استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-16-2026, 08:08 PM   #307

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 91 الى صـــ 110
الحلقة (307)






والوبيص -بالصاد المهملة- البريق واللمعان، قالا: وحديث يعلى إنما أمره بغسل ما عليه؛ لأن ذَلِكَ الطيب كان زعفرانًا، وقد نُهيَ الرجال عن التزعفر مطلقًا، وهذا التأويل يأباه مساق الحديث، وتأول المخالفون حديث عائشة بتأويلات أقربها: إن ذَلِكَ الوبيص الذي أبصرته، إنما كان بقايا دهن ذَلِكَ الطيب تعذر قلعه فبقي بعد أن غسل، والتقدير: فيطوف على نسائه فينضح طيبًا، ثم يصبح محرمًا لقوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] أي أنزله قيمًا ولم يجعل له عوجًا.
ثانيها: إن ذَلِكَ كان من خواصه؛ لأن المحرم إنما يمنع من الطيب؛ لئلا يدعوه إلى الجماع، والشارع معصوم، وفيه بعد.
ثالثها: أنه مما لا تبقى رائحته بعد الإحرام وسيأتي بسط ذَلِكَ في الباب بعده، قالوا: وكما منع من استدامة اللبس يمنع من استدامة الطيب، قالوا: والنهي عن التزعفر إنما هو محمول عند أهل المدينة على حالة الإحرام فقط، وأنه مباح في الإحلال، وسيأتي إيضاحه في اللباس عند النهي عن التزعفر إن شاء الله تعالى. قال ابن جريج بشأن صاحب الجبة: كان قبل حجة الوداع، والآخر من أمر رسول الله - ﷺ - أحق أن يتبع (١).
سابعها:
قوله: «ثلاث مرات»، وفي أبي داود: «يغتسل مرتين أو ثلًاثا» (٢) إنما

------------
(١) رواه ابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٨٠ (٤٤٨) عن ابن جريج قال: وكان عطاء يأخذ بشأن صاحب الجبة.
(٢) «سنن أبي داود» (١٨٢١) باب: الرجل يحرم في ثيابه، وقال الألباني: صحيح.



أمره بها للمبالغة في الإزالة، ولعل الطيب الذي كان عليه كان كثيرًا؛ يؤيده قوله: (متضمخ).
قال ابن التين: ويحتمل أنه كان استعمله بعد الإحرام فأمره بإزالته، أو أنه تطيب ثم اغتسل كما في حديث عائشة السالف: طيبته عند إحرامه، ثم دار على نسائه، ثم أصبح محرمًا. فظاهره إنما تطيب لمباشرة ثم زال بالغسل لاسيما، وكان يغتسل من كل واحدة فلا يبقى مع ذَلِكَ، ويكون قولها: ثم أصبح ينضخ طيبًا، أي: قبل غسله، وقد أسلفنا أنه كان ذريرة، وهو مما يذهبه الغسل، ووبيص الطيب: أثره لا جرمه. وقال القاضي: يحتمل الثلاث على قوله: «فاغسله» فكأنه قال: اغسله اغسله اغسله، يدل على صحته ما روي من عادته - ﷺ - في كلامه أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا (١).
ثامنها:
ما أسلفناه عن قتادة عن عطاء في عدم شقها قاله أيضًا طاوس، خالفه محمد بن جعفر عن علي إذا أحرم وعليه قميص لا ينزعه من رأسه، يشقه ثم يخرج منه. وقال الشعبي والحسن وإبراهيم: يخرقه.
وقال أبو قلابة وأبو صالح وسالم: (يخلعه) (٢) من قبل رجليه (٣)، والأول أولى لما سلف من أن الله لا يحب الفساد.

-----------
(١) سبق برقم (٩٤) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه. انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ١٦٨.
(٢) في الأصل: يجعله، والصواب ما أثبتناه.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٣ (١٤٣٥١ - ١٤٣٥٢، ١٤٣٥٥ - ١٤٣٥٦) باب: في الرجل يحرم وعليه قميص، ما يصنع؟.



تاسعها:
لم يأمره - عليه السلام - في هذا الحديث بالفدية، فأخذ به الشافعي وعطاء والثوري وإسحاق وداود وأحمد في إحدى روايتيه وقالوا: إن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه جاهلًا فلا فدية عليه، والناسي في معنا (١).
وقال أبو حنيفة والمزني في رواية عنه: يلزمه إذا غطى وجهه ورأسه متعمدًا أو ناسيًا يومًا إلى الليل، فإن كان أقل من ذَلِكَ فعليه صدقة يتصدق بها (٢).
وعن مالك يلزمه إذا انتفع بذلك أو طال لبسه عليه، قال فيمن ابتاع خفين فجر بهما في رجليه: فإن كان شيئًا خفيفًا فلا شيء عليه، وإن تركها حتى منعه ذَلِكَ من حر، أو بردٍ، أو مطر افتدى (٣). لنا أن هذا الرجل كان قريب العهد بالإسلام لا يعرف أحكامه فعذره الشارع ولم يلزمه غرامة.
عاشرها: قوله- «واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» معناه: اجتنب فيها كُلَّ ما تجتنب فيها كما أسلفناه، ألا ترى قول ابن عمر ما أمرهما إلا واحد يعني: في الإحرام والحرمة، وكذلك كلُّ ما يستحسن من الدعاء والتلبية في الحج فهو مستحسن بها.
وقوله في آخر الحديث: (قُلْتُ لعطاء: أراد الإنقاء؟ قال: نعم).
قال ابن التين: أراد به بعض الإنقاء؛ لأن الثلاث لا تكاد تنقي كل

---------------
(١) انظر: «الأم» ٢/ ١٣٠، «المغني» ٥/ ٣٩١ - ٣٩٢.
(٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٧ - ١٢٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٥٣ - ٥٤.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٩٦.



الإنقاء، قال المهلب: وفيه من الفقه أن السنن قد تكون بوحي، كما كان غسل الطيب في هذا الحديث بالوحي. قال ابن بطال: ولم يقل أحد إنه فرض (١).
وفيه: وجوب التثبت للعالم فيما يُسأل عنه، وإن لم يعرفه سأل من فوقه، كما فعل - عليه السلام -.
وفيه: المبالغة في الإنقاء من الطيب.
وفيه: أن غسل الطيب عند الإحرام ينبغي أن يبالغ في إزالته، ألا ترى أنه أمره بغسله ثلاثًا.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٠٦.


١٨ - باب الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَن يُحْرِمَ وَيَتَرجَّلَ وَيَدَّهِنَ
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يَشَمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ، وَيَتَدَاوى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ الهِمْيَانَ. وَطَافَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ رضي الله عنها بِالتُّبَّانِ بَأْسًا لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا.

١٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ.
فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ. [فتح: ٣/ ٣١٦]

١٥٣٨ - حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. [انظر: ٢٧١ - مسلم: ١١٩٠ - فتح: ٣/ ٣٩٦]

١٥٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. [١٧٥٤، ٥٩٢٢، ٥٩٢٨، ٥٩٣٠ - مسلم: ١١٨٩ - فتح: ٣/ ٣٩٦]
ثم أسند عن سعيد بن جبير قال: كَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ. فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ.
حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وعن القاسم عنها: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ،


وَلحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ.
الشرح:
هذِه الترجمة بعض ألفاظها يأتي في باب: ما يلبس المحرم من الثياب قريبًا من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: انطلق النبي - ﷺ - من المدينة بعدما ترجل وادَّهن، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه .. الحديث (١).
وهو ردٌّ لما زعم بعضهم من أن حديثي الباب لا مطابقة فيهما؛ إذ لا ترجيل فيهما بل في قولها: مفارق رسول الله - ﷺ - ما يرشد إليه، إذ الشعر لا ينفرق غالبًا إلا به.
وأما أثر ابن عباس؛ فأخرجه البيهقي بإسناد جيد من حديث أيوب، عن عكرمة، عنه أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم أن يشم الريحان (٢)، وكذا الدارقطني بلفظ: المحرم يشم الريحان، ويدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويفقأ القرحة، وإن انكسر ظفره أماط عنه الأذى (٣).
وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن حسان، عن عكرمة عنه: لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم (٤) ومن حديث الضحاك، عنه: إذا تشققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن. ومن حديث أشعث، عن عكرمة، عنه: يتداوى المحرم ما يأكل (٥). ثم أخرج من حديث عطاء لا بأس أن ينظر فيما يميط عنه الأذى، ومن حديث نافع أن ابن عمر لم ير باسًا أن ينظر المحرم في المرآة، وعن طاوس

-------------
(١) سيأتي برقم (١٥٤٥).
(٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٥٧ كتاب: الحج، باب: من لم ير بشم الريحان بأسًا.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣ كتاب: الحج.
(٤) «المصنف» ٣/ ١٣٧ (١٢٨٣٧) في المحرم ينظر إلى المرآة من رخص في ذلك.
(٥) «المصنف» ٣/ ١٤٤ (١٢٩١٩ - ١٢٩٢٠) فيما يتداوى المحرم.



وعكرمة مثله (١).
وعن ابن عمر يتداوى المحرم بأي دواء شاء إلا دواء فيه طيب (٢).
وكان الأسود يضمد رجله بالشحم وهو محرم.
وعن أشعث بن أبي الشعثاء: حَدَّثَني من سمع أبا ذر يقول: لا بأس أن يتداوى المحرم بما يأكل
وفي رواية: حَدَّثَني مرة (٣) بن خالد عن أبي ذر، عن مغيث (٤) البجلي قال: أصابني شقاق وأنا محرم فسألت أبا جعفر فقال: ادهنه بما تأكل، وكذا قاله ابن جبير، وإبراهيم، وجابر بن زيد، ونافع، والحسن، وعروة، وعن الحسن بن علي: أنه كان إذا أحرم ادَّهن بالزيت، ودهن أصحابه بالطيب أو يدهن بالطيب (٥).
وعن ابن عمر أنه كان يدهن بالزيت قبل أن يحرم، ورواه الترمذي عنه مرفوعًا، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد، ولفظه بالزيت وهو محرم غير المقتت، قال أبو عيسى: هو المطيب (٦).
قُلْتُ: وقد روي عن بعض من أسلفناه ما قد يخالفه ففي البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر أنه كان يكره ثم الريحان للمحرم (٧).

--------
(١) «المصنف» ٣/ ١٣٧ (١٢٨٣٨، ١٢٨٤٠ - ١٢٨٤١).
(٢) «المصنف» ٣/ ١٤٤ (١٢٩١٨).
(٣) في الأصل: قرة بن خالد، والمثبت من «التاريخ الكبير» ٨/ ٥ ترجمة (١٩٣٥).
(٤) في الأصل: معتب، والمثبت كما في «المصنف» لابن أبي شيبة.
(٥) انظر: «المصنف» ٣/ ١٤٥ - ١٤٦ (١٢٩٢٢ - ١٢٩٢٩، ١٢٩٣١ - ١٢٩٣٤) فيما يتداوى المحرم وما ذكر فيه.
(٦) رواه في «السنن» برقم (٩٦٢) كتاب: الحج. وقال الألباني: ضعيف الإسناد.
(٧) «السنن الكبرى» ٥/ ٥٧ كتاب: الحج، باب: من كره شم الريحان للمحرم.



وعن أبي الزبير عن جابر سماعًا: فسأل عن الريحان: أيشمه المحرم والطيب والدهن؟ فقال: لا (١).
ولابن أبي شيبة عن طاوس: لا ينظر المحرم في المرآة (٢)، وعن مجاهد: إن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم (٣)، وعن ابن عمر أنه كره أن يداوي المحرم يده بالدسم (٤)، وعن جابر إذا شم المحرم ريحانًا أو مس طيبًا أهراق لذلك دمًا. وعن إبراهيم: في الطيب الفدية. وعن عطاء إذا ثم طيبًا كفّر، وعنه إذا وضع المحرم على شيء منه دهنًا فيه طيب فعليه الكفارة (٥).
وقوله: يشم -الأفصح فيه فتح الشين، وفي لغة ضمها، وماضيه المتصل مكسور وفي لغةٍ فتحه- ومعناه: استنشاق الرائحة، وقد يستعار في غير ذَلِكَ في كل ما قارب شيئًا أو دنا منه، وجاء في مصدره على فعيلى (٦).
والريحان: ما طاب ريحه من النبات كله، الواحدة ريحانة.
وأما أثر عطاء فأخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن الغاز عنه: لا بأس بالخاتم للمحرم، ومن حديث العلاء عنه به، ومن حديث أبي إسحاق عنه، وأخرجه من حديث ابن عباس بمثله بإسناد جيد، وعن النخعي ومجاهد مثله (٧).

--------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٨ (١٤٦٠٥) من كره للمحرم أن يشم الريحان.
(٢) «المصنف» ٣/ ١٣٨ (١٢٨٤٤) من كره للمحرم أن ينظر في المرآة.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) «المصنف» ٣/ ١٤٦ (١٢٩٣٥) فيما يتداوى المحرم.
(٥) «المصنف» ٣/ ٣٠٨ (١٤٦٠٧ - ١٤٦١٠) ما قالوا إذا شم الريحان.
(٦) كذا في الأصل.
(٧) «المصنف» ٣/ ٢٧١ (١٤٢١٨ - ١٤٢٢٠، ١٤٢٢٣) في الخاتم للمحرمة.



وقال خالد بن أبي بكر: رأيت سالمًا يلبس خاتمه وهو محرم، وكذا قاله إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير (١).
ومعنى يتختم: يلبس الخاتم، وفيه ست لغات: فتح التاء وكسرها، وخاتام، وخيتام وختام وختم، حكى الأخيرتين ابن جني في «شرح المتنبي»، واختلف في قول الأعشى:
وصهباء طاف يَهوديُّها … وأبرزها وعليها ختم
فقيل: أراد الخاتم، وقيل: ختم فعل ماض، أي: وختم عليها والجمع خواتم وخياتيم وخياتم، وكان العجاج يهمز الخاتم. قال الصولي: إن كان الهمز من لغته في الخاتم والعالم فشعره مستوٍ وهو قوله:
وخندف هامة هذا العالم … مُبارَكٍ للأنبياء خاتم
والهميان يأتي، وأثر ابن عمر أخرجه الشافعي في «مسنده»: أنا سعيد، عن ابن جريج، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: رأيت ابن عمر يسعى بالبيت، وقد حزم على بطنه بثوب.
وعن سعيد، عن إسماعيل بن أمية أن نافعًا أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه، إنما غرز طرفه على إزاره (٢).
وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حَدَّثَنَا ابن فضيل، عن ليث، عن عطاء وطاوس قالا: رأينا ابن عمر وهو محرم وقد شد حقويه بعمامة.
وحدثنا ابن عيينة، عن هشام بن حجير قال: رأى طاوس ابن عمر يطوف وقد شد حقويه بعمامة. وحَدَّثَنَا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن

---------
(١) «المصنف» ٣/ ٢٧١ (١٤٢٢١ - ١٤٢٢٢).
(٢) «مسند الشافعي» ١/ ٣١١ (٨٠٦ - ٨٠٧).



مسلم بن جندب: سمعت ابن عمر يقول: لا تعقد عليك شيئًا وأنت محرم (١).
وفي «صحيح الحاكم» وقال: صحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: حج رسول الله - ﷺ - وأصحابه مشاة؛ فقال: «اربطوا على أوساطكم بأزركم» ومشينا خلط الهرولة (٢). سلف.
وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم والأربعة (٣).
ومحمد بن يوسف في المسند الأول هو: الفريابي وسفيان هو ابن سعيد، وهو حديث لا يختلف في صحته وثبوته، وأنكر ابن حزم رواية عائشة: ثم أصبح رسول الله - ﷺ - محرمًا، وقال: هو لفظ منكر ولا خلاف أنه إنما أحرم بعد صلاة الظهر بذي الحليفة (٤) كما قال جابر في حديثه الطويل، ولعل قولها إنما كان منه في عمرة القضاء أو الحديبيَة أو الجِعْرَانَة.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ما في الباب من أوجهٍ:
أحدها:
أجاز الطيب قبل الإحرام من الصحابة سعد بن أبي وقاص ومعاوية وابن عباس وأبو سعيد الخدري وابن الزبير وعائشة وأم حبيبة، ومن

-----------
(١) «المصنف» ٣/ ٣٩٢ (١٥٤٣٢ - ١٥٤٣٣، ١٥٤٤٢) في المحرم يعقد على بطنه الثوب.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣ كتاب: المناسك. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٧٣٤) وتقدم تخريجه.
(٣) مسلم (١١٩٠)، وأبو داود (١٧٤٦)، والترمذي (٩١٧)، والنسائي ٥/ ١٣٨، وابن ماجه (٢٩٢٨).
(٤) «المحلى» ٧/ ٨٧.



التابعين عروة والقاسم بن محمد والشعبي والنخعي (١).
وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، إسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وإبراهيم في رواية (٢).
وحكاه ابن حزم عن البراء بن عازب، وأنس، وأبي ذر، والحسين بن علي، وابن الحنفية، والأسود، وسالم، وهشام بن عروة، وخارجة بن زيد، وابن جريج، وسعيد بن سعيد (٣).
واحتجوا بحديث عائشة في الباب، واعتل من لم يجزه بما سلف في الباب قبله أنه من خواصه، قاله ابن القصار والمهلب وأبو الفرج في «شرح اللمع»، زاد المهلب معنى آخر: أنه خص به؛ لمباشرته الملائكة بالوحي وغيره.
وفي الثوب عندنا وجهان، والأصح جوازه لا استحبابه، وقيل: يستحب (٤)، وادعى بعضهم الإجماع على أنه لا يستحب في الثوب كما ستعلمه، والخلاف ثابت، وسواء فيه ما بقي لونه وغيره. وقال أشهب: لا فدية على من تطيب لإحرامه، وخالفه بعض القرويين (٥).
واختلف فيه الرواية عن محمد بن الحسن فيما حكاه الطرطوسي.
قال ابن حزم: وأما الرواية عن عمر في كراهته فقد روينا عنه أنه لما شمه

--------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٩٨ - ٢٠٠ باب: من رخص في الطيب عند الإحرام.
(٢) انظر: «البناية» ٤/ ٤٠، «الأم» ٢/ ١٧٢، «المغني» ٥/ ٧٧ - ٧٨.
(٣) «المحلى» ٧/ ٨٤ - ٨٥.
(٤) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٥) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠١، «مواهب الجليل» ٤/ ٢١٥.



من البراء لم ينهه عنه، وإنما قال: علمنا أن أمرأتك عطرة، وأما ابنه فقد رجع عنه فلم يبق إلا عثمان وحده، قال: وأما ما رووه في الحديث عن عائشة طيبته بطيب لا يشبه طيبكم، هذا يعني: ليس له بقاء، فليس من الحديث، إنما هو ظن ممن رواه عنها والظن أكذب الحديث (١).
قُلْتُ: وعن ابن عمر: لا آمر به ولا أنهى عنه.
ثانيها:
الطيب بعد رمي جمرة العقبة رخص فيه ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وابن الزبير وعائشة وابن جبير والخدري والنخعي وخارجة بن زيد، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٢)؛ عملًا بحديث عائشة في الباب، وكرهه سالم ومالك، قال ابن القاسم: ولا فدية لما جاء في ذَلِكَ (٣).
قال الترمذي: والعمل على حديث عائشة عند أكثر أهل العلم والصحابة وغيرهم، وروي عن عمر منعه، وإليه ذهب بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم، وهو قول أهل الكوفة (٤).
وقال أبو عمر بن عبد البر: إن مذهب عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص أنه يحرم عليه الطيب حَتَّى يطوف بالبيت قال: وبه قال عطاء والزهري وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن، وإليه ذهب محمد بن الحسن وهو اختيار الطحاوي (٥).

-----------
(١) «المحلى» ٧/ ٨٥ - ٨٦.
(٢) انظر: «البناية» ٤/ ١٤٠، «البيان» ٤/ ٣٤٦، «المغني» ٥/ ٣٠٨.
(٣) انظر: «الكافي» لابن عبد البر ص ١٦٦، «الاستذكار» ١١/ ٦٦، «التاج والإكليل» ٤/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٤) «سنن الترمذي» عقب حديث (٩١٧).
(٥) «الاستذكار» ١١/ ٥٨ - ٥٩.



وعبارة الطرطوسي: يكره الطيب المؤنث كالمسك والزعفران ونحوهما، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية، قال: فإن أكل طعامًا فيه طيب، فإن كانت النار مسّته فلا شيء عليه وإلا فوجهان، وأما غير المؤنث مثل الرياحين والياسمين والورد فليس من ذَلِكَ ولا فدية فيه أصلًا.
وذكر الهروي في «غريبه» في الهمزة مع النون في حديث إبراهيم: أنهم كانوا يكرهون المؤنث من الطيب ولا يرون بذكورته بأسًا. قال شمر: أراد بالمؤنث طيب النساء كالخلوق والزعفران، وذكورته ما لا يكون للنساء كالمسك والغالبة والكافور والعود وما أشبهها، ومثله ذكارة الطيب.
فرع:
الحناء عندنا ليس طيبًا (١) خلافًا لأبي حنيفة، وعند مالك وأحمد أن فيه الفدية (٢)، قالت عائشة: وكان - عليه السلام - يكره ريحه. أخرجه

-----------
(١) انظر: «حلية العلماء» ٣/ ٢٤٨، «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٠.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩١، «تبيين الحقائق» ٢/ ٥٢، «المدونة» ١/ ٣٤٣، «عيون المجالس» ٢/ ٧٨٥، وأما ما ذكره عن الإمام أحمد ففيه نظر، فقد قال السامُرِّي: وله أن يختضب بالحناء ما لم يغط به شيئًا مما يلزم كشفه ولا شيء عليه.
وقال ابن مفلح: ويستحب خضابها بحناء للإحرام. ثم قال: فأما الخضاب للرجل فذكر الشيخ أنه لا بأس به فيما لا تشبه فيه بالنساء؛ لأن الأصل بالإباحة، وأطلق في «المستوعب» له الخضاب بالحناء، وقال في مكان آخر: كرهه أحمد، قال أحمد: لأنه من الزينة.
وقال البهوتي: ويستحب لها -أي للمرأة- إذا أرادت الإحرام خضاب بحناء؛ لحديث ابن عمر؛ ولأنه من الزينة.
انظر: «المستوعب» ٤/ ٩٠، «الفروع» ٣/ ٤٥٣، ٤٥٤، «تصحيح الفروع» ٣/ ٤٥٥، «كشاف القناع» ٢/ ٤٠٦.



ابن أبي عاصم في كتاب «الخضاب»، وكان يحب الطيب، فلو كان طيبًا لم يكرهه.
ثالثها: اختلف في شم الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس على قولين عندنا: أحدهما: يجوز؛ لقول ابن عباس السالف، وروي عن عثمان أنه سُئِلَ عن المحرم يدخل البستان، قال: نعم، ويشم الريحان.
قال ابن التين: ولأنه ليس من مؤنث الطيب. وأصحهما: لا يجوز؛ لأنه يراد للرائحة، فهو كالورد والزعفران، ففيه الفدية (١).
وبه قال ابن عمر وجابر والثوري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور، إلا أن مالكًا وأبا حنيفة يقولان: يحرم ولا فدية (٢).
واختلف في الفدية عن عطاء وأحمد كما قاله ابن المنذر.
وممن جوزه -وقال: هو حلال ولا فدية فيه- عثمان وابن عباس والحسن، ومجاهد وإسحاق ونقله العبدري عن أكثر العلماء.
رابعها:
النظر في المرآة جائز للمحرم، كما قاله ابن عباس، قال ابن بطال: وأجازه جمهور العلماء وكان أبو هريرة يفعله (٣)، وقال مالك: لا ينظر فيها إلا من ضرورة (٤).

---------
(١) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) قوله: يحرم، فيه نظر، فقد قالا: يكره ولا فدية فيه، انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩١، «الجوهرة النيرة» ١/ ١٥٢، «الفتاوى الهندية» ١/ ٢٤٢، «المدونة» ١/ ٣٤٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٩٥.
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢١٠.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٣، «المنتقى» ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦.



خامسها:
الأدهان غير المطيبة لا يحرم على المحرم استعمالها في بدنه، ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته؛ خلافًا للحسن بن حي وداود.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج (١)، وأن له أن يستعمل ذَلِكَ في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته، فإن استعمله فيهما افتدى.
وأجمعوا أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه (٢)، ففرقوا بين الطيب والزيت في هذا الوجه، فقياس هذا أن يكون المحرم ممنوعًا من استعمال الطيب في رأسه كما منع في بدنه، وأن يجب له استعمال الزيت والسمن في رأسه كما أبيح له في بدنه، وكلهم أوجب في دهن البنفسج الفدية، إلا الشافعي فإنه قال: ليس بطيب، وإنما يستعمل للمنفعة (٣).
وقال مالك في الأدهان غير المطيبة: لا يجوز أن يدهن بها أعضاءه الظاهرة: كالوجه واليدين والرجلين ويجوز دهن الباطنة، وهو ما يوارى باللباس (٤).
وبه قال أبو حنيفة في السمن والبزر، وقال في الزيت والشيرج: يحرم استعماله في الرأس والبدن (٥).

------------
(١) «الإجماع لابن المنذر» ص ٥٢، ونقله عنه النووي في «المجموع» ٧/ ٢٩٦.
(٢) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٩٦.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩٠، «الفتاوى الهندية» ١/ ٢٤١، «المدونة» ١/ ٣٤١، «الأم» ٢/ ١٢٩، «المغني» ٥/ ١٤٩.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٢.
(٥) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩٠ - ١٩١.



وقال أحمد: إذا دهن بزيت أو شيرج فلا شيء عليه في أصح الروايتين سواء دهن بدنه أو رأسه (١).
وقال ابن التين: المحرم ممنوع من الأدهان المطيب وغيره. وذكر ابن حبيب عن الليث إباحة ذَلِكَ بما يجوز أكله من الأدهان، وهو قول عمر وعلي، قال: ودليل قول مالك أنه معنى ينافي الشعث، فمنع منه كالتطيب والتنظيف في الحمام، قال: وقيل: في معنى قول ابن عمر: يدهن بالزيت أي: بعد الغسل وقبل الإحرام؛ لأن الزيت بعد الإحرام يزيل الشعث، فإن فعل فقال مالك عند ابن حبيب: يفتدي، واختار ابن حبيب أن لا فدية عليه (٢).
سادسها:
قول عطاء: تختم. قال مالك مثله في «مختصر ما ليس في المختصر»، قال اللخمي في «تبصرته»: والمعروف من قوله المنع (٣).
سابعها:
التبان لبسه حرام عندنا كالقميص والدراعة والخف والران ونحوها، فإن لبس شيئًا من ذَلِكَ مختارًا عامدًا أثم وأزاله وافتدى سواء قصر الزمان أو طال (٤).
وحمل ابن التين قول عائشة أنها تريد به النساء؛ لأنهن يلبسن المخيط، والتبان: سراويل قصر.

-----------
(١) انظر: «المغني» ٥/ ١٤٩، «الفروع» ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٤.
(٣) انظر: «مواهب الجليل» ٣/ ٤٣٢، ٤/ ٢٠٤.
(٤) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٦٩.



وله أن يتقلد المصحف وحمائل السيف، وأن يشد الهِميان والمنطقة (١) في وسطه، ويلبس الخاتم من غير اختلاف عنه، وقال ابن عمر في أصح الراويتين عنه بكراهة الهميان والمنطقة، وبه قال مولاه نافع، وهو ما في «الموطأ» فقيل: يحتمل أن يريد بذلك لبسها للترفه من فوق الثياب، وإن لبسها بذلك افتدى، لذا ذكره ابن التين، قال: واختلف في شد المنطقة في العضد هل يوجب فدية؟ فأوجبها أصبغ، وخالفه ابن القاسم، ومن شد منطقة لغير ضرورة يجري على الخلاف فيمن تقلد سيفًا لغير ضرورة هل يفتدى؟ قال: والصواب في الخاتم والسيف شبه ذَلِكَ أنه لا فدية؛ لأنه غير لابس.
وأجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يعقد الهميان على وسطه، روي ذَلِكَ عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وعطاء وطاوس والنخعي، وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، غير إسحاق فقال: لا يعقده، وقال: (يدخل) (٢) السيور بعضها في بعض (٣).
وسُئلت عائشة عن المنطقة فقالت: أوثق عليك نفقتك. وقال ابن علية: قد أجمعوا أن للمحرم أن يعقد الهميان والإزار على وسطه، فكذلك المنطقة، وقول إسحاق لا يعد خلافًا ولاحظ له في النظر؛

------------
(١) كذا بالأصل وتتمة الكلام كما في «المجموع» ٧/ ٢٧٠: في وسطه ويلبس الخاتم، ولا خلاف في جواز هذا كله، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه، فكرههما.
(٢) في الأصل: لا يدخل، والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٧، «الاستذكار» ١١/ ٤٢ - ٤٣، «المجموع» ٧/ ٢٧٠، «المغني» ٥/ ١٢٥ - ١٢٦.



لأن الأصل النهي عن لباس المخيط، وليس هذا مثله فارتفع أن يكون له حكمه (١). وفي ابن عدي من حديث ابن عباس: رخص رسول الله - ﷺ - في الهميان للمحرم، ثم ضعفه (٢).
فائدة:
الهميان: معروف فارسي معرب، قاله القزاز وغيره بكسر الهاء، وهميان بن قحافة السعدي، يُكسر، ويُضم، وفي «المغيث» قيل: هو فعلان من همى بمعنى: سأل؛ لأنه إذا أفرغ همي ما فيه (٣)، وفسر ابن التين الهميان: بالمنطقة قال: وإنما ذَلِكَ لتكون نفقته فيها، وأما نفقة غيره فلا، وإن جعلها في وسطه لنفقته ثم نفذت نفقته وكان معه وديعة ردها إلى صاحبها، فإن تركها افتدى، وإن كان صاحبها غاب بغير علمه فيبقيها ولا شيء عليه، وشد المنطقة من تحت الثياب.
فرع:
اختلف في الرداء الذي يلتحف به على مئزره، فكان مالك لا يرى عقده ويلزمه الفدية إن انتفع به (٤). ونهى عنه ابن عمر وعطاء وعروة، ورخص فيه سعيد بن المسيب، وكرهه الكوفيون وأبو ثور، وقالوا: لا شيء عليه إن فعل (٥)، وحكي عن مالك أنه رخص للعامل أن يحزم الثوب على منطقته، وكرهه لغيره (٦).

--------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٤٣.
(٢) رواه في «الكامل» ١/ ٢٧٣. وقال: لا أعرفه.
(٣) «المجموع المغيث» ٣/ ٥١٠.
(٤) انظر: «التاج والإكليل» ٤/ ٢٠٥.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٨.
(٦) انظر: «التاج والإكليل» ٤/ ٢٠٥.



وقوله: وحزم ابن عمر على بطنه بثوب إن أراد أنه شده فوق المئزر، فمالك يرى على من فعل ذَلِكَ الفدية، كما سلف وإن باشر به البطن ليجعل فيه نفقته فيكون كالهميان.
خاتمة:
قول إبراهيم -يعني: النخعي- لسعيد بن جبير: ما تصنع بقول ابن عمر -فيما سلف- أنه كان يدهن بالزيت؟ فيه حجة أن المفزع في النوازل إلى السنن، وأنها مستغنية عن آراء الرجال، وفيها المقنع والحجة البالغة، وأن من نزع بها عند الاختلاف فقد فلح وغلب خصمه.
قال ابن التين: وإنما قيل له: قال ابن عمر: لا يدهن المحرم إلا بالزيت، فاحتج بذلك، ولا حجة له فيه إن كان ابن عمر فعله وهو محرم؛ لأن الشارع فعل قبل إحرامه، فإن كان فعله وهو غير محرم كما سيأتي من التأويل فقد ينفصل عن ذَلِكَ أيضًا، فإنه - عليه السلام - ادهن بدهن لاطيب فيه، إذ يكون فعله مخالفًا لفعلنا كما سلف.


١٩ - باب مَنْ أَهَلَّ مُلَبِّدًا
١٥٤٠ - حَدَّثَنَا اصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ مُلَبِّدًا. [١٥٤٩، ٥٩١٤، ٥٩١٥ - مسلم: ١١٨٤ - فتح: ٣/ ٤٠٠]
ذكر فيه حديث سالم: عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يُهِلُّ مُلَبِّدًا.
هذا الحديث سيأتي مثله في باب: من لبد رأسه عند الإحرام. من حديث حفصة أيضًا بلفظ: «إني لبدت رأسي» .. الحديث (١).
ولأبي داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر أنه - عليه السلام - لبد رأسه بالعسل (٢).
ومعنى يهل: يرفع صوته بالتلبية.
وقوله: مُلبّدًا أي: سمعته يهل ورأيته ملبدًا.
أما حكم الباب فالتلبيد عند الإحرام مستحب لما ذكرناه، نص عليه الشافعي وأصحابنا للرفق، وهو أن يضفر رأسه ويجعل فيه شيئًا من صمغ وشبهه؛ ليجتمع ويتلبد فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يحصل به القمل.
قال القزاز: وقيل: التلبيد: البقيا على الشعر؛ لئلا يتشعث، وحكاه الهروي أيضًا، وإنما يلبد من طول مكثه في الإحرام.

------------
(١) سيأتي برقم (١٧٢٥).
(٢) «سنن أبي داود» برقم (١٧٤٨) كتاب: المناسك، باب: التلبيد، و«المستدرك» ١/ ٤٥٠ كتاب: المناسك.
وقد سقطت هذِه الرواية من نسخة «المستدرك» وأثبتناها من «تلخيص الذهبي» والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٠٨).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* سيرة بلال بن رباح رضي الله عنه
* ترجمة عبد الله بن الزبير
* شرح النووي لحديث: كمل من الرجال كثير
* شرح النووي لحديث: خير نسائها مريم بنت عمران
* محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه
* «أو» بين التخيير والترتيب وبراعة الاستنباط الفقهي
* منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-16-2026, 08:10 PM   #308

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 111 الى صـــ 130
الحلقة (308)




قال ابن بطال: من لبد رأسه فعليه الحلاق؛ لأنه - عليه السلام - حلق (١)، وهذا فيه خلاف ستعلمه في باب من لبد رأسه عند الإحرام إن شاء الله.
وقوله: (بالغسل) قال ابن الصلاح: يحتمل من حيث المعنى أنه الغِسل -بكسر الغين المعجمة- وهو: ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره، ويحتمل أن يكون بالمهملة المفتوحة؛ لأن الرواية بذلك لم تضبط.

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢١١.


٢٠ - باب الإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ
١٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ. [مسلم: ١١٨٦ - فتح: ٣/ ٤٠٠]
ذكر فيه من طريقين: حديث سالم أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ.
يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بلفظين عن ابن عمر:
أحدهما:
بات رسول الله - ﷺ - بذي الحليفة مبدأه وصلى في مسجدها (١).
ثانيهما:
كان إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة، أهل من ذي الحليفة (٢).
وسيأتي باب: من أهل حين استوت به راحلته قائمة، ثم قال باب: الإهلال مستقبل القبلة، ثم ذكر حديث ابن عمر تعليقًا ومسندًا كما سيأتي (٣).

------------
(١) «صحيح مسلم» برقم (١١٨٨) كتاب: الحج، باب: الصلاة في مسجد ذي الحليفة.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (١١٨٧) باب: الاهلال من حيث تنبعث الراحلة.
(٣) برقم (١٥٥٣) معلقًا، وبرقم (١٥٥٤) مسندًا، باب: الإهلال مستقبل القبلة.



وأخرجاه من حديثه أنه قيل له: رأيتك تصنع أربعًا فذكرهن، وفي آخره: وأما الإهلال فإني لم أرَ رسول الله - ﷺ - يهلُّ حَتَّى تنبعث به راحلته، وقد سلف (١).
وللبخاري من حديث جابر بن عبد الله: أن إهلال رسول الله - ﷺ - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته، ثم قال: رواه أنس وابن عباس (٢)، ثم خرجه من حديث أنس (٣)، وساقه مسلم من حديث جابر الطويل (٤).
وله ولمسلم -والسياق له- عن سالم أن ابن عمر سمع أباه يقول: بيداؤكم هذِه التي تكذبون على رسول الله - ﷺ - فيها، ما أهل رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد يعني: ذا الحليفة (٥). ولمسلم عن سالم قال: كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البيداء. قال: البيداء التي تكذبون على رسول الله - ﷺ - ما أهل رسول الله - ﷺ - إلا من عند الشجرة حَتَّى قام به بعيره (٦).
فإذا علمت ذَلِكَ فقد اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله - ﷺ - فقال قوم: إنه أهل من مسجد ذي الحليفة. وقال آخرون: لم يهل إلا بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد، روي ذَلِكَ عن ابن عمر أيضًا وعن أنس، وابن عباس

------------
(١) سلف برقم (١٦٦) كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين في النعلين .. ورواه مسلم برقم (١١٨٧).
(٢) سلف برقم (١٥١٥).
(٣) سيأتي برقم (١٥٤٦) باب: من بات بذي الحليفة حتى أصبح.
(٤) مسلم برقم (١٢١٨) باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٥) حديث (١٥٤١)، ورواه مسلم برقم (١١٨٦) باب: أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة.
(٦) مسلم برقم (١١٨٦/ ٢٤).



وجابر وقد سلفت.
وقال آخرون: بل أحرم حين أظل البيداء. وقال من خالفهم: قد يجوز أن يكون النبي - ﷺ - أحرم منها، لا لأنه قصد أن يكون إحرامه منها لفضل في الإحرام منها على الإحرام مما سواها، وقد رأيناه فعل في حجه أشياء في مواضع لا لفضلها: كنزوله بالمحصب من منى، لم يكن ذَلِكَ لأنه سنة، فكذلك أحرم حين صار على البيداء، لا لأن ذَلِكَ سنة، وقد أنكر قوم أن يكون رسول الله - ﷺ - أحرم من ذَلِكَ، وقد أسلفنا ذَلِكَ من رواية ابن عمر، وإنما كان ذَلِكَ بعدما ركب راحلته.
واحتجوا بحديث نافع عن ابن عمر السالف في الخصال الأربع.
ووجه الاختلاف في ذَلِكَ:
ما رواه ابن إسحاق قال: حَدَّثَني خصيف، عن سعيد بن جبير قال: قُلْتُ لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في إهلاله فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله - ﷺ - حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله - ﷺ - حاجًّا فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه، وأهل بالحج حين فرغ من ركعته، فسمع ذَلِكَ منه أقوام فحفظوه عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذَلِكَ منه أقوام لم يشهدوه في المرة الأولى؛ لأن الناس كانوا يأتون أرسالًا فسمعوه حين ذاك يهل فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله - ﷺ - فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذَلِكَ منه أقوام لم يشهدوه في المرتين، فنقل كل واحد منهم ما سمع، فإنما كان إهلاله في مصلاه وايم الله، ثم أهل ثانيًا ثم ثالثًا.


أخرجه الحاكم في «مستدركه» وغيره، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر في الباب (١).
ثم أخرج من حديث يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله - ﷺ -، ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج. ثم قال: صحيح الإسناد؛ فإن يعقوب بن عطاء ممن جمع أئمة (الإسناد) (٢) حديثه (٣).
وله شاهد صحيح على شرطهما فذكره في الغسل، وعن سعد بن أبي وقاص قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته، ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٤).
فينبغي لمريد الإحرام بعد الاغتسال له أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دبرهما كما فعل رسول الله - ﷺ -، وهو قول جمهور العلماء (٥)، لكن الأظهر في مذهبنا أنه حين انبعاث دابته، أو توجهه إذا كان ماشيًا (٦)، ونقله ابن العربي عن مالك والشافعي وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: يهل عند السلام، وعند الحسن يصليهما بعد صلاة فرض، وكان ابن عمر يحرم في دبر صلاة مكتوبة، وهو قول ابن عباس،

--------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٥١ كتاب: المناسك، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣١٢).
(٢) كذا في الأصل، وفي «المستدرك»: (الإسلام) وهو أوجه.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٤٧.
(٤) «المستدرك» ١/ ٤٥٢، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣١٣).
(٥) انظر: «البناية» ٤/ ٤٤، «الكافي لابن عبد البر» ص ١٣٧، «المجموع» ٧/ ٢٣٢، «الإقناع» ١/ ٥٥٨.
(٦) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٣٢.



واستحب ذَلِكَ عطاء، والثوري، وطاوس، والشافعي (١)، وأحمد (٢)، وإسحاق، وأبو ثور. واستحب مالك أن يكون بإثر صلاة نافلة؛ لأنه زيادة خير (٣).
وهو ظاهر حديث هشام عن أبيه. فإن كان في وقت لا يتنفل فيه كوقت الصبح والعصر أجزأه أن يكون بإثر الفريضة. فإن لم يكن وقتها انتظره، إلا أن يخاف فوات أصحابه فيحرم من غير صلاة.
قال ابن المنذر: وإن أحرم من غير صلاة تتقدم إحرامه أجزأه؛ لأمر الشارع أسماء بنت عميس وهي نفساء بالاغتسال والإحرام، وهي غير طاهر، ومحال أن تصلي في تلك الحال.

--------
(١) ويبتدئ بالتلبية إذا انبعثت به راحلته في قوله الجديد، وقال أبو حنيفة رحمه الله: المختار أن يبتدئ به في مجلس صلاته بعد فراغه من الركعتين، وهو قوله القديم.
انظر: «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ١٦٨، «الأم» ٢/ ١٧٣، وفيه قول الشافعي: وإذا أراد الرجل أن يبتدئ الإحرام أحببت أن يصلي نافلة ثم يركب راحلته، فإذا استقلت به قائمة وتوجهت للقبلة سائرة أحرم، وإن كان ماشيًا فإذا توجه ماشيًا أحرم، وقال الرملي في «نهاية المحتاج»: ويسن أن يصلي للإحرام قبله ركعتين لما رواه الشيخان أنه - ﷺ - صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، ويحرمان في وقت الكراهة في غير حرم منه، وتغنى عنهما فرضين أو نافلة كالتحية، ومانظر به في «المجموع» من كونها مقصورة فلا تندرج كسنة الظهر، رده السبكي وتبعه الزركشي وغيره بأنه إنما يتم إذا أثبتنا أنه - ﷺ - صلى ركعتين للإحرام خاصة ولم يثبت، بل الذي ثبت ودل عليه كلام الشافعي وقوع الإحرام إثر صلاة، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٧٢.
(٢) انظر: «المغني» ٥/ ٨٠، «المستوعب» ٤/ ٦١١، «شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية» ٤١٧، «منهج السالك إلى بيت الله المبجل في أعمال المناسك» لأبي عياشة الدمنهوري ١٥٥.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٧، «المعونة» ١/ ٣٣١، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٢٨.



ولنا وجه آخر يجمع هذا الاختلاف، وهو ما رواه ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: قال (سعد) (١): كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ طريق الفرع أَهَلَّ إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أَهَلَّ إذا علا على شرف البيداء (٢).
فائدة:
قال الباجي في «المنتقى» كان إحرامه بعد صلاة الصبح (٣).
وسيأتي ما يخالفه في باب ما يلبس المحرم من الثياب (٤)، وفي «الاستذكار»: ركع ركعتين بعد طلوع الشمس ثم أحرم بإثرهما (٥).
وفي أبي داود أنه - عليه السلام - صلى في مسجد ذي الحليفة أربع ركعات ثم لبى دبر الصلاة.
فائدة:
الرواية السالفة أول الباب بيداؤكم هذِه التي تكذبون على رسول الله

-----------
(١) في الأصل: سعيد، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر التخريج.
(٢) رواه أبو داود (١٧٧٥) كتاب: المناسك، باب: في وقت الإحرام، والبزار في «البحر الزخار» ٤/ ٣٧ (١١٩٨)، وأبو يعلى في «مسنده» ٢/ ١٣٨ (٨١٨)، والحاكم ١/ ٤٥٢ كتاب: المناسك، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي ٥/ ٣٨ - ٣٩، كتاب: الحج، باب: من قال: يهل إذا انبعث به راحلته. وابن عبد البر في «التمهيد» ١٣/ ١٧، ٢٢/ ٢٨، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣١٣) قائلًا: ضعيف لعنعنة ابن إسحاق.
(٣) قال الباجي: قوله كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين. هذا اللفظ إذا أطلق في الشرع اقتضى ظاهره في عرف الاستعمال النافلة، وهو المفهوم من قولهم: صلى فلان ركعتين، وإن كان قد روي أن صلاة النبي - ﷺ - بذي الحليفة كانت صلاة الفجر، «المنتقى» ٢/ ٢٠٧.
(٤) برقم (١٥٤٥) كتاب: الحج.
(٥) «الاستذكار» ١١/ ٩٩.



- ﷺ - فيها ما أَهَلَّ رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد، يعني: ذا الحليفة، يؤيد ما ذكره ابن عباس، وأنس في حديثهما.
ووصفه بالكذب؛ لأنه الإخبار بالشيء على خلاف ما ليس به، قصده المخبر أم لا. وقد ذكر عن أنس غير هذا وروي خلافه عن ابن عباس أنه أهل إثر السلام من الصلاة.
قال ابن التين: وأصح هذِه الروايات ما وافق رواية ابن عمر أنه لم تختلف روايته في ذَلِكَ، وهو أحفظ الناس للمناسك وابن عباس صغير في حجة الوداع؛ لأنه اختلفت روايته في هذا الحكم، ولم تختلف رواية ابن عمر؛ ولأن حديثه لم يختلف في صحته.
وحديث ابن عباس فيه ابن إسحاق وخصيف (١).
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا استوت به راحلته أحرم. وهو ممن يقتفي آثار رسول الله - ﷺ - لا يخالف ما رواه، فإن معنى: انبعثت من الأرض إلى القيام، وهذا يخالف فيه.
وفي «المدونة» (٢) عن ابن نافع: أنكر مالك الإحرام من البيداء. وقال: ما البيداء؟ وقال الكرماني: البيداء فوق علمي ذي الحليفة إذا صعدت من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء.
فائدة أخرى: قوله: ما أَهَلَّ رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد -يعني: مسجد ذي الحليفة- مقتضاه أنه أفضل للاتباع، ومن أحرم من غير ذَلِكَ الموضع من ذي الحليفة أجزأه؛ لأنه يشق على الناس إحرامهم من مكان واحد.

------------
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٨.



وقد سُئِلَ مالك: أيحرم من الجحفة من أول الوادي أو وسطه أو آخره؟ فقال: هو مهل كله (١). وقال: سائر المواقيت كذلك واجبة إلى أن يحرم من أول الوادي حَتَّى يأتي على ذَلِكَ كله وهو محرم.
فالمواقيت ضربان: ميقات أحرم الشارع منه، فهو أفضله. وميقات لم يحرم منه، فأفضله أوله.
فائدة:
من غرائب ابن حزم أن الغسل عند الإحرام مستحب وليس بفرض إلا على النفساء وحدها. قال: ومن حيث أَهَلَّ أجزأه؛ لأنه - عليه السلام - فعل ولم يأمر (٢).

--------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٥.
(٢) «المحلى» ٧/ ٨٢.



٢١ - باب مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ
١٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٣/ ٤٠١]
ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ».
الشرح:
هذا الحديث سلف في آخر كتاب العلم (١).
وكل ما ذكر فيه مجمع على عدم لبسه، ويدخل في معنى ما ذكر من القيمص والسراويلات المخيط كله، فلا يجوز لباس شيء منه عند الأمة قاطبة (٢).
ففي معنى ذَلِكَ الجباب، والفراء، والقلنسوة، وغيره، والمنسوج، والملبد. وفي معنى البرانس الغفارية. وذلك أن الترفه إنما يحصل بلبس

-------
(١) برقم (١٣٤) باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله.
(٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢٨، «الإجماع» لابن المنذر (٥٠) و«الإقناع» للفاسي ٢/ ٧٩٣.



الثياب على الوجه المقصود بتلك الخياطة، والمحرم ممنوع من الترفه، ولذلك منع من الحلق وإلقاء التفث، بخلاف ستر العورة ودفع المضرة عن الجسد، ولا بأس بإلقاء الثوب، أو السراويل، أو البرنس على كتفه.
وكره مالك الارتداء بالسراويل (١).
ووجَّه بقبح الزي كما كره لغير المحرم لبس السراويل مع الرداء دون قميص. ومن أدخل منكبه في القباء افتدى وفاقًا لمالك (٢)، وخلافًا لأبي حنيفة حَتَّى يدخل يديه في كميه (٣).
والجواب في الحديث من بدائع خطابه حيث سُئِلَ عما يلبس فأجاب بما لا يلبس؛ لأن ما يلبس قد يشق حصره؛ لكثرته، فأجاب بالممنوع وعلم الجائز به.
ثم قام الإجماع على أن الخطاب المذكور للرجال دون النساء، وأنه لا بأس بلبس المخيط والخفاف لهن (٤).
وقام أيضًا على أن إحرام الرجل في رأسه، وأنه ليس له أن يغطيه؛ لنهيه - عليه السلام - عن لبس البرانس والعمائم (٥)، زاد مالك: ووجهه.
وسيأتي الاختلاف في تخمير الوجه، واختلفوا في من لبس خفين غير مقطوعين وهو واجد للنعلين، أو لبسهما مقطوعين وهو واجد للنعلين، وستعلمه في أواخر الحج.

-----------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٤، «الاستذكار» ١١/ ٢٨، «المعونة» ١/ ٣٣٦.
(٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٣٥، «المعونة» ١/ ٣٣٧.
(٣) انظر: «البناية» ٤/ ٥٥، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٧، «الأصل» ٢/ ٤٨٠، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٤.
(٤) انظر: «الإقناع» لابن القطان ٢/ ٧٩٧، «الاستذكار» ١١/ ٢٨.
(٥) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ٥٠، «الاستذكار» ١١/ ٢٨.



والحديث دال على جواز لبسهما عند عدم النعلين مع قطعهما أسفل من الكعبين، ولا خلاف فيه بين جماعة الفقهاء.
وحكي عن عطاء، وأحمد، وقوم من أصحاب الحديث أنه إذا لم يجدهما يلبس الخفين تامين من غير قطع (١).
والحديث حجة عليهم. وهو أمر، ومقتضاه الوجوب. وبالقياس على من وجد النعلين.

---------
(١) انظر: «المغني» ٥/ ١٢٠، «المستوعب» ٤/ ٨٠، «الفروع» ٣/ ٣٧٠، وقال ابن مفلح في «المبدع»: لا يلزمه قطع خفه في المنصوص والمختار، عملًا بإطلاق حديثي ابن عباس وجابر، فإنه لم يأمر فيهما بقطع، ولو وجب لبينه، يؤيده أن جماعة من الصحابة عملوا على ذلك، وقال أحمد: قطعهما فساد، واحتج المؤلف وغيره بالنهي عن إضاعة المال، ولأنه ملبوس أبيح لعدم غيره، أشبه السراويل؛ ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح. وعنه: إن لم يقطعهما دون كعبيه فدى، وهي قول أكثر العلماء لخبر ابن عمر.
قال في المغني و«الشرح»: وهي الأولى، عملًا بالحديث، الصحيح، وخروجًا من الاختلاف وأخذًا بالاحتياط، وأجيب بأن زيادة القطع لم يذكرها جماعة، وروي أنها من قول ابن عمر، ولو سلم صحة رفعها، فهي بالمدينة، وخبر ابن عباس بعرفات، فلو كان القطع واجبًا لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المسجد في موضع البيان ووقت الحاجة فلزم أن يكون الإطلاق ناسخًا للتقييد دفعًا لمحذور تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحكى في «المغني» عن الخطابي أنه قال: العجب من أحمد في هذا، أي في قوله بعدم القطع، قال: فإنه لم يخالف سنة تبلغه، وقل سنة لم تبلغه، وفيه شيء، فإن أحمد لم يخالف السنة، ولم تخف عليه، قال المروزي: احتججت على أبي عبد الله بحديث ابن عمر وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، فقد اطلع رضي الله عنه على السنة، وإنما نظر المتجرين الذين أمدهم الله بعونه، مع أن خبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بلا قطع؛ لأن هذا الحكم لم يشرع بالسنة، قاله الشيخ تقي الدين، وهو أحسن من ادعاء النسخ. «المبدع» ٣/ ١٤٢.



وأما حديث ابن عباس الذي لم يذكر فيه القطع، فخبر ابن عمر مقدم عليه؛ لأنه نقل صفة لبسه بخلاف خبر ابن عباس، فلو لبس الخفين عند عدم النعلين فلا فدية عليه عند الجماعة؛ خلافًا لأبي حنيفة. قيل: ونحا إليه ابن حبيب.
وقوله: («فليقطعهما أسفل من الكعبين») اتفق الحفاظ من أصحاب نافع على لفظه هكذا، منهم مالك، والزهري، وخلق.
ووهم جعفر بن بُرقان فيه في موضعين، حيث جعله من قول نافع (١)، وزيادة: «ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، وليس في حديث ابن عمر، وهذا أخذ به الشافعي (٢)، وأنكره مالك في «الموطأ»، واحتج بأنه لم يستثن فيه كما استثنى في الخفين (٣).
وقال الأصيلي: انفرد بحديث السراويل جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهو رجل بصري لا يُعرف، ولا يعرف الحديث بالمدينة.
قُلْتُ: لكن أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس، كما ذكر بلفظ: سمعت النبي - ﷺ - وهو يخطب يقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين» (٤) يعني: المحرم. وفي رواية: يخطب بعرفات (٥).
وأخرجه مسلم من حديث جابر مرفوعًا: «من لم يجد نعلين فليلبس

------------
(١) رواه ابن أبي شيبة في»المصنف«٣/ ٣١٠ (١٤٦٣٤).
(٢) انظر:»حلية العلماء«٣/ ٢٤٣،»العزيز«٣/ ٤٦٢،»المجموع«٧/ ٢٧٤.
(٣)»الموطأ" ص ٢١٦.
(٤) سيأتي برقم (١٨٤٣) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ورواه مسلم (١١٧٨).
(٥) سيأتي برقم (١٨٤١).



خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» (١) وهو من أفراده.
وقال أبو حنيفة: يشق السراويل من أسفله ويلبسه، ولا فدية عليه (٢).
وقال ابن حبيب: إنما أرخص في القطع لقلة النعال، فأما اليوم فلا رخصة في ذَلِكَ. ووافقه ابن الماجشون (٣).
وأجمعت الأمة على أن المحرم لا يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران (٤).
والورس نبات باليمن صبغه بين الحمرة والصفرة، ورائحته طيبة. وقيل: هو ضرب من الطيب كالزعفران، فإن غسل ذَلِكَ الثوب حَتَّى ذهب منه ريح الورس أو الزعفران فلا بأس به عند جميعهم. وكرهه مالك للمحرم إلا إذا لم يجد غيره (٥).
وسيأتي ذَلِكَ واضحًا في باب: ما ينهَى من الطيب للمحرم والمحرمة، وايراد حديث فيه إذا غُسِل. مع الكلام عليه.
وقال ابن التين: خص المنع ما صبغ منهما؛ لأنهما أطيب وأفضل لباس المحرم البياض؛ لقوله - عليه السلام -: «البسوا من ثيابكم البياض» (٦).

------------
(١) «صحيح مسلم» (١١٧٩) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة.
(٢) انظر: «العناية» ٤/ ٥٤، «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٤، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٤.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٥.
(٤) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ٥٠، «الإقناع» لابن القطان ٢/ ٧٩٣، «الاستذكار» ١١/ ٣٧.
(٥) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٣٧.
(٦) رواه أبو داود (٣٨٧٨) كتاب: الطب، باب: في الأمر بالكحل، والترمذي (٩٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ما يستحب من الأكفان، والنسائي ٤/ ٣٤، كتاب: الجنائز، باب: أي الكفن خير؟ وأحمد ١/ ٢٤٧، وابن حبان في «صحيحه» ١٢/ ٢٤٢ (٥٤٢٣) كتاب: اللباس وآدابه، باب: ذكر الأمر بلبس البياض من الثياب. =



ويجتنب المصبوغ بهما الرجال والنساء، ويفتدي من لبسه منهم رجلًا كان أو امرأة. وادعى ابن أبي صفرة أن في هذا دلالة أن قول عائشة: طيبته لإحرامه (١). خصوص له؛ لأنه تطيب، ونهى عن الطيب هنا، وقد أسلفنا ذَلِكَ.
-----------
= وسيأتي تخريجه باستفاضة.
(١) سيأتي برقم (٥٩٢٢) كتاب: اللباس، باب: تطييب المرأة زوجها بيديها.



٢٢ - باب الرُّكُوبِ وَالاِرْتِدَافِ فِي الحَجِّ
١٥٤٣، ١٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ أُسَامَةَ - رضي الله عنه - كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
ذكر فيه حديث ابن عباس: أن أسامة كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
هذا الحديث أخرجه البخاري هكذا، وأخرجه مسلم من حديث كريب مولى ابن عباس عن أسامة (١).
ومن حديث الفضل أيضًا (٢).
أما فقهه:
ففيه: أن الحج راكبًا أفضل، وقد سلف الخلاف فيه في باب الحج على الرحل.
وفيه: إرداف العالم من يخدمه، وقد سلف الإرداف في أول الحج (٣).

-----------
(١) سلف برقم (١٣٩) كتاب: الوضوء، باب: إسباغ الوضوء، وبرقم (١٨١) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه، ورواه صحيح مسلم (١٢٨٠، ١٢٨١) كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية.
(٢) سيأتي برقم (١٦٧٠) كتاب: الحج، باب: النزول من عرفة وجمع.
(٣) برقم (١٥١٣) باب: وجوب الحج وفضله.



ففيه: التواضع بالإرداف للرجل الكبير، والسلطان الجليل، قيل: ولم يبلغ هذا الحديث مالكًا؛ لأنه قال: يقطع التلبية إذا راح المصلى في رواية ابن القاسم، وإذا راح إلى موقف عرفة في قول أشهب.
وقال: إذا زالت الشمس. وفي كتاب محمد: إذا وقف بها (١).
وفي «الإشراف» عن مالك طبق الحديث.
وبه قال الشافعي (٢) وأبو حنيفة (٣).
واختاره المتأخرون من المالكية.
قال القاضي في «معونته»: إنما قلنا: يقطعها بعد الزوال؛ لإجماع الصحابة.
وذكر مالك أنه إجماع دار الهجرة؛ ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج.
وإذا انتهى إلى الموضع الذي دُعي إليه فقد انتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها (٤).
فقول من قال: لم يبلغ الحديث مالكًا غير صحيح؛ لأن عمل أهل المدينة عند مالك مقدم على الحديث.
وقال الباجي في «منتقاه»: أكثر ما رأيت عمل الناس قطعها بعرفة، وما تضمنه الحديث أظهر عندي وأقوى في النظر.
وقال الشيخ أبو القاسم: فأكثر قول مالك في قطعها إلا أن يكون إحرام بالحج من عرفة فيلبي حَتَّى يرمي جمرة العقبة.
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٣.
(٢) انظر: «الأم» ٢/ ١٨٧، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٠، «حلية العلماء» ٣/ ٢٩٣، «مغني المحتاج» ٣/ ٣٠٣.
(٣) انظر: «الهداية» ١/ ١٥٧، «الاختيار» ١/ ١٩٨.
(٤) المعونة" ٢/ ٣٣٤.



فحمل الحديث على من هذا حكمه. ولعله تأول قول الراوي أنه - عليه السلام - لم يزل يلبي حَتَّى رمى جمرة العقبة أنه أمر بذلك (١).
قُلْتُ: فيه بعدٌ.

------------
(١) «المنتقى» ٢/ ٢١٦، وانظر قول ابن القاسم أيضًا في «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٣.


٢٣ - باب مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ
وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى المُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ وَالمُوَرَّدِ وَالخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ.

١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزْرِ تُلْبَسُ إِلاَّ المُزَعْفَرَةَ التِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، فَطَافَ بِالبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ، وَهْوَ مُهِلٌّ بِالحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ. [١٦٢٥، ١٧٣١ - فتح: ٣/ ٤٠٥]
ثم ذكر فيه حديث ابن عباس انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأصْحَابُهُ .. الحديث.


الشرح:
أما أثر عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم عنها أنها قالت: يكره الثوب المصبوغ بالزعفران، أو (الصبغة) (١) بالعصفر للرجال والنساء إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا (٢). وفي لفظ: تكره المشبعة بالعصفر للنساء (٣).
وبإسناد صحيح عنها أنها قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا المهرود بالعصفر (٤)، والمورد في أثرها الثاني: قيل هو المعصفر إذا غسل صار موردًا. أو قال بعض أهل اللغة: المورد المصبوغ بالورد (٥).
وأما أثر جابر فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب فلا بأس به للمحرم أن يلبسه (٦).
وأثر إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عنه قال: يغير المحرم ثيابه ما شاء بعد أن يلبس ثياب المحرم (٧).

-------------
(١) في الأصل: السبغة، والمثبت من «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٣٩ - ١٤٠ (١٢٨٦٤).
(٢) «المصنف» ٣/ ١٣٩ - ١٤٠ (١٢٨٦٤) كتاب: الحج، باب: من كره المصبوغ للمحرم.
(٣) «المصنف» ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٦) باب: من رخص في المعصفر.
(٤) ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٠ (١٢٨٧٤) كتاب: الحج، باب: من رخص في المعصفر للمحرمة.
(٥) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥٥٠، «لسان العرب» ٨/ ٤٨١٠.
(٦) «المصنف» ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٨) كتاب: الحج، باب: من رخص في المعصفر للمحرم.
(٧) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٣)، (١٤٧٨٦) باب: في المحرم يبدل ثيابه.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* سيرة بلال بن رباح رضي الله عنه
* ترجمة عبد الله بن الزبير
* شرح النووي لحديث: كمل من الرجال كثير
* شرح النووي لحديث: خير نسائها مريم بنت عمران
* محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه
* «أو» بين التخيير والترتيب وبراعة الاستنباط الفقهي
* منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-16-2026, 08:12 PM   #309

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 131 الى صـــ 150
الحلقة (309)






قال: وحَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: غير النبي - ﷺ - ثوبيه بالتنعيم (١).
وحَدَّثَنَا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، ويونس، عن الحسن وحجاج، عن عبد الملك وعطاء أنهم لم يروا بأسًا أن يبدل المحرم ثيابه (٢)، وكذا قاله طاوس، وسعيد بن جبير سُئِلَ: أيبيع المحرم ثيابه؟. قال: نعم (٣).
وحديث ابن عباس من أفراده، ورواه مرة مختصرًا، وقال: يحلقوا أو يقصروا (٤).
والترجل حل الشعر ومشطه. ومعنى (تردع) بعين مهملة وفتح أوله؛ لأنه ثلاثي، أي: كثر فيها الزعفران حَتَّى تنفضه وتلطخه. قال صاحب «المطالع»: وفتح الدال أوجه.
والردع: الأثر على الجلد وغيره. قال ابن سيده: شيء يسير في مواضع شتى (٥). وقال ابن التين: معناه: تلطخ الجلد. وقال ابن الجوزي: كذا وقع: تردع على الجلد. والصواب: تردع الجلد أي: تصبغه، وتنفض صبغها عليه.
وقال ابن بطال: من رواه بغين معجمة فهو من قولهم: أردغت الأرض: كثرت رداغها، وهي مناقع المياه، ومنه: أرزغت الأرض بالزاي، أي: كثرت رزاغها، جمع رزغة كالردفة، ذكره صاحب

-----------
(١) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٢).
(٢) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٦).
(٣) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٧).
(٤) سيأتي برقم (١٧٣١) كتاب: الحج، باب: تقصير التمتع بعد العمرة.
(٥) «المحكم» ٢/ ٨.



«الأفعال» (١). وذكر أردع وأرزغ في باب أفعل خاصة (٢).
وقوله: (فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حَتَّى استوى على البيداء، أهلَّ هو وأصحابه) كذا هنا وفي «صحيح مسلم» عنه أنه - عليه السلام - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء، أهلَّ بالحج (٣).
قال ابن حزم: فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة، وأنس يذكر أنه صلاها بالمدينة، وكلا الطريقين في غاية الصحة (٤).
وأنس أثبت في هذا المكان؛ لأنه ذكر أنه حضر ذَلِكَ بقوله: صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة العصر ركعتين، وابن عباس لم يذكر حضورًا، والحاضر أثبت، ثم ابن عباس لم يقل فيها أنها كانت يوم خروجه - عليه السلام - من المدينة، وإنما عني به اليوم الثاني، فلا تعارض إذن.
وعند النسائي عن أنس أنه - عليه السلام - صلى الظهر بالبيداء، ثم ركب وصعد جبل البيداء، وأهلَّ بالحج والعمرة (٥).
ولا تعارض فإن البيداء وذا الحليفة متصلتان بعضه مع بعض، فصلى الظهر في آخر ذي الحليفة، وهو أول البيداء، فصحا. فعلى هذا يكون قول من قال: إن أول إهلاله بالبيداء عقب صلاة الظهر.

----------
(١) «الأفعال» ص ١٦٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢١٩.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٤٣) كتاب: الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام.
(٤) انظر: «حجة الوداع» لابن حزم ٢٥١.
(٥) «سنن النسائي» ٥/ ١٢٧ كتاب: مناسك الحج، باب: البيداء، وضعفه الألباني في «ضعيف النسائي» (١٦٩).



وتقدم قول أنس أن إحرامه كان عقب صلاة الصبح، ومعلوم أن الإحرام عقب التهليل. وطريق الجمع كما ذكر ابن عباس، يعني في باب الإهلال السابق.
وقوله: (وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)، فيحتمل أنه أراد الخروج، ويحتمل الإهلال. وفي «صحيح مسلم» عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة (١).
وفي «الإكليل» بسند فيه الواقدي من حديث محمد بن جبير بن مطعم: خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين.
وزعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارًا بعد أن تغدى وصلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر من ذَلِكَ اليوم بذي الحليفة، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة، وطاف على نسائه، ثم اغتسل، ثم صلى بها الصبح، ثم طيبته عائشة، ثم أحرم ولم يغسل الطيب، وأهلَّ حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران العمرة والحج معًا، وذلك قبل الظهر بيسير، ثم لبى، ثم نهض وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة (٢).
فإن قُلْتَ: كيف قال: إنه خرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة وقد ذكر مسلم من حديث عمرة عن عائشة: لخمس بقين منها لا نرى إلا الحج؟ (٣).

-----------
(١) «صحيح مسلم» (١٢١١/ ١٢٥) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٢) «حجة الوداع» ص ١١٥ - ١١٦ بتصرف.
(٣) مسلم (١٢١١).



قُلْتُ: قد ذكر مسلم أيضًا من طريق عروة عنها: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - موافين لهلال ذي الحجة (١).
فلما اضطربت الرواية عنها، رجعنا إلى من لم تضطرب عنه في ذلك، وهما عمر وابن عباس، فوجدنا ابن عباس ذكر اندفاع رسول الله إليك من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة.
وذكر أن يوم عرفة كان يوم جمعة (٢) فوجب أن استهلال ذي الحجة يوم الخميس وأن آخر ذي القعدة الأربعاء فصح أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين منها.
ويزيده وضوحًا حديث أنس: صلينا مع رسول الله - ﷺ - الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين (٣)، فلو كان خروجه لخمس بقين منها لكان بلا شك يوم الجمعة، والجمعة لا تصلى أربعًا، فصح أن ذَلِكَ كان يوم الخميس.
وعلمنا أن معنى قول عائشة: لخمس بقين من ذي القعدة، إنما عنت اندفاعه - عليه السلام - من ذي الحليفة، فلم تعد المرحلة القريبة، وكان - عليه السلام - إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلا يوم الخميس (٤)، فبطل خروجه يوم الجمعة، وبطل أن يكون يوم السبت؛ لأنه كان يكون حينئذ خارجًا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وصح أن خروجه كان لست بقين، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس من ذي القعدة، وتآلفت

------------
(١) مسلم (١٢١١/ ١١٥).
(٢) «حجة الوداع» لابن حزم ص ١١٩.
(٣) سلف برقم (١٠٨٩).
(٤) سيأتي برقم (٢٩٤٩) كتاب الجهاد، باب: من أراد غزوة فوري بغير. من حديث كعب بن مالك.



الروايات (١).
وقوله: (فقدم مكة -شرفها الله تعالى- لأربع ليال خلون من ذي الحجة). قال الواقدي: أخبرنا أفلح بن حميد، عن أبيه، عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن هلال ذي الحجة كان ليلة الخميس اليوم الثاني من يوم خروجه - ﷺ - من المدينة، ونزل بذي طوى فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى الصبح بها، ودخل مكة نهارًا من أعلاها صبيحة يوم الأحد.
قُلْتُ: وهذا يعضد قول ابن حزم قال: وأقام بمكة محرمًا من أجل هديه يوم الأحد المذكور إلى ليلة الخميس، ثم نهض ضحوة يوم الخميس، وهو يوم منى، والتروية مع الناس إلى منى. وفي ذَلِكَ الوقت أحرم بالحج من الأبطح، كذا ادعى، وقد أسلفنا أنه كان قارنًا.
وذو القعدة: بكسر القاف وفتحها، وكذا ذو الحجة: بفتح الحاء وكسرها، والفتح أشهر هنا. و(الحجون): بفتح الحاء موضع بمكة عند المحصب، وهو مقبرة أهل مكة (٢).
قال أبو حنيفة الدينوري في «الأنواء»: الحجون: بلد، الواحد حجن. وفي «النقائض» الحجون مكان من البيت على ميل ونصف.
وقال البطليوسي: الحجون الذي ذكره زهير موضع آخر غير حجون مكة.

------------
(١) هذِه المسألة فيها نظر: فقد قال ابن الملقن في بداية المسألة: (وزعم ابن حزم أنه خرج يوم السبت لست بقين من ذي القعدة نهارًا .. إلخ) ثم نقل بعد ذلك قول ابن حزم نفسه: بأن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة عشر نهارًا ..، ويمكن للقارئ الرجوع لقول ابن حزم في «حجة الوداع» (١١٥ - ١١٦، ٢٣٠ - ٢٣٣).
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٢٧، «معجم البلدان» ٢/ ٢٢٥.



قوله: (ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة) لعله شغله عن الطواف في هذِه المرة شاغل، وإلا فله أن يتطوع بالطواف ما شاء.
وقوله: (وأمر أصحابه أن يطوفوا ..) إلى آخره، اختلف فيهم، فقيل: من أحرم بعمرة، وقيل من أحرم بحج أو بعمرة ولا هدي معه.
وقال لمن كان أهلَّ بالحج: «هي لكم خاصة». وضرب عمر - رضي الله عنه - بعد رسول الله - ﷺ - مَنْ فعله؛ لأنها كانت خصوصًا لهم، وهو الصواب.
وأمر فيه بالتقصير لأجل الحلق بمنى، ورأى قوم أن ذَلِكَ لمن بعدهم ولم يحفظوا الخصوص، ومنهم أحمد، وداود. وأجازا فسخ الحج في العمرة، ولم يجز لمن كان معه هدي أن يحل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقوله: (ثم يحلوا) أي: فيحل لهم المحرمات، كما ذكره بعد.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على مواضع:
أحدها:
قام الإجماع كما حكاه المهلب أن المحرم لا يلبس إلا الأزر والأردية، وما ليس بمخيط؛ لأن لبسه من الترفه (١)، فأراد الرب ﷻ أن يأتوه شعثًا غبرًا عليهم آثار الذلة والخشوع، ولذلك نهى عن الثوب المصبوغ كما سلف؛ لأنه طيب. ولا خلاف بين العلماء أن لبسه له لا يجوز (٢).

--------------
(١) ونقل الإجماع أيضًا: ابن المنذر في «الأوسط» ص ٥٠، وابن عبد البر في «الاستذكار» ١١/ ٢٨، الفاسي في «الإقناع» ٢/ ٧٩٣.
(٢) انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر ١١/ ٣٧.



واختلفوا في الثوب المعصفر له. فأجازه جابر وابن عمر، وأسماء، وعائشة، وهو قول القاسم، وعطاء، وربيعة (١).
وقال مالك: المعصفر ليس بطيب، وكرهه للمحرم؛ لأنه ينتفض على جلده، فإن فعل فقد أساء، ولا فدية عليه (٢).
وهو قول الشافعي (٣).
وقال أبو ثور: إنما كرهنا المعصفر؛ لأنه - عليه السلام - نهى عنه؛ لأنه طيب.
وكره عمر بن الخطاب لباس الثياب المصبغة (٤).
وقال أبو حنيفة والثوري: المعصفر طيب، وفيه الفدية (٥).
وقال ابن المنذر: إنما نهى عمر عن المصبغة في الإحرام تأديبًا؛ ولئلا يلبسه من يقتدي به فيغتر به الجاهل، ولا يميز بينه وبين الثوب المزعفر، فيكون ذريعة للجهال إلى لبس ما نهي عنه المحرم من
الورس والزعفران.
والدليل عليه أن عمر رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا، فقال: ما هذا يا طلحة؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنما هو مدر. فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، لو أن رجلًا رأى هذا الثوب

-----------
(١) روى عنهم هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٠ (١٢٨٧١)، (١٢٨٧٦ - ١٢٨٧٧) باب: من رخص في المعصفر للمحرمة، ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٨ - ١٢٨٨١) باب: من رخص في المعصفر للمحرم.
(٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٣٨، «الذخيرة» ٣/ ٣١١، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٣، «المدونة» ١/ ٢٩٥.
(٣) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٩٥، «العزيز» ٣/ ٤٦٥، «نهاية المحتاج» ٣/ ٣٣٥.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٠ (١٢٨٦٥) باب: من كره المصبوغ للمحرم.
(٥) «المبسوط» ٤/ ١٢٦، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٥.



قال: رأيت طلحة يلبس المصبغة في الإحرام، أخرجه مالك في «الموطأ»، عن نافع، عن أسلم مولى عمر (١).
وإن كان أراد به التحريم فقد خالفه غيره من الصحابة. والصواب عند اختلافهم أن ينظر إلى أولاهم قولًا فيقال به. وإطلاق ذَلِكَ أولى من تحريمه؛ لأن الأشياء كانت على الإباحة قبل الإحرام، فلا يجب
التحريم إلا بيقين.
وقد روينا أن عمر أنكر على عقيل لبسه الموردتين. وأنكر على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين، قال علي لعمر: دعنا منك فإنه ليس أحد يعلمنا السنة. قال عمر: صدقت (٢).
وقال ابن التين: لبس عائشة المعصفر كأنه غير المقدم؛ لأن المقدم الذي ينفض ممنوع للرجال والنساء وأما المورد بالعصفر والمصبوغ بالمغرة، وبغير الزعفران والورس، فلا يمنع منه المحرم. ويكره لمن
يقتدى به لبسه. وكره أشهب المعصفر، وإن كان لا ينتفض لمن يقتدى به.
قال: وحاصل مذهبنا أن الذي ينتفض من صبغه يمنع منه الرجال والنساء، وإلا فلا فيهما إلا من يقتدى به منهم، قاله ابن حبيب (٣).
وقال محمد: يكره لهما جميعًا. وقال أبو حنيفة: يكره المعصفر المقدم لهما، وأباحه الشافعي، فإن لبس معصفرًا ينفض فقياس المنع الفدية، وقياس قول أبي حنيفة لا.
وفي «المجموعة» نحوه عن أشهب (٤)؛ لأنه لبس من الطيب

---------
(١) «الموطأ» ص ٢١٦.
(٢) رواه البيهقي ٥/ ٥٩.
(٣) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٢.
(٤) «المصدر السابق».



المؤنث، وإن غسل المعصفر فقيل: جائز أن يلبسه. وقال أشهب في «المجموعة»: أكرهه، وإن غسل.
الثاني:
قولها: (لا تلثم)، أي لأن إحرامها في وجهها، وكذا لا (تبرقع)، نعم لها أن تسدل على وجهها شيئًا متجافيًا عنه.
وقام الإجماع على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخمر، والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال (١)، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر (٢).
قال ابن المنذر: ويحتمل أن يكون كنحو ما روي عن عائشة قالت: كنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن محرمات، فإذا مرَّ بنا راكب سدلنا الثوب من قبل رءوسنا، فإذا جاوز رفعناه (٣).
ولا يكون ذَلِكَ خلافًا. وثبت كراهة النقاب عن سعد، وابن عباس،

------------
(١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٦٤، «الإقناع» ٢/ ٧٩٦، «الاستذكار» ١١/ ٢٨.
(٢) رواه مالك ص ٢١٧، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٥/ ١٣٦ (٢٢٥٥).
(٣) رواه أبو داود (١٨٣٣) كتاب: المناسك باب: في المحرمة تغطي وجهها، وابن ماجه (٢٩٣٥) كتاب: المناسك، باب: المحرمة تسدل الثوب على وجهها، وأحمد ٦/ ٣٠، وابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٦٠ (٤١٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩١) كتاب: المناسك، والدارقطني في «السنن» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥ كتاب: الحج، والبيهقي ٥/ ٤٨. والحديث ضعفه النووي في «المجموع» ٧/ ٢٦٦، والحافظ في «الدراية» ٢/ ٣٢، والألباني في «ضعيف أبي داود» (٣١٧)، وفي «الإرواء» (١٠٢٤).



وابن عمر، وعائشة، ولا نعلم أحدًا من الصحابة رخص فيه. وكان ابن عمر ينهى عن القفازين، وهو قول النخعي (١).
وقال مالك: إن لبست البرقع والقفازين افتدت كفدية الرجل؛ لأن إحرام المرأة عنده في وجهها ويديها (٢)، وهو أظهر قولي الشافعي (٣).
وكرهت عائشة اللثام والنقاب، وأباحت لها القفازين، وهو قول عطاء (٤).
واختلفوا في تخمير وجه المحرم. فقال ابن عمر: لا يخمر وجهه (٥)، وكرهه مالك، ومحمد بن الحسن. قيل لابن القاسم: أترى عليه الفدية؟ قال: لا أرى عليه الفدية، لما جاء عن عثمان (٦).
وقال في «المدونة» في موضع آخر: إن غطى وجهه ونزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن لم ينزعه حَتَّى انتفع افتدى (٧).
وكذلك المرأة إلا إذا أرادت سترًا.

---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٢ (١٤٢٢٥، ١٤٢٢٩ - ١٤٢٣٠) باب: في القفازين للمحرمة.
(٢) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٢، «الاستذكار» ١١/ ٣١، «الذخيرة» ٣/ ٣٠٤، «المعونة» ١/ ٣٣٦.
(٣) «الأم» ٢/ ١٧٢، «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ١٧١، «المهذب» ٢/ ٧١٠، «المجموع» ٧/ ٢٧٦، «مغني المحتاج» ٣/ ٣٣٣.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٢ (١٤٢٢٨، ١٤٢٣٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٣ (١٤٢٤٣) كتاب: الحج، باب: في المحرم يغطي وجهه.
(٦) «الاستذكار» ١١/ ٤٥، «المدونة» ١/ ٢٩٦، «المنتقى» ٢/ ١٩٩، «المعونة» ١/ ٣٣٥.
(٧) «المدونة» ١/ ٣٤٤.



وروي عن ابن عباس، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وجابر أنهم أجازوا للمحرم تغطية وجهه خلاف ابن عمر (١)، وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وهذا يخرج على أن يكون إحرام الرجل عندهم في رأسه لا في وجهه (٢).
الثالث:
رخصت عائشة في الحلي للمحرمة كما أسلفناه، وكذا ابن المنذر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد. وكره ذَلِكَ عطاء والثوري، وأبو ثور (٣).
الرابع:
قول إبراهيم: (لا بأس أن يبدل ثيابه) هو مذهب مالك وأصحابه أنه يجوز له الترك للباس الثوب، ويجوز له بيعه. وقال سحنون: لا يجوز له ذَلِكَ؛ لأنه يعرض القمل للقتل بالبيع.
قال المهلب: وفي حديث ابن عباس إفراده - عليه السلام - للحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي والبقاء على الإحرام الأول من كان معه هدي؛ لأن من قلد هديه فلا بد له أن يوقعه موقعه؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وسيأتي معاني ذَلِكَ في بابه إن شاء الله تعالى.

----------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (١٤٢٤٢)، (١٤٢٤٩) باب: في المحرم يغطي وجهه، والبيهقي ٥/ ٥٤ كتاب: الحج، باب: لا يغطي المحرم رأسه.
(٢) «الاستذكار» ١١/ ٤٦، «الأم» ٢/ ١٧٢، «حلية العلماء» ٣/ ٢٤٤، «المجموع» ٧/ ٢٨٠، «المغني» ٥/ ١٥٣، «المستوعب» ٤/ ٧٦، «الفروع» ٣/ ٣٦٦.
(٣) «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٦، «المغني» ٥/ ١٥٩، «المبدع» ٣/ ١٦٩.



٢٤ - باب مَنْ بَاتَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ
قَالَهُ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٥٤٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤٠٧]

١٥٤٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّاب، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤٠٧]
ثم ذكر حديث أنس: قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ.
وفيه: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ.
الشرح:
أما حديث ابن عمر فسلف في باب خروجه - عليه السلام - على طريق الشجرة مسندًا (١).
وأما حديث أنس الأول فهو من طريق ابن جريج حَدَّثَني محمد بن المنكدر عنه

---------------
(١) برقم (١٥٣٣) كتاب: الحج.


قال الدارقطني في «علله»: وقوله: ثم بات، إلى آخره، زيادة ليست بمحفوظة عن ابن المنكدر، ولم يذكرها غير ابن جريج. وقال يحيى القطان: إنه وهم. وأما رواية عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس فوهم في ذكر الزهري، والصحيح أنه من رواية ابن جريج عن ابن المنكدر (١).
وحديثه الثاني من طريق عبد الوهاب، ثَنَا أيوب، عن أبي قلابة عنه.
وذكره بعد في باب: رفع الصوت بالإهلال من حديث حماد بن زيد، عن أيوب (٢).
وبعده في باب: التحميد من حديث وهيب ثَنَا أيوب به مطولًا، وفي آخره: قال أبو عبد الله: قال بعضهم: هذا عن أيوب، عن رجل، عن أنس (٣).
قال الإسماعيلي: لم يقع في حديث حماد بن زيد عن أيوب، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وسليمان بن عبد الجبار عن وهيب، وغيره ذكر التسبيح والتكبير، ورواه حماد بن سلمة عن أيوب به قال: وبات بها حَتَّى أصبح، فلما استوت به راحلته سبح وكبر حين استوت به راحلته.
والتعليق الذي أشار إليه البخاري ذكره مسندًا في باب نحر البدن قيامًا (٤).
والرجل القائل: (وأحسبه) هو أبو قلابة والله أعلم. وعند الحميدي،

------------
(١) «العلل» ١٢/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) سيأتي برقم (١٥٤٨).
(٣) سيأتي برقم (١٥٥١).
(٤) سيأتي برقم (١٧١٤).



وفي رواية عبد الوهاب، وعن أيوب: وأحسبه بات بها حَتَّى أصبح، يعني: المخرج عنه البخاري أيضًا في الحج والجهاد عن قتيبة حَدَّثَنَا عبد الوهاب به (١).
قال الحميدي: وفي رواية حماد بن زيد عن أيوب: وسمعتهم يصرخون بها جميعًا (٢). وادعى المزي أن عند البخاري من حديث حماد عن أيوب: وأحسبه بات بها حَتَّى أصبح (٣). ثم إنه خرج هذا الحديث ها هنا، وفي الجهاد في باب: الخروج بعد الظهر من حديث حماد، عن أيوب، وليس فيهما ما ذكره المزي.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا المبيت ليس هو من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق بأمته؛ ليلحق به من تأخر عنه في السير، ويدركه من لم يمكنه الخروج معه.
ثانيها:
قوله: (صلى بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين) يعني: العصر كما بينه في الحديث الآتي، وإنما قصر بها هنا؛ لأنه مسافر، وإن لم يبلغ إلى موضع المشقة منه. فإذا خرج عن مصره قصر.
وفيه: أن سنة الإهلال أن يكون بعد صلاة، كذا في «شرح ابن بطال» (٤). والحديث لا تعرض له لذلك، وكذا قال ابن التين.

-----------
(١) سيأتي برقم (٢٩٨٦) كتاب: الجهاد، باب: الارتداف في الغزو والحج.
(٢) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٥٢٧.
(٣) «تحفة الأشراف» ١/ ٢٥٥ (٩٤٧).
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٠.



قوله: (ثم بات بها حَتَّى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهل). ظاهره أنه أحرم إثر المكتوبة؛ لأنه إذا صلى الصبح لم يركع بعدها للإحرام؛ لأنه وقت كراهة.
ثالثها:
قوله: (فلما ركب راحلته واستوت به أهل). يريد أن تستقل قائمة، وهذا هو الاستواء، والانبعاث أخذها في القيام، واستواؤها هو كمال القيام، كذا في ابن التين. والظاهر أن المراد بالانبعاث أخذها في
السير، وقد سلف ما فيه في باب الإهلال.


٢٥ - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإِهْلَالِ
١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤٠٨]
ذكر فيه حديث أنس السالف في الباب قبله وفي آخره: وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا.
ولا شك أن الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ومنه استهلال المولود وهو صياحه إذا سقط من بطن أمه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] يعني: ما رفع فيه الصوت عند ذبحه للآلهة، وكل رافع صوته بشيء فهو يهل به، ومنه استهلال المطر والدمع، وهو صوت وقعه بالأرض.
ويقال: أهل القوم الهلال إذا رأوه، وأرى أن ذَلِكَ من الإهلال الذي هو الصوت؛ لأنه كان ترفع عن رؤيته الأصوات إما بدعاء أو غيره، ولما كانت من شعائر الحج أعلن بها كالأذان. وأوجب أهل
الظاهر رفع الصوت بالإهلال.
قال ابن حزم: يرفع الرجل والمرأة صوتهما بالإهلال ولابد، وهو فرض ولو مرة (١).
واستدل بحديث خلاد بن السائب عن أبيه مرفوعًا: «جاءني جبريل فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية». وفي لفظ: «فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية». قال:

------------
(١) «المحلى» ٧/ ٩٣.


وهذا أمر (١).
والحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). وقال الحاكم؛ هذا إسناد صحيح (٣). وصححه ابن حبان أيضًا (٤).
وقال ابن المنذر: ثابت. ولعبد الله بن وهب في «مسنده»: بالإهلال والتلبية يريد أحدهما. زاد الكجي في «سننه»: فإنها من شعائر الحج. وفي الترمذي والحاكم من حديث أبي بكر أن رسول الله - ﷺ - سُئِلَ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العج والثج». استغربه الترمذي وأعله بالانقطاع، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٥).
والعج: رفع الصوت بالتلبية (٦).
والثج: النحر (٧).

----------
(١) «المحلى» ٧/ ١٩٦.
(٢) «سنن أبي داود» (١٨١٤) كتاب: المناسك، باب: كيف التلبية، «سنن الترمذي» (٨٢٩) كتاب: الحج، باب: ما جاء في رفع الصوت بالتلبية، «سنن النسائي» ٥/ ١٦٢ كتاب: مناسك الحج، باب: رفع الصوت بالإهلال، «سنن ابن ماجه» (٢٩٢٣) كتاب: المناسك، باب: رفع الصوت بالتلبية.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٠ كتاب: الحج.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٩/ ١١١ - ١١٢ (٣٨٠٢) كتاب: الحج، باب: الإحرام، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٩٢).
(٥) «سنن الترمذي» (٨٢٧) كتاب: الحج، باب: ما جاء في فضل التلبية والنحر، «المستدرك» ١/ ٤٥٠ - ٤٥١ كتاب: المناسك، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٦٦١).
(٦) انظر: «لسان العرب» ٥/ ٢٨١٣.
(٧) انظر: «الصحاح» ١/ ٣٠٢، «لسان العرب» ١/ ٤٧٢.



وقد صح في فضلهما من طريق سهل بن سعد (١)، وَوَرَد من طريق عامر بن ربيعة وجابر.
وفي ابن أبي شيبة، عن المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يرفعون أصواتهم بالتلبية حَتَّى تبح أصواتهما (٢).
وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يبلغون الروحاء حَتَّى تبح حلوقهم من التلبية. وقال عبد الله بن عمر: ارفعوا أصواتكم بالتلبية، ورفع أيضًا، وعن ابن الزبير مثله (٣).
قُلْتُ: وليكن الرفع بحيث لا يجهده، ولا يقطع صوته. وأرى ما وقع للصحابة للإكثار لا للرفع الجهيد.
والجماعة كلهم على خلاف ما قاله أهل الظاهر، وإنما هو مستحب.
وكان ابن عباس يرفع صوته بها ويقول: هي قرينة الحج. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي (٤).
وعندنا أن التلبية المقترنة بالإحرام لا يجهر بها، صرح به الجويني من أصحابنا ثم قال: هذا في الرجل، أما المرأة فتخفض صوتها بحيث تقتصر على إسماع نفسها لما في الرفع من خشية الافتتان، وهو إجماع.
فإن رفعت فالأصح عدم التحريم. والخنثى ملحق بها.
واختلفت الرواية عن مالك فقال ابن القاسم: لا يرفع الصوت إلا في

-------------
(١) رواه الترمذي (٨٢٨)، وابن ماجه (٢٩٢٤).
(٢) «المصنف» ٣/ ٣٥٥ (١٥٠٥٣) كتاب: الحج، باب: من كان يرفع صوته بالتلبية.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٤) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٣، «تحفة الفقهاء» ١/ ٤٠١، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٤٨٤، «مختصر المزني» ٢/ ٦٣، «المهذب» ٢/ ٧٠٣، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٧٣.



المسجد الحرام، ومسجد منى (١)، زاد في «الموطأ»: ولا يرفع صوته في مساجد جماعات (٢).
وروى ابن حزم عنه الكراهة (٣). وروى ابن نافع عنه أنه يرفع صوته في المساجد التي بين مكة والمدينة.
واحتج إسماعيل للقولين فقال: وجه الأول أن مساجد الجماعات إنما بنيت للصلاة خاصة، فَكُرِه رفع الصوت فيها، وليس كذلك المسجد الحرام، ومسجد منى؛ لأن المسجد الحرام جعل للحاج وغيره. وكان الملبي إنما يقصد إليه، فكان له فيه من الخصوص ما ليس في غيره. ومسجد منى هو للحاج خاصة.
ووجه الثاني أن المساجد التي بين مكة والمدينة إنما جعلت للمجتازين، وأكثرهم محرمون، فهم من النحو الذي وصفنا، وما أسلفناه من الإجماع في حق المرأة، وهو ما حكاه ابن بطال (٤)
ويعضده ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس: لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية. وعن إبراهيم وعطاء كذلك. وعن ابن عمر: ليس على النساء أن يرفعن أصواتهن بالتلبية. وعن معاوية أنه سمع تلبية عائشة (٥).
وعن إبراهيم بن نافع قال: قدمت امرأة أعجمية فخرجت مع الناس ولم تهل، إلا أنها كانت تذكر الله. فقال عطاء: لا يجزئها (٦).

-------------
(١) «المنتقى» ٢/ ٢١١، «الاستذكار» ١١/ ١٢٠.
(٢) «الموطأ» ص ٢٢١.
(٣) «المحلى» ٧/ ٩٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢١.
(٥) «المصنف» ٣/ ٣١٣ (١٤٦٥٩ - ١٤٦٦٤).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٨) باب: في الأعجمي يحج ولا يسمي شيئًا، وابن حزم في «المحلى» ٧/ ٩٤.



قال ابن المنذر في «إشرافه»: وروينا عن ميمونة أم المؤمنين أنها كانت تجهر بها وأما حديث زينب الأحمسية أن رسول الله - ﷺ - قال لها في امرأة حجت معها مصمتة: «قولي لها تكلم فإنه لا حج لمن لم يتكلم» فلا تعرض فيه للتلبية.
قال ابن القطان: وليس هو خبر، إنما هو أثر عن الصديق، ومع ذَلِكَ ففيه مجهولان (١).
وأما قوله: (يصرخون بهما جميعًا) فقد يستدل به على أنه - عليه السلام - كان قارنًا.
وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة؛ لثبوت الإفراد. وليس في حديثه أنه سمع رسول الله - ﷺ - يصرخ بهما. وإنما أخبر بذلك عن قوم فعلوه، وقد يمكن أن يسمع قومًا يصرخون بحج، وقومًا يصرخون بعمرة.
وقد روى أنس عن رسول الله - ﷺ - ما يرد روايته هذِه، وهو قوله: «لولا أن معي الهدي لأحللت» كما سيأتي بعد (٢).
وفيه رد قول أهل الظاهر في إجازتهم تقصير الصلاة في مقدار ما بين المدينة وذي الحليفة (٣)، وفي أقل من ذَلِكَ؛ لأنه - عليه السلام - إنما قصر بها؛ لأنه كان خارجًا إلى مكة، فكذلك قصره بها بدليل قوله: (وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا) يعني: بالحج والعمرة. وبين ذي الحليفة وبين المدينة ستة
أميال.

-------------
(١) «بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام» ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
(٢) سيأتي برقم (١٥٥٨) باب: من أهلَّ في زمن النبي، ومسلم (١٢٥٠) باب: إهلال النبي.
(٣) «المحلى» ٥/ ٢٠.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* سيرة بلال بن رباح رضي الله عنه
* ترجمة عبد الله بن الزبير
* شرح النووي لحديث: كمل من الرجال كثير
* شرح النووي لحديث: خير نسائها مريم بنت عمران
* محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه
* «أو» بين التخيير والترتيب وبراعة الاستنباط الفقهي
* منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-16-2026, 09:25 PM   #310

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 151 الى صـــ 170
الحلقة (310)






فائدة:
قام الإجماع على مشروعية التلبية، ثم فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها أنها سنة، قاله الشافعي، والحسن بن حي.
ثانيها: أنها واجبة يجب بتركها دم. قاله أصحاب مالك (١)؛ لأنها نسك، ومن ترك نسكًا أراق دمًا. وقال بعضهم: هي كالأول. حكاه ابن التين.
ثالثها: أنها من شروط الإحرام، لا يصح إلا بها، قاله الثوري، وأبو حنيفة. قال أبو حنيفة: لا يكون محرمًا حَتَّى يلبي أو يذكر، ويسوق هديه (٢). قالا: كالتكبير للصلاة (٣)؛ لأن ابن عباس قال:
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: الإهلال (٤). وعن عطاء، وعكرمة، وطاوس: هو التلبية (٥).
وعندنا قول أنه لا ينعقد إلا بها، لكن يقوم مقامها سوق الهدي، والتقليد، والتوجه معه. وحكي في الوجوب دون الاشتراط، فعليه دم إذا ترك. وقيل: لا بد من التلبية مع النية، وظاهره اشتراط المقارنة.

------------
(١) «المنتقى» ٢/ ٢٠٧.
(٢) انظر «المبسوط» ٤/ ١٨٧ - ١٨٨، و«المدونة» ١/ ٢٩٥، و«النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٣، و«الأم» ٢/ ١٣٢ - ١٣٣، و«المغني» ٥/ ١٠٠ - ١٠١.
(٣) انظر: «الأصل» ٢/ ٥٥٠، «البناية» ٤/ ٦٦، «المنتقى» ٢/ ٢٠٧، «التفريع» ١/ ٣٢٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٤، «الأم» ٢/ ١٣٢، «المجموع» ٧/ ٢٣٧، «مغني المحتاج» ٣/ ٢٦٩.
(٤) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» لابن المنذر ١/ ٣٩٤.
(٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢ (٣٥٥٨، ٣٥٦٤)، وذكره ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ١/ ٣٤٦ (١٨٢١).



وقول ابن الجلاب: إنها في الحج مسنونة غير مفروضة يريد أنها ليست من أركان الحج. واختلف إذا لبى حين أحرم ثم تركها فالمعروف من مذهب مالك أنه لا شيء عليه، وقيل: عليه دم، قاله ابن التين.

٢٦ - باب التَّلْبِيَةِ
١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». [انظر: ١٥٤٠ - مسلم: ١١٨٤ - فتح: ٣/ ٤٠٨]

١٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها. [فتح: ٣/ ٤٠٨]
ذكر فيه حديث مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
وحديث سُفْيَان، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ.


الشرح:
حديث ابن عمر أخرجه مسلم والأربعة (١)، وحديث عائشة من أفراده، زاد مسلم في الأول: وكان ابن عمر يزيد مع هذا لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل.
وله: وكان ابن عمر يقول: كان عمر يهل بإهلال رسول الله - ﷺ - من
هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك. إلى آخره (٢).
وفي «مسند ابن وهب»: وكان ابن عمر يزيد: لبيك لبيك لبيك، وسعديك (٣)، وكذا ذكرها أبو قرة. زاد الدارمى بعد والعمل: لبيك لبيك (٤).
وأخرجه النسائي من حديث ابن مسعود إلى قوله: إن الحمد والنعمة لك (٥).
وكذا هو عن جابر عند مسلم (٦).
زاد أبو داود بسند مسلم: والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي - ﷺ - يسمع فلا يقول لهم شيئًا (٧).

-----------
(١) مسلم (١١٨٤/ ١٩)، أبو داود (١٨١٢)، الترمذي (٨٢٥ - ٨٢٦)، النسائي ٥/ ١٦٠، ابن ماجه (٢٩١٨).
(٢) مسلم (١١٨٤/ ٢١).
(٣) رواه أبو داود (١٨١٢).
(٤) «مسند الدارمي» ٢/ ١١٤٠ - ١١٤١ (١٨٤٩).
(٥) «سنن النسائي» ٥/ ١٦١.
(٦) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٧) «سنن أبي داود» (١٨١٣) وصححه الألباني في: «صحيح أبي داود» (١٥٩١).



ولأحمد: أن سعدًا سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، ولكنا كنا مع رسول الله - ﷺ - لا نقول ذَلِكَ (١)؛ لأن هذا إخبار عن نفسه. وللحاكم من حديث أبي هريرة: «لبيك إله الحق». ثم صححه على شرط الشيخين (٢).
وأصل التلبية الاقتداء بإبراهيم - ﷺ - حين قال له تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧].
وأصلها إما من ألب بالمكان: إذا أقام به، أو من الإجابة، أو من اللب، وهو الخالص، أو المحبة، أقوال إجابة لإبراهيم لما دعا الناس إلى الحج على أبي قبيس، أو على حجر المقام، أو ثنية كداء.
وقال ابن حزم: لا علة لها إلا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) [الملك: ٢] و(إن الحمد) بكسر الهمزة على المختار على الاستئناف (٤).
قال ابن التين: وكذا هو في البخاري، والوجهان في «الموطأ»، ويجوز فتحها على معنى: لأن، والمشهور: نصب النعمة، ويجوز رفعها على الابتداء وحذف الخبر، وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. والرغباء: -ممدود مفتوح، ومقصور بفتح الراء وضمها-: اتساع الإرادة.
وقوله: والعمل أي: إليك القصد به؛ لتجازي عليه. ويحتمل: والعمل لك.

-----------
(١) «المسند» ١/ ١٧٢.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: نقل الزمخشري في آخر تفسير سورة يس أن الشافعية أخطأ والصحيح عن وأن أبا حنيفة كسر وما قاله الشيخ قاله النووي أن الكسر أصح وأشهر.
(٤) «المحلى» ٧/ ١٣٥.



وقوله: والخير بيديك. هو من باب حسن المخاطبة.
وقوله: (إن تلبية رسول الله - ﷺ - كذا). أي: التي كان يواظب عليها.
قال الشافعي وأصحابنا: يستحب أن لا يزاد عليها، بل يكررها ثلاثًا نسقًا، وأن يقف وقفة لطيفة عند قوله: والملك، وقيل: تكره الزيادة، حكاه في «البيان»، وهو غلط فقد صح: لبيك إله الحق. كما تقدم (١).
وعند الحنفية: ينبغي ألا يخل بشيء من هذه الكلمات، وإن زاد فحسن. وعند بعضهم: وإن نقص أجزأه ولا يضره، وهي مرة شرط وما زاد فسنة (٢).
قال أبو عمر: أجمع العلماء على القول بهذِه التلبية، واختلفوا في الزيادة فيها. فقال مالك: أكره الزيادة على تلبية رسول الله - ﷺ -، وهو قول الشافعي، وقد روي عن مالك أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وأبو ثور: لا بأس بالزيادة؛ عملًا بزيادة ابن عمر، وحديث جابر السالف.
وكان عمر يقول بعدها: لبيك ذا النعماء والفضل والثناء الحسن، لبيك مرهوبًا منك، ومرغوبًا إليك (٣).
وكان أنس يقول: لبيك حقًا حقا، تعبدًا ورقا، وروي رفعه (٤).

------------
(١) «الأم» ٢/ ١٣٢، «البيان» ٤/ ١٤٢، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٤.
(٢) «المبسوط» ٢/ ١٨٧، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٤٤٢.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٨ (١٣٤٧٠) كتاب: الحج، باب: في التلبية كيف هي؟.
(٤) «الاستذكار» ١١/ ٩٠ وحديث أنس المرفوع رواه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ١٤/ ٢١٥ - ٢١٦، وحديثه الموقوف عزاه ابن حجر في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٤٠ إلى البزار [كشف الأستار ٢/ ١٣]، والدارقطني في «علله» [١٢/ ٣].



ويستحب للمحرم، وإن كان جنبًا أو حائضًا؛ لقوله - عليه السلام - لعائشة: «اصنعي كما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» (١).
ونقل ابن القصار عن الشافعي: الاقتصار على تلبية سيدنا رسول الله - ﷺ - إلا أن يزيد عليها ثنتين: لبيك إله الحق؛ لأن أبا هريرة رواه عن رسول الله - ﷺ -.
والثاني: أن يقول إذا رأى شيئًا فأعجبه: إن العيش عيش الآخرة.
كما فعل - عليه السلام - حين رأى الناس يزدحمون في الطواف (٢).
قُلْتُ: لا، بل بعرفة (٣)، لما أعجبه ما رأى، وإذا زاد هذين كان كمن اقتصر على تلبية رسول الله - ﷺ -. واحتج بأثر سعد السالف (٤)، وحكاه ابن التين أيضًا عن الشافعي (٥).

------------
(١) سبق برقم (١٢٩٤) كتاب: الحج، باب: الأمر بالنفساء إذا نفس بلفظ: «فاقضي ما يقضي الحاج».
(٢) رواه البيهقي في «السنن» ٥/ ٤٥ من حديث الأعرج عن مجاهد.
(٣) من قول ابن جريج.
(٤) «مسند أحمد» ١/ ١٧٢.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الرابع بعد العشرين، كتبه مؤلفه.



٢٧ - باب التَّسبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكبِيِر قَبْلَ الِإهْلَالِ عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ
١٥٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلُّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ مَعَهُ بِالَمْدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعَا، وَالعَصْرَ بِذِي الحلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّر، ثمَّ أَهَلَّ بِحَجِّ وعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالَحْجِّ، قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُول اللهِ - ﷺ - بِالَمْدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ. قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤١١]
ذكر فيه حديث أنس مطولًا وقد أسلفناه قريبًا في باب: من بات بذي الحليفة ببيان متابعته أيضًا (١). وغرض البخاري بهذِه الترجمة -والله أعلم- الرد على أبي حنيفة في قوله: أن من سبح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله، فأثبت البخاري أن التسبيح والتحميد منه، إنما كان قبل الإهلال؛ لقوله في الحديث بعد أن سبح وكبر: (ثم أهل بحج وعمرة).
ويمكن أن يكون فعل تحميده وتكبيره عند ركوبه، أخذًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، ويمكن أن يكون يعلمنا منه جواز الذكر والدعاء مع الإهلال وأن الزيادة عليه مستحبة بخلاف ما سلف، نبه عليه ابن بطال (٢).

-------------
(١) برقم (١٥٤٦).
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٥.



وقوله: (ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما). قد رد عليه ابن عمر هذا القول، وقال: كان أنس حينئذ يدخل على النساء وهن منكشفات، ينسب إليه الصغر وقلة الضبط، حَتَّى نسب إلى رسول الله
- ﷺ - الإهلال بالقران، وفيه نظر ستعلمه في الباب بعده.
قال ابن بطال: ومما يدل على قلة ضبط أنس للقصة قوله في الحديث: (فلما قدمنا أمر النبي - ﷺ - الناس فحلوا، حَتَّى كان يوم التروية أهلوا بالحج)، وهذا لا معنى له، ولا يفهم إن كان النبي وأصحابه قارنين كما زعم أنس؛ لأن الأمة متفقة على أن القارن لا يجوز له الإحلال حَتَّى يفرغ من عمل الحج كله، كان معه الهدي أو لم يكن، فلذلك أنكر عليه ابن عمر، وإنما حل من كان أفرد الحج وفسخه في عمرة ثم تمتع (١).
وقال ابن التين: إن صح فمعناه: أباح النبي - ﷺ - أن يهل غيره بحج وعمرة، فتكون الإباحة هنا بمعنى الفعل كما يقال: كتب رسول الله - ﷺ - (٢)، وقتل العرنين (٣)، ونزح عثمان البئر (٤). وعلله البخاري بأنه عن أيوب، عن رجل، عن أنس، فأعله؛ لجهالة الرجل: قُلْتُ: لكنه أبو قلابة فيما يظهر.

------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٦.
(٢) من ذلك ما سلف برقج (٦٥) عن أنس، ومنه أيضًا ما سيأتي برقم (٧١٩٢)، ورواه مسلم (١٦٦٩)، ومنه ما رواه مسلم (١٥٠٧).
ومن المعروف أن النبي - ﷺ - كان لا يقرأ ولا يكتب وإنما كان يكتب له.
(٣) راجع ما سلف برقم (٢٣٣)، ورواه مسلم (٥٢٤).
(٤) انظر ما سيأتي برقم (٥٨٧٩).



وقوله: (ونحر النبي - ﷺ - بيده بدنات قيامًا) هذِه السنة في نحر الإبل قائمة؛ لأنه أمكن لنحرها؛ لأنه يطعن في لبتها وتكون معقولة اليد اليسرى. وحكى ابن التين عن مالك -فيما رواه محمد عنه- أن الشأن أن ينحر البدن قائمة، قد عقل يدها بالحبل، وقاله ابن حبيب وهو تفسير قوله تعالى: ﴿صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قال: وروى أيضًا محمد عن مالك: لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها (١).
والأفضل أن يتولى ذبحها بنفسه كما فعل - ﷺ -، قال ابن التين: وفي غير هذا الموضع أنها كانت سبعين بدنة. وفي «الموطأ» عن علي أنه - عليه السلام - نحر بعض هديه، ونحر بعضه غيره (٢).
وروي أن عليًّا نحر باقيها، وفي الجمع بين هذِه الأحاديث الثلاثة تكلف.
قُلْتُ: لا تكلف ولله الحمد، فقد أهدى مائة بدنة فنحر ثلاثًا وستين بيده، كل واحدة عن سنة من عمره، وفيه إشارة إلى قدر عمره، وأعطى عليًّا فنحر الباقي؛ ليبين الجواز فيه.
وقوله: (ذبح بالمدينة كبشين أملحين) جاء في رواية أخرى: ذبح أحدهما عن أهل بيته، والآخر عمن لم يضحِّ من أمته، والأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض.

------------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤٨.
(٢) «الموطأ» ص ٢٥٦ (١٩٠).



٢٨ - باب مَنْ أَهَلَّ حِيَن اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً
١٥٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ يسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣/ ٤١٢]
ذكر فيه حديث ابن عمر وقد سلف في باب: الإهلال عند مسجد ذي الحليفة فراجعه (١).
قال الطبري: جعل الله ذا الحليفة ميقاتًا للمدني، وللمار به من سائر الناس فسواء في جواز الإحرام منه من أي مكان من المسجد أو فنائه، بعد ما استقلت به راحلته أو قبل أن تنهض به قائمة بعدما علا على شرف البيداء أو قبل ما لم يجاوز ذا الحليفة، إذ كل ذَلِكَ قد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه فعله، وليس شيء من ذَلِكَ بخلاف لغيره، وقد يمكن أن يفعل ذَلِكَ كله - عليه السلام - في عمرته التي اعتمر؛ إذ ذَلِكَ كله ميقات، ويمكن أن يكون ذَلِكَ على ما قاله ابن عباس كما سلف عنه.

-------------
(١) برقم (١٥٤١) كتاب: الحج.


٢٩ - باب الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ
١٥٥٣ - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا صَلَّى بِالغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ المَحْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الغَسْلِ.

١٥٥٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُ.
سلف أيضًا حديثه المعلق والمسند هناك (١).
والتعليق الذي علقه عن شيخه أبي معمر - عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد- ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب، عن نافع، فذكره.
وصله أبو نعيم في «مستخرجه»: حَدَّثَنَا إسحاق بن حمزة، حدثني أبو القاسم بن عبد الكريم، ثنا عباس الدوري، ثنا أبو معمر، فذكره.
ووصله أيضًا ابن خزيمة في «صحيحه»، حَدَّثَنَا عبد الوارث بن عبد الصمد، ثنا أبي عن أبيه، عن أيوب فذكره (٢).

-----------
(١) برقم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: المساجد التي على طرق المدينة والمواقع.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٦٩ (٢٦١٤) كتاب: المناسك، باب: استحباب الاستقبال بالراحلة.



ووصله الإسماعيلي أيضًا من طريق ابن خزيمة: حَدَّثَني محمد بن أبي حامد النيسابوري، أنا ابن خزيمة. والبيهقي عن أبي عبد الله، عن أبي أحمد الحاكم، عن أبي بكر بن خزيمة.
وأخرجه مسلم، عن أبي الربيع، عن حماد، عن أيوب (١).
وقوله: (تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل)، أسنده في باب: الاغتسال عند دخول مكة: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، ثنا أيوب، فذكره كما سيأتي (٢).
ولما ذكر الحاكم حديث ابن عباس: اغتسل رسول الله - ﷺ -، ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج، وقال: صحيح الإسناد، قال: وله شاهد على شرطهما عن ابن عمر: من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم،
وإذا أراد أن يدخل مكة (٣).
وأما حديثه الثاني المسند فليس فيه استقبال القبلة عند الإهلال، نعم هو في الأول، وإنما استقبلها لاستقبال دعوة إبراهيم بمكة، فلذلك يلبي الداعي أبدًا بعد أن يستقبل بالوجه؛ لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره من يدعوه ثم يلبيه، بل يستقبله بالتلبية في موضعه الذي دعا منه، ويلبيه إذا ركب راحلته أراد به إجابة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وقوله: (فرحلت) هو مخفف الحاء، لأنه ثلاثي.
وقوله: (ثم يلبي حَتَّى يبلغ الحرم) معلوم من مذهبه أنه كان لا يلبي

-----------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٥٩) كتاب: الحج، باب: استحباب المبيت بذي طوى.
(٢) برقم (١٥٧٣) كتاب: الحج، باب: الاغتسال عند دخول مكة.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٤٧ كتاب: المناسك.



في طوافه، وقد كرهها مالك فيه، كذا نقله عن ابن عمر ابن بطال (١)، وفيه نظر يأتي.
قال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وسيأتي من أجازه ومن كرهه في باب: الاغتسال عند دخول مكة (٢)، إن شاء الله. وإنما كان يدهن بغير الطيب؛ ليمنع بذلك القمل والدواب.
وقوله: (كان ابن عمر إذا صلى الغداة -يعني: الصبح- بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبي). قال الداودي: يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: يأمر بها ثم يصلي، ثم يركب، وإن كان هذا محفوظًا فلقرب ذَلِكَ من الصلاة وإنما قال ذَلِكَ لما سلف عن بعضهم أنه يستحب الإحرام عقب الصلاة.
وفيه؛ استقبال القبلة عند إلاهلال؛ لأنها أشرف الجهات.
وقوله: (قائمًا) يعني: إذا وقفت به راحلته. ومبيت ابن عمر بذي طوى للاتباع كما سيأتي، وهو ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضًا، قال البكري: واد بمكة (٣)، وعند السهيلي في أسفلها (٤).
وذو طواء ممدود موضع بطريق الطائف، وقيل وادٍ. ودخول مكة نهارًا أفضل. وقيل: الليل والنهار سواء، فقد دخلها - عليه السلام - في عمرة

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) انظر شرح حديث (١٥٧٣).
(٣) «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٩٦.
(٤) «الروض الأنف» ٢/ ٢٢٧.



الجعرانة ليلا (١)، وهو المذكور في «الهداية» (٢).
وهذا الغسل لدخول مكة سنة، فإن عجز عنه تيمم يستوي فيه الحائض، والنفساء والصبي.
وقد أسلفنا كلام ابن حزم فيه، قال: لا يلزم الغسل فرضًا في الحج إلا المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذِه تغتسل ولابد، والمرأة تلد قبل أن تهل بعمرة أو بالقران، ففرض
عليها أن تغتسل وتهل (٣).
وقال في الطهارة: الحيض والنفاس شيء واحد، وحكم واحد فأيتهما أرادت الحج أو العمرة ففرض عليها أن تغتسل (٤).
قال صاحب «الاستذكار»: ولا أعلم أحدًا من المتقدمين أوجبه -يعني: الغسل للإحرام- إلا الحسن، وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول أهل الظاهر، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه، وهو سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه ولا يرخصون في تركه إلا من عذر. وعن عبد الملك وهو لازم، إلا أنه ليس في تركه ناسيًا ولا عامدًا دم ولا فدية.
وقال ابن خويز منداد (٥): هو عند مالك آكد من غسل الجمعة. وقال

------------
(١) رواه الترمذي (٩٣٥).
(٢) «الهداية» ١/ ١٥١.
(٣) «المحلى» ٧/ ١٦٨.
(٤) «السابق» ٢/ ٢٦.
(٥) هو محمد بن أحمد بن عبد الله، وقيل: علي، بدل: عبد الله، الفقيه، أبو بكر بن خويز منداد المالكي، صاحب أبي بكر الأبهري، من كبار المالكية العراقيين. صنف كتابًا كبيرًا في الخلاف، وآخر في أصول الفقه، وكتاب «أحكام القرآن».
انظر تمام ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٢١٧، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٥٢ (٣٣٧).



أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: يجزئه الوضوء، وهو قول إبراهيم، وهذا أول اغتسال الحج بعد الإحرام، وبعده الوقوف بعرفة ومزدلفة غداة النحر وأيام التشريق للرمي، واستحبه الشافعي في القديم في الطواف (١).
وقوله: (حَتَّى يبلغ الحرم، ثم يمسك حَتَّى إذا جاء ذا طوى بات به) أي: يتابع إهلاله في أكثر أوقاته إلى أن يبلغه.
وقوله: (ثم يمسك) قال ابن التين: لعل معناه أنه محرم بعمرة؛ لأن الحاج لا يمسك حينئذ. وروي عن مالك يمسك حينئذ.
وقوله: (ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم رفعه إلى رسول الله - ﷺ -) قال ابن التين: يحتمل أن يعيد ذَلِكَ للاستواء على الراحلة أو يكون أراد به تطيبًا، ولم يعن بما لا رائحة له؛ لأن عائشة طيبته للإهلال بأطيب الطيب المسك.
ويحتمل أن يكون - عليه السلام - فعل ذَلِكَ بعد أن تطيب بالمسك، فلم يره ابن عمر حين تطيب به.
فائدة:
في «سنن سعيد بن منصور»: حَدَّثَنَا جرير عن مغيرة قال: ذكر عند إبراهيم إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية مادام يطوف بالبيت. وقال إبراهيم: لا، بل يلبي قبل الطواف، وفي الطواف، وبعد الطوف،
ولا يقطعها حَتَّى يرمي الجمرة (٢).

--------------
(١) «الاستذكار» ١١/ ١٢. وانظر «الهداية» ١/ ١٤٨، «المبسوط» ٤/ ٣، «البيان» ٤/ ١٢٠.
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٦.



وقال الترمذي في «علله»: سألت محمدًا عن أبي إسحاق قال: قال: سأل أبي عكرمة -وأنا أسمع- عن الإهلال متى يقطع؟ فقال: أهلَّ النبي - ﷺ - حَتَّى رمى الجمرة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان الحديث. فقال: هو حديث محفوظ (١).
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، إلا أن أبا حنيفة، والشافعي قالا: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجمرة (٢). وقال ابن حزم: بل مع آخر حصاة منها، وقد قال ابن عباس وأسامة: لم يزل - عليه السلام - يلبي حَتَّى رمى جمرة العقبة. وهو خلاف ما قالاه، ولو كان كما قالاه لقالا: حَتَّى بدأ بجمرة العقبة. ومن حديث عبد الله بن إبراهيم بن حسين، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يهل وهو يرمي جمرة العقبة، فقيل له: ما الإهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا؟ (٣).
وقال قوم منهم مالك: إن الحاج يقطعها إذا طاف، وبالصفا والمروة، وإذا أتم ذَلِكَ عاودها. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يقطع. وقال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم. وقال آخرون: لا يقطعها
حَتَّى يرى بيوت مكة. وقالت طائفة: حَتَّى يدخل بيوتها. وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حَتَّى يستلم الحجر، ويعضد ما ذكره المروذي، عن أحمد، عن هشيم، ثنا الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:

--------------
(١) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٨٧ (١٣٧).
(٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٢٠، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٢ - ١٠٣، «المغني» ٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨.
(٣) رواه ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٦، والبيهقي ٥/ ١١٣ كتاب: الحج، باب: التلبية يوم عرفة وقبله وبعده …



اعتمر رسول الله - ﷺ - ثلاث عمر، كل ذَلِكَ في ذي القعدة، يلبي حَتَّى يستلم الحجر.
وقال الليث: إذا بلغ إلى الكعبة يقطع التلبية.
وقال الشافعي: لا يقطع حَتَّى يفسخ الطواف. وقال مالك: من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم، فإن أحرم من الجعرانة أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة أو المسجد. وروي عن ابن عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حَتَّى يستلم الركن (١)، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة (٢).
وكانت أم سلمة تأمر يوم عرفة بالشمس ترعى لها [رعية] (٣)، فإذا زالت قطعت التلبية، ذكره ابن أبي حاتم في «علله»، عن موسى بن يعقوب، عن عمته، عنها (٤).
قال ابن حزم؛ والذي نقول به هو قول ابن مسعود أنه لا يقطعها، قال: فإن قالوا: فهل عندكم اعتراض فيما روي عن ابن عمر: أنه كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية، ويرفع الحديث، قُلْتُ:
لا معترض فيه، وهو صحيح؛ إلا أنه لا حجة لكم فيه؛ أول ذَلِكَ أنه ليس فيه ما تذكرون من أن هذا كان في العمرة، فهو مخالف لما اختاره أبو حنيفة، والشافعي في الحج، ولما اختاره أبو حنيفة في العمرة أيضًا، نقول لمن ذهب إلى قول مالك: لا حجة لكم فيه؛ لأنه

-------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٩ (١٤٠٠١) كتاب: الحج، باب: في المحرم المعتمر متى يقطع التلبية.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٣٥ - ١٣٨ بتصرف.
(٣) ليست في الأصل، والمثبت من «العلل».
(٤) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٨٩ (٨٦٣).



قد يمكن أن ابن عمر إنما أشار بقوله: أنه - عليه السلام - كان يفعل ذَلِكَ، أي: إلى مبيته بذي طوى، وصلاة الصبح بها فقط، وكذا نقول: أو يكون أشار بذلك إلى قطع التلبية، كما نقول فإن كان هذا فخبر جابر، وأسامة، وابن عباس مرفوعًا، لزم التلبية ولم يقطعها حَتَّى رمي جمرة العقبة،
زائد على خبر ابن عمر، وزيادة العدل لا يجوز تركها (١).
وما أسلفناه عن ابن مسعود أخرجه الحاكم بلفظ: والذي بعث محمدًا بالحق لقد خرجت معه من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية حَتَّى رمى الجمرة؛ إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل، ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٢).
وفي «علل ابن أبي حاتم»: سُئِلَ أبو زرعة عن حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن إبراهيم بن عقبة (٣) عن غريب، عن ابن عباس قال: بعثني النبي - عليه السلام - مع ميمونة أقود بها بعيرها يوم النحر، ليست من جمرة العقبة بمنى، فما زلت أسمعها تلبي، فلما قذفت الجمرة بأول حصاة أمسكت. فقال أبو زرعة: إنما هو عن كريب قال: بعثني ابن عباس مع ميمونة، ويونس يهم فيه (٤).
فائدة: أقدمها هنا وأحيل عليها فيما بعد: اختلف العلماء في إهلاله - ﷺ -، هل كان مطلقًا أو معينًا؟ وإذا كان معينًا، فهل كان إفرادًا، أو تمتعًا، أو قرانًا؟

------------
(١) «المحلى» ٧/ ١٣٨ بتصرف.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ كتاب: المناسك.
(٣) في الأصل: إبراهيم بن عقبة عن ابن عمر عن كريب، والمثبت من «العلل».
(٤) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٩٥ (٨٨٤).



فروى الشافعي من حديث طاوس الأول، وأنه كان ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، وأمر أصحابه من كان منهم أهلَّ وليس معه هدي أن يجعلها عمرة الحديث (١).
ومن حديث جابر بن عبد الله قال: ما سمى رسول الله - ﷺ - في تلبيته حجًّا ولا عمرة (٢).
وقال في كتاب «مختلف الحديث»: إنه الأشبه أن يكون محفوظًا (٣).
وقال الطبري: إن جملة الحال أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، ولا كان مفردًا؛ لأن الهدي كان معه واجبًا كما قال، وذلك لا يكون إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قد قرنهما جميعًا، فكان من زاد أولى. ووجه الاختلاف أنه - عليه السلام - لما عقد الإحرام جعل يلبي تارة بالحج، وتارة بالعمرة، وتارة بهما (٤).
وأما قول المهلب السالف: رد ابن عمر على أنس قوله: أهلَّ بحج وعمرة، وقال: كان أنس حينئذٍ يدخل على النساء وهن متكشفات، ينسبه إلى الصغر وقلة الضبط. زاد الطرطوسي في «كتاب الحج» له: روى ابن عمر أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، وابن عوف أفردوا الحج ولم يقرنوا، ولم يتمتعوا، قال: وهذا يدفع اعتراض من قال: سمع الحج ولم يسمع العمرة.

-------------
(١) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٢ (٩٦٠).
(٢) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٠ (٩٥٧)، «الأم» ٢/ ١٣٢.
(٣) «اختلاف الحديث» ص ٢٢٩.
(٤) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: مما يرجح القرآن أن رواة الإفراد اختلف فيهم بخلاف من رواه.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* سيرة بلال بن رباح رضي الله عنه
* ترجمة عبد الله بن الزبير
* شرح النووي لحديث: كمل من الرجال كثير
* شرح النووي لحديث: خير نسائها مريم بنت عمران
* محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه
* «أو» بين التخيير والترتيب وبراعة الاستنباط الفقهي
* منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-24-2026, 09:29 PM   #311

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 171 الى صـــ 190
الحلقة (311)






وسئل أيضًا: بم أهلَّ رسول الله - ﷺ -؟ قال: بالحج مفردًا، فلما كان في العام القابل سأله ذَلِكَ الرجل، فقال ابن عمر: أليس قد سألت عام أول، فقلت لك: أهل بالحج مفردًا؛ فقال: إن أنسًا يقول: قرن (١). فقال: كان أنس صغيرًا يتولج على النساء وهن متكشفات لا يستترن منه لصغره، وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله - ﷺ - يمسني لعابها. وفي رواية: يسيل علي لعابها، سمعته يهل بالحج مفردًا، وأهللنا مع النبي بالحج خالصًا لا يشوبه شيء، ففيه نظر؛ لأن حجة الوداع كانت وسن أنس نحو العشرين.
وقد جاء في الصحيح أنه منع من الدخول على النساء حين بلغ عمره خمس عشرة سنة، وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين، وسنه نحو سن ابن عمر، ولعله لا يكون بينهما إلا نحو من سنة أو دونها.
قال ابن حزم: روي عن جميع من روى الإفراد القرآن، وهم عائشة، وجابر، وابن عمر، وابن عباس. ووجدنا عليًّا وعمران بن حصين روي عنهما التمتع والقران، ووجدنا أم المؤمنين حفصة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك لم تضطرب الرواية عنهم ولا اختلاف عنهم فيه، فنترك رواية كل من قد اضطربت الرواية عنه، ونرجع إلى رواية من لم تضطرب عنه، وهذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات، والأخذ بما لم يعارض منها.
وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، وهو وجه يجب استعماله إذا كانت الألفاظ والأفعال كلها منسوبة إلى سيدنا رسول الله - ﷺ -، ولم تكن موقوفة على من دونه، ولا تنازعًا ممن سواه، فوجهه أنَّا وجدنا

----------
(١) رواه بنحوه ابن حزم في «حجة الوداع» ص ٤٣٣.


من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بالحج وحده دون عمرة معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها دون حج معها، ووجدنا من روى القرآن قد جمع الأمرين معًا، فزاد على من ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة وحدها حجًّا، وكانت هذِه زيادتي علم يذكرهما الآخرون، وزيادة حفظ، ونقل على كلتي الطائفتين المتقدمتين، وزيادة العدل مقبولة، وواجب الأخذ بها (١). سيما إذا روجع فيها فثبت عليها ولم يرجع، كما في «الصحيح» من حديث بكر عن أنس: سمعت النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج. قال: فلقيت أنسًا، فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما يعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله في يقول: «لبيك عمرة وحجا» (٢)
وفي لفظ: جمع بينهما -بين الحج والعمرة- وفي حديث يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب، وحميد سمعوا أنسًا قال: سمعت رسول الله - ﷺ - أهل بهما: «لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجًا» (٣).
وفي «الاستذكار» من رواية الحسن بإسناد جيد: وقرن القوم، فلما قدموا مكة قال لهم النبي - ﷺ -: «أحلوا» فهاب القوم فقال: «لولا أن معي هديًا لأحللت» (٤).

--------------
(١) «حجة الوداع» ص ٤٤٦ - ٤٤٨ بتصرف.
(٢) رواه مسلم (١٢٣٢).
(٣) رواه مسلم (١٢٥١) باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه.
(٤) «الاستذكار» ١١/ ١٤٩، وسيأتي بنحوه عن أنس برقم (١٥٥٨).



وعند الحاكم على شرطهما أنه - عليه السلام - قال: «لبيك بحج وعمرة معًا» (١)
وسيأتي عند الطحاوي اختلاف علي وعثمان، وقول علي: ما كنت لأدع سنة رسول الله - ﷺ - لقول أحدكم، أهل بهما: «لبيك بعمرة وحجة».
وسلف قول عمر: سمعت رسول الله: «أتاني الليلة آت من ربي -عز وجل- فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» (٢)
ولمسلم من حديث عمران بن حصين أنه - عليه السلام - جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حَتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه (٣).
ولأبي داود بإسناد جيد عن البراء، عن علي أنه - عليه السلام - لما قدم من اليمن قال: «إني قد سقت الهدي، وقرنت» (٤).
ومن حديث الصبي بن معبد بإسناد جيد في حديث قال: «أهللت بالحج والعمرة». قال لي عمر: هديت لسنة رسول الله - ﷺ - مرتين (٥).
صححه الدارقطني في «علله» (٦)، وقال أبو عمر: جيد الإسناد، رواه الثقات والأثبات، عن أبي وائل، عن الصبي، عن عمر. ومنهم من يجعله عن أبي وائل عن عمر، والأول مجود، ورواته أحفظ (٧).
وللحاكم -وقال: على شرطهما- عن أبي قتادة: إنما قرن - عليه السلام -

--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٧٢ كتاب: المناسك.
(٢) برقم (١٥٣٤) باب: العتيق وادٍ مبارك.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٢٦/ ١٦٧) باب: جواز التمتع.
(٤) «سنن أبي داود» (١٧٩٧) وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٥٧٧).
(٥) ابن ماجه (٢٩٧٠)، وأحمد ١/ ١٤، ٢٥، ٣٤، ٣٧، ٥٣، وابن خزيمة في: «صحيحه» ٤/ ٣٥٧ - ٣٥٨ (٣٠٦٩)، وابن حبان ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٣٩١٠ - ٣٩١١)، والبيهقي ٥/ ١٦.
(٦) «علل الدارقطني» ٢/ ١٦٥.
(٧) «التمهيد» ٨/ ٢١٢ وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٧٨).



بينهما؛ لأنه - عليه السلام - علم أنه ليس بحاج بعدها (١).
وفي «الاستذكار» روى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد: سمحت عبد الله بن أبي أوفي يقول بالكوفة: إنما جمع - عليه السلام - بينهما؛ لأنه علم أنه لا يحج بعدها (٢).
ولأحمد عن سراقة بإسناد صالح قال: قرن رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع (٣).
وعن أبي طلحة أنه - عليه السلام - جمع بينهما. أخرجه ابن ماجه، وفيه الحجاج بن أرطاة (٤).
وللترمذي محسنًا عن جابر أنه - عليه السلام - قرن الحج والعمرة (٥).
وقال أبو حاتم الرازي: إنه منكر (٦).
وقال ابن حزم: صح عن عائشة وحفصة أنه - عليه السلام - كان قارنًا (٧)، يريد بذلك رواية أبي داود عن عائشة: «طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك» (٨).

-----------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٧٢.
(٢) «الاستذكار» ١١/ ١٤٧.
وورد بهامش الأصل: حديث سراقة رواه ابن ماجه بلفظه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» قال: وقرن رسول الله - ﷺ -. فقوله في حجة الوداع ثبت فيه.
(٣) «مسند أحمد» ٤/ ١٧٥.
(٤) «سنن ابن ماجه» (٢٩٧١)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٠٥).
(٥) «سنن الترمذي» (٩٤٧).
(٦) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٧) «حجة الوداع» ص ٤٢٢.
(٨) «سنن أبي داود» (١٨٩٧)، ورواه مسلم (١٢١١/ ١٣٣) بنحوه.



وقال أبو حاتم: عن عطاء مرسلًا أصح، قال: وأما رواية عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أنه - عليه السلام - قال لعائشة: «طوافك الأول بين الصفا والمروة الحج والعمرة» فهو حديث منكر (١).
قال ابن حزم: فصح أنها كانت قارنة (٢)، وقال الطحاوي: قوله: «طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك» يبعد أن يكون من كلام النبي في القلوب؛ لأن الطواف وإن كان للحج فهو له دون العمرة، وإن كان لهما جميعًا لم يجز أن يضاف إلى أحدهما دون الآخر (٣).
وحديث حفصة رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عنها يرفعه: «لا أحل حَتَّى أحل (٤) من الحج» (٥)، ولأحمد بإسناد جيد: عن أم سلمة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج» (٦).
ولأبي داود من حديث أبي خَيْوان شيخ الهنائي أن معاوية قال للصحابة: هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: لا (٧).

---------
(١) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ٢٨٨.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٦٩، و«حجة الوداع» ص ٣١٨.
(٣) انظر «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٠٠.
(٤) في الأصل: أحلق، والصواب ما أثبتناه كما في «مسند أحمد» ٦/ ٢٨٣، وكثير من مصادر التخريج.
(٥) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٥٦ بلفظ: «لا أحل حتى أنحر».
(٦) «مسند أحمد» ٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨. وورد بهامش الأصل: حديث أم سلمة مختصر هنا وكان الشيخ ذكر منه موضع كلامه والاقتصار على بعض الحديث جائز على الصحيح.
(٧) «سنن أبي داود» (١٧٩٤) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٧٤): حديث صحيح، إلا النهي عن القرن بين الحج والعمرة؛ فهو منكر؛ لمخالفة الأحاديث المتقدمة.



وقال المنذري: اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، فذكره (١).
ولابن أبي شيبة من حديث علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت أصحاب محمد يهلون بحجة وعمرة معًا (٢).
ومن حديث عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان قال: سألنا ابن عمر عن رجل أهل بحج وعمرة معًا، وإنا عبنا ذَلِكَ عليه، ما كفارته؟ قال: كفارته أن يرجع بأجرين وترجعون بواحد (٣).
وللكجي عن الهرماس بن زياد قال: سمعت النبي - ﷺ - على ناقته قال: «لبيك حجة وعمرة معًا» (٤). قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: فذكرته لأحمد فأنكره قال أبي: أرى دخل لعبد الله بن عمران حديث في حديث، وسرقه الشاذكوني؛ لأنه حدث به بعد عن يحيى بن الضريس (٥).
ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيَثْنينَّهما» (٦).
والظاهر أن هذا شك من صحابي أو ممن دونه ورجح أصحابنا الإفراد بأن رواته أكثر، ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع والقران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما.

------------
(١) «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٣١٨.
(٢) «المصنف» ٣/ ٢٧٨ (١٤٢٩٥) كتاب: الحج، باب: فيمن قرن بين الحج والعمرة.
(٣) «المصنف» ٣/ ٢٧٨ (١٤٢٩٦).
(٤) ورد بهامش الأصل: وحديث الهرماس رواه عبد الله في «المسند» ولفظه: قال: كنت ردف أبي فرأيت النبي - ﷺ - على بعير وهو يقول: «لبيك بحج وعمرة معًا».
(٥) «علل الحديث» ١/ ٢٩١ (٨٧٢).
(٦) «صحيح مسلم» (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه.



وقال الخطابي: يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج فحكي أنه أفرد، وخفي عليه قوله: «وعمرة». ولم يحك إلا ما سمع ولا منافاة. ويحتمل أن يكون سمعه على سبيل التعليم لغيره.
وأما من روى التمتع فأثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وما رواه أنس من القرآن إلا أنه أفاد إيقاعهما في زمانين، وهو ما روته حفصة (١).
ويحتمل أن يكون معنى قوله: «لأهللت بعمرة» أي: لتفردت بها يطيب به نفوس من تمتع، فتكون دلالته حينئذ على معنى الجواز، لا على معنى الاختيار، وسأذكر قريبًا من كلام إمامنا الشافعي في اختلاف الحديث ما يجمع به الشتات إن شاء الله، وسيأتي حجة من رجح التمتع مع المناقشة معه.

-------------
(١) انظر: «معالم السنن» ٢/ ١٣٩.


٣٠ - باب التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي
١٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي». [٣٣٥٥، ٥٩١٣ - فتح: ٣/ ٤١٤]
ذكر فيه عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ». فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي».
هذا الحديث ذكره في باب: الجعد، من كتاب: اللباس بزيادة: «أما إبراهيم - ﷺ - فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى - ﷺ - فرجل آدم، جعد، على جمل أحمر مخطوم بخلبة» (١).
ولمسلم: مر رسول الله - ﷺ - بوادي الأزرق، فقال: «أي وادٍ هذا؟» قالوا: هذا وادي الأزرق. قال: «كأني أنظر إلى موسى - ﷺ - هابطًا من الثنية، واضعًا أصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية» ثم أتى على ثنية هَرْشَى، فقال: «أي ثنية هذِه؟» قالوا: ثنية هَرْشَى. قال: «كأني أنظر إلى يونس بن متى - ﷺ - على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة، وهو يلبي» (٢).
قوله: (إذا انحدر). أنكر بعضهم إثبات الألف، وغلط رواته، وهو غلط منه. كما قال القاضي، إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا؛ لأنه وصفه حالة

------------
(١) سيأتي برقم (٥٩١٣).
(٢) «صحيح مسلم» (١٦٦) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ -.



انحداره فيما مضى (١).
وفيه: أن التهليل في بطن الوادي من سنن المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. فإن قيل: فكيف يحجون، ويلبون، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟ فالجواب: أنهم أحياء في هذِه الدار عند ربهم -عز وجل-؛ ولأن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] والتلبية دعاء، وحبب إليهم ذَلِكَ فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون، كما يحمده، ويسبحه أهل الجنة.
قال - عليه السلام -: «يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» (٢) ويحتمل أن هذِه رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء.
ويحتمل أنه أري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال: «كأني أنظر إلى موسى» (٣) «كأني أنظر إلى عيسى» أو يكون أخبر عن الوحي في أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين.
وزعم الداودي أن قول من روى «موسى» وهم من الرواة؛ لأنه لم يأت أثر ولا خبر عن موسى أنه حي، وأنه سيحج، إنما ذَلِكَ عن عيسى، فاختلط على الراوي، فجعل فعل عيسى لموسى، بيانه قوله في حديث آخر: «ليهلن ابن مريم بفج الروحاء» (٤).

------------
(١) «إكمال المعلم» ١/ ٥١٨.
(٢) رواه مسلم من حديث جابر برقم (٢٨٣٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في صفات الجنة، وأحمد ٣/ ٣٤٩، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ٤١٨ (١٩٠٦).
(٣) رواه مسلم (١٦٦).
(٤) رواه مسلم من حديث أبي هريرة (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه.



ونقله ابن بطال عن المهلب أيضًا، قال: وذلك على رواية من روى «إذا انحدر»؛ لأنه إخبار عما يكون.
وأما رواية من روى «إذ انحدر» يحكي عما مضى، فيصح عن موسى أن يراه - عليه السلام - في منامه، أو يوحى إليه بذلك، وأقره عليه (١).
وكذا أقر ابن التين الداودي على مقالته، وهو عجيب؛ لما أسلفناه، وأنهم أحياء وشهداء، وإذا اختلط ذَلِكَ على الراوي في موسى، فكيف بعمل يونس بن متى، وغيره كما سلف.

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٨.


٣١ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ
أَهَلَّ: تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الهِلَالَ كُلُّهُ مِنَ الظُّهُورِ، وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ.

١٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في حَجَّهِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَة، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا». فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالَمْرْوَة، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الَحجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: «هذِه مَكَانَ عُمْرَتِكِ». قَالَتْ: فَطَافَ الذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالَمرْوَة، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا الَحجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤١٥]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ. فقال - ﷺ - لها «أَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ …» الحديث بطوله.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١).

-----------
(١) مسلم (١٢١١)، أبو داود (١٧٧٨، ١٧٨١)، الترمذي (٩٤٥)، النسائي ٥/ ١٥٦، ١٦٥ - ١٦٦، ابن ماجه (٢٩٦٣).


والكلام عليه من وجوه:
أحدها: قوله (أهل: تكلم به) قال ابن عرفة: الإهلال: رفع الذابح صوته بذكر الله. وقال ابن فارس: أهل الرجل إذا كبر عند نظره إلى الهلال أو غيره (١).
وقوله: (كله من الظهور) اعترضه الداودي فقال: إن أراد أن يسمي الشيء بالشيء لما قاربه فيحتمل، وأما نفس اللفظ فهي من الصراخ، ألا ترى أن الصبي يظهر من بطن أمه فلا يقال: استهل حَتَّى يبكي.
قال: وقوله: (واستهل المطر خرج من السحاب) هو الصوت لا من الظهور.
وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] أي ذبح على الأصنام.
ثانيها:
خروجها كان في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، ولم يحج - عليه السلام - من المدينة بعد الهجرة غيرها، وأما قبلها -لما كان بمكة- حج حججًا لا يعلم عددها إلا الله، وسميت حجة الوداع؛ لأنه - عليه السلام - وعظهم فيها، وودعهم فسميت بذلك حجة الوداع.
ثالثها:
قوله: (فأهللنا بعمرة). اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا -كما قال القاضي (٢) - فهنا (فأهللنا بعمرة)، وفي أخرى: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج. قالت: ولم أهل إلا بعمرة. وفي أخرى: خرجنا لا نريد إلا الحج. وفي أخرى: لبينا بالحج. وفي أخرى:

------------
(١) «مجمل اللغة» ٤/ ٨٩٢.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥.



مهلين بالحج. والكل صحيح (١). وفي رواية: وكنت ممن تمتع، ولم يسق الهدي (٢).
قال مالك: ليس العمل عندنا على حديث عروة عنها قديمًا ولا حديثًا. وكذا قال أبو عمر: الأحاديث عن عائشة في هذا مضطربة جدًا (٣).
وفي «المشكل» للطحاوي: فلما جئنا سرفًا طمثت، فلما كان يوم النحو طهرت. وفي لفظ فقال لها: «انفري فإنه يكفيك» (٤) فألحت، فأمرها أن تخرج إلى التنعيم. وفي لفظ قالت: يا رسول الله، إني حضت وقد حل الناس ولم أحل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. قال: «اغتسلي ثم أهلي بالحج» ففعلت، وقفت المواقف حَتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبين الصفا والمروة، ثم قال: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعا». فقلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت قال: «اذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها» (٥) وذلك ليلة الحصبة.
قال الطحاوي: لما اختلفت الرواية عن عطاء وجابر عنها، نظرنا

------------
(١) رواها مسلم برقم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٢) سيأتي برقم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: امتشاط المرأة عند غلسها من المحيض.
(٣) «الاستذكار» ١١/ ١٢٩.
(٤) سيأتي برقم (١٥٦١) كتاب: الحج، باب: التمتع والإقران.
(٥) رواه مسلم من حديث جابر (١٢١٣) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وأبو داود (١٧٨٥) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، والنسائي ٤/ ١٦٥ كتاب: الحج، باب: في المهلة بالعمرة تحيض وتخاف فوت الحج.



إلى رواية غيرهما عنها، فوجدنا الأسود قد روى عنها: قالت: خرجنا، ولا نرى إلا الحج، فلما قدم النبي - ﷺ - مكة طاف بالبيت ولم يحل، وكان معه الهدي، فحاضت هي، قالت: فقضينا مناسكنا من حجنا، فلما كانت ليلة الحصبة ليلة النفر، قالت: يا رسول الله، أيرجع أصحابك
كلهم بحجة وعمرة، وأرجع بالحج؟ قال: «أما كنت تطوفت بالبيت ليالي قدمنا؟»: قُلْتُ: لا (١).
وقال ابن حزم: حديث أبي الأسود عن عروة عنها، وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها، منكران وخطأ عند أهل العلم بالحديث. وقد سبقنا إلى تخطئة حديث أبي الأسود هذا أحمد بن حنبل (٢).
وقال ابن عبد البر في «تمهيده»: دفع الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وابن علية حديث عروة هذا، وقالوا: هو غلط (٣).
ولم يتابع عروة على ذَلِكَ أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني القاسم، والأسود، وعمرة على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية التي رويت عن عروة غلط. أي: لأن عروة قال في رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عنه؛ حَدَّثَني غير واحد أن النبي - ﷺ - قال لها: «دعي عمرتك» فدل أنه لم يسمع الحديث منها.
وفي «المستدرك» صحيحًا على شرط مسلم عنها: خرجنا مع النبي - ﷺ - على أنواع ثلاثة: منا من أهل بحجة وعمرة، فلم يحل مما حرم عليه

----------
(١) «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ١٦٤ - ١٦٧.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) «التمهيد» ٨/ ٢١٧.



حَتَّى قضى مناسك الحج. ومنا من أهل بحج مفردًا لم يحل من شيء حَتَّى يقضي مناسك الحج، ومنا من أهل بعمرة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة حل ثم استقبل الحج (١).
وقال ابن حزم: الصحيح أنها كانت قارنة (٢)، وقال: رواه وكيع فجعل قولها: ولم يكن في ذَلِكَ هدي ولا صوم. من قول هشام، لكنْ عبدُ الله بن نمير وعبدُة جعلاه من كلام عائشة، وأما ابن نمير دون وكيع في الحفظ والثقة، وكذلك عبدة.
وفي «الموطآت» للدارقطني: قال غندر في حديثه عن مالك: فليهل بالحج والعمرة. وقال: ولا بالصفا والمروة. وقال معن ولما رجعوا من منى طافوا طوافًا آخر لحجهم.
وقال أبو سعيد: كان الصحابة الذين ليسوا من مكة لم يطوفوا حَتَّى رجعوا من منى. وقال موسى بن داود: لم يطوفوا حَتَّى رموا الجمرة.
وقال أبو المطرف: فأما من أهل بالحج والعمرة، فإنه قدم فطاف طوافًا واحدًا، وسعى بين الصفا والمروة، ثم ثبت على إحرامه حَتَّى خرج إلى منى. ورواه مالك أيضًا عن ابن شهاب وهشام، عن عروة (٣).
ورواه ابن أبي أويس وغيره، عن مالك، عن هشام، عن أبيه. من غير ذكر ابن شهاب.
قال: ابن الحصار في «تقريبه»: تفرد يحيى بروايته، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وقال أبو عمر في «تمهيده»: لم يتابعه أحد من رواة «الموطأ»، ولا غيرهم عن مالك،

------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٨٥ كتاب: المناسك.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٦٩.
(٣) «الموطأ» ص ٢٦٥.



وليس بمحفوظ، ولا معروف بهذا الإسناد (١).
وفي «الموطأ»: مالك، عن أبي الأسود، عن عروة عنها، فذكر الحديث، وفيه: فأهل رسول الله - ﷺ - بالحج (٢)، وفي لفظ: أفرد بالحج. وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عنها أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج (٣).
قال أبو عمر: وزاد يحيى بن يحيى: «حتى تطهري». وقد تابعه على هذِه اللفظة أكثرهم، وذكر ألفاظًا أخر (٤)، وكذا قال المهلب: إهلالها بعمرة، يعارضه رواية عمرة عن عائشة أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج.
وقال أبو نعيم في حديثه: مهلين بالحج، فلما دنونا من مكة، قال - عليه السلام - لأصحابه: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا». والتوفيق بينهما أن يكون معنى قولها: (فأهللنا بعمرة). تريد: حين دنونا من مكة حين أمر النبي - ﷺ - من لم يسق الهدي بفسخ الحج في العمرة فأهلوا بها. وبينت عمرةُ عن عائشة ابتداء القصة من أولها.
وعروة إنما ذكر ما آل إليه أمرهم حين دنوا من مكة، وفسخوا الحج في العمرة إلا من كان ساق الهدي من المفردين، فإنه مضى على إحرامه من أجل هديه، ولم يفسخه في عمرة، لقوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلَا الهَدْيَ﴾ (٥) [المائدة: ٢]، وقال ابن التين: يحتمل أن تريد بذلك أزواجه - ﷺ -، ويحتمل أن تريد به طائفة أشارت إليهم، ولا يصح

--------
(١) «التمهيد» ٨/ ١٩٩.
(٢) «الموطأ» ص ٢٢١.
(٣) «الموطأ» ص ٢٢١.
(٤) «التمهيد» ١٩/ ٢٦١.
(٥) انظر «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠.



إرادتها جماعة من الصحابة؛ لأنها ذكرت أن منهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بهما.
الثالث:
قوله: («من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة») الظاهر أنه قال ذَلِكَ لمن أحرم بالعمرة أولًا، لا كما قال القرطبي: أن ظاهره أمرهم بالقران. ويكون قوله ذَلِكَ لهم عند إحرامهم. ثم قال: ويحتمل، فأبدى ما فلناه، فيكون أمر بالإرداف ويؤيده قوله: «لا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا»؛ لأن هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة (١).
وقد اتفق العلماء -كما قال القاضي- على جواز إدخال الحج على العمرة (٢). وشذ بعض الناس فمنعه، وقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما في الصلاة (٣). واختلفوا في عكسه، وهو إدخال العمرة على الحج. فجوزه أبو حنيفة (٤)، والشافعي في القديم (٥)، ومنعه آخرون، وقالوا: هذا كان خاصًّا بالنبي - ﷺ - لضرورة الاعتمار

-------------
(١) «المفهم» ٣/ ٢٩٩.
(٢) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٤، «الاقناع» للفاس ٢/ ٧٨٣، ٧٨٤، «المجموع» للنووي ٤/ ١٥٧.
(٣) وهو قول أبي ثور نقله عنه ابن عبد البر في «الاستذكار» ١١/ ١٤٠.
(٤) نسب الشافعية هذا القول إلى الأحناف وفيه نظر إذ أن مذهبهم عدم جواز إدخال العمرة على الحج وهذا بناء على ما جاء في كتبهم «الأصل» لمحمد بن الحسن ٢/ ٥٣١: ٥٣٣، «مختصر الطحاوي» ص ٦١، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص ٢/ ١٠١، «المبسوط» للسرخسي ٣/ ١٨٠.
(٥) «البيان» للعمراني ٤/ ٧٣، «روضة الطالبين» للنووي ٣/ ٤٥، «المجموع» ٧/ ١٥٧.



حينئذ في أشهر الحج (١).
الرابع:
الهدي بإسكان الدال -وهو أفصح من كسرها- مع التشديد، وسوى بينهما ثعلب، وغيره، والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم، وهو اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام (٢)، ثم عدي إلى ذبح جزاء ما يرتكبه من المحظورات.
قال اللحياني: وواحد الهدي: هدية. وقد قرئ بالوجهين جميعًا: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: والتشديد قول الأكثرين.
وفي الحديث: «هلك الهدي، ومات الودي». قال الهروي: أي هلكت الإبل، ويبست النخل. والعرب تقول: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم (٣)؟
الخامس:
قوله: («لا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا») استدل به بعض أصحاب أبي حنيفة على أن المتمتع إذا فرغ من أعمال العمرة لم يحل، ثم يحرم بالحج إن كان معه هدي عملًا بقوله: «ثم لا يحل» (٤) إلى آخره.

--------------
(١) وهو قول الشافعي في الجديد وقول المالكية والحنابلة. انظر: «البيان» للعمراني ٤/ ٧٣، «روضة الطالبين» للنووي ٣/ ٤٥، «المجموع» ٧/ ١٥٧، «التفريع» لابن الجلاب ١/ ٣٣٥، «عيون المجالس» ٢/ ٩٠٠، «الاستذكار» لابن عبد البر ١١/ ١٣٨، «المستوعب» للسامري ٤/ ٥٣، ٥٤، «المغني» لابن قدامة ٥/ ٣٧١ - ٣٧٢، «المبدع» لابن مفلح ٣/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٥٤، «لسان العرب» ٨/ ٤٦٤٢.
(٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٥٤.
(٤) «الاختيار» للموصلي ١/ ١٥٨ - ١٥٩، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩.



وجوابه: أنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قاله عند الإهلال، فقال: من شاء فليقرن؛ ليبين جوازه، ويكون معنى من معه هدي الآن فليقلده بالقران؛ لأنه إن كان متمتعًا فلا يجب أن يقلد هديه؛ لتمتعه عند إحرامه بعمرة، وإنما يقلده إذا أحرم بحجة، فالفائدة الحض على الحج في ذَلِكَ العام لمن معه هدي، ولعله علم عزم بعضهم على ترك الحج والاقتصار على فعل العمرة؛ لأجل الهدي، فحض واجد
الهدي على القرآن؛ ليحج من عامه.
ويحتمل أنه أمر بذلك بعد الإحرام لما يأتي من قوله: (فقدمت مكة وأنا حائض) فأمر بذلك بعد الإحرام بالعمرة، وبعد تقليد الهدي، وإشعاره على أن ينحووا بمنى في حجتهم، وأن يحل من عمرته عند وصوله إلى مكة، ثم يبقى حلالًا وهديه مقلدًا مشعرًا حَتَّى يحرم بالحج يوم التروية، ثم ينحر هديه بمنى، فأمرهم بإرداف الحج على العمرة، ويعودوا قارنين.
ومعنى ذَلِكَ المنع لهم من التحلل مع بقاء الهدي، وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وادعى ابن التين أن هذا الاحتمال هو الأظهر. ويخدشه قوله أولًا: «ثم لايحل حَتَّى يحل منهما جميعًا».
فرع:
اختلف قول مالك فيمن قلد هديًا وأشعره، وأحرم بعمرة، ثم قرن، هل يجزئه ذَلِكَ الهدي عن قرانه؟ فقال: لا يجزئه؛ لأن أوله كان على التطوع، ثم قال بعد ذَلِكَ يجزئه، فقد فعله الصحابة، يريد هذا الحديث، فترك القياس؛ لأن أوله كان على التطوع.


السادس: قولها: (فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة) فيه دلالة على أن الحائض لا يجزئ طوافها بالبيت، قال ابن بطال: ولا خلاف بين العلماء أن الحائض لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأن السعي بينهما موصول بالطواف، والطواف موصول بالصلاة، ولا تجوز صلاة بغير طهارة (١).
وقال ابن التين: إنما لم تطف ولم تسع؛ لأن الطواف من شرطه الطهارة، والسعي مرتب عليه، وإن كان ليس من شرطه الطهارة، بدليل أنها لو حاضت بعد أن فرغت الطواف وسعت لأجزأها، وهذِه العبادة أحسن من تلك.
وقال ابن الجوزي: فيه دلالة على أن طواف المحدث لا يجزئ، ولو كان ذَلِكَ لأجل المسجد لقال: لا يدخل المسجد.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد في طواف المحدث والنجس، فروي عنه لا يصح، وروي عنه يصح، ويلزمه دم (٢).
ومذهب الجمهور -كما قاله في «شرح المهذب»- أن السعي يصح من المحدث، والجنب، والحائض (٣). وعن الحسن أنه إن كان قبل التحلل أعاد السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه.
وعن أبي حنيفة أن الطهارة من الحدث والنجس ليس شرطًا للطواف، فلو طاف وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صح طوافه.
واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٣٠.
(٢) انظر: «المستوعب» للسامري ٤/ ٢١٦، ٢١٧، «المغني» لابن قدامة ٥/ ٢٢٢، ٢٢٣، «المبدع» لابن مفلح ٣/ ٢٢١.
(٣) «المجموع» للنووي ٨/ ٢٣.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* سيرة بلال بن رباح رضي الله عنه
* ترجمة عبد الله بن الزبير
* شرح النووي لحديث: كمل من الرجال كثير
* شرح النووي لحديث: خير نسائها مريم بنت عمران
* محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه
* «أو» بين التخيير والترتيب وبراعة الاستنباط الفقهي
* منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-24-2026, 09:32 PM   #312

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 191 الى صـــ 210
الحلقة (312)






شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن كان جنبًا لزمه بدنة. قالوا: ويعيده ما دام بمكة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (١)
وعن داود: الطهارة له واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه إلا الحائض (٢).
السابع:
كنت وعدت فيما مضى أن أذكر كلام إمامنا الشافعي في جمعه بين مختلف الروايات.
قال في «اختلاف الحديث»: ليس في هذِه الأحاديث المختلفة أحرى أن لا يكون متفقًا من وجهين مختلفين لا ينسب صاحب إلى الغلط من حديث أنس قال: قرن رسول الله - ﷺ -، ثم حديث من قال: كان ابتداء إحرامه حجًّا لا عمرة معه؛ لأنه - عليه السلام - لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة ولم يختلف في شيء من السنن الاختلاف فيه أيسر من هذا من جهة أنه مبا، وإن كان الغلط فيه قبيحًا فيما حمل من الاختلاف، ومن فعل شيئًا مما قيل فيه: أن النبي - ﷺ - فعله كان له واسعًا؛ لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا نعلم فيه خلافًا يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج والإفراد والقران واسع كله. وأشبه الروايات أن يكون محفوظًا في الحج ما روى جابر أن النبي - ﷺ - خرج لا يسمي حجًّا ولا عمر (٣)، وقال طاوس: خرج محرمًا ينتظر

-------------
(١) «مختصر الطحاوي» ص ٦٤، «المبسوط» للسرخسي ٤/ ٣٨، ٣٩، «بدائع الصنائع» للكاساني ٢/ ١٢٩.
(٢) انظر: «المجموع» ٨/ ٢٣.
(٣) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٠ (٩٥٧) كتاب: الحج، باب: في الإفراد والقران والتمتع.



القضاء (١)؛ لأن رواية يحيى بن سعيد عن القاسم، وعمرة عن عائشة توافق روايته، وهؤلاء تقصَّوا الحديث، ومن قال: أفرد الحج فيشبه أن يكون قال على ما يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون سيدنا رسول الله - ﷺ - أن أحدًا لا يكون مقيمًا على حج إلا وقد ابتدأ إحرامه
بحج. وأحسب أن عروة حين حدث أن النبي - ﷺ - أهل بحج، إنما ذهب إلى أنه سمع عائشة تقول: فعل النبي - ﷺ - في حجه، وذكر أن عائشة أهلت بعمرة، إنما ذهب إلى أنها قالت: فعلت في عمرتي كذا إلا أنه خالف خلافًا بينًا لحديث جابر وأصحابه في قول عائشة: ومنا من جمع الحج والعمرة.
فإن قال قائل: فقد قرن الصبي بن معبد، وقال له عمر: هديت لسنة نبيك، قيل: حكي لعمر أن رجلين قالا: هذا أضل من جمل أهله، فقال: أي: هديت لسنة نبيك. أي: من سنة نبيك القرآن، والإفراد، والعمرة هدى لا ضلال. فإن قيل: فما دل على هذا؟ قيل: أمر عمر بأن يفصل بين الحج والعمرة، وهو لا يأمر إلا بما يسمع، ويجوز في سنة رسول الله - ﷺ -، وإفراده الحج.
فإن قيل: فما قول حفصة لرسول الله - ﷺ -: ما بال الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟ قيل: أكثر الناس مع رسول الله - ﷺ - لم يكن معه هدي، وكانت حفصة معهم، فأمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة ويحلوا، فقالت: لم حل (٢) الناس ولم تحل أنت من عمرتك؟ تعني من إحرامك الذي ابتدأته، وهم وهو بنية واحدة، قال: «لبدت رأسي وقلدت هديي،

-------------
(١)»مسند الشافعي" ١/ ٣٧٢ (٩٦٠).
(٢) في الأصل: أحل.



فلا أحل حَتَّى أنحر هديي» (١) يعني والله أعلم حيث يحل الحاج؛ لأن القضاء نزل بأن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًّا، وهذا من سعة لسان العرب الذي تكاد تعرف بالجواب فيه. فإن قيل: من أين ثبت حديث عائشة، وجابر، وابن عمر، وطاوس دون حديث من قال: قرن؟ قيل: لتقدم صحبة جابر، وحسن سياقه ابتداء الحديث وآخره، وقرب عائشة من سيدنا رسول الله - ﷺ -، وفضل حفظها عنه، وقرب ابن عمر منه؛ ولأن من وصف انتظاره للقضاء، إذا لم يحج من المدينة بعد نزول فرض الحج قبل حجته -حجة الإسلام- طلب الاختيار فيما وسع له من الحج والعمرة يشبه أن يكون حفظ عنه؛ لأنه قد أتى في المتلاعنين فانتظر القضاء فيهما، وكذلك حفظه عنه في غيرهما، هذا آخر كلامه، ولا مزيد عليه (٢).
الثامن:
قولها: (فشكوت ذَلِكَ إلى رسول الله - ﷺ -)، يقال: شكوت وشكيت لغتان. وسبب شكواها أنها لم تسق هديًا ولا أمرت بإرداف الحج على العمرة، وكان من حقها التمادي إلى الفراغ من عمرتها، ثم تهل بالحج، فلما لم يمكنها إتمام عمرتها شكت ذَلِكَ.
التاسع:
قوله - عليه السلام -: («انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة») احتج به الكوفيون، فقالوا: إن المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف وضاق عليها وقت الحج رفضت عمرتها وألقتها واستهلت

------------
(١) سيأتي برقم (١٥٦٦) كتاب: الحج، باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج.
(٢) انتهى من «اختلاف الحديث» ص ٢٢٨ - ٢٣٠.



بالحج، وعليها لرفض عمرتها دم، ثم تقضي عمرة بعد. ونقض الرأس والامتشاط دليل على رفضها؛ لأن القارنة لا تمتشط ولا تنقض رأسها، فجاوبهم مخالفوهم بما أسلفناه عن مالك أن حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا قديمًا ولا حديثًا، وأظنه وهمًا يعني ليس عليه العمل في رفض العمرة؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة لمن دخل فيهما.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ورفضها قبل إتمامها هو إبطالها، وكذا لو أحرمت بالحج، ثم حاضت قبل الطواف، لا ترفضه. فكذا العمرة بعلة أنه نسك يجب المضي في فاسده فلا يجوز تركه قبل إتمامه مع القدرة عليه.
والذي عليه العمل عند مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور في المعتمرة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوات عرفة وهي حائض أنها تهل بالحج، وتكون كمن نوى الحج والعمرة ابتداء وعليها هدي القرآن، ولا يعرفون رفض العمرة ولا رفض الحج لأحد دخل فيهما أو في أحدهما. قالوا: وكذلك المعتمر يخاف فوات عرفة قبل أن يطوف لا يكون إهلاله رفضًا للعمرة بل يكون قارنًا بإدخاله الحج على العمرة (١).
ودفعوا حديث عروة عن عائشة بضروب من الاعتلال منها: أن القاسم والأسود، وعمرة رووا عن عائشة ما دل أنها كانت محرمة بحج، فكيف يجوز أن يقال لها دعي العمرة، وقال إسماعيل بن إسحاق: حديث عروة غلط؛ لأن ثلاثة خالفوه، وقد أسلفنا هذا.

----------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩، «المنتقى» ٢/ ٢٢٤، «الاستذكار» ١١/ ١٩٠ - ١٩١، «عيون المجالس» ٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩، «التمهيد» ٨/ ٢١٦ - ٢١٧.


وقال غيره: أقل الأحوال في ذَلِكَ سقوط الاحتجاج بما صح فيه التعارض، والرجوع إلى قوله -عز وجل-: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وأجمعوا على الخائف لقرب عرفة أنه لا يحل له رفض العمرة، فكذلك من خاف فوت عرفة؛ لأنه يمكنه إدخال الحج على العمرة، ويكون قارنًا فلا وجه لرفض العمرة في شيء من النظر.
قال ابن أبي صفرة: ولو ثبت قوله: «دعي العمرة» لكان له تأويل سائغ، فيكون معنى قوله: أهلي بالحج الذي أنت فيه أي: استديمي ما أنت عليه، ودعي العمرة التي أردت أن تفسخ حجك فيها، لأنها إنما طهرت بمنى وقد رهقها الوقوف بعرفة.
وهذا أصل في المراهق أن له تأخير طواف الورود. ومما يوهن رواية عروة ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حَدَّثَني غير واحد أن النبي - ﷺ - قال لها: «دعي عمرتك»، فدل أن عروة لم يسمعه من عائشة، وهذا قد أسلفناه. ولو ثبت قوله: «انقضي رأسك، وامتشطي» لما نافي ذَلِكَ إحرامها ولجبرته بالفدية كما أمر - عليه السلام - كعب بن عجرة بالحلق والفدية لما بلغ به أذى القمل، فيكون أمره لها بنقضها رأسها وامتشاطها؛ لضرورة كانت بها مع الفدية، هذا سائغ ومحتمل، فلا تعارض به الأصول.
وقد يمكن أن يكون أمره بغسل رأسها وإن كانت حائضًا لا يجب عليها غسله، ولا نقضه لتغتسل للإهلال بالحج، وذلك من سنة الحائض والنفساء كما أمر - عليه السلام - أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء بالاغتسال والإهلال (١). لا سيما إن كانت

--------
(١) رواه مسلم (١٢٠٩ - ١٢١٠، ١٢١٨).


لبدته، ولو أمرها بذلك لوجوب الغسل عليها لكانت قد طهرت فتطوف للعمرة التي تركت.
وقوله لها: «غير أن لا تطوفي بالبيت». يدل أنها لم تنقض رأسها إلا لمرض كان بها، أو لأهلال كما ذكرنا.
قال الشافعي: ليس معناها اتركيها وأخريها على القضاء، إنما هو أنه أمرها أن تدخل الحج على العمرة، فتصير قارنة. قال: وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعًا لا عن واجب، ولكن أراد أن تطيب نفسها فأعمرها، وكانت قد سألته ذَلِكَ. وقد روي ما يشبه هذا المعنى في حديث جابر (١) المذكور، يعني قبل. وقاله مالك أيضًا.
وقال الخطابي: أمره عائشة بالامتشاط مشكل جدًا، وكان الشافعي تأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليها الحج، فتكون قارنة، قال: وهذا لا يشاكل القصة (٢).
وقيل: يحتمل أن تكون مضطرة، وحمله غيره على ما أسلفناه من
أذى أو نحوه. وقيل: إنما أمرها بفسخ العمرة وإنشاء الحج مفردًا، وأبعد من قال: إنها لم تكن أوجبت حجًا ولا عمرة، وإنما نوت أن
تعتمر، ولم تطف حَتَّى حاضت، فقال لها ما قال، يؤيده: خرجنا لا نرى إلا الحج، وقيل: كان من مذهبها أن المعتمر إذا أحل استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى جمرة العقبة، ووهاه الخطابي (٣).

------------
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: حاشية من خط الشيخ: لما ذكر ابن أبي حاتم حديث جابر قال: قال أبي: إنه منكر بهذا الإسناد يعني رواته عباد بن العوام، عن حجاج، عن أبي الزبير، عنه أنه - عليه السلام - جمع الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدًا.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٤٨.
(٣) التخريج السابق.



ومعنى «دعي العمرة» دعي العمل بها، أو دعي أعمالها حَتَّى تطوفي وتسعي للحج والعمرة طوافًا واحدًا.
ومذهب عطاء، ومجاهد، والحسن، وطاوس: أن الطواف الواحد والسعي الواحد يجزآن القارن عن حجه وعمرته (١)، كما جاء في حديث عائشة، وبه قال مالك، وأحمد والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن سيرين، وسالم، والزهري، وداود، وإسحاق، وأبو ثور.
وعن الشعبي أن القارن يطوف طوافين، وهو قول أصحاب الرأي، وكذلك قال الثوري، وحكي أيضًا عن مجاهد، وجابر بن زيد، وشريح القاضي، والشعبي، ومحمد بن علي بن حسين، والنخعي، والثوري،
والأوزاعي، والأسود بن يزيد، والحسن بن حي، وحماد بن سلمة، وحماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة، وزياد بن مالك، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وحكي عن عمر، وعلي، وابنيه الحسن والحسين وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن أحمد.
وروى مجاهد، عن ابن عمر أنه جمع بين الحج والعمرة، وقال: سبيلهما واحد، وطاف طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت سيدنا رسول الله - ﷺ - يصنع كما صنعت.
قال الدارقطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك (٢)، وعن علي أنه جمع بينهما، وفعل ذَلِكَ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل، ثم ضعف سنده (٣).

---------
(١) رواها ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٠ (١٤٣١٧ - ١٤٣١٨، ١٤٣٢١، ١٤٣٢٥)، كتاب: الحج، باب: من قال: يجزئ للقارن طواف.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٥٨ كتاب: الحج، باب: المواقيت.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٦٣، باب: المواقيت.



وكذا عن علقمة عن ابن مسعود قال: طاف رسول الله - ﷺ - لعمرته وحجته طوافين وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر، وعلي، قال: علقمة، وابن مسعود. ورواه الدارقطني أيضًا من حديث عمران بن حصين وضعفه، وقال: الصواب بهذا الإسناد أنه - عليه السلام - قرن الحج والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي (١).
ثم ذكر عن علي مرفوعًا فيه أيضًا ذَلِكَ (٢). قال منصور: فذكرت ذَلِكَ لمجاهد، فقال: ما كنا نفتي إلا بطواف واحد، فأما الآن فلا نفعل (٣).
وحديث الصبي بن معبد الماضي أنه فعل ذَلِكَ، لكنها من رواية النخعي عنه، وهو منقطع، قال ابن حزم: لم يدركه (٤).
وفي «مصنف عبد الرزاق» مثله من حديث علي بإسناد ضعيف، ورواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رسول الله - ﷺ -.
وقال ابن حزم: خبر ساقط لا يجوز الاحتجاج به، وكذا كل ما روي عنه في هذا، وكذا كل ما رووا عن الصحابة في ذَلِكَ لا يصح عنه ولا كلمة، ولكنه عن مجاهد، وجابر بن زيد، وشريح، والشعبي، ومحمد بن علي، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة صحيح (٥)، وكذا قال ابن المنذر: الرواية عن علي لا تثبت؛ لأن راويها عن علي أبو نصر، وهو مجهول.
ولو كان ثابتًا لكانت سنة رسول الله - ﷺ - أولى. ثم قد أسلفنا رواية عبد الرزاق عنه، وهو خلاف رواية أهل العراق عنه.

---------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٦٤.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٦٣.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٥.
(٤) «المحلى» ٧/ ١٧٦.
(٥) المصدر السابق، بتصرف.



العاشر:
قولها: (فلما قضينا الحج أرسلني مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت) إنما عبرت بقضاء الحج؛ لأنه أتم النسكين.
وفيه: أن الإحرام بالعمرة إنما يكون من الحل وأعمرها منه تطييبًا لنفسها يدل له «هذِه مكانُ عمرتك» برفع مكان على الخبر أي: عوض عمرتك الفائتة، وبالنصب على الظرف.
قال بعضهم: والنصب أوجه، ولا يجوز غيره، والعامل فيه محذوف تقديره هذِه كائنة مكان عمرتك أو مجعولة مكانها.
قال القاضي عياض: والرفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف إنما أراد عوض عمرتك فمن قال: كانت قارنة، قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة ومن قال: كانت مفردة. قال: مكان عمرتك التي فسخت الحج إليها، ولم تتمكني من الإتيان بها للحيض وكان ابتداء حيضها يوم السبت، لثلاث خلون من ذي الحجة بسرف وطهرت يوم السبت وهو يوم النحر (١).
وقال ابن التين: يحتمل أن يريد أنها عمرة مفردة بالعمل مكان عمرتك التي أردت أن تفرديها به فلم تكمليها على ذَلِكَ.
الحادي عشر:
قولها: (فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا)، تريد: عند ورودهم للعمرة، قاله ابن التين.
وقولها: (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) فيه دلالة على أنه لا يتكرر، وقد قدمنا ما فيه من الخلاف.

----------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥.


وفي «الموطأ»: وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوهما يحتمل أن يريد أنهم لم يطوفوا غير طواف واحد للقدوم وآخر للإفاضة، إن كانوا قرنوا قبل دخول مكة، وإن كانوا أردفوا بمكة فلم يطوفوا غير طواف واحد وهو طواف الإفاضة، ويحتمل أن يريد أنهم سعوا إليهما سعيا واحدًا، والسعي يسمى طوافًا، ويحتمل أن يريد طوافهم على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف المفرد (١).
وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعي، بل طاف لهما كما طاف المفرد للحج، وهذا نص في أنه لا يتعدد وقد سلف ما فيه.
قال مالك في «الموطأ»: إذا دخلت مكة بعمرة، وهي حائض وخشيت الفوات أهلت بالحج، وكانت قارنة (٢).
وذكر البخاري بعد هذا أن إذنه لعائشة بما ذكر كان في يوم عرفة.

---------
(١) «الموطأ» ص ٢٦٥.
(٢) «الموطأ» ص ٢٦٦.



٣٢ - باب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٥٥٧ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ - رضي الله عنه -: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلِيًّا - رضي الله عنه - أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَذَكَرَ قَوْلَ سُرَاقَةَ. [١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١، ١٧٨٥، ٢٥٠٥، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٤١٦]

١٥٥٨ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلاَّلُ الهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأَصْفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه - عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟». قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَقَالَ «لَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْىَ لأَحْلَلْتُ». وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - «بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟». قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ». [مسلم: ١٢٥٠ - فتح: ٣/ ٤١٦]

١٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى قَوْمٍ بِاليَمَنِ فَجِئْتُ وَهْوَ بِالبَطْحَاءِ، فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟». قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟». قُلْتُ: لَا. فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، قَالَ اللهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ. [١٥٦٥، ١٧٢٤، ١٧٩٥، ٤٣٤٦، ٤٣٩٧ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٤١٦]
ذكر فيه حديث ابن جُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلِيًّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَذَكَرَ قوْلَ سُرَاقَةَ.


وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيٍّ؟». قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -. قَالَ: «فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ».
وحديث أنس قال: قدم علي على النبي - ﷺ - من اليمن، فقال: «بما أهللت» قلت: بما أهل به النبي - ﷺ -. قال: «لولا أن معي الهدي لأحللت».
وحديث أبي موسى أنه قدم من اليمن مهلًا بما أهل به رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
حديث ابن عمر المعلق أسنده في المغازي كما ستعلمه بعد (١).
وحديث جابر أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، ثنا يحيى القطان، أنا ابن جريج، أخبرني عطاء سمعت جابرًا قال: قدم علي من سعايته فقال: «بم أهللت»؟ قال: بما أهل به النبي - ﷺ -. قال له: «فامكث حرامًا» الحديث (٢).
وذكره البخاري أيضًا في باب: بعث النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد من كتاب المغازي عن المكي بسنده (٣).
وذكره في باب: عمرة التنعيم من حديث حبيب المعلم عن عطاء، حَدَّثَني جابر الحديث (٤).

--------
(١) سيأتي برقم (٤٣٥٣) كتاب: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب - عليه السلام -.
(٢) «صحيح مسلم» (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٣) سيأتي برقم (٤٣٥٢).
(٤) سيأتي برقم (١٧٨٥).



وزيادة محمد بن بكر البرساني رواها أبو نعيم عن محمد بن أحمد، ثنا عمران بن موسى، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج به.
وفي البخاري في كتاب الشركة من حديث حماد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، وفيه: فجاء علي فقال أحدهما يقول: لبيك بما أهل به رسول الله - ﷺ -، وقال الآخر: لبيك بحجة رسول الله، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي (١).
وذكر أصله من حديث ابن عباس بدون هذا، وخرجه في الباب السالف في المغازي من حديث بكر بن عبد الله المزني قال: ذكر لابن عمر، أن أنسًا حدثهم أن النبي - ﷺ - أهل بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي - ﷺ - بالحج، وأهللنا به، فلما قدمنا مكة قال: «من لم يكن
معه هدي فليجعلها عمرة» وكان مع النبي - ﷺ - هدي، فقدم علينا علي بن أبي طالب من اليمن حاجًّا، فقال النبي - ﷺ -: «بما أهللت، فإن معنا أهلك؟» قال: أهللت بما أهل به النبي - ﷺ -. قال: «فأمسك، فإن معنا هديًا» (٢) وقد ذكره مسلم بمعناه (٣).
وقال الترمذي في حديث أنس: حسن غريب مشهور من حديث سليم -يعني بفتح السين- ابن حيان (٤).

--------------
(١) سيأتي برقم (٢٥٠٥)، باب: الاشتراك في الهدي والبُدن.
(٢) سيأتي برقم (٤٣٥٤).
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٣٢) كتاب: الحج، باب: الإفراد بالحج.
(٤) «سنن الترمذي» (٩٥٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا.



وحديث أبي موسى (١) رواه البخاري عن محمد بن يوسف، ثنا سفيان.
قال أبو مسعود الدمشقي: سفيان هذا هو الثوري، وإذا كان كذلك فمحمد هذا هو الفريابي، وكذا قاله أبو نعيم أيضًا، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
أما حكم الباب: فيجوز أن يهل كإهلال زيد لقصة علي وأبي موسى في ذَلِكَ، فإن كان زيد محرمًا انعقد إحرامه كإحرامه إن حجا فحج، وإن عمرة فعمرة، وإن قرانًا فقران. وإن كان أحرم بنية التمتع كان عمرو محرمًا بعمرة، ولا يلزمه التمتع، إن كان مطلقًا انعقد مطلقا، ويتخير كما يتخير زيد، ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرفه إليه زيد على الأصح وإن كان زيد أحرم مطلقًا ثم عينه قبل إحرام عمرو فالأصح أنه ينعقد إحرام عمرو مطلقًا. وقيل: معينا، وإن لم يكن زيد محرمًا انعقد إحرامه مطلقًا، ولنا وجه أنه إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد كما لو علق فقال: إن كان زيد محرمًا فقد أحرمت، فلم يكن محرمًا، والأصح: الانعقاد، والفارق بأنه جازم بالإحرام في مسألتنا، بخلاف ما إذا علق.
وظاهر الحديث أنهما لم يعلما قبل بما أحرم به رسول الله - ﷺ -.
وقال بعضهم: يحتمل الإعلام بذلك، وأنها حجة مفردة، ففعل علي كذلك.

------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: حديث أبي موسى أعاده في باب متى يحل المعتمر.
(٢) مسلم (١٢٢١).



وقال الخطابي: يحتمل أن يكون علي علم بأنه - عليه السلام - كان قارنًا؛ لأن الهدي لا يجب على غير القارن أو المتمتع، ولو كان متمتعًا لحل من إحرامه للعمرة، ثم استأنف إحرامًا للحج. فلما أمره أن يمكث حرامًا دل على أنه قارن (١).
ويحتمل أن يكون على معنى الترقب، فلما وصل إلى رسول الله - ﷺ - أمضى له ذَلِكَ وكان أحرم بعمرة فلم يجز له أن يحل لمكان ما معه من الهدي، ذكره الداودي.
فرع:
قال الروياني في «بحره» عن والده: لو كان أحرم بإحرام زيد ثم تبين أنه كان ميتًا انعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما أراد، وقيل: لا ينعقد.
فرع:
لو علق على إحرام زيد ولو في المستقبل، أو على طلوع الشمس فوجهان، والميل إلى الجواز.
ولم يقل بقصة علي وأبي موسى مالك والكوفيون؛ أخذًا بظاهر قوله: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) وقالوا: لا بد أن ينوي حجًا أو عمرة عند دخوله فيه، وقالوا: إذا نوى بحجته التطوع وعليه حجة الإسلام أنه لا يجزئه عنها، وبه قال الثوري، وإسحاق.
وقال الشافعي: يجزئه عن حجة الإسلام، وتعود النافلة فرضًا لمن لم يؤد فرضه في الحج خاصة، كما يعود الإحرام بالحج قبل وقته (٣)، وإن نوى به الفريضة تطوعًا.

-------------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٥٠.
(٢) سلف برقم (١).
(٣) «الأم» ٢/ ١٠٤، «البيان» ٤/ ٥٨.



قال ابن بطال: فيقال له: قد أجمعوا أن من صلى قبل الزوال أربعًا، إن نوى به الظهر أنها لا تجزئه، وهي تطوع، فكذا الحج (١).
قُلْتُ: هذا لا يقال لمثل هذا الإمام، فإن الحج لا يقاس عليه.
وقال ابن المنير في «تراجمه»: كأن البخاري لما لم ير إحرام التقليد ولا الإحرام المطلق ثم تعين بعد ذَلِكَ، أشار في الترجمة بقوله: باب: من أهل في زمن النبي - ﷺ - كإهلاله، إلى أن هذا خاص بذلك الزمن، فليس لأحد أن يحرم بما أحرم به فلان، بل لا بد أن يعين العبادة التي نواها ودعت الحاجة إلى الإطلاق، والحوالة على إحرامه - عليه السلام -؛ لأن عليًّا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام، فأحالا على رسول الله - ﷺ -، وأما الآن فقد استقرت الأحكام، وعرفت مراتب كيفيات الإحرام، ومذهب مالك على الصحيح جواز ذَلِكَ، وأنه ليس خاصًا بذلك الزمن (٢).
ثم اعلم أن حديث أنس موافق لرأي الجماعة في إفراده - عليه السلام -.
قال المهلب: ويردُّ وهْمَ أنس أنه - عليه السلام - قرن، واتفاقه مع الجماعة أولى بالاتباع بما انفرد به وخالفهم فيه،. فتسويغ الشارع لنفسه: «لولا الهدي» يدل أنه كان مفردًا؛ لأنه لا يجوز للقارن الإهلال، حتى يفرغ من الحج؛ وأما قوله - عليه السلام -: «لولا أني سقت الهدي لأحللت» والمفرد لا يحل اليوم سواء كان معه هدي أو لم يكن، فإن معنى: «لأحللت»: لفسخت الحج في العمرة؛ لأن الفسخ كان مباحًا حينئذ

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٣٤.
(٢) انتهى كلام ابن المنير من «المتواري على تراجم أبواب البخاري» ص ١٣٦.
وينظر لمذهب مالك: «التفريع» ١/ ٣١٥، و«عيون المجالس» ٢/ ٧٦٩، و«مواهب الجليل» ٣/ ٤٤٦.



لمن لا هدي له، فجاز لهم الإحلال ووطء النساء قبل الشروع في عمل
العمرة في وقت فسخهم الحج. فأما من كان معه هدي فلم يفسخ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقوله: «بم أهللت؟» قال ابن التين: ووقع في الأمهات بالألف، وصوابه بحذفها.
وقوله: «فأهل» هو بهمزة قطع؛ لأنه أمر من الرباعي، وقوله: «وامكث» أي لأجل سوق الهدي، فإن من ساقه لم يحل حَتَّى يتم الحج كما فعل - ﷺ -.
وفيه: استعمال علي على اليمن، وفي غير هذا الحديث أنه استُعمل على الصدقات ويحتمل أن يكون ولِيَها احتسابًا وأعطى عطاءه من غيرها.
ومعنى قوله: «لولا أن معي الهدي لأحللت» حمله قوم على أن التمتع أفضل من الإفراد والقران، وهو قول الشافعي، وقاله أحمد، وإسحاق، وبعض متأخري المالكية (١)

-----------
(١) قال الإمام مالك: الإفراد بالحج أحب إلى، انظر: «المدونة» ١/ ٢٩٥، «التفريع» ١/ ٣٣٥، وانظر لأقوال متأخري المالكية «الذخيرة» ٣/ ٢٨٥، وقال النووي في «روضة الطالبين»: وأفضلها: الافراد، ثم التمتع، ثم القرآن، هذا هو المذهب. والمنصوص في عامة كتبه. «الروضة» ٣/ ٤٤، وقال في «المجموع» ٧/ ١٥٨: الأصح تفضيل الإفراد ورجحه الشافعي والأصحاب وغيرهم، وقال العمراني في «البيان»: المشهور من المذهب: أن الإفراد والتمتع أفْضَلُ من القران. وفي الأفراد والتمتع قولان: أحدهما: أن الإفراد أفْضَلُ والثاني: أن التمتع أفضل. ثم ذكر العمراني قولًا ثالثًا للشافعي حكاه صاحب «الفروع» أن القرآن أفْضَلُ. ويقول العمراني: وإذا قلنا: إن الإفراد أفْضَلُ فإنما نريد به: إذا أتى بالحج، ثم أتى العمرة بعده، فأما إذا أتى بالحج دون العمرة … فالتمتع أفْضَلُ. وهذا هو الصحيح. «البيان» ٤/ ٦٦، وانظر قول الإمام أحمد في «المستوعب» ٤/ ٤٩، «المغني» ٥/ ٨٢، «المبدع» ٣/ ١١٩.


وقيل: إن الحديث خرج على سبب، وهو أن الجاهلية كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، فأباح ذَلِكَ الإسلام، وقيل: قاله تطييبًا لقلب أصحابه، وليتأسى به غيره في الرخصة، ولا يضيق على أمته؛ لأن بعض أصحابه كانوا لا يحبون أن يفعلوا إلا كفعله.
وقوله: «لأحللت» يقال: أحل من إحرامه فهو محل، وحل أيضًا قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله في حديث أبي موسى: فأمرني فطفت بالبيت، ثم أمرني فأحللت. هذا يخالف ما أمر به عليًا، وذلك أنه - عليه السلام - كان معه الهدي، وكذا علي، فشاركه علي في عدم التحلل، وأبو موسى لم يكن معه هدي فصار له حكم النبي - ﷺ - في الإحرام فقط؛ لأنه قال: «لولا الهدي لجعلتها عمرة وتحللت».
قال ابن التين: ويشبه أن يكون أراد كإهلال النبي - ﷺ - أي: كما سَنَّه وعَيَّنَه من أنواع ما يحرم له، ولم يكن معه هدي، ولا اتساعَ لثمن الهدي، فأمر أن يحل بعمل عمرة إذا كان إهلاله بها مضى وعلي كان معه الهدي.
وقيل: أمر أبا موسى بمنزلة ما أمر غيره ممن كان معه بفسخ العمرة إلى الحج إذ لا هدي معه.
وقول عمر: (أن نأخذ بكتاب الله … إلى آخره) ظاهره أن من أنشأ حجًّا ليس له فسخه في عمرة من أجل الهدي؛ تعظيمًا لحرمات الله، وتأول قوم أنه - عليه السلام - كان نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج. وهذا تأويل من لا يعرف؛ لأن التمتع ثابت بنص الكتاب والسنة، وروي عنه أن ذَلِكَ خاص بذلك العام كما سلف إباحته؛ ردًّا لقول الجاهلية إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور.


وقوله: (فقدم عمر)، يعني: إذ حج بالناس في خلافته ومعنى الأمر بالتمام في الآية أن من أهل بشيء فليتم ما بدأ به ولا يفسخه، وفي أحاديث الباب دلالة لما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد من أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حَتَّى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب الشافعي، ومالك أنه إذا طاف، وسعى، وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديًا
أم لا (١) (٢).

-------------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» (٧٢)، «الهداية» ١/ ٢٠١، «التفريع» ١/ ٣٣٤، «عيون المجالس» ٢/ ٧٨١، «روضة الطالبين» ٣/ ٥٢، «المجموع» ٧/ ١٨٣، «البيان» ٤/ ٤٢٢، «المستوعب» ٤/ ٣٦٧، «المغني» ٥/ ٣٠٠، «المبدع» ٣/ ٢٤١.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد العشرين، كتبه مؤلفه.



٣٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ [البقرة: ٨٩]
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِى الحَجَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلاَّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ. وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ.

١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا». قَالَتْ: فَالآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى العُمْرَةِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِى فَقَالَ «مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟». قُلْتُ سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ. قَالَ «وَمَا شَأْنُكِ؟». قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: «فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا». قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ، قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الآخِرِ حَتَّى نَزَلَ المُحَصَّبَ، وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي


بَكْرٍ فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا، ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي». قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ فَقَالَ: «هَلْ فَرَغْتُمْ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ. ضَيْرُ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤١٨]
ثم ذكر حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجَّ وَحُرُمِ الحَجِّ .. الحديث بطوله.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* سيرة بلال بن رباح رضي الله عنه
* ترجمة عبد الله بن الزبير
* شرح النووي لحديث: كمل من الرجال كثير
* شرح النووي لحديث: خير نسائها مريم بنت عمران
* محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه
* «أو» بين التخيير والترتيب وبراعة الاستنباط الفقهي
* منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009