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النساء: 77]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَة)) [4]. وقال الشاعر: فَلَنْ تَعْدِلَ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ![]() وَلَا وَزْنَ ذَرٍّ مِنْ جَنَاحٍ لِطَائِرِ ![]() فَمَا رَضِيَ الدُّنْيَا ثَوَابًا لِمُؤْمِنٍ ![]() وَلَا رَضِيَ الدُّنْيَا جَزَاءً لِكَافِرِ[5] ![]() عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ)) [6]. ولو سألنا أنفسنا هذا السؤال: لماذا كانت لذات الدنيا مكدَّرة غير خالصة من شوائب الغُصص؟ فالجواب عن ذلك: أن لذَّات الدنيا لو كانت كاملةً دائمةً سالمةً من المنغصات لرَكنَ الإنسان إليها، ونسي العمل للآخرة، والشوق إليها. لكن حين يجد مكدرة بهذا الكدر الدائم فإنه يسلي نفسه بلقائها في الجنة، فيصرف جُلَّ وقته للانشغال في عمل الصالحات واجتناب السيئات، وبهذا يعرف حقارة الدنيا، وأنها لا تستحق أن يجري وراء لذَّاتها الزائلة التي تشغله عن لذات الآخرة الخالدة. بكى عُمَر بن عبد العزيز- رحمه الله- يومًا بين أصحابه، فسُئل عن ذلك، فقال: فَكَّرتُ في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تَنْقَضِي حتى تكدرها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادَّكر[7]. وقال أعرابي: "العاقل حقيق أن يسخى بنفسه عن الدنيا؛ لعلمه ألَّا ينال أحد فيها شيئًا إلا قلَّ إمتاعه به، أو كثُر عناؤه فيه، واشتدت مرزئته عليه عند فراقه، وعظمت التبعة فيه بعده"[8]. أيها المؤمنون، كما أن في الدنيا لذات مباحة، هناك أيضًا فيها لذات محرمة، فربُّنا تبارك وتعالى حرم على عباده لذات محددة؛ لما فيها من الأضرار عليهم في الدنيا والآخرة. غير أن من لم يكن لديه عقل راجح، وخلق قويم، وغلبته نفسه، وانتصر عليه هواه؛ فإنه يُقبِل على اللذات المحرمة، ولا يصبر عن تركها؛ مريدًا بذلك الحصول على السرور، واللذة والحبور، وهو في الحقيقة يخدع نفسه، ويجرُّ إليها العناء الطويل. فأي عاقل يُقدِم على شيء فيه عطبُه، وأي لبيب يتناول طعامًا لذيذًا ويعلم أنه مسموم؟ كذلك اللذات المحرمة- يا عباد الله- فهي كالعسل المخلوط بالسم؛ لأنها تَحرِم صاحبها من لذات الآخرة، وتلقيه في نار السعير؛ قال الله تعالى عن المتلذذين بالحرام غير التائبين قبل نزول الحِمام: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾ [إبراهيم: 30]، وقال: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾ [الأحقاف: 20]. وفي حياة الناس تجدون- أيها الفضلاء- من يتناول شرب المسكِرات؛ طلبًا للذة المزعومة. ومن يمارس الفواحش، أو يشاهد مقاطعها؛ حتى يجد اللذة، ومنهم من يهتك ستور الحرمات وحجبها ويراسل النساء؛ لكي يتلذذ بالحديث معهن، ورؤية بعض مفاتنهن. ومنهم من يسعى إلى كسب المال الحرام بأي طريق من طرقه حتى يتلذذ بصرفه فيما يريد. ومنهم من يرتكب المنكرات؛ كالكذب ونشر الشائعات؛ حتى يحصل على شهرة فيتلذذ بها عند حصولها. ومنهم من يطلب اللذة في الاعتداء على الآخرين، والسعي في إيذاء المحسودين والمخالفين. فمن كان من هؤلاء فليقف قليلًا مع نفسه مفكِّرًا، وليجعل له فيمن مضى من المتلذذين بالحرام معتبرًا، وعن الاستمرار في انحراف شهواته مزدجرًا؛ فإن التلذذ لن يبقى، والإثم لا يُنسى، والديَّان حيٌّ لا يموت. ولينظر في عواقب لذاته المحرمة ما فيها من الشعور بالشقاء والقلق، والخوف وذهاب الصحة والعمر، والفضيحة، والمردودات العكسية في قادم الأيام. فيا من يبحث عن اللذة في سوق الحرام، ويا مَنْ ما زال معتكفًا عليها، انتبه من رقدتك، واستيقظ من غفلتك، وسارع إلى التوبة إلى ربك قبل النزول في حفرتك؛ فلذَّات الحرام لا يدوم السرور بها، ولا تلد إلا الشقاء والخسران. فأي نعيم في لذة توجب غضب الرب الجبار، وتورد صاحبها النار في دار القرار، فمتى قامت القيامة، قيَّدت الملتذين بالحرام أغلال الندامة، ونسوا عندئذٍ كل لذَّة تلذَّذوا بها، وكل معصية وجدوا الراحة فيها، فتذهب حينئذٍ اللذة ويحضر الإثم الكبير. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا بْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا بْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ))[9]. وقال الشاعر: إنَّ أهْنا عِيشَةٍ قَضَّيْتَهَا ![]() ذهَبتْ لذَّاتُهَا وَالإثْمُ حَلّ ![]() ![]() ![]() نسأل الله أن يرزقنا كمال العقول، وسلامة الدين، واستقامة الهدف. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:أيها المسلمون، إذا قامت القيامة، وخرج الناس من قبورهم اتَّجَهوا إلى أرض محشرهم، وهناك يحاسبون على ما قدموه من أعمالهم، وبعدئذٍ يبدأ للمؤمنين النعيم الأبدي، وللكافرين العذاب السَّرْمدي. وهناك تحصل لأهل التقوى اللذة التي تُنْسي كل عناء، والسرور الذي يمحو كل شقاء. فيا لذة من ظفر بالفوز في عرصات القيامة، فأخذ كتابه بيمينه، ومن شدة سعادته هناك يقول: ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ [الحاقة: 19، 20]، ثم تكون الحال هكذا: ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ [الحاقة: 21 - 24]، وفي الآية الأخرى: ﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ [الانشقاق: 9]. ويا عِظم لذته وبهجته وهو يساق سوقًا كريمًا إلى الجنة، ويسمع أحسن الأقوال عند الاستقبال؛ قال الله: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [الزمر: 73، 74]. وقال سبحانه: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: 34، 35]. ويا عظم راحته وهو يدخل الجنة مع أهلها بقلوب متفقة معمورة بالحب، منزوع منها كل كدر من حسد أو غل؛ قال تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف: 43]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الجنة: ((قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض)) [10]. ويدخلون آمنين من حصول المرض والحزن، والهرم والموت، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) [11]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((ينادي مُنادٍ: إن لكم أن تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا)) [12]. وهناك يتناولون من لذَّات البدن ما لا يحيط به الوصف من حسنه وجماله، وعظمه وتمامه، وكماله وعدم نقصانه، وسلامته من سوء العاقبة؛ قال الله عنهم: ﴿ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الواقعة: 15 - 24]. عباد الله، إن الإنسان في هذه الدنيا إذا رضي عنه بَشرٌ مثله يعظِّمه؛ امتلأ غبطةً وسرورًا، ولم تسعه الأرض فرحةً وحبورًا، فكم هي سعادة أهل الجنة ولذتهم حين يرضى الله عنهم، ويخبرهم بذلك في دار السلام! قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربَّنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)) [13]. الله أكبر ما أعظمَه من وسام! وما ألذَّه من إنعام! وما أوسعَه من إكرام! لكنَّ لذَّات أهل الجنة- أيها الأفاضل- تتلاشى أمام لذة أخرى يحصلون عليها من الرب الكريم، هذه اللذة هي لذة النظر إلى وجه الله تعالى، الذي عبدوه بالغيب ولم يروه، وأكرمهم بصنوف الإكرام دون أن يشاهدوه، وكم قد اشتاقوا إلى ذلك، فجاءت اللحظة المنتظرة التي تنال الأشواق فيها بغيتها، وتبلغ فيها غاية أملها. فعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، نادى مُنادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلْنا الجنة، وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم)) [14]. ولهذا جاء في الدعاء: ((وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ)) [15]. فيا من يحب اللذة ودوامها، وسلامتها وتمامها، فتلك لذة ما في الجنة، فاجعل لذاتك المباحة في الدنيا عونًا لك للوصول إلى تلك اللذات الخالدة؛ فتمَتَّع منها بما يكفيك ولا يلهيك، وما نقص عنك منها فقُلْ لنفسِك: موعدك مع تمامها الجنة إن شاء الله. واحبس نفسك في الدنيا عن اللذات المحرمة، ولو اشتدَّ توقان نفسك إليها؛ فإن الالتذاذ بها شقاء، وسبب للحرمان منها في دار البقاء. عن عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ)) [16]. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ)) [17]. نسأل الله أن يصلح عاقبتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين... [1] ألقيت في جامع الشوكاني- منشورة- في: 26/ 12/ 1447هـ، 12/ 6/ 2026م. [2] شفاء العليل، لابن القيم (ص: 174). [3] اللطائف والظرائف (ص: 175). [4] متفق عليه. [5] أدب الدنيا والدين (ص: 135). [6] متفق عليه. [7] تفسير ابن كثير (2/ 185). [8] الأمالي في لغة العرب، للقالي (2/ 41). [9] ) رواه مسلم. [10] رواه البخاري. [11] رواه مسلم. [12] رواه مسلم. [13] متفق عليه. [14] رواه مسلم، وابن ماجه، وغيرهما [15] رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، بسند صحيح. [16] متفق عليه. [17] متفق عليه. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| صلة الأرحام… بركة في الدنيا ونجاة في الآخرة | ابو الوليد المسلم | ملتقى فيض القلم | 0 | 04-26-2026 11:50 AM |
| ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إل | أبو طلحة | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 04-06-2025 05:28 PM |
| عواقب ترك الصلاة و عقوبة تاركها في الدنيا و الآخرة | Abujebreel | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 8 | 12-30-2018 05:42 PM |
| عقوبة الظلم والبغي تعجل في الدنيا بخلاف ما في الآخرة | ابونواف | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 2 | 10-24-2018 03:04 PM |
| يا من عمرت الدنيا وخربت الآخرة | الشيخ عبده | ملتقى الصحة والحياة | 2 | 03-06-2013 09:14 PM |
|
|