![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#19 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات مع آيات (19) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ... ) كتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد قال - تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا) (الأحزاب:53). قصة نزول الآية: قال ابن كثير -رحمه الله-:"كان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزينب بنت ، التي تولَّى الله -تعالى- تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة، والواقدي، وغيرهما. قال البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "لما تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت ، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام مَن قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) الآية". وفى رواية أخرى قال أنس: "ولقد رأيتنا حين دخلت زينب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به، (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) (الأحزاب:53)، الآية كلها. التفسير العام للآية: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تدخلوا بيوت النبي إلا بإذنه لتناول طعام، غير منتظرين نضجه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا غير مستأنسين لحديث بينكم؛ فإن انتظاركم واستئناسكم يؤذي النبي فيستحيي من إخراجكم من البيوت مع أن ذلك حق له، والله لا يستحيي من بيان الحق وإظهاره، وإذا سألتم نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاجة من أواني البيت ونحوها، فاسألوهن من وراء ستر؛ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال؛ فالرؤية سبب الفتنة، وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد موته أبدًا؛ لأنهن أمهاتكم، ولا يحلُّ للرجل أن يتزوج أمَّه، إنَّ أذاكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونكاحكم أزواجه من بعده إثم عظيم عند الله، وقد امتثلت هذه الأمة هذا الأمر، واجتنبت ما نهى الله عنه منه) (المختصر في التفسير -مركز تفسير للدراسات القرآنية). فوائد حول الآية(1): 1- حقوق المضيف على الضيف(2): - لقد أمر الإسلام بإكرام الضيف، حتى جعلها عبادة، وعلامة على الإيمان:قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) (متفق عليه). - وفي المقابل، فهناك جملة من حقوق المُضيف على الضيف منها: 1- الاستئذان في الدخول:قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ)، قال الشوكاني -رحمه الله-: "نهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودخل في النهى سائر المؤمنين". 2- الحضور في الموعد المحدد:(إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا). 3- ألا يطيل البقاء بما يحرج مضيفه، ما لم يأذن بذلك: قال -تعالى-: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أنْ يُقِيمَ عِنْدَ أخِيهِ حتَّى يُؤْثِمَهُ) قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ يُؤْثِمُهُ؟ قالَ: (يُقِيمُ عِنْدَهُ ولا شيءَ له يَقْرِيهِ بهِ) (متفق عليه). 4- ألا يصطحب معه من لم يأذن له المُضيف، فإن فعل استأذن له:عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: إن رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ له: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكانَ له غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَرَفَ في وَجْهِهِ الجُوعَ، فَقالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَكَ، اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ، فإنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خَامِسَ خَمْسَةٍ، قالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ، قالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ هذا اتَّبَعَنَا، فإنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ له، وإنْ شِئْتَ رَجَعَ) قالَ: لَا، بَلْ آذَنُ له يا رَسولَ اللَّهِ. (متفق عليه). 5- النصح للمضيف في استبقاء ما ينفعه وأهله، لا سيما عند الحاجة:ففي قصة ضيافة أبى الهيثم -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبية وأنه: فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هذِه، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ)، فَذَبَحَ لهمْ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا ... " (رواه مسلم). 6- عدم التلصص على عورات أهل البيت:عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: دَخلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ، وَمَعَهُ قَوْمٌ، وَفِي الْبَيْتِ امْرَأَةٌ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يَنْظُرُ إلى الْمَرْأَةِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: "لَوْ انْفَقَأَتْ عَيْنُكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ" (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني). 7- الدعاء للمضيف: عن أنس -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءَ إلى سَعدِ بنِ عُبادةَ، فَجاءَ بِخُبزٍ وزيتٍ، فأكلَ، ثمَّ قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أفطرَ عندَكُم الصَّائمونَ، وأكلَ طعامَكم الأبرارُ، وصلَّتْ عليكُم الملائكةُ) (رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني). 2- تدابير إسلامية لسد ذريعة الفتنة بالنساء: - لقد اشتملت الآية على حكم وأدب آخر، وهو الحجاب:قال الله -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). - من عظيم تشريعات الإسلام في سد منابع فتنة النساء، فرض الحجاب ومنع الاختلاط؛ لما في ذلك مِن عفة وطهارة:قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). - لذلك فإن دعاة الضلالة، وأهل الفساد، يحاولون دائمًا تشويه الحجاب بأساليب شيطانية، فليحذر المسلمون منهم: قال -تعالى-: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (النساء:27). - على المرأة المسلمة أن تتقى الله في نفسها بالتزام حجاب ربها، لكيلا تعرض نفسها لسخط ربها وعقابه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صِنْفَانِ من أهلِ النارِ لمْ أَرَهُما بَعْدُ) وذكر: (ونِساءٌ كَاسِياتٌ عَارِياتٌ، مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ، لا يَدْخُلَنَّ الجنةَ، ولا يَجِدَنَّ رِيحَها، وإِنَّ رِيحَها لَيوجَدُ من مَسِيرَةِ كذا وكذا) (رواه مسلم باختلافٍ يسيرٍ). - وعلى أولياء النساء أن يتقوا الله في نسائهم؛ لأن فساد كثيرٍ من النساء وتبرجهن، راجع إلى تهاون أوليائهن من الرجال، وفقدانهم نخوة الرجولة، والغيرة على الحريم:قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه، حفِظ أم ضيَّع، حتَّى يسألَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه) (رواه النسائي وابن حبان، وصححه الألباني)، وخطب علي بن أبي طالب في الناس يومًا، فقال: "أمَا تَغارون أنْ يَخرُجَ نِساؤُكُم -وفي روايةٍ: ألَا تَستَحْيون أوْ تَغارون-؛ فإنَّه بَلَغَني أنَّ نِساءَكُم يَخرُجْنَ في الأسواقِ يُزاحِمْنَ العُلوجَ" (رواه الإمام أحمد في المسند). - مواقف مشرفة في الغيرة على الحريم: 1- غيرة الزبير -رضي الله عنه-: ذكر أبو عمر في التَّمهيد: أنَّ عمر-رضي الله عنه- لما خطب عاتكة بنت زيد، شرطت عليه ألّا يضربها، ولا يمنعها من الحقّ، ولا من الصّلاة في المسجد النبويّ، ثم شرطت ذلك على الزّبير، فتحيَّل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرّت به ضرب على عجيزتها، فلما رجعت قالت: "إنا للَّه! فسد النّاس! فلم تخرج بعد" (الإصابة - أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير المؤرخ). 2- غيرة رجل صالح -رحمه الله-:ذكر ابن كثير في حوادث سنة 286هـ قال: "مِن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة، أن امرأة تقدمت إلى قاضي الري، فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها، فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه، وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة"، وزاد الحافظ السمعاني في الأنساب: "فقال القاضي وقد أعجب بغيرتهما: يكتب هذا في مكارم الأخلاق" (البداية والنهاية، نقلًا عن عودة الحجاب - د. محمد إسماعيل). 3- من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بزوجاته(3): - أن زوجاته -رضي الله عنهن- أمهات للمؤمنين:وقال -تعالى-: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب:6). - أنهن لا يحل الزواج منهن مِن بعده:قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا). - وأنهن أفضل نساء الأمة:قال -تعالى-: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا). - وأنهن من آل البيت:(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب:34). - أنهن لا يسألهن أحد ولا يخاطبهن إلا من وراء ستار أو جدار(4):قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ). خاتمة: - تذكير بالآية وما تحمله من أحكام وآداب:قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لما تمالأن عليه في الغيرة: (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ) (التحريم: 5)، فنزلت كذلك. فاللهم صلِّ على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- مؤدب البشرية، وعلى آله وصحبه وأزواجه أمهات المؤمنين، والحمد لله رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الإشارة إلى أن الآية تحمل آدابًا كريمة يغرسها الإسلام في نفوس أتباعه، وهي الفوائد التالية. (2) يحسن الإشارة إلى الشاهد، وهو تجاوز أضياف النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بعضهم حقوق المضيف. (3) تجدر الإشارة إلى موضوع خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- في جملة وعبارة مختصرة جدًّا، مثل: أن ما اختص به -صلى الله عليه وسلم- على أربعة أنواع كما يلي: 1- ما اُختص به في الدنيا بذاته. 2- ما اُختص به هو وأمته في شرعه في الدنيا. 3- ما اُختص به في ذاته في الآخرة. 4- ما اختص به في أمته في الآخرة. (4) الإشارة إلى أن الآية متأخرة عن آية الحجاب العامة، وهي قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب:59)، وأما الآية التي معنا، فهي تحمل حجابًا زائدًا في حقِّ أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حجاب الجدر والستر. |
|
|
|
|
|
|
#20 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات مع آيات (20) (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد قال الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (الفتح: 1-3)(1). قصة نزول الآيات: - قال ابن كثير -رحمه الله-: "روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذٍ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله -عز وجل-: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه له، قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعيت إلى نفسي" فإنه مقبوض في تلك السنة، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نعي إليه" (انتهى). وقفات حول الآيات: (1) ملخص مشاهد المسيرة النبوية حتى الرحيل: لا بد لكل من وقف على هذه الآيات أن يستحضر مشاهد الكفاح النبوي لإبلاغ دين الله إلى الخلق، ولا بد على كل مسلم أن يعرف عظيم الجميل، والمعروف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107). - مشهد بدء الوحي والتكليف: نزول (اقْرَأ) (العلق:1)، ونزول: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر:1-2). - مشهد إشراق شمس الإسلام من على جبل الصفا: "قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، أنذرتكم النار". - مشاهد الصد والتكذيب والسخرية، والإيذاء والتعذيب والقتل: (التشويه والتشويش - تعذيب وقتل الأتباع). - الحصار الجائر في الشِّعب، وموت النصيرين: أبي طالب وخديجة. - مشاهد الهجرة، وترك الديار والأموال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) (الأنفال:30)، (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (العنكبوت:56)، (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) (الحشر: 8). - مشاهد استقبال الأنصار للمهاجرين، ثم للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) (الحشر: 9). - مشهد بناء المجتمع (الإسلامي) الجديد: (المسجد والشعائر - المؤاخاة - التشريعات والأحكام). - مشاهد الحرب العالمية على الإسلام: (بدر، أُحُد، الأحزاب - تبوك - ... ). - مشاهد الفتح والعودة إلى الأهل والوطن: (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (الفتح: 27). - مشاهد دخول الناس في دين الله أفواجًا (كان المسلمون في أول الإسلام عشرات، ويوم الحديبية كانوا (1400)، ويوم حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا (100000): وهنا قال تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). (2) مشاهد الاستعداد للقاء الله بعد إكمال الدين: - الآية تحمل التوجيه بالاستعداد للقاء ربك، والرحيل عن الدنيا، وكيف يكون: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). - النبي العظيم -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم البشرية شكر النعمة، وحسن الاستعداد للقاء الله بالإكثار من العمل الصالح وكثرة الاستغفار: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر في آخر أمره من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه"، وقال: "إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها": (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (رواه مسلم، وأحمد واللفظ له). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) حتى ختم السورة، قال: نعيت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه حين أنزلت، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة" (رواه الطبراني والنسائي، وحسنه الألباني). - التفسير العام الذي قاله الصحابة في مجلس عمر بسبب النزول، لا ينافي سبب النزول؛ فإنه يستحب للمسلمين إذا حصلت لهم نعمة، أو جاء نصر من الله، أن يشكروا على ذلك بالإكثار من الصلاة والاستغفار، بخلاف أهل الفسوق والغفلة (يحتفلون بالنصر بكل ما يبعدهم عن الله!)، ففي حديث أم هانئ عند البخاري: "أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ فتحِ مَكَّةَ اغتسلَ في بيتِها وصلَّى ثمانيَ رَكعاتٍ"، قال ابن كثير: "وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن". - وهكذا فعل أصحب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: ففي قصة إسلام هند بنت عتبة -رضي الله عنها- صبيحة فتح مكة، قالت: "فأتيت أبا سفيان، فقلت: إنما أريد أن أتبع محمدًا، فقال: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث أمس، قالت: إني واللَّه ما رأيت أن عُبِدَ اللَّه حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، واللَّه إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا" (حياة الصحابة). 3- مشاهد التوديع والرحيل عن الدنيا: - كانت الآيات ترمز إلى قرب أجل النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أنزلت هذه السورة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة" (أخرجه البزار والبيهقي). - فصار النبي -صلى الله عليه وسلم- يودِّع الدنيا بعد نجاح دعوته وإكمال الدِّين وتمام النعمة: وقد ظهر ذلك جليًّا في حجة الوداع التي كانت قبل وفاته بنحو ثمانين يومًا، ففي خطبته الشهيرة قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا" (السيرة النبوية لابن هشام)، ولما انتهى من الخطبة نزل عليه قوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3). - وفي أيامه الأخيرة كثرت العلامات على قرب الرحيل: فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "إنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَلَسَ علَى المِنْبَرِ فقالَ: (إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ما شاءَ، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَهُ)، فَبَكَى أبو بَكْرٍ، وقالَ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فَعَجِبْنا له، وقالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إلى هذا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عن عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، وهو يقولُ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فَكانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هو المُخَيَّرَ، وكانَ أبو بَكْرٍ هو أعْلَمَنا به" (متفق عليه). - وقبل موته بأيام زادت الأحوال والأقوال الدالة على الرحيل القريب: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاطمة، وقال: "إنه قد نعيت إلى نفسي"، فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا بي"، فضحكت (أخرجه البيهقي ورواه النسائي بنحوه بدون ذكر فاطمة)، وكان يكرر في مرض موته: (مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ) (متفق عليه)، وفي أخر لحظاته جعل يردد: (الصلاةَ الصلاةَ، اتقوا اللهَ فيما ملكت أيمانُكم) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، ثم قال: (اللهم أغفر لي، واحمني، والحقنى بالرفيق الأعلى)(2)(رواه الترمذي، وصححه الألباني). - وهكذا خُتِمَت حياة أفضل إنسان دبت قدماه على الأرض، بعد حياة من الكفاح العظيم في سبيل نشر هذا الدين: قال المباركفوري في الرحيق المختوم: "إنه -صلى الله عليه وسلم- قيل له: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (المزمل: 1-2)، (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر: 1-2)، فقام وظل قائمًا أكثر من عشرين عامًا يحمل على عاتقه عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى حتى نجحت الدعوة الإسلامية على نطاق واسع تتحير له العقول، فقد دانت لها الجزيرة العربية، وزالت غبرة الجاهلية عن أفاقها، وصحت العقول العليلة حتى تركت الأصنام، بل كسرت، أخذ الجو يرتج بأصوات التوحيد، وسمع الأذان للصلوات يشق أجواء الفضاء خلال الصحراء، التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القراء شمالًا وجنوبًا يتلون آيات الكتاب، ويقيمون أحكام الله" (انتهى بتصرفٍ واختصارٍ)، فجزى الله النبي الكريم خير ما جزى به نبيًّا عن أمته. خاتمة: - لقد ضيَّع المسلمون في هذا الزمان أثر هذا النصر والفتح، الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وسيسألون يوم القيامة عن ذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حجة الوداع: (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ) فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ اللهُمَّ اشْهَدْ) (رواه مسلم)، وقال الإمام أحمد بسنده: "حَدَّثَنِي جَارٌ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ، فَجَاءَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُسَلِّمُ عَلَىَّ، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ عَنِ افْتِرَاقِ النَّاسِ، وَمَا أَحْدَثُوا، فَجَعَلَ جَابِرٌ يَبْكِي، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَسَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَفْوَاجًا" (رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده ضعيف). - لن يعود للأمة النصر والفتح والعز، إلا بالتمسك بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال قبل وفاته بأيام: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ ... ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). فاللهم رُدَّ الناس إلى دينك ردًّا جميلًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ (1) التفسير العام للآيات: إذا جاء نصر الله لدينك -أيها الرسول- وإعزازه له، وحدث فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في الإسلام وفدًا بعد وفد؛ فاعلم أن ذلك علامة على قرب انتهاء المهمة التي بُعِثْتَ بها، فسبِّح بحمد ربك؛ شكرًا له على نعمة النصر والفتح، واطلب منه المغفرة، إنه كان توابًا يقبل توبة عباده، ويغفر لهم (المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية). وقال ابن كثير: "هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- روحه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة -وهي قريتك التي أخرجتك- ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا، والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)". (2) وكان ذلك يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ، وقد تمَّ له -صلى الله عليه وسلم- ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام (الرحيق المختوم). صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#21 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات مع آيات (20) (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) كتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد قال الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (الفتح: 1-3)(1). قصة نزول الآيات: - قال ابن كثير -رحمه الله-: "روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذٍ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله -عز وجل-: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه له، قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعيت إلى نفسي" فإنه مقبوض في تلك السنة، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نعي إليه" (انتهى). وقفات حول الآيات: (1) ملخص مشاهد المسيرة النبوية حتى الرحيل: لا بد لكل من وقف على هذه الآيات أن يستحضر مشاهد الكفاح النبوي لإبلاغ دين الله إلى الخلق، ولا بد على كل مسلم أن يعرف عظيم الجميل، والمعروف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: (*وَمَا *أَرْسَلْنَاكَ *إِلَّا *رَحْمَةً *لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107). - مشهد بدء الوحي والتكليف: نزول (اقْرَأ) (العلق:1)، ونزول: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر:1-2). - مشهد إشراق شمس الإسلام من على جبل الصفا: "قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، أنذرتكم النار". - مشاهد الصد والتكذيب والسخرية، والإيذاء والتعذيب والقتل: (التشويه والتشويش - تعذيب وقتل الأتباع). - الحصار الجائر في الشِّعب، وموت النصيرين: أبي طالب وخديجة. - مشاهد الهجرة، وترك الديار والأموال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) (الأنفال:30)، (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (العنكبوت:56)، (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) (الحشر: 8). - مشاهد استقبال الأنصار للمهاجرين، ثم للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) (الحشر: 9). - مشهد بناء المجتمع (الإسلامي) الجديد: (المسجد والشعائر - المؤاخاة - التشريعات والأحكام). - مشاهد الحرب العالمية على الإسلام: (بدر، أُحُد، الأحزاب - تبوك - ... ). - مشاهد الفتح والعودة إلى الأهل والوطن: (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (الفتح: 27). - مشاهد دخول الناس في دين الله أفواجًا (كان المسلمون في أول الإسلام عشرات، ويوم الحديبية كانوا (1400)، ويوم حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا (100000): وهنا قال تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). (2) مشاهد الاستعداد للقاء الله بعد إكمال الدين: - الآية تحمل التوجيه بالاستعداد للقاء ربك، والرحيل عن الدنيا، وكيف يكون: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). - النبي العظيم -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم البشرية شكر النعمة، وحسن الاستعداد للقاء الله بالإكثار من العمل الصالح وكثرة الاستغفار: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر في آخر أمره من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه"، وقال: "إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها": (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (رواه مسلم، وأحمد واللفظ له). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) حتى ختم السورة، قال: نعيت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه حين أنزلت، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة" (رواه الطبراني والنسائي، وحسنه الألباني). - التفسير العام الذي قاله الصحابة في مجلس عمر بسبب النزول، لا ينافي سبب النزول؛ فإنه يستحب للمسلمين إذا حصلت لهم نعمة، أو جاء نصر من الله، أن يشكروا على ذلك بالإكثار من الصلاة والاستغفار، بخلاف أهل الفسوق والغفلة (يحتفلون بالنصر بكل ما يبعدهم عن الله!)، ففي حديث أم هانئ عند البخاري: "أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ فتحِ مَكَّةَ اغتسلَ في بيتِها وصلَّى ثمانيَ رَكعاتٍ"، قال ابن كثير: "وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن". - وهكذا فعل أصحب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: ففي قصة إسلام هند بنت عتبة -رضي الله عنها- صبيحة فتح مكة، قالت: "فأتيت أبا سفيان، فقلت: إنما أريد أن أتبع محمدًا، فقال: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث أمس، قالت: إني واللَّه ما رأيت أن عُبِدَ اللَّه حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، واللَّه إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا" (حياة الصحابة). 3- مشاهد التوديع والرحيل عن الدنيا: - كانت الآيات ترمز إلى قرب أجل النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أنزلت هذه السورة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة" (أخرجه البزار والبيهقي). - فصار النبي -صلى الله عليه وسلم- يودِّع الدنيا بعد نجاح دعوته وإكمال الدِّين وتمام النعمة: وقد ظهر ذلك جليًّا في حجة الوداع التي كانت قبل وفاته بنحو ثمانين يومًا، ففي خطبته الشهيرة قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا" (السيرة النبوية لابن هشام)، ولما انتهى من الخطبة نزل عليه قوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3). - وفي أيامه الأخيرة كثرت العلامات على قرب الرحيل: فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "إنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَلَسَ علَى المِنْبَرِ فقالَ: (إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ما شاءَ، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَهُ)، فَبَكَى أبو بَكْرٍ، وقالَ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فَعَجِبْنا له، وقالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إلى هذا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عن عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، وهو يقولُ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فَكانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هو المُخَيَّرَ، وكانَ أبو بَكْرٍ هو أعْلَمَنا به" (متفق عليه). - وقبل موته بأيام زادت الأحوال والأقوال الدالة على الرحيل القريب: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاطمة، وقال: "إنه قد نعيت إلى نفسي"، فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا بي"، فضحكت (أخرجه البيهقي ورواه النسائي بنحوه بدون ذكر فاطمة)، وكان يكرر في مرض موته: (مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ) (متفق عليه)، وفي أخر لحظاته جعل يردد: (الصلاةَ الصلاةَ، اتقوا اللهَ فيما ملكت أيمانُكم) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، ثم قال: (اللهم أغفر لي، واحمني، والحقنى بالرفيق الأعلى)(2)(رواه الترمذي، وصححه الألباني). - وهكذا خُتِمَت حياة أفضل إنسان دبت قدماه على الأرض، بعد حياة من الكفاح العظيم في سبيل نشر هذا الدين: قال المباركفوري في الرحيق المختوم: "إنه -صلى الله عليه وسلم- قيل له: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (المزمل: 1-2)، (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر: 1-2)، فقام وظل قائمًا أكثر من عشرين عامًا يحمل على عاتقه عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى حتى نجحت الدعوة الإسلامية على نطاق واسع تتحير له العقول، فقد دانت لها الجزيرة العربية، وزالت غبرة الجاهلية عن أفاقها، وصحت العقول العليلة حتى تركت الأصنام، بل كسرت، أخذ الجو يرتج بأصوات التوحيد، وسمع الأذان للصلوات يشق أجواء الفضاء خلال الصحراء، التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القراء شمالًا وجنوبًا يتلون آيات الكتاب، ويقيمون أحكام الله" (انتهى بتصرفٍ واختصارٍ)، فجزى الله النبي الكريم خير ما جزى به نبيًّا عن أمته. خاتمة: - لقد ضيَّع المسلمون في هذا الزمان أثر هذا النصر والفتح، الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وسيسألون يوم القيامة عن ذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حجة الوداع: (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ) فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ اللهُمَّ اشْهَدْ) (رواه مسلم)، وقال الإمام أحمد بسنده: "حَدَّثَنِي جَارٌ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ، فَجَاءَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُسَلِّمُ عَلَىَّ، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ عَنِ افْتِرَاقِ النَّاسِ، وَمَا أَحْدَثُوا، فَجَعَلَ جَابِرٌ يَبْكِي، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَسَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَفْوَاجًا" (رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده ضعيف). - لن يعود للأمة النصر والفتح والعز، إلا بالتمسك بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال قبل وفاته بأيام: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي *تَرَكْتُ *فِيكُمْ *مَا *إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ ... ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). فاللهم رُدَّ الناس إلى دينك ردًّا جميلًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ (1)التفسير العام للآيات: إذا جاء نصر الله لدينك -أيها الرسول- وإعزازه له، وحدث فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في الإسلام وفدًا بعد وفد؛ فاعلم أن ذلك علامة على قرب انتهاء المهمة التي بُعِثْتَ بها، فسبِّح بحمد ربك؛ شكرًا له على نعمة النصر والفتح، واطلب منه المغفرة، إنه كان توابًا يقبل توبة عباده، ويغفر لهم (المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية). وقال ابن كثير: "هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- روحه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة -وهي قريتك التي أخرجتك- ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا، والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)". (2) وكان ذلك يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ، وقد تمَّ له -صلى الله عليه وسلم- ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام (الرحيق المختوم). |
|
|
|
|
|
|
#22 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات مع آية التحكيم والتسليم!(21)
خالد ابو شادى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فالإيمان ليس كلمات تُقال، حتى تُتَرجَم إلى واقع عملي، واختار الله لاختبار الإيمان أعنف ساعات الحرج في النفس البشرية، وهي ساعة الخصومة التي تولد اللدد والميل عن الحق. وإليك ملخص ما ساقه ابن القيم في هذه الآية من تأكيدات على وجوب تسليم العبد لحكم الله ورسوله: 1. تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي، والمتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه، وهو تأكيد مثل تصدير الجملة المثبتة بإن. 2. أقسم الله بأجلِّ مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم الإيمان، حتى يحكِّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين. 3. أتى بكلمة التحكيم (يحكِّموك)، فكلام الله حكم ملزم، لا رأي نأخذ به أو لا نأخذ، ونعمل به أو لا. 4. لفظة «ما» دالة على العموم، وتقتضي وتوجب تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما تنازعوا فيه من الأمور الدقيقة والجليلة. 5. جاء بلفظ (حتى) المشعر بأنه لا وجود للإيمان إلا (بعد) حصول التحكيم. ولم يُثبِت لهم الإيمان بمجرد التحكيم حتى يقابلوا حكم رسول الله بأمرين: 7. انشراح صدورهم بحكمه، بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجاً - وهو الضيق - من حكمه، بل يقبلوه بانشراح صدر، فكم من حزازات في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص الشرعية، وبودِّهم أن لو لم ترِد أصلا؟ وأتى به نكرة (حرجا) في سياق النفي، أي لا يجدون أي نوع من أنواع الحرج البتة. 8. التسليم والرضا وعدم معارضته بعقل ولا رأي ولا هوى، وهذه درجة فوق انتفاء الحرج، إذ قد ينتفى الحرج عنه في تحكيمه، لكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضا بحكم الله ورسوله. 9. وأكَّد فعل التسليم بالمصدر المؤكد (تسليما). ولاحظ أن فرض تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسقط بموته، بل هو ثابت بعد موته كما كان ثابتا في حياته. والآية تعرض لثلاث مراتب للعبودية: الأولى التحكيم. والثانية والأعلى منها: سعة الصدر بانتفاء الحرج. والثالثة والأعلى من الجميع: التسليم. فالتحكيم: في مقام الإسلام. وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان. والتسليم: في مقام الإحسان. وعملك بهذه الآية معناه أنك إذا وجدت من نفسك خللا يتعلق بهذه المراتب الثلاثة فصحح إيمانك، وعالج قلبك. ومن أراد أن يعلم مقامه عند الله، فلينظر في حاله، وليطالع حال قلبه عند ورود حكم من أحكام الله على خلاف هواه، ليعلم أي المقامات بلغ: الإسلام أم الإيمان أم الإحسان. |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| وقفات مع آيات الحج | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 5 | 06-05-2026 02:37 PM |
| وقفات تربوية مع آيات الميراث | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 1 | 04-06-2026 02:46 PM |
| وقفات مع آيات | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 03-09-2026 12:04 PM |
| وقفات مع آيات النصر في كتاب الله | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 01-02-2026 08:05 AM |
| التحذير من تخرصات مسيلمة الكذاب حول تأليف آيات تشبه آيات الكتاب | أسامة خضر | قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله | 6 | 02-02-2013 11:47 AM |
|
|