![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#295 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 491 الى صـــ 510 الحلقة (295) وما لا فلا يكلف البحث عنه. وهو في الظاهر أولى به من غيره ما لم يستحق. وأما مبايعة من يخالط ماله الحرام وقبول هداياه فكره ذَلِكَ قوم، وأجازه آخرون. فممن كرهه: عبد الله بن يزيد وأبو وائل والقاسم وسالم، وروي أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصرَ فنزك ميراثها أيضًا، وقال مالك: قال عبد الله بن يزيد بن هرمز: إني لأعجب ممن يرزق الحلال ويرغب في الربح فيه الشيء اليسير الحرام فيفسد المال كله. وكره الثوري المال الذي يخالطه الحرام. وممن أجازه ابن مسعود. روي عنه أن رجلًا سأله فقال: لي جار لا يتورع مِن أكل الربا، ولا مِن أخذ ما لا يصلح، وهو يدعونا إلى طعامه، ويكون لنا الحاجة فنستقرضه. فقال: أجبه إلى طعامه، واستقرضه فلك المهنأ وعليه المأثم (١). وسئل ابن عمر عن أكل طعام من يأكل الربا، فأجازه (٢). وسئل النخعي عن الرجل يرث المال منه الحلال والحرام. قال: لا يحرم عليه إلا حرام بعينه. وعن سعيد بن جبير أنه مرَّ بالعشَّارين وفي أيديهم شماريخ، فقال: ناولنيها من سحتكم هذا، إنه عليكم حرام، وعلينا حلال. وأجاز البصري طعام العشار، والصراف، والعامل. وعن مكحول والزهري: إذا اختلط الحلال بالحرام فلا بأس ------------ (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ١٥٠ (١٤٦٧٥ - ١٤٦٧٦) كتاب: البيوع، باب: طعام الأمراء وأكل الربا، وابن حزم في «المحلى» ٩/ ١٥٦. (٢) رواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٣٣٥ كتاب: البيوع، باب: كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم. به، وإنما يكره من ذَلِكَ الشيء يعرف بعينه. وأجازه ابن أبي ذئب. قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى ذكر اليهود فقال: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقد رهن الشارع درعه عند يهودي على طعام أخذه (١). وقال الطبري: في إباحة الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير، وهم يتعاملون بالربا أبين الدلالة على من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يدري أمن حرام كسبه أو من حلال فإنه لا يحرم قبوله لمن أُعطِيَه، وإن كان ممن لا يبالي اكتسبه من غير حله بعد أن لا يعلم أنه حرام بعينه، وبنحو ذَلِكَ قالت الأئمة من الصحابة والتابعين. ومن كرهه فإنما ركب في ذَلِكَ طريق الورع وتجنب الشبهات، والاستبراء لدينه؛ لأن الحرام لا يكون إلا بَيِّنًا غير مشكل. وفي الحديث: من الفقه: أن للإمام أن يعطي الرجل العطاء وغيره أحوج إليه منه إذا رأى لذلك وجهًا لسابقة، أو خير، أو غنًى عن المسلمين، وأن ما جاء من المال الحلال الطيب من غير مسألة فإنَّ أَخْذَه خير من تركه، إذا كان ممن يُجْمُل الأخذ منه. وأنَّ رد عطاء الإمام ليس من الأدب؛ لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر. ------------ (١) سيأتي برقم (٢٦٨)، ورواه مسلم (٢٥٠٨). باب في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩] المحروم: المحارف، قال ابن عمر: الحق هنا سوى الصدقة المفروضة (١). وقاله مجاهد (٢). وهذا الباب في بعض النسخ، ونبه عليه ابن التين. وقال: إنه ليس في رواية أبي ذر (٣)، فلذا حذفه ابن بطال وشيخنا. والمحروم من حرم الرزق، وكذلك المحارف. واختلف أهل اللغة من أين أخذ هذا للمحارف، فقيل له: حورف كسبه: ميل به عنه، كتحريف الكلام يعدل عن جهته. وزعم ناس أنه أخذ من المحراف وهو حديدة يعالج بها الجراحة، أي: قدر رزقه كما تعقل الجراحة بالمنشار. وقال الحسن بن محمد: المحروم من لا سهم له في الغنيمة. وقال زيد بن أسلم: إنه الذي لحقته الجائحة فأذهبت زرعه وماشيته. وقال الشعبي: أنا منذ احتلمت أسأل عن المحروم، وما أنا الساعة بأعلم به مني ذَلِكَ الوقت ولي سبعون سنة. وقال محمد بن الحنفية: بعث الشارع سرية فغنمت، فجاء قوم لم يشهدوا الحرب فأنزل الله الآية المذكورة (٤). ------------ (١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ١٣٥ وعزاه إلى عبد بن حميد. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ - ٤١٢ (١٠٥٢٤) كتاب: الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ١٣٥ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. (٣) كذا ذكر المصنف نقلًا عن ابن التين وفي حاشية السلطانية ٢/ ١٢٣ أنها من رواية أبي ذر والمستملي. (٤) انظر: هذِه الآثار في «الجامع لأحكام القرآن» ١٧/ ٣٨ - ٣٩. ٥٢ - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكثُّرًا ١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». [١٤٧٥ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٣٨] ١٤٧٥ - وَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -». وَزَادَ عَبْدُ اللهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ». [٤٧١٨] وَقَالَ مُعَلّى: حدثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الَمسْأَلةِ. [انظر: ١٤٧٤ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٣٨] حَدَّثَنَا يَحْييَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأل النَّاسَ حَتَّى يَأْتيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ..» الحديث. وَزَادَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ ..» الحديث. وَقَالَ مُعَلًّى: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعمانِ بْنِ رَاشِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِم أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي المَسْألَةِ. الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله «مزعة لحم» ولم يذكره في رواية أخرى: أعني: «مزعة» (١). وقوله: (قال: مُعَلَّى) أسنده البيهقي، عن أبي الحسين القطان، ثنا (ابن أبي درستويه) (٢)، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا مُعَلَّى به: «ما تزال المسألة بالرجل حتَّى يلقى الله وما في وجهه مزعة لحم» (٣). وقوله: (وزاد عبد الله) يعني: ابن صالح كاتب الليث بن سعد. قاله أبو نعيم وخلف في «أطرافه». ووقع أيضًا في بعض الأصول منسوبًا، وتابع يحيى عبدُ الله بن عبد الحكم، وشعيبُ بن الليث فروياه عن الليث. ورواية عبد الله أسندها البزار، عن أبي بكر بن إسحاق، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن حمزة، ورأيته في موضع آخر عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: حَدَّثَني حمزة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -. فذكره مطولًا. إذا تقرر ذَلِكَ: فالمُزعة -بضم الميم- القطعة من اللحم، ويقال بكسرها، قاله ابن فارس (٤). ------------ (١) «صحيح مسلم» (١٠٤٠) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس. (٢) في الأصل: ابن درستويه، ولعل الصواب ما أثبتناه كما في «سنن البيهقي» ٣/ ١٩٦ (٧٨٧٠). (٣) «السنن الكبرى» ٤/ ١٩٦ كتاب: الزكاة، باب: كراهية السؤال والترغيب في تركه. (٤) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٢٩. واقتصر عليه القزاز في «جامعه»، وابن سيده (١): الضم فقط، وكذا الجوهري، قال: وبالكسر من الريش والقطن (٢). سوَّى ابنُ سيده بين الكل بالضم. قال ابن التين: وضبطه أبو الحسن بفتح الميم والزاي، وقال: الذي أحفظ عن المحدثين ضمها. ومزعت اللحم: قطعته قطعة قطعة، ويقال: أطعمه مزعة من لحم أي: قطعة وثيقة منه. قال الخطابي: هذا يحتمل وجوهًا: منها أنه يأتي يوم القيامة ساقطًا لا جاه له ولا قدر، ومنها أن يكون وجهه عَظْمًا لا لحم عليه، بأن يكون قد عذب في وجهه حتَّى سقط لحمه، على معنى مشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء (٣). كما روي من قرض شفاه الخطباء (٤)، وتخبط آكلة الربا (٥)، ويكون ذَلِكَ شعاره يعرف به. وقد جاء في رواية أنه يأتي يوم القيامة ووجهه عظم كله. قال المهلب: وفيه ذم السؤال وتقبيحه. وفهم البخاري أن الذي يأتي يوم القيامة ولا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرًا لغير ضرورة إلى السؤال. ومن سأل تكثرًا فهو غني لا تحل له الصدقة، فعوقب في الآخرة، فإذا جاء لا لحم في وجهه فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث: -------------- (١) «المحكم» ١/ ٣٣٧. (٢) «الصحاح» ٣/ ١٢٨٤. (٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٠٢. (٤) رواه أحمد ٣/ ١٢٠ و١٨٠ و٢٣١ و٢٣٩ من حديث أنس. وله عنه طرق عدة جمعها الألباني مصححًا للحديث في «الصحيحة» (٢٩١). (٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. «إن الشمس تدنو من رءوسهم يوم القيامة حتَّى يبلغ العرق نصف الأذن» وفي رواية: «يبلغ عرق الكافر» فحذر - ﷺ - من الإلحاف لغير حاجة في المسألة. وأما من سأل مضطرًا فقيرًا فمباح له المسألة، ويرجى له أن يؤجر عليها إذا لم يجد عنها بدًّا، ورضي بما قسم الله له، ولم يسخط قدره. وفي حديث سمرة مرفوعًا: «المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، وما شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًّا» (١). قُلْتُ: ولا يحل للفقير أن يظهر من المسألة أكثر مما به. -------------- (١) رواه أبو داود (١٦٣٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجوز فيه المسألة، والترمذي (٦٨١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة، والنسائي ٥/ ١٠٠ كتاب: الزكاة، مسألة الرجل في أمر لا بد له منه، وأحمد ٥/ ١٠، ٥/ ١٩، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٧)، وفي «صحيح الجامع» (٦٦٩٥)، و«صحيح الترغيب والترهيب» ١/ ٤٨٦ (٧٩٢). ٥٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَكَمِ الغِنَى، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ». [لقول الله تعالى:] ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ إِلَى قَوُلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا». [١٤٧٩، ٤٥٣٩ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣/ ٣٤٠] ١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ سيأتي بعد الحديث ١٧١٥ - فتح: ٣/ ٣٤٠] ١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَى، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أو قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. يَعْنِي: فَقَالَ: «إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ». [انظر: ٢٧ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ٣/ ٣٤٠] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤] قُلِبُوا ﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٥٢] أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا. ١٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ». [انظر: ١٤٧٦ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣/ ٣٤١] ١٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ -أَحْسِبُهُ قَالَ: إِلَى الجَبَلِ- فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ. [انظر: ١٤٧٠ - مسلم: ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٤١] ذكر خمسة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكلَةُ وَالأُكلَتَانِ، ولكنِ المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْألُ النَّاسَ إِلْحَافًا». ثانيها: حديث ابن أشوع -وهو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي قاضيها مات في ولاية خالد بن عبد الله- عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَى بِشَيءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ رسول الله - ﷺ -. فَكَتَبَ إِلَيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلًاثا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». ثالثها: حديث محمد بن غُرَيْرٍ عن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابن شِهَابٍ عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ الله - ﷺ - رَهْطًا .. الحديث. وفي آخره: «إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغيرُهُ أَحَبُّ إِلَى مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ عن أبيه، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]: قُلِبُوا، ﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٥٢]: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا. رابعها: حديث أبي هريرة: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ..» الحديث. خامسها: حديث أبي هريرة أيضًا: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ» الشرح: أما قوله: «لا يجد غنًى يغنيه» فقد أسنده في الباب من حديث أبي هريرة، وهو الحديث الرابع. وأما الحديثان الأولان فأخرجهما مسلم أيضًا (١)، وسلف قطعة من ------------ (١) حديث أبي هريرة الأول رواه مسلم (١٠٣٩) كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنًى، ولا يفطن له فيتصدق عليه. والحديث الثاني رواه برقم (٥٩٣) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته. أول الحديث الثاني في باب: الذكر بعد الصلاة (١). وكاتب المغيرة: هو ورَّاد كما سلف هناك (٢). وأما الثالث: فالسند الأخير أخرجه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح، عن إسماعيل بن محمد قال: سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا يعني: حديث الزهري المذكور فقال في حديثه: فضرب رسول الله - ﷺ - بيده بين عنقي وكتفي ثم قال: «أَقِتَالًا أي سعد؟ إني لأعطي الرجل» (٣) وفي «الجمع» للحميدي في أفراد مسلم عن إسماعيل بن محمد بن سعد (٤)، عن أبيه، عن جده بنحو حديث الزهري عن عامر بن سعد. وزعم خلف أن طريق إسماعيل بن محمد هذا في البخاري في كتاب الزكاة عن محمد بن غرير كما سقناه، لكن زاد بعد: صالح عن إسماعيل بن محمد، عن أبيه، عن سعد. وقال أبو نعيم: وساقه من حديث الدوري، عن يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، حَدَّثَني أبي، عن صالح، عن إسماعيل بن محمد، سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا يعني: حديث الزهري عن عامر .. الحديث ثم قال: رواه يعني: البخاري، عن محمد بن غُرَير، عن يعقوب. وقد سلف الحديث في كتاب الإيمان. ------------ (١) سلف برقم (٨٤٤) كتاب: الأذان. (٢) راجع شرح حديث (٨٤٤). (٣) «صحيح مسلم» (١٥٠) كتاب: الإيمان، باب: تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع. (٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ١٨٨. وأما حديث أبي هريرة الرابع: فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وأما حديثه الأخير فسلف في باب: الاستعفاف عن المسألة (٢). إذا تقرر ذَلِكَ: فالآية الأولى اختلف المفسرون في تأويلها فقيل: يسألون ولا يلحفون في المسألة، وقيل: إنهم لا يسألون الناس أصلًا أي: لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف؛ وألحف وأحفى وألح بمعنًى، والدليل على أنهم لا يسألون وصف الرب ﷻ بالتعفف، ولو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم. ويشهد له حديثا أبي هريرة في الباب الأول والرابع. واحتج بالحديث الأول، قالوا: والمسألة بغير إلحاف مباحة للمضطر إليها، يدل على ذَلِكَ ما رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد له صحبة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» (٣) فدل ذَلِكَ أن من لم تكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم في المسألة. ومن لم يكن ملومًا في مسألته، فهو ممن يليق به اسم التعفف. وليس قول من قال: لو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم. بصحيح؛ لأن السؤال المذموم إنما هو لمن كان غنيًّا عنه بوجود أوقية أو عدلها، فالحديثان مختلفان في المعنى لاختلاف ظاهر ألفاظهما. والأول نفي الإلحاف ودل على السؤال، والثاني نفي فيه السؤال أصلًا، وانتفي فيه الإلحاف بنفي السؤال، وإنما اختلفا لاختلاف أحوال السائل؛ لأن الناس يختلفون في هذا المعنى، فمنهم من يصبر عن السؤال -------------- (١) «صحيح مسلم» (١٠٣٩). (٢) سلف برقم (١٤٧٠). (٣) «الموطأ» ٢/ ١٧٩ (٢١١١) باب: التعفف عن المسألة، وصححه الألباني في «الصحيحة» ٤/ ٢٩٦ (١٧١٩). عند الحاجة ويتعفف، ويدافع حاله، وينتظر الفرج من خالقه، ومنهم من لا يصبر ويسأل بحسب حاجته، وكفايته، ومنهم من يسأل وهو يحب الاستكثار، وهذا هو الملحف الذي لا تنبغي له المسألة. ويحتمل أن يكون معناهما واحدًا في نفي السؤال أصلًا. ويحتمل أن يكونا متفقي المعنى في إثبات السؤال، ونفي الإلحاف. فإن قُلْتَ: فكيف قال: «ولا يقوم فيسأل الناس» قيل: في أكثر أمره وغالب حاله يلزم نفسه التعفف عن المسألة، حتىَّ تغلبه الحاجة والفقر ويقع سؤاله نادرًا، كما قال - ﷺ -: «لا يضع عصاه عن عاتقه» (١) أي غالبًا، وكما قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سَوي» (٢). وقد تحل لهم في بعض الأوقات. ومن كان سؤاله عند الضرورة وفي النادر فليس بملحف، واسم التعفف أولى به، بدليل حديث عطاء بن يسار السالف. وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يبغض الغني الفاحش البذيء والسائل الملحف» (٣) وقال أبو هريرة: ------------- (١) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، من حديث فاطمة بنت قيس. (٢) روي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فحديث أبي هريرة رواة النسائي ٥/ ٩٩ كتاب: الزكاة، باب: إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، وابن ماجه (١٨٣٩) كتاب: الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنًى، وأحمد ٢/ ٣٧٧ - ٣٨٩، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ كتاب: الزكاة. وحديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (١٦٣٤) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٢) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة، وأحمد ٢/ ١٦٤، ١٩٢، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ كتاب: الزكاة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٤). وصحح الحديثين معًا في «الإرواء» (٨٧٧). (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ١٠٠ (٦٢٢٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٣٤ وعزاه إلى ابن جرير وابن المنذر. المسكين: هو المتعفف في بيته، لا يسأل الناس شيئًا حتَّى تصيبه الحاجة، اقرءوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١). وأما قول البخاري: وكم الغنى؟ أي: كم حده؟ وقد سلف فيه حديث عطاء. وروى ابن مسعود: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال: «خمسون درهمًا» (٢) وفي حديث أبي سعيد: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» (٣). وفي حديث سهل بن الحنظلية عند أبي داود: يا رسول الله، ما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشيه» وفي لفظ: «أن يكون له شبع يوم وليلة» (٤). وحديث عليًّ: ما ظهر غنًى يا رسول الله؟ قال: «عشاء ليلة» (٥). وسيأتي في الباب أيضًا إيضاح الخلاف فيه. وأما الآية الثانية وهي --------- (١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٤٧٩ وعزاه إلى ابن جرير. (٢) رواه أبو داود (١٦٢٦) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء من تحل له الزكاة، والنسائي ٥/ ٩٧ كتاب: الزكاة، حد الغنى، وابن ماجه (١٨٤٠) كتاب: الزكاة، باب: كراهية المسألة، أحمد ١/ ٣٨٨، ١/ ٤٤١، ١/ ٤٦٦، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٣٨) وفي «الصحيحة» (٤٩٩). (٣) رواه أبو داود (١٦٢٨) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والنسائي ٥/ ٩٨ كتاب: الزكاة، من الملحف؟، وأحمد ٣/ ٧، ٩ وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٠)، و«الصحيحة» (١٧١٩). (٤) سنن أبي داود (١٦٢٩) وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤١). (٥) رواه أحمد ١/ ١٤٧، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ١/ ٢٢٤، والطبراني في «الأوسط» ٧/ ١٣٢ (٧٠٧٨)، و٨/ ١٣٨ (٨٢٠٥)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢٢٠، والدارقطني في «سننه» ٢/ ١٢١ كتاب: الزكاة، باب: الغنى التي يحرم السؤال، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ١/ ٤٩٠ (٨٠٤): صحيح لغيره. قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، هم فقراء المهاجرين خاصة، قاله مجاهد (١)، وابن أبي جعفر عن أبيه، والسدي (٢). ومعنى ﴿أُحْصِرُوا﴾: منعهم فرض الجهاد عن التصرف، وقيل: أحصرهم عدوهم؛ لأن الله شغلهم بجهادهم، وقيل: شغلهم عدوهم بالقتال عن التصرف، واللغة توجب أن أحصر من المرض إلا أن يكون المعنى صودفوا في هذا الحال. وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ أي: تصرفًا عن المدنية. وقيل: ألزموا أنفسهم الجهاد، كما يقال: لا أستطيع أن أعصيك أي: قد ألزمت نفسي طاعتك. وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ ليس الجهل هنا ضد العلم، وإنما هو ضد الخبرة. أي الجاهل بحالهم بما يرى بهم من التعفف؛ لأنهم لا يسألون. وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعني: ما بهم من الخصاصة، كان أحدهم يلبس البردة إلى نصف الساق والآخر يتزرها. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي يعلمه ويجازي على ما أريد به وجهه. وأما حديث أبي هريرة الأول: فقوله - ﷺ -: «ليس المسكين» أي ليس الشديد المسكنة. قاله ابن التين. ------------ (١) «تفسير مجاهد» ١/ ١١٧، ورواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ٩٦ (٦٢١٠)، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥٤٠ (٢٨٦٥)، وذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ١/ ٣٢٧، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٣٣ وعزاه إلى سفيان، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (٢) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ٩٦ (٦٢١١ - ٦٢١٢). وقال ابن بطال: يريد ليس المسكين المتكامل أسباب المسكنة؛ لأنه بمسألته يأتيه الكفاف والزيادة عليه فيزول عنه اسم المبالغة في المسكنة. «وإنما المسكين» المتكامل أسباب المسكنة من لا يجد غِنًى ولا يتصدق كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: ليس ذَلِكَ غاية البر لأنه لا يبلغ بر ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ البقرة: ١٧٧. الآية (١). وقوله: «الأُكله والأُكلتان» قال ابن التين: ضبطه بعضهم بضم الهمزة بمعنى اللقمة، فإذا فتحها كانت المرة الواحدة. قال الكسائي: يقال في كل شيء: فعلت فعلة إلا في شيئين حججت حجة ورأيت رؤية. ذكره الهروي. وفي «الفصيح»: الأكلة: اللقمة، والأكلة بالفتح: الغداء والعشاء. وقال صاحب «المطالع» أيضًا: هما في الحديث بالضم؛ لأنه بمعنى اللقمة، فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة فهي بالفتح، إلا أن يكون فيها فاء فيكون مضمومًا بمعنى المأكول. واختلف أهل اللغة في الفقير والمسكين، من هو أسوأ منهما؟ فقال ابن السكيت، وابن قتيبة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير؛ لأنه مشتق من السكون. وهو عدم الحركة، فكأنه كالميت، فالمسكين: الذي سكن وخشع، والفقير له بعض ما يقيمه، واحتجوا بقول الراعي: أَمَّا الفَقِيُر الذي كانَتْ حَلُوبَتُه … وَفْق العِيالِ فلم يُتْرَك له سَبَدُ (٢) ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥١٦ - ٥١٧. (٢) «غريب ابن قتيبة» ١/ ١٩١. فجعل له حلوبة، وجعلها وفق عياله أي: قدر قوتهم. وقال ابن سيده: المِسْكين والمَسْكين، الأخيرة نادرة؛ لأنه ليس في الكلام مَفْعيل: الذي لا شيء له. وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله. وقال أبو إسحاق: هو الذي أسكنه الفقر فخرجه إلى معنى مفعول (١)، والفقر ضد الغنى. وقدر ذَلِكَ أن يكون له ما يكفي عياله. وقد فقر فهو فقير والجمع: فقراء. والأنثى: فقيرة من نسوة فقائر. وحكى اللحياني نسوة فقراء، ولا أدري كيف هذا. وقال القزاز: أصل الفقر في اللغة: من فقار الظهر، كأن الفقر كسر فقار ظهره، فبقي له من جسمه بقية يدل عليه الشعر السالف. والفَقر والفُقر، والفتح أكثر. وأما ابن عديس فسوى بينهما. قال القزاز: والناس يجعلون المِسْكِين هو الذي معه شيء، وليس كذلك، ذاك الفقير. وأما المسكين: فالذي لا شيء معه، والفرق في الاشتقاق، لأن المْسِكين مِفْعِيل من السكون، وإذا انقطعت حركة الإنسان لم يبق له شيء. واحتج من جعل المسكين من له شيء بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فجعل لهم سفينة، ومعنى هذا عند قوم أنه لم يرد فقرهم، ولكن جرى الخطاب على معنى الترحم كما تقول: ما تصنع ها هنا يا مسكين؟ على معنى الترحم. وكما قال - ﷺ - لقيلة: «يا مسكينة عليك بالسكينة» (٢). --------------- (١) «المحكم» ٦/ ٤٤٩. (٢) رواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ٣١٧ - ٣٢٠ مطولًا، والطبراني في «الكبير» ٢٥/ ٧ - ١١ (١)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٥٢ - ١٥٣ مختصرًا، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٦/ ١٠ - ١٢ وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال قوم: لم تكن السفينة لهم وإنما كانوا فيها على سبيل الأجرة للعمل، وقال الجوهري: المسكين: الفقير، وقد يكون بمعنى: الذلة والضعف، يقال: سكن الرجل وتمسكن وهو شاذ، وكان يونس يقول: المسكين أشد حالًا من الفقير قال: وقلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله، بل مسكين. والمرأة مسكينة، وقوم مساكين، ومسكينون، والإناث مسكينات (١). وقال الأخفش: الفقير مشتق من قولهم: فقرت له فقرة من مالي. وقال نفطويه: الفقير عند العرب: المحتاج، والمسكين: الذي قد أذله الفقر. إذا عرفت ذَلِكَ: فقد اختلف العلماء فيهما بناءً على ذَلِكَ: فقال مالك وأبو حنيفة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير (٢). وعكس الأصمعي وابن الأنباري والشافعي (٣)، احتج الأولون بهذا الحديث، واحتج الآخرون بالآية السالفة ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وبالآية السالفة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] قالوا: والفقر هو استئصال الشيء يقال: فقرتهم الفاقرة إذا أصابتهم داهية أهلكتهم، والفقير عند العرب الذي قد انكسر فقار ظهره كما سلف، ومن صار هكذا فقد حل به الموت. وقد يقال: مسكين لغير الفقير، ولكن لمن نقصت حاله عن الكمال في بعض الأمور كما قال - ﷺ -: «مسكين مسكين من لا زوجة ------------- (١)»الصحاح«٥/ ٢١٣٧. (٢) انظر:»الهداية«١/ ١٢٠،»المعونة«١/ ٢٦٨ - ٢٦٩. (٣) انظر:»الاستذكار«٩/ ٢٠٩ - ٢١٠،»روضة الطالبين" ٢/ ٣٠٨. له، ومسكينة مسكينة من لا زوج لها» (١) قالوا: وقد قال الشارع: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين» رواه الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: صحيح الإسناد (٢). وتعوذ بالله من الفقر، فعُلم أنه أسوأ حالًا وأشد من المسكنة. قال ابن التين: وأهل اللغة جميعًا على هذا القول. وقالت طائفة من السلف: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، والزهري، وروي عن علي بن زياد، عن مالك أن الفقير الذي لا عيال له ويتعفف عن المسألة، والمسكين: الذي لا عيال له ويسأل (٣). واختلفوا أيضًا كم الغنى الذي لا يجوز لصاحبه أخذ الصدقة، وتحرم عليه المسألة فقال بعضهم: هو بوجود المرء قوت يومه لغدائه وعشائه. وهذا قول بعض المتصوفة الذين زعموا أنه ليس لأحد ادخار شيء لغد. وهو مردود بما ثبت عن الشارع وأصحابه أنهم كانوا يدخرون. وقال آخرون: لا تجوز المسألة إلا عند الضرورة وأحلوا ذَلِكَ بحل الميتة للمضطر. ------------ (١) حديث مرسل، رواه الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤٨ (٦٥٨٩)، والبيهقي في «الشعب» ٤/ ٣٨٢ (٥٤٨٣)، وذكره الديلمي في «الفردوس» ٤/ ١٦٥ (٦٥١٥)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٥٢ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات إلا أن أبا نجيح لا صحبة له، وذكره الهندي في «كنز العمال» ١٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩ (٤٤٤٥٥)، وعزاه للبيهقي في «الشعب» عن أبي نجيح مرسلًا، وقال الألباني في «الضعيفة» (٥١٧٧): منكر. (٢) «المستدرك» ٤/ ٣٢٢ كتاب: الرقائق، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٢٦١)، وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٥٨ (٨٦١). (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢. وقال آخرون: لا تحل المسألة بكل حال. واحتجوا بما روي عنه - ﷺ - أنه قال أبي ذر: «لا تسأل الناس شيئًا» (١) وجعلوا ذَلِكَ نهيًا عامًّا عن كل مسألة. وبما رواه ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن معاوية، عن ثوبان مرفوعًا: «من تكفل لي بواحدة تكفلت له بالجنة» قال ثوبان: أنا. قال: «لا تسأل الناس شيئًا» وكان سوطه يقع فما يقول لأحدٍ: ناولنيه، فينزل فيأخذه (٢). وقال قيس بن عاصم لبنيه: إياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء، فإن أحدًا لن يسأل إلا ترك كسبه (٣). وقالت طائفة: لا يأخذ الصدقة من له أربعون درهمًا، لقوله - ﷺ -: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» وقد سلف (٤). وممن قال بذلك أبو عبيد. وقالت طائفة: لا تحل لمن له خمسون درهمًا. وهو قول النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق (٥). واحتجوا بحديث يروى عن ابن مسعود ------------- (١) رواه أحمد ٥/ ١٧٢، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٤٠ (٣٤٣٠)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٨١٠) و«صحيح الجامع» (٧٣٠٧). (٢) رواه ابن ماجه (١٨٣٧) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة، وأحمد ٥/ ٢٧٥، ٢٧٧، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٨١، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٣٥٢٠ - ٣٥٢١) ورواه أبو داود (١٦٤٣) من طريق آخر. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٠). (٣) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٥٣)، وابن سعد في «طبقاته» ٧/ ٣٦ - ٣٧ مختصرًا، والطبراني في «الكبير» ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤٠ (٨٦٩ - ٨٧٠)، والحاكم. في «المستدرك» ٣/ ٦١٢ كتاب: معرفة الصحابة، وحسنه الألباني في «الأدب المفرد» (٩٥٣). (٤) سلف تخريجه. (٥) انظر: «المغني» ٤/ ١١٨ - ١١٩، «المبدع» ٢/ ٤١٧. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#296 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 511 الى صـــ 530 الحلقة (296) مرفوعًا بذلك (١). وأعله يحيى بن سعيد وشعبة فقالا: يرويه حكيم بن جبير، وهو ضعيف (٢). وقالت طائفة: من ملك مائتي درهم حرم عليه الصدقة المفروضة. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، ورواه المغيرة عن مالك (٣). وقال المغيرة: لا بأس أن يعطى أقل ما تجب فيه الزكاة. وروي عن مالك: يعطى من له أربعون درهمًا إذا كان له عيال (٤). واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله - ﷺ - «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في (فقرائهم) (٥)» فجعل المأخوذ منه غير المردود عليه، ومن معه مائتا درهم تؤخذ منه الزكاة فلم تجز أن ترد عليه لما فيه من إبطال الفرق بين الجنسين، بين الغني والفقير. وقال الطحاوي: قوله - ﷺ -: «أما وجد عنها مندوحة» بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق، «وأما من سأل وله أوقية أو عدلها» منسوخ بقوله - ﷺ -: «من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافًا» (٦)، فجعل هذا حدًّا ------------- (١) رواه أبو داود (١٦٢٦) كتاب: الزكاة، باب: من يُعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٠ - ٦٥١) كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الزكاة، والنسائي ٥/ ٩٧ كتاب: الزكاة، حد الغنى، وابن ماجه (١٨٤٠) كتاب: الزكاة، من سأل عن ظهر غِنًى، وأحمد ١/ ٣٨٨. (٢) والحديث صححه الألباني في: «صحيح أبي داود» (١٤٣٨)، «الصحيحة» (٤٩٩). وقال: هذا إسناد صحيح من طريق زبيد، لا من طريق حكيم بن جبير فإنه ضعيف. (٣) انظر: «الاختيار» ١/ ١٥٨، «المنتقى» ٢/ ١٥٢. (٤) انظر: «التاج والإكليل» ٣/ ٢٢٠. (٥) عليها في الأصل كلمة (كذا) (٦) رواه أحمد ٤/ ١٣٨، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٧٢، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٩٥، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٠٢٢)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ٣٩٩ (٢٣١٤). لمن لا تحل له الصدقة، قال بعضهم: وكل من حد من الفقهاء في الغنى حدًّا أو لم يحد فإنما هو بعد ما لا غنًى به عنه من دار تحمله ولا تفضل عنه، وخادم هو محتاج إليها، ولا فضل له من مال يتصرف فيه، ومن كان هكذا، فأجمع الفقهاء أنه يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه. قال الطبري: والصواب عندنا. في ذَلِكَ أن المسألة مكروهة لكل أحد إلا لمضطر يخاف على نفسه التلف بتركها، ومن بلغ حد الخوف على نفسه من الجوع، ولا سبيل إلى ما يرد به رمقه، ويقيم به نفسه إلا بالمسألة فالمسألة عليه فرض واجب؛ لأنه لا يحل له إتلاف نفسه وهو يجد السبيل إلى حياتها. والمسألة مباحة لمن كان ذا فاقة وإن كرهناها ما وَجدَ عنها مندوحة بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق، وإنما كرهناها له لقوله - ﷺ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى» (١)، ولا مأثم عليه إلا على سائل سأل عن غنًى متكثرًا بها فالمسألة عليه حرام. قُلْت: وقد أسلفنا فيما مضى أقسام المسألة، فراجعه. وأما حديث المغيرة ففيه الكتاب بالسؤال عن العلم، والجواب عنه. وفيه: قبول خبر الواحد، وقبول الكتابة، وهو حجة في الإجازة. وفيه: أخذ بعض الصحابة عن بعض. والمراد بـ (قيل وقال) هنا: حكايته شيء لا يعلم صحته، وأن الحاكي له يقول: قيل وقال. قاله ابن الجوزي. وعن مالك: هو الإكثار من الكلام والإرجاف نحو قول -------------- (١) سلف برقم (١٤٢٩) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر قلب، ورواه مسلم (١٠٣٣) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى. القائل: أُعطِي فلان كذا ومنع من كذا والخوض فيما لا يعني (١). وقال ابن التين: له تأويلان: أحدهما: أن يراد به حكايته أقوال الناس وأحاديثهم والبحث عنها لينمي، فيقول: قال فلان كذا وفلان كذا بما لا يجر خبرًا، إنما هو ولوع وشغف، وهو من التجسس المنهي عنه. والثاني: أن يكون في أمر الدين فيقول: قيل فيه كذا، وقال فلان، فيقلد ولا يحتاط لموضع الإخبار بالحجج. وفي لفظ آخر: نهى عن قيل وقال (٢). قال أبو عبيد: فيه تجوز، وذلك أنه جعل القال مصدرًا كأنه قال عن قيل وقول، يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالا. فعلى هذا يكون: إن الله كره لكم قيلا وقالا منونًا؛ لأنهما مصدران وقال ابن السكيت: هما اسمان لا مصدران وقال غيره: من روى غير منون قال: إنهما فعلان. والأول على أنهما اسمان. وفي حرف عبد الله (ذلك عيسى بن مريم قالُ الحق الذي فيه تمترون) (٣). وقوله: و«إضاعة المال» هذا على وجوه جماعها الإسراف، ووضعه في غير موضعه كالأبنية، واللباس، والفُرُش، وتمويه الأبنية بالذهب، ------------- (١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣١٥. (٢) سيأتي برقم (٧٢٩٢) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ورواه مسلم (٥٩٣/ ١٤) كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل بغير حاجة والنهي … (٣) هذِه قراءة شاذة قرأ بها ابن مسعود بضم اللام، قال ابن خالويه: يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالًا وقولة. كل ذلك مصادر، وانظر «مختصر في شواذ القرآن» من كتاب «البديع» لابن خالويه ص ٨٧. وتطريز الثياب به أو سقوف البيت فإنه من التضييع والتصنع، ولا يمكن تخليصه منه وإعادته إلى أصله حتَّى يكون أصلًا قائمًا. ومن إضاعته: تسليمه لغير رشيد. وفيه: دلالة على إثبات الحجر على المفسد لماله، ومن الحجر احتمال الغبن في البياعات (١)، وقسمة ما لا ينتفع بقسمته كاللؤلؤة، وتركه من غير حفظ فيضيع، أو يتركه حتَّى يفسد، أو يرميه إذا كان يسيرًا كبرًا عن تناوله، أو يسرف في النفقة أو ينفقه في المعاصي، وأن يتخلى الرجل من ماله بالصدقات وعليه دين لا يرجو له وفاء، ولا صبر له على التفسير والإضاقة، ولا يرد على فعل الصديق حيث تصدق بماله كله لغناه بقوة صبره، ومن في الأمة مثله يقاس به؟! وانظر من أنفقه عليه. ويحتمل أن يتأول معنى: «إضاعة المال» على العكس مما سلف أن إضاعته حبسه عن حقه، والبخل به على أهله، كما قال: وما ضاع مال أورث المجد أهله … ولكن أموال البخيل تضيع (٢) وقال الداودي: إضاعة المال تؤدي إلى الفقر الذي يخشى منه الفتنة. وكان الشارع يتعوذ من الفقر وفتنته. قال: وفيه دليل على فضل الكفاف على الفقر والغنى؛ لأن ضياع المال يؤدي إلى الفتنة بالفقر وكثرة السؤال، وربما خشي من الغنى الفتنة، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧] قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ---------- (١) هي الأشياء التي يتبايع بها في التجارة، «لسان العرب» ١/ ٤٠٢. (٢) وقد قيل أيضًا: وما ضاع مال ورث الحمد أهله … ولكن أموال البخيل تضيع فنهى عما يؤدي إلى الحالتين، وألف قوم في تفضيل الغنى على الفقر، وعكس قوم، واحتج كلٌ، وسكتوا عن الحال التي هي أفضل منهما وهي التي دعا الله ورسوله إليها، وإنما الفقر والغنى محنتان وبليتان كان الشارع يتعوذ منهما، ولا يتعوذ من حالة فيها الفضل غير أن الغنى أضر من الفقر على أكثر الناس، وإنما توصف الأشياء بأكثرها. وقال المهلب في «إضاعة المال»: يريد السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أنه - ﷺ - رد تدبير المعدم؛ لأنه أسرف على ماله فيما يحل ويؤجر فيه لكنه أضاع نفسه، وأجره في نفسه آكد من أجره في غيره. ومن هنا اختلف العلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله، فجمهور العلماء يوجب عليه الحجر صغيرًا كان أو كبيرًا. روي ذَلِكَ عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (١). وقال النخعي، وابن سيرين، وبعدهما أبو حنيفة، وزفر: لا حجر عليه (٢) يدل لهم حديث الذي يخدع في البيوع ولم يمنعه الشارع من التصرف، وللأولين حديث معاذ. ولعل يكون لنا عودة إليه في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما «كثرة السؤال» ففيه وجهان ذكرا عن مالك: الأول: سؤال الشارع فإنه قال: «ذروني ما تركتكم» (٣). ------------ (١) انظر: «الهداية» ٣/ ٣١٥، «المعونة» ٢/ ١٥٩، «روضة الطالبين» ٤/ ١٨١، «المغني» ٦/ ٥٩٥. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٩٧، «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٢١٥. (٣) رواه مسلم (١٣٣٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر. الثاني: سؤال الناس (١)، وهو ما فهمه البخاري وبوب عليه وقال ابن التين فيه وجوه: أحدها: التعرض لما في أيدي الناس من الحطام بالحرص والشره وهو تأويل البخاري. ثانيها: أن يكون في سؤال المرء ما نهي عنه من متشابه الأمور على مذهب أهل الزيغ والشك وابتغاء الفتنة، أو يكون على ما كانوا يسألون الشارع عن الشيء من الأمور من غير حاجة بهم إليه، فتنزل البلوى بهم كالسائل عمن يجد مع امرأته رجلًا. وأشد الناس جرمًا في الإسلام من سأل عن أمر لم يكن حرامًا فحرم من أجل مسألته، كما روي (٢). وجاءت المسائل في القرآن على ضربين: محمودة: مثل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ونحوه وبذلك أمر الرب ﷻ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ومذمومة: مثل ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ [النازعات: ٤٢] وإليه يرجع قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]. وأما حديث سعد فتقدم بفوائده في كتاب الإيمان، في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (٣). وأسلفنا هناك أن (أراه) بفتح الهمزة، وأنه ضبط بضمها، وعليه اقتصر ابن التين هنا، أي: أظنه. ------------ (١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣١٥. (٢) يشير المصنف رحمه الله إلى حديث سيأتي برقم (٧٢٨٩) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ورواه مسلم (٢٣٥٨) كتاب: الفضائل، باب: توقيره - ﷺ - وترك كثرة سؤاله. (٣) سلف برقم (٢٧). وقوله: «أو مسلمًا» إنما نهاه أن يقطع بما لا يعلم غيبه. ومعنى «مسلمًا»: مستسلمًا يظهر بلسانه ما لا يعتقده بقلبه، وليس هذا المسلم الذي في قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] والنبي - ﷺ - مع هبوط الوحي عليه لم يكن يعلم بحقيقة إيمان أحد إلا بوحي، وقد خفي عليه بعض المنافقين قال تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وقوله: (فضرب بيده فجمع بين عنقي وكتفي) سببه؛ لينبهه لاستماع ما يقول له، وأسلفنا أن (يكُبّه) بضم الكاف لأنه ثلاثي متعد، وإذا كان رباعيًّا كان غير متعد (١)، وهو شاذ؛ لأن سائر الأفعال إنما يؤتى بالهمزة فيها والتضعيف للتعدية. وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾، أي: كبوا على رءوسهم. وقال أبو عبيد: طرح بعضهم على بعض، والأصل كببوا، قلب من الباء كافًا استثقالًا للتضعيف. وقيل معناه: فجمعوا مشتق من الكبكبة وهي الجماعة. وقد أسلفنا هناك أن فيه فوائد: الشفاعة للرجل من غير أن يسألها ثلاثًا لما في الصدقات وغيرها. وفيه: أن العالم يحب له أن يدعو الناس إلى ما عنده وإلى الحق والعلم بكل شيء حتَّى بالعطاء. وفيه: أن الحرص على هداية غير المهتدي آكد من الإحسان إلى المهتدي. وفيه: أنه يعطي من المال أهل النفاق، ومن على غير حقيقة الإسلام على وجه التألف، إذا طمع بإسلامه. وفي أحاديث الباب كلها الأمر بالمعروف، والاستفتاء، وترك السؤال. وفي الآية الثانية وهي قوله: ----------- (١) في هامش الأصل: وله إخوة نحو ستة أو أكثر. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] ودليل قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب» الحديث، بيان قوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» رواه ابن عمر وأبو هريرة (١)، وأن معناه خصوص لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣] فدل على أنه لو زال عنهم الإحصار لقدروا على الضرب في الأرض، ودل ذَلِكَ على أنهم ذووا مِرة أقوياء، وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة بالفقر خاصة. وكذلك قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب» يدل على هذا المعنى؛ لأنه لا يقدر على ذَلِكَ إلا ذو المرة السوي، ولم تحرم عليه المسألة. فذهب قوم إلى الأخذ بالحديث السالف: «لا تحل الصدقة لغني» إلى آخره وقالوا: لا تحل لذي مرة سوي كالغني، هذا قول الشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيدة، ذكره ابن المنذر، وخالفهم آخرون فقالوا: كل فقير من قوى زمن فالصدقة له حلال، وتأولوا الحديث أن معناه: الخصوص هذا قول الطبري؛ لأنه لا خلاف بين جميع الأمة أن الصدقة المحرمة التي يكون أصلها محبوسًا وغلتها صدقة على الغني والفقير أنه يجوز للأغنياء أخذها وتملكها. فالحديث في الفرض لا في التطوع. وكذا أجمعوا على أن غنيًّا في بلده، لو كان في سفر ------------- (١) حديث ابن عمر رواه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٨١، وحديث أبي هريرة رواه النسائي ٥/ ٩٩ كتاب: الزكاة، إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، وابن ماجه (١٨٣٩) كتاب: الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنى، وأحمد ٢/ ٣٧٧، ٣٨٩. وفي الباب من حديث عبد الله بن عمرو، وحبشي بن جنادة وطلحة، وجابر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فمن شاء الوقوف عليها فليراجع «نصب الراية» ٢/ ٣٩٩ - ٤١٠، و«الإرواء» ٣/ ٣٨١ - ٣٨٥ (٧٨٨). فذهبت نفقته، له أن يأخذ من الصدقة المفروضة ما يحمله إلى بلده. فالحديث مخصوص إذن، وأنه معني به بعض المفروضة؛ ولأن الله تعالى جعل في المفروضة حقًّا لصنوف من الأغنياء كالمجاهد، والعامل، وابن السبيل العاجز حالًا، وإن كان غنيًّا ببلده. وكذا ذو المرة السوي في حال تعذر الكسب عليه جائز له الصدقة المفروضة. وأما التطوع منها ففي كل الأحوال. وقال الطحاوي: لا تحرم الصدقة بالصحة إذا أراد بها سد فقره، وإنما تحرم عليه إذا أراد بها التكثر والاستغناء (١). يدل على ذَلِكَ حديث سمرة السالف: «المسائل كدوح» إلى آخره فأباح فيه المسألة في كل أمر لا بد من المسألة فيه. وذلك إباحة المسألة في الحاجة لا بالزمانة. وروى يحيى بن سعيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن وهب بن خنبش قال: جاء [رجل] (٢) إلى رسول الله - ﷺ - وهو واقف بعرفة، فسأله رداءه، فأعطاه إياه فذهب. ثم قال رسول الله - ﷺ -: «إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع، أو غرم مفظع (٣)، ومن سأل الناس ليثرى به، فإنه خموش في وجهه، ورضف يأكله من جهنم، إن قليل فقليل، وإن كثير فكثير» (٤). فأخبر في هذا الحديث أن المسألة تحل بالفقر والعدم، ولا تختلف في حال الزَّمِن والصحيح. وكانت المسألة التي أباها هي للفقير لا لغيره. وكان بصحيح الأخبار عندنا يوجب أن من قصده - ﷺ - بقوله: «لا تحل ----------------- (١)»شرح معاني الآثار«٢/ ١٨. (٢) زيادة مسند»شرح ابن بطال«نسيها المصنف. (٣) في الأصل: مفضع، ولعل الصواب ما أثبتناه. (٤) رواه الطحاوي في»شرح معاني الآثار" ٢/ ١٩. الصدقة لذي مرة سوي» هو غير من استثناه في هذِه الآثار، وأن الذي تحرم عليه الصدقة من الأصحاء: هو الذي يريد أن يتكثر ماله بالصدقة، حتَّى تصح هذِه الآثار وتتفق معانيها، ولا تتضاد، وتوافق معنى الآية المحكمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ١٠١]؛ لأن كل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف فهو من أهل الصدقة التي جلعها الله تعالى لهم في كتابه، وسنة رسوله، زَمِنًا كان أو صحيحًا. فهذا الذي حملنا عليه وجوه هذِه الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد. قال ابن بطال: وهو قول مالك أيضًا فيما رواه المغيرة عنه أنه يعطى القوي البدن من الزكاة، ولا يمنع لقوة بدنه (١). خاتمة: في بعض نسخ البخاري عقب الحديث الأخير (٢)، وقال أبو عبد الله: صالح بن كيسان أكبر من الزهري، وهو قد أدرك ابن عمر. ومشى عليها ابن التين فقط. فقال: قول البخاري: صالح: إلى آخره هو كما قال. وقد ذكر أن الزهري أدرك ابن عمر وروى عنه. قُلْتُ: وجماعات غيره، ذكرتهم في «المقنع في علوم الحديث»، وذِكْرها عقب الثالث أنسب (٣). والزهري اسمه: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب إمام جليل، أعلم أهل زمانه بهذا الفن. ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٢٣. (٢) في هامش الأصل ما نصه: في نسختي هذِه الزيادة بعد الحديث الثالث وهي أوجه. (٣) «المقنع في علوم الحديث» ١/ ١٣١. ٥٤ - باب خَرْصِ التَّمْرِ ١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى، إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ: «اخْرُصُوا». وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ». فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ: «كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟». قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ». فَلَمَّا -قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ». فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: «هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟». قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ» يَعْنِي: خَيْرًا. [١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢ - مسلم: ١٣٩٢ (كتاب الفضائل- باب (٣) بعد حديث ٧٠٦ - فتح: ٣/ ٣٤٣] ١٤٨٢ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِي عَمْرٌو: «ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ: حَدِيقَةٌ. [فتح: ٣/ ٣٤٤] ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تبوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرى، إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّﷺ - لأصْحَابِهِ: «اخْرُجوا». وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» .. الحديث. وفي آخره: فَلَمَّا رَأى أُحُدًا قَالَ: «هذا جُبْلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنصَارِ؟». قَالُوا: بَلَى. فذكره. وقًالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِي عَمْروٌ: «ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غزيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ: حَدِيقَةٌ. الشرح: الكلام عليه من أوجه: (قال البزار: ولا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أبي حميد وحده) (١). أحدها: غزوة تبوك تسمى: العسرة، والفاضحة، وهي من المدينة على أربع عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة في رجب يوم الخميس سنة تسع (٢). قال الداودي: وهي آخر غزواته، ولم يعذر أحدًا تخلف عنها، وكانت في شدة الحر، وإقبال الثمار، ولم يكن فيها قتال. قال ابن التين: لعله يريد آخر غزواته بنفسه، وإلا فقد ذكر الشيخ أبو محمد أنها في سنة تسع، خرج إليها في أول يوم من رجب، واستخلف عليًّا على المدينة. ومكرت في هذِه الغزوة برسول الله - ﷺ - طائفة من المنافقين أرادوأ أن يلقوه من العقبة، فنزل فيهم ما في براءة (٣). ورجع في سلخ شوال منها. --------------- (١) هكذا جاءت في الأصل وكأنها مقحمة على النص. (٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٣٠٣، و«معجم البلدان» ٢/ ١٤ - ١٥. (٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٨٤٤، والبيهقي في «دلائله» ٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧، = قُلْتُ: وقيل في رمضان. قال: وبعث عليًّا في سنة عشر إلى اليمن (١) وبعث فيها أسامة بن زيد إلى الداروم (٢) من أرض مصر (٣) فغنم وسلم (٤). وبعث أيضًا في سنة عشر عيينة بن حصن إلى بني العنبر يدعوهم فلم يجيبوا، فقتل منهم وسبى (٥). وبعث جريرًا إلى ذي الكلاع سنة إحدى عشرة يدعوه إلى الإسلام، فأسلم (٦). ولم تأت غزوة إلا ورى النبي - ﷺ - بغيرها إلا تبوك. وقال ابن سيده: تبوك: اسم أرض، وقد تكون تبوك تفعل (٧). وزعم ابن قتيبة أن رسول الله - ﷺ - جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حسيها بقدح، فقال: «ما زلتم تبوكونها بعد» فسميت تبوك. ومعنى تبوكون: تدخلون فيه السهم، وتحركونه ليخرج ماؤه (٨). -------------- = وذكره الواحدي في «أسباب النزول» ص ٢٥٧ (٥١٦)، البغوي في «معالم التنزيل» ٤/ ٧٥، السيوطي في «الدر» ٣/ ٤٦٦ وعزاه للبيهقي في «دلائله». (١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٢/ ١٦٩، ٣٣٧، وانظر: «البداية والنهاية» ٥/ ٢٢٩، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: قوله (الداروم) كذا صواب النطق به، أعني: بالميم، وقوله من أرض مصر فيه نظر، إذ الشام من العريش إلى الفرات .. والعريش بعدها، فهي شاميَّة. (٣) الداروم تقع في أرض الشام وليست في أرض مصر، انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٤٢٤، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٨. (٤) انظر: سيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٨. (٥) رواه البخاري معلقًا عن ابن إسحاق كتاب: المغازي، باب: ٦٨، وانظر: «تاريخ الطبري» ٢/ ٢٠٩، و«الإصابة» ١/ ٥٥ و٣/ ٥٤ و٢٠١. (٦) انظر: «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦، و«تاريخ الطبري» ٢/ ٢٢٦، و«الاستيعاب» ١/ ٣٠٩ - ٣١٠، ٢/ ٥٣، و«الإصابة» ١/ ٣٨٢. (٧) «المحكم» ٦/ ٤٨٤ وفيه: تبوك تفعول، لا كما ذكر هنا: تفعل. (٨) انظر: «تفسير القرطبي» ٨/ ٢٨٠، و«معجم ما استعجم» ١/ ٣٠٣. ثانيها: وادي القرى، ذكر السمعاني أنها مدينة قديمة بالحجاز مما يلي الشام. وذكر صاحب «المطالع» أنها من أعمال المدينة. ثالثها: الحديقة: الأرض ذات الشجر. قاله ابن فارس (١) وقال الهروي: إنها كل ما أحاط به البناء. وكذلك قال البخاري وغيرهما. وقال ابن سيده: هي من الرياض كل أرض استدارت، وقيل: كل أرض ذات شجر مثمر ونخل، وقيل: البستان والحائط، وخص به بعضهم الجنة من النخل والعنب، وقيل: حفرة تكون في الوادي يحبس الماء فيه، وإن لم يكن الماء في بطنه فهو حديقة. والحديقة: أعمق من الغدير، والحديقة: القطعة من الزرع. وكله في معنى الاستدارة (٢). وفي «الغريبين» يقال للقطع من النخل: حديقة. رابعها: الخرص: الحزر لما على النخل تمرًا يقال: خرصت تمر النخل خرصًا، وكم خرص أرضك بالكسر والفتح، كما قاله المازني. قال ابن سيده: وهو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم (٣) والخراص: الحزار، خرص العدد يخرصه -بكسر الراء وضمها- خرصًا -بفتح الخاء وكسرها- حزره. --------------- (١) «مجمل اللغة» ١/ ٢٢٢. (٢) انتهى من «المحكم» ٢/ ٣٩٦ بتصرف. (٣) «المحكم» ٥/ ٣٥. خامسها: كيفية الخرص أن يطوف النخيل، ويحزر عناقيدها رطبًا، ثم تمرًا. ويتعين إفراد كل نخلة بالنظر لتفاوت الأرطاب إن اتحد النوع. فإن اختلف جاز أيضًا، وأن يطوف بالجميع، ثم يخرص الجميع دفعة. وعبارة ابن الحاجب: ويخرص نخلة نخلة ويسقط سقطه (١). سادسها: فيه حجة على أبي حنيفة وصاحبيه في منع الخرص، وأنه يؤدي عشر ما يحصل بيده زاد الخرص أو نقص، إذ فعله الشارع وأصحابه، فهو حجة للجمهور منهم: أبو بكر، وعمر، والزهري، وعطاء، وأبو ثور، ومالك، والشافعي، وأحمد (٢). وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث سعيد بن المسيب، عن عتاب (٣) بن أسيد: أمر رسول الله - ﷺ - أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا، حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٤) (٥). وقال أبو داود: لم يسمع سعيد من عتاب (٦). ------------ (١) «مختصر ابن الحاجب» ص ٨٢. (١٥٧). (٢) انظر: «المعونة» ١/ ٢٥٥، «العزيز» ٣/ ٧٨، «الكافي» ٢/ ١٤١. (٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: لا خلاف أنّ سعيدا ولد في خلافة عمر، ولم يسمع من عمر على الصحيح، وعتاب توفي يوم توفي الصديق. (٤) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٧٣ - ٧٤ (٣٢٧٨ - ٣٢٧٩) كتاب: الزكاة، باب: العشر. (٥) رواه أبو داود (١٦٠٣ - ١٦٠٤)، الترمذي (٦٤٤)، النسائي ٥/ ١٩، ابن حبان ٨/ ٧٣ - ٧٤ (٣٢٧٨ - ٣٢٧٩)، ابن ماجة (١٨١٩) وابن نافع في «معجم الصحابة» ٢/ ٢٧٠، والبيهقي ٤/ ١٢٢. (٦) وقال ابن قانع: لم يدرك سعيد بن المسيب عتاب بن أسيد والحديث ضعفه ابن = وهو حجة على إلحاق العنب بالنخل. وهو حجة على داود حيث قال: لا خرص إلا في النخيل فقط (١)، وإنما يخرص إذا بدا صلاحه، ولا يخرص الحب لاستتاره. وقول الشعبي: الخرص بدعة (٢). والثوري: خرص الثمار لا يجوز لا تحل حكايته عندي. قال ابن قدامة: وممن كان يرى الخرص سهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، والحسن، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم بن أبي المخارق، وأبو عبيد بن سلام، وأكثر أهل العلم (٣). -------------- = حزم وقال: سعيد لم يولد إلا بعد موت عتاب بسنتين. وعتاب لم يوله النبي - ﷺ - إلا مكة ولا زرع بها ولا عنب «المحلى» ٥/ ٢٢٣. ونقل ابن عبد البر في «الاستذكار» ٩/ ٢٤٦ عن داود الظاهري قال: إنه منقطع. لم يسمع سعيد من عتاب. وقال هو في موضع لاحق ٢١/ ٢١٣: حديث ليس بمتصل عند أهل العلم؛ لأن عتاب بن أسيد مات بمكة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق، أو في اليوم الذي ورد النعي بموته، وسعيد بن المسيب إنما ولد لسنتين مضتا لخلافة عمر، فالحديث مرسل على كل حال. وممن أعله بذلك وضعف الحديث أيضًا، المنذري في «مختصرالسنن» ٢/ ٢١١، وعبد الحق في «أحكامه» ٢/ ١٧٨. والنووي في «مجموعه» ٥/ ٤٣٠ - ٤٣١ فقال: هو مرسل، والإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في «الإمام» فيما نقله عنه المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٤٠، والمصنف في نفس الموضع مؤكدًا ذلك. وكذا الألباني فقال في «ضعيف أبي داود» (٢٨٠): إسناده ضعيف. وضعفه في «الإرواء» (٨٠٧). وخالف ذلك كله الحافظ ابن كثير فقال في «الإرشاد» ١/ ٢٥٣: إسناده حسن! ذكره مرة أخرى ١/ ٢٥٤ ونقل كلام أبي داود وتحسين الترمذي، وسكت! (١) انظر: «بداية المجتهد» ٢/ ٥٢٥. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٢٧ (٧٢١١) كتاب: الزكاة، باب: الخرص. (٣) «المغني» ٤/ ١٧٣ - ١٧٤. وكذا عدد ابن المنذر جماعة، ثم قال: وعامة أهل العلم. قال: وخالف ذَلِكَ أبو حنيفة وأصحابه. فرع: المشهور عن الشافعي إدخال جميعه في الخرص، ولا يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكلها أهلها، خلافًا لنصه في البويطي (١)، وعند أحمد يلزم الخارص أن يترك الثلث أو الربع في الخرص توسعة على أرباب الأموال. وبه قال إسحاق، والليث (٢). وقال ابن حبيب: يخفف عن ربه، ويوسع عليه، وهو خلاف مشهور في مذهب مالك (٣)، وفيه حديث جيد من طريق سهل بن أبي حثمة، صححه ابن حبان والحاكم (٤). ------------ (١) انظر: «المجموع» ٥/ ٤٦٠. (٢) انظر: «المغني» ٣/ ١٧٧، «الفروع» ٢/ ٤٣٣. (٣) قال أبو الوليد الباجي رحمه الله في «المنتقى» ٢/ ١٦٠: وهل يخفف في الخرص على أرباب الأموال أم لا؟ المشهور من مذهب مالك أنه لا يُلْغَى له شيء، وقال ابن حبيب: يخفف عنهم، ويوسع عليهم. وقال الشيخ أبو محمد: هذا خلاف مذهب مالك، وحكى القاضي أبو محمد الروايتين عن مالك، انظر: في «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦٦، «الذخيرة» ٢/ ٩١. (٤) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٧٥ (٣٢٨٠)، «المستدرك» ١/ ٤٠٢. ورواه أيضًا أبو داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي ٥/ ٤٢. وصححه كذلك ابن الجارود ٢/ ١٥ - ١٦ (٣٤٨)، عبد الحق ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، والنووي في «المجموع» ٥/ ٤٦٠، والمصنف هنا، وفي «البدر المنير» ٥/ ٥٤٥ - ٥٤٧ إشارة. لكن أعله ابن القطان في «بيانه» ٤/ ٢١٥ بعبد الرحمن بن مسعود بن نيار -قلت: هو راويه عن سهل بن أبي حثمة. وقال النووي ٥/ ٤٦٠ - بعد أن قال: إسناده صحيح-: إلا عبد الرحمن فلم يتكلموا فيه بجرح ولا تعديل ولا هو مشهور، ولم يضعفه أبو داود، والله تعالى = وقال الشافعي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يدل على أنه لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد (١). وتحمل الآية على العموم أي: آتوا جميع حق المأكول والباقي. فرع: لو كانت هذِه الثمرة لا يجيء منها تمر ولا زبيب فيخرصها على ما يكون فيها لو أثمرت. ذكره ابن التين. ومن يقول بالقيمة التخريص عنده لأجل النصاب. وأغرب ابن العربي فقال في «مسالكه»: لم يصح حديث عتاب، ولا حديث سهل (٢). فرع: يكفي خارص واحد على الأصح عندنا وبه قال مالك (٣). سَابِعُها: اعتذر من منع من الخرص بجن حديث الباب أراد به معرفة مقدار ما في نخلها خاصة، ثم يأخذ منها الزكاة وقت الصرام على حسب ما يجب ------------- = أعلم. أهـ. وكذا ضعفه الإمام ابن دقيق العيد في «إلمامه» ص ٢٢١ - ٢٢٢، وفي «إمامه» كما نقله عنه المصنف في «البدر» ٥/ ٥٤٧. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٨١)، وفي الضعيفة (٢٥٥٦). (١) انظر: «مختصر المزني» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠، «الحاوي» ٣/ ٢٣٨. (٢) قلت: حديث عتاب أعله أكثرهم، وحديث سهل أعله غير واحد. والله أعلم. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٦٠، وقال النووي رحمه الله: وهل يكفي خارص واحد أم يشترط اثنان؟ فيه طريقان: أحدهما: القطع بخارص، كما يجوز حاكم واحد، وبهذا الطريق قال ابن سريج والإصطخري، وقطع به جماعة من المصنفين. وأصحهما وأشهرهما، وبه قطع «المصنف» والأكثرون فيه قولان. قال الماوردي: وبهذا الطريق قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة وجمهور أصحابنا المتقدمين، أصحهما باتفاقهم خارص.= فيها. وأيضًا فقد خرص حديقتها، وأمر أن تحصى، وليس فيه أنه جعل زكاتها في ذمتها، وأمرها أن تتصرف في ثمرها كيف شاءت. وإنما كان يفعل ذَلِكَ تخفيفا لئلا يخونوا، وإن لم يعرفوا مقدار ما في النخيل ليأخذوا الزكاة وقت الصرام هذا معنى الخرص. قال الطحاوي: ولم يأت في هذِه الآثار أن الثمرة كانت رطبًا حينئذٍ (١). وقال ابن العربي: لا يصح في الخرص إلا حديث الباب. ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود. وهذِه المسألة عسرة جدًّا؛ لأنه ثبت عنه خرص العنب، ولم يثبت عنه خرص الزبيب، وكان موجودًا في حياته وكثيرًا في بلاده. ولم يثبت عنه خرص النخل إلا على اليهود؛ لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم. قال الماوردي: واحتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعًا: «نهي عن الخرص» (٢) وبما رواه جابر بن سمرة أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع كل ذي ثمرة بخرص (٣). وبأنه تخمين وقد يخطئ، ولو جوزنا لجوزنا خرص الزرع وخرص الثمار بعد جدادها، وهي أقرب إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلما لم يجز في القريب، لم يجز في البعيد. ولأن تضمين رب المال قدر الصدقة. وذلك غير جائز لأنه بيع رطب بتمر. والثاني: بيع حاضر بغائب (٤). ----------- = والثاني: يشترط اثنان كما يشترط في التقويم اثنان، «المجموع» ٥/ ٤٦٠. (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٣٩. (٢) رواه أحمد ٣/ ٣٩٤، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٤١. (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٣. (٤) «الحاوي» ٣/ ٢٢١. وأيضًا فهو من المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمرة على رءوس النخل بالتمر كيلًا. وأيضًا فهو من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل، ومن النسيئة. وقالوا: الخرص منسوخ بنسخ الربا. واستدل من رآه بحديث ابن عباس في بعث النبي - ﷺ - ابن رواحة إلى خيبر حين كان يصرم النخل، فحزر النخل وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص. أخرجه أبو داود (١) وأخرج أيضًا من حديث عائشة مثله. قال الدارقطني: وروي مرسلًا ومسندًا (٢). وبحديث جابر قال: أفاء الله تعالى خيبر على رسوله، فبعث ابن رواحة فخرصها عليهم عشرين ألف وسق، أخرجه الدارقطني كذلك (٣)، وابن أبي شيبة في «مصنفه». وقال: بأربعين ألف وسق (٤). -------------- (١) «أبو داود» (٣٤١٠) ورواه أيضًا ابن ماجه (١٨٢٠). قال الألباني في «الإرواء» ٣/ ٢٨٢: إسناده جيد. وحسنه في «صحيح ابن ماجه» (١٤٧٣). (٢) «سنن أبي داود» (١٦٠٦ و٣٤١٣). وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ١/ ٢٥٥: رجال إسناده على شرطهما، ولكن قال البخاري: ليس بمحفوظ. والحديث يرويه حجاج عن ابن جريج قال: أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة. لذا قال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٤٣: فيه جهالة المخبر لابن جريج. وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٧١: فيه جهالة الواسطة. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٨٢): إسناده ضعيف، لجهالة المخبر. وقال في «الإرواء» ٣/ ٢٨١: رجاله ثقات كلهم غير أنه منقطع. (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٣ - ١٣٤. قال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦: قال المنذري: رجال إسناده. كلهم ثقات. وقال الألباني في «الإرواء» ٣/ ٢٨١: إسناده رجاله ثقات كلهم لولا أن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه. (٤) «المصنف» ٢/ ٤١٥ (١٠٥٦١) كتاب الزكاة، ما ذكر في خرص النخل، و٧/ ٢٩٣ (٣٦١٩٩) كتاب: الرد على أبي حنيفة. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#297 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 531 الى صـــ 550 الحلقة (297) وبحديث البيهقي، عن [الصلت بن زُييد] (١)، عن أبيه، عن جده أنه - ﷺ - استعمله على الخرص فقال: أثبت لنا النصف، وأبق لهم النصف، فإنهم يسرقون، ولا يصل إليهم .. الحديث. وفيه قال محمد: فَحَدَّثْتُ بهذا الحديث عبيد الله بن عمر، فقال: قد ثبت عندنا أن النبي - ﷺ - قال: «أبق لنا الثلثين» قال الحافظ أبو بكر: هذا إسناد مجهول (٢). قال الماوردي: فمن خراصين رسول الله - ﷺ - حويصة، ومحيصة، (وبردة بن عمر) (٣)، وعمر بن الخطاب. وروي عن أبي بكر أنه بعث ابنه (عبد الله) (٤) خارصًا على أهل خيبر (٥). قال: وليس لأبي بكر، وعمر في ذَلِكَ مخالف، فثبت أنه إجماع. وقال ابن القصار: ما هرب منه أبو حنيفة من تضمين أرباب الأموال حق الفقراء، فإن أصحاب الشافعي لا يضمنون أرباب الأموال؛ لأن الثمرة لو تلفت بعد الخرص لم يضمنهم شيئًا. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخارص إذا خرص ------------- (١) في الأصل: (الصلت عن ابن زييد)، والمثبت كما في كتب التراجم و«سنن البيهقي»، و«التاريخ الكبير» ٤/ ٣٠١، و«الثقات» ٦/ ٤٧٢ وتصحف عندهم إلى (زبيد) وذكره ابن ناصر في «توضيح المشتبه» ٤/ ٢٧٠ على الصواب وذكر الحديث. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٢٣ - ١٢٤ كتاب: الزكاة. (٣) كذا بالأصل، والصواب كما جاء في كلام الماوردي في «الحاوي» ٣/ ٢٢٢، وأبي بردة وابن عمر. (٤) كذا بالأصل، والصواب عبد الرحمن كما في كلام الماوردي. (٥) «الحاوي» ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢ و٢٢٣. الثمر، ثم أصابه جائحة أنه لا شيء عليه إذا كان ذَلِكَ قبل الجداد، ولأنا نخرصها لنعرفهم لئلا يشق عليهم، ويضمنون حق الفقراء، فرفقنا بالفريقين. ودعواهم أنه منسوخ بنسخ الربا جوابه أن بعض آية الربا منسوخة بالخرص، ومخصوصة كما خصت الحوالة من بيع الدين بالدين، والقرض من بيع الذهب والفضة بمثلهما إلى أجل، والإقالة، والشركة من بيع الطعام قبل قبضه، وكذلك العرية والخرص ليس بربا، وإنما هو ليعرف حق المساكين. وقولهم: أنه ظن فالشريعة وردت بالعمل بغلبة الظن كثيرًا، ومحل الجواب عن الشبه كتب الخلافيات، وقد أشرنا إليها. ثامنها: قوله - ﷺ -: «ستهُب الليلة ريح» هو بضم الهاء مثل كب يكب. وهذا باب المضعف؛ لأنه مع عينه إذا كان متعديًا أن يكون مضمومًا إلا حبَّه يحبُّه خاصة، فإنه مكسور. وأحرف نادرة جاء فيها الوجهان إذا كان لازمًا مثل عد يعد، وضل يضل. وفيه: أنه - ﷺ - كان يخبر ببعض ما يكون قبل كونه، وإنما يقول عن الوحي، وهو من أعلام نبوته. تاسعها (١): قوله: وأهدى ملك أيلة .. إلخ. فيه قبول هدية طاغية الكفار، وسيأتي بسط الكلام فيه في كتاب الهبة إن شاء الله. واسم ملك أيلة يوحنا بن رؤبة. وأيلة: مدينة على شاطئ البحر في منتصف ما بين مصر ومكة على وزن فعلة. هذا قول أبي عبيدة. وقال محمد بن حبيب: أيلة: شعبة من رضوى، وهو جبل ينبع. وقال البكري: الذي ------------- (١) وقعت في الأصل ثالثها، والصواب: تاسعها. ذكر أبو عبيدة صحيح، وقال الأحول: سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم - ﷺ -. وقد روي أن أيلة: هي القرية التي كانت حاضرة البحر (١). وقوله: وكساه بُردًا: يريد أنه - ﷺ - كسا طاغيتهم بردًا. وقوله: وكتب لهم ببحرهم، وفي نسخة: ببحيرهم أمنهم يريد أهل البحر. وقال الخطابي بحرتهم: أرضهم وبلدهم (٢). وقوله: قال للمرأة: «كم جاء حديقتك» قالت: عشرة أوسق. فيه: تصديق المرأة، وأنها مؤمنة، ذكره الداودي. ويحتمل كما قال ابن التين أن يكون إنما صدقها لتوافق خرصه. وقد اختلف إذا زاد أو نقص على ما خرصه، فثلاثة أقوال عند المالكية. قال ابن نافع: تؤدى الزيادة، خرصه عالم أو غيره، ويرد في النقص إلى ما ظهر. وهذا هو القياس؛ لأن الزكاة في أوسق معلومة، وخطأ الخارص لا يوجب أن يكون حكمًا. وقيل: إن خرصه عالم فلا شيء عليه في الزيادة، وإن خرصه غير عالم زكى الزيادة. والذي في «المدونة» أنه إذا خرص عليه أربعة فجدَّ خمسة أحب أن يؤدى زكاتها (٣). وفيه: تدريب الإمام أصحابه، وتعليمهم أمور الدنيا، كما يعلمهم أمور الآخرة؛ لأنه قال لهم: «اخرصوا» وقوله: «إني متعجل إلى المدينة فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل» إنما أذن لهم؛ لئلا يستأثر دونهم بذلك، وأذن لمن شاء؛ لأنه لا يمكن لجميعهم التعجيل. وقوله: «هذه طابة» هو اسم من أسمائها، ويقال: طيبة ومعناه: ----------- (١) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٧، «معجم البلدان» ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٨١٢. (٣) انظر: «المدونة» ١/ ٢٨٤، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦٧، «المنتقى» ٢/ ١٦٢. طيِّبة، يقال: طيب وطاب (١). وقوله: «هذا جبل يحبنا ونحبه» لا منع من حمله على الحقيقة، ولا حاجة إلى إضمار فيه أي: أهله وهم الأنصار. فقد ثبت أن حراء ارتج تحته، وكلمه، وقال: «اثبت فلبس عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان» (٢). وحن الجذع اليابس إليه حتَّى نزل وضمه، وقال: «لو لم أضمه لحن إلى يوم القيامة» (٣)، وكلمه الذئب (٤)، وسجد له البعير (٥)، وأقبل إليه ------------- (١) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٠٠، و«معجم البلدان» ٤/ ٥٢/ ٥٣. (٢) سيأتي برقم (٣٦٧٥) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا».، وبرقم (٣٦٨٦) باب: مناقب عمر بن الخطاب، وبرقم (٣٦٩٧) باب: مناقب عثمان بن عفان. (٣) رواه ابن ماجه (١٤١٥) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في بدء شأن المنبر، وأحمد ١/ ٢٤٩، ٢٦٦، ٣٦٣، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٦، وابن سعد في «طبقاته» ١/ ٢٥٢، وأبو يعلى ٦/ ١١٤ (٣٣٨٤)، والطبراني ١٢/ ١٨٧ (١٢٨٤١)، والضياء في «المختارة» ٥/ ٣٧ - ٣٨، وصححه الألباني في «الصحيحة» ٥/ ٢٠٦ (٢١٧٤)، وهذا الحديث سيأتي برقم (٣٥٨٣) في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، بلفظ آخر. (٤) رواه البيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٣٩ - ٤٠. (٥) رواه أحمد ٣/ ١٥٨ - ١٥٩ من حديث أنس بن مالك، وأبو نعيم في «دلائل النبوة» ٢/ ٣٨٥ (٢٨٧)، والضياء في «الأحاديث المختارة» ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦ (١٨٩٥)، والبزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٥١ - ١٥٢ (٢٤٥٤)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٩ وقال: رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح غير حفص بن أخي أنس، وهو ثقة. وفي الباب من حديث: عصمة بن مالك الخطمي رواه الطبراني ١٢/ ١٨٣ (٤٦٨)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٣١٠ - ٣١١، وقال: رواه الطبراني، وفيه: الفضل بن المختار، وهو ضعيف. ومن حديث عبد الله بن مسعود، رواه الطبراني في «الأوسط» ٩/ ٨١ - ٨٢ (٩١٨٩)، ومن حديث عبد الله بن أبي أوفى، رواه أبو نعيم في «دلائل النبوة» ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥ (٢٨٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٢٩. الثعبان (١)، وسلم عليه الحجر (٢)، وكلمه اللحم المسموم أنه مسموم (٣)، فلا ينكر حب الجبل له. قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] يعني: المواضع التي كانوا يصلون عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد منها عملهم. وحبُّ النبي - ﷺ - الجبل؛ لأن به قبور الشهداء، ولأنهم لجأوا إليه يوم أحد فامتنعوا. ---------- (١) رواه السهمي في «تاريخ جرجان» ص ٦١٥ - ٦١٦. (٢) رواه مسلم (٢٢٧٧) كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة. (٣) روي هذا الحديث موصولًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وكذلك مرسلًا. حديث أبي هريرة رواه الطبراني ٢/ ٣٤ (١٢٠٢)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٩١ وقال: رواه الطبراني، وفيه: سعيد بن محمد الوراق، وهو ضعيف. وحديث أبي سعيد الخدري: رواه البزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٤١ (٢٤٢٤)، وقال البزار: لا نعلم يروى عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٠٩ كتاب: الأطعمة، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه وذكره الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٩٥ وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات. وحديث أنس: رواه البزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٤٠ - ١٤١ (٢٤٢٣)، وقال البزار: تفرد به أنس، ولا نعلم رواه إلا يزيد عن مبارك. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٩٥ وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وفيه ضعيف. أما المرسل: فرواه أبو داود (٤٥١٢) كتاب: الديات، باب: فيمن سقى رجلًا سمًّا أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟ وقال الألباني: حسن صحيح. ورواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ١٧٢، والدارمي في «مسنده» ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ (٦٨). وأصل هذا الحديث سيأتي برقم (٢٦١٧) كتاب: الهبة، باب: قبول الهدية من المشركين، ورواه مسلم (٢١٩٠) كتاب: السلام، باب: السم، من حديث أنس: أن يهودية أتت النبيﷺ - بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل .. الحديث. وقوله: «ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟» يروى (١) أن سعد بن عبادة لحق برسول الله - ﷺ - فقال: أجعلتنا من آخرهم. قال: «أما ترضى أن تكون من الأخيار» (٢). وقوله: -قبل ذَلِكَ- (فقام رجل فألقته بجبل طيِّئ). وفي نسخة بجبلي طيِّئ. قال الكلبي في كتابه «أسماء البلدان»: هما: أجا وسلمئ، وذلك أن سلمى بنت حام بن حُمَّى بن نزاوة من بني عمليق، كانت لها حاضنة يقال لها: العوجاء، وكانت الرسول بينها وبين أجا بن عبد الحي من العماليق فعشمقها وهرب بها وبحاضنتها إلى موضع جبلي طيِّئ، وبالجبلين قوم من عاد. وكان لسلمى إخوة، وهي أول من تسمى بسلمى، فجاءوا في طلبها فلحقوهم بموضع الجبلين، فأخذوا سلمى فنزعوا عينها ووضعوها على الجبل وكتف أجا، وكان أول من كتف ووضع على الجبل الآخر فسمي بهما الجبلان أجا وسلمى. قال ابن الكلبي: وفي حديث آخر عن الشرقي: أن زوج سلمى هو الذي قتلها. وقال البكري: أجا: بفتح أوله وثانيه على وزن فعل يهمز ولا يهمز، ويذكر ويؤنث، وهو مقصور في كلا الوجهين من همزه وترك همزه (٣) (٤). ------------ (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: ذا في الصحيح يأتي. (٢) سيأتي برقم (٣٧٩١) كتاب: مناقب الأنصار، باب: اتباع الأنصار. (٣) «معجم ما استعجم» ١/ ١٠٩. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن عشر. كتبه مؤلفه غفر الله له. ٥٥ - باب أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ؟ ١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ، حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رضي الله عنهما يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ». [١٤٩١، ٣٠٧٢ - مسلم: ١٠٦٩ - فتح: ٣/ ٣٥٠] ذكر فيه حديث أبي هريرة: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُؤتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ .. الحديث. وفيه: فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَمْرِ، فَأخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَها فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ رَسُولُ الله - ﷺ - فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحمدٍ لَا يَأْكلُونَ الصَّدَقَةَ». هذا الحديث أخرجه أيضًا قريبًا في باب: ما يذكر من الصدقة للنبي - ﷺ - وآله بلفظ: أخذ الحسن بن علي تمرة. فقال: «كِخْ كِخْ»؛ ليطرحها ثم قال: «أما شعرت أنا لا نأكل صدقة؟» (١). وأخرجه مسلم كذلك. وفي رواية: «أما علمت أنا لا تحل لنا الصدقة؟» (٢) وله عندهما طريق آخر غير هذا (٣). ومن حديث أنس ------------ (١) سيأتي برقم (١٤٩١). (٢) «صحيح مسلم» (١٠٦٩) كتاب: الزكاة، باب: تحريم الزكاة على الرسول - ﷺ - وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم. (٣) سيأتي برقم (٣٠٧٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: من تكلم بالفارسية والرطانة، رواه مسلم (١٠٦٩). أيضًا، وله طرق أخر (١). والصرام: هو الجداد والقطاف، ويقال ذَلِكَ كله بالفتح والكسر، وكان الفعال بهما مطردان في كل ما كان فيه معنى وقت الفعل، مشبهان في معاقبتهما بالأوان فالأوان، والمصدر من ذَلِكَ: الصرم والجد والقطف. وعبارة ابن سيده: الصِرام والصُرام أوان إدراكه. وأصرم: حان صرامه. والصُرامة: ما صرم من النخل. ونخل صريح: مصروم. (٢) وفي «المغيث»: قد يكون الصرام النخل. لأنه يصرم أي: يجتنى ثمره. ومنه حديث ابن عباس: يرسل ابن رواحة إلى يهود حين يصرِم النخل (٣) بكسر الراء أي: بلغ وقت صرامه. والصرام: التمر بعينه أيضًا؛ لأنه يصرم فسمي بالمصدر. وفي «الجامع»: ربما سموا النخل صرامًا؛ لأنه يصرم ويجتنى ثمره. وقال الإسماعيلي: قول البخاري: (عند صرام النخل) يريد بعد أن تصير تمرًا؛ لأنه يصرم النخل وهو رطب، فيتمر في المربد، ولكن ذَلِكَ لا يتطاول فحسن أن ينسب إليه، كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فمن رآه في الزكاة فإنما هو بعد أن يداس وينقى. والكوم -بفتح الكاف- والكومة: العُرمة، وهو هنا التمر المجتمع كالكدية. ----------- (١) سيأتي برقم (٢٠٥٥) كتاب: البيوع، باب: ما يتنزه من الشبهات، (٢٤٣١ - ٢٤٣٢) كتاب: في اللقطة، باب: إذا وجد تمرة في الطريق، ورواه مسلم (١٠٧١) باب: تحريم الزكاة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم. (٢) «المحكم» ٨/ ٢١٣. (٣) تقدم تخريجه في الباب السالف. وقوله: (أخذ أحدهما تمرة). هوْ الحسن كما علمته في رواية (البخاري) (١)، ومسلم. وقوله: «أنَّ آل محمد لا يأكلون الصدقة». وفي لفظ آخر سلف: «أنَّا لا نأكل الصدقة» (٢) قال الداودي: إما أن يكون قالهما أو روى بعضهم معنى الكلمة. وفيه دلالة واضحة على تحريم الصدقة على آله - ﷺ -، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (٣)، وللمالكية في إعطائهم من الصدقة أربعة أقوال: الجواز، والمنع، ثالثها: يعطون من التطوع دون الواجب. رابعها: عكسه لأن المنّة قد تقع فيها (٤). والمنع: أولاها كما قال ابن التين للحديث، وعندنا: لا يحرم عليهم التطوع، وآله عندنا: بنو هاشم، وبنو المطلب (٥). وقالت المالكية: بنو هاشم آل، وما فوق غالب ليس بآل، وفيما بينهما قولان (٦). وعند أبي حنيفة أن آله بنو هاشم خاصة (لا استثنى بني) (٧) ------------ (١) سقطت من الأصل. (٢) هذا اللفظ ليس كما قال المصنف -رحمه الله- أنه سلف، وإنما هو في سيأتي برقم (١٤٩١)، و(٣٠٧٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: من تكلم بالفارسية والرطانة. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨، «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٠١، «البيان» ٣/ ٤٣٨. (٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٢، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٤٦. (٥) انظر: «البيان» ٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩. (٦) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٤٦. (٧) ورد بهامش المخطوط: هذا افتراء على أبي حنيفة - رضي الله عنه - ولعله غلط من الكاتب، والأصل: إلا أنه استثنى بني أبي لهب. أبي لهب (١). وقال أصبغ: هم عشيرته الأقربون الذين ناداهم حين أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وهم: آل عبد المطلب، وهاشم، عبد مناف وقصي وغالب قال: وقيل: هم قريش كلها، قال ابن حبيب: لا يدخل في آله من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف، أو بني قصي، أو غيرهم. وكذا فسر ابن الماجشون ومطرف (٢). وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة. قال ابن التين: والأظهر ما قاله ابن القاسم أنهم بنو هاشم خاصة؛ لأن الأول إذا وقع على الأقارب إنما يتناول الأدنَين، فعلى هذا يأخذها من آل العشيرة من عدا عليا. وعلى قول أصبغ: لا يأخذها الخلفاء الثلاثة الأول، ولا عبد الرحمن، ولا سعد بن أبي وقاص، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا سعيد. ويأخذها أبو عبيدة؛ لأنه يجتمع معه في فهر وهو أبو غالب فيجتمع معه فيه وفي علي، ويحتمل أن يذكر بعض من لا يحل له. وسكت عن بعض لعلم السامع أن آله لا يأخذونها. واختلف فيمن عداهما. وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن يزيد بن حبان التيمي قال: سمعت زيد بن أرقم، وقيل له: من آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة؟ قال: آل علي، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل العباس (٣). فرع: الأصح عندنا إلحاق مواليهم بهم، وبه قال الكوفيون، والثوري (٤). -------------- (١) انظر: «تبين الحقائق» ١/ ٣٠٣، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٢٧٥. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٣، «البيان والتحصيل» ٢/ ٣٨٢. (٣) «المصنف» ٤/ ٥٢ (٦٩٤٣) كتاب: الزكاة، باب: لا تحل الصدقة لآل محمد - ﷺ -. (٤) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٠٢، «تبيين الحقائق» ١/ ٣٠٣، وقال النووي رحمه = وعند المالكية قولان لابن القاسم، وأصبغ. قال أصبغ: احتججت على ابن القاسم بالحديث: «مولى القوم منهم» (١) فقال: قد جاء حديث آخر: «ابن أخت القوم منهم» (٢) فكذلك حديث المولى وإنما يفسر: «مولي القوم منهم» في الحرمة والبر، كما في حديث: «أنت ومالك لأبيك» (٣) أي: في البر لا في القضاء واللزوم (٤). ونقل ابن بطال (٥) عن مالك، والشافعي، وابن القاسم الحِل، وما حكاه عن الشافعي غريب. فرع: أما سيدنا رسول الله - ﷺ - فصدقة الفرض والتطوع حرام عليه لشرفه، فإنها أوساخ الناس، قال المهلب: ولأنها منزلة ذل، والأنبياء منزهون --------------- = الله: الزكاة حرام على بني هاشم، وبني المطلب بلا خلاف، إلا ما سبق فيما إذا كان أحدهم عاملًا، والصحيح تحريمه، وفي مواليهم وجهان أصحهما التحريم. «المجموع» ٦/ ٢٢٠. (١) سيأتي برقم (٦٧٦١) كتاب: الفرائض، باب: مولى القوم من أنفسهم، وابن الأخت منهم. بلفظ: «مولى القوم من أنفسهم». (٢) سيأتي برقم (٣٥٢٨) كتاب: المناقب، باب: ابن أخت القوم منهم ومولى القوم منهم، و(٦٧٦٢) كتاب: الفرائض، ورواه مسلم (١٠٥٩/ ١٣٣) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه. (٣) رواه ابن ماجه (٢٢٩١) كتاب: التجارات، باب: ما للرجل من مال ولده. من حديث جابر، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٥٨، والطبراني في «الأوسط» ٤/ ٣١ (٣٥٣٤) و٧/ ١٩ (٦٧٢٨)، وفي الباب من حديث: عبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وعائشة، وسمرة بن جندب، وابن عمر، وأبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، وعمر بن الخطاب. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» ٣/ ٣٢٣ (٨٣٨) فانظره. (٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٣. (٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤٤. عن الذل، والخضوع، والافتقار لغير الله تعالى. وقد فرض الله عليه وعلى الأنبياء قبله ألا يطلبوا على شيء من الرسالة أجرًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] فلو أخذها لكانت كالأجرة. وكذلك لو أخذها آله؛ لأنه كالواصل إليه وأيضًا فلو حلت له لقالوا: إنما دعانا إلى ذَلِكَ. وادعى القرافي في «ذخيرته» فيه الإجماع (١). وقال ابن قدامة: إنه الظاهر؛ لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته كما في حديث سلمان الصحيح: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة (٢) وهو عام. وعن أحمد: حل التطوع له (٣). ويجوز أن يراد بالآل هنا: نفسه، كما جاء في الحديث: «لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود» (٤) يريد داود. ونقل الطحاوي عن أبي يوسف، ومحمد أن التطوع يحرم على بني هاشم أيضًا (٥) وكره أصبغ لهم فيما بينهم وبين الله تعالى أن يأخذوا من التطوع (٦). --------- (١) «الذخيرة» ٣/ ١٤٢. (٢) «المغني» ٤/ ١١٥، وحديث سلمان المذكور هو قطعة من حديث طويل رواه أحمد ٥/ ٤٤١ - ٤٤٥، وابن سعد في «طبقاته» ٤/ ٧٥ - ٨٠، والبزار في «مسنده» ٦/ ٤٦٢ - ٤٦٨ (٢٥٠٠)، وابن حبان في «صحيحه» ١٦/ ٦٤ - ٦٦ (٧١٢٤) كتاب: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، والبيهقي في «دلائله» ٢/ ٩٢ - ٩٧، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٨٨١). (٣) انظر: «المغني» ٤/ ١١٧. (٤) سيأتي برقم (٥٠٤٨) في فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، ورواه مسلم (٧٩٣) صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. (٥) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٧، «البيان والتحصيل» ٢/ ٣٨١. واختلف في ذَلِكَ قول أبي حنيفة، فروي عنه مثل هذا القول. وروي عنه أن الفرض والتطوع حلال لبني هاشم (١). وذكر الطبري عن أبي يوسف أنه يحل لبني هاشم الصدقة من بعضهم لبعض، ولا يحل لهم من غيرهم، وعن أبي حنيفة أن الصدقة إنما كانت محرمة عليهم من أجل ما جعل الله لهم من الخمس من سهم ذوي القربى، فلما انقطع ذَلِكَ عنهم رجع إلى غيرهم بموته - ﷺ - حل لهم بذلك ما كان حرم عليهم (٢). وقال ابن العربي: الكتب طافحة بتحريمها عليهم (٣). وقيل: إنما حرما عليه - ﷺ - لأنه كان له الخمس والصفي من المغنم، وأهل بيته دونه في الشرف، فلهم خمس الخمس وحده، فحرموا أحد نوعيها وهو الفرض دون التطوع. وقال ابن بطال: حرمت الصدقة عليه وعلى آله بنص القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فلو حلت له الصدقة وجد القوم السبيل إلى أن يقولوا: إنما يدعو إلى ما يدعونا إليه ليأخذ أموالنا، ويعطيها أهل بيته (٤). وقال الطبري في مقالة أبي يوسف السالفة: لا القياس أصابوا، ولا الخبر اتبعوا، وذلك أن كل صدقة وزكاة أوساخ الناس، وغسالة ذنوب من أخذت منه هاشميًّا أو مطلبيًّا، ولم يفرق الله ورسوله بين شيء منها بافتراق حال المأخوذ ذَلِكَ منه. قال: وصاحبهم أشذ قولًا ------------ (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١. (٢) انظر ما سبق. (٣) «عارضة الأحوذي» ٣/ ١٦١. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤١. منهم؛ لأنه لزم ظاهر التنزيل، وهو ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية وأنكر الأخبار الواردة بتحريمها على بني هاشم، فلا ظاهر التنزيل لزموا، ولا بالخبر قالوا. فرع: عند الحنفية والمالكية يجوز أن يكون العامل غنيًّا لا هاشميًّا (١)، وهو الأصح عند الشافعية (٢)، لحديث أبي رافع في السنن، وصححه الترمذي (٣). فائدة: الآل له معنيان: القرابة والأهل، وأولاد العم. وقال مالك لعبد الملك بن صالح: آله: أمته. ولابن دحية: الأزواج، والذرية، والأتباع، وكل تقي، واختلف أهل اللغة في الآل والأهل، فقالوا: الآل يقع على ذات الشيء، وعلى ما ينضاف إليه، بخلاف الأهل. فائدة: قال بعض أهل العلم: السنة أخذ صدقة التمر عند جداده لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فإن أخرجها عند محلها فسرقت أو سقطت، فقال مالك، وأبو حنيفة: يجزئ عنه (٤)، ----------- (١) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٩٧، «الاختيار» ١/ ١٥٣، «عيون المجالس» ٢/ ٥٧٥، «الذخيرة» ٣/ ١٤٦. (٢) انظر: «الأم» ٢/ ٦١. (٣) «سنن أبي داود» (١٦٥٠) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على بني هاشم، «سنن الترمذي» (٦٥٧) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي - ﷺ - «سنن النسائي» ٥/ ١٠٧ كتاب: الزكاة، باب: مولى القوم منهم، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٦). (٤) انظر: «الاختيار» ١/ ١٣٤، «المنتقى» ٢/ ١٦٢، «مواهب الجليل» ٣/ ١٣٦. وهو قول الحسن. وقال الزهري، والثوري، وأحمد: هو ضامن لها حتىَّ يضعها مواضعها (١). وقال الشافعي: إن كان بقي له من ماله ما فيه زكاة زكاه (٢). حجة الأول أن إخراجها موكول إليه وهو مؤتمن على إخراجها، وإذا أخرجها، من ماله وجعلت في يده جعلت كيد الساعي، وقد اتفقنا أن يد الساعي يد أمانة، فإذا قبضها ولم يفرط في دفعها، وتلفت بغير صنعة، فلا ضمان، فكذا رب المال؛ لأن الزكاة ليست متعلقة بذمته، بل في ماله. وأما إذا أخر إخراجها حتَّى هلكت، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي: إذا أمكن الأداء بعد حلول الحول وفرط حتَّى هلك المال فعليه الضمان (٣). خاتمة في فوائده: فيه من الفقه: دفع الصدقات إلى السلطان. وفيه: أن المسجد قد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين في غير الصلاة، ألا ترى أنه - ﷺ - جمع فيه الصدقات، وجعله مخزنًا لها. -------------- (١) انظر: «مسائل أحمد برواية عبد الله» ص ١٥٥، «الفروع» ٢/ ٥٧٠، «كشاف القناع» ٢/ ٢٦٩. (٢) انظر: «الحاوي» ٣/ ٢٢٩. (٣) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٧٠، «شرح فتح القدير» ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «الكافي» ص ٩٩، «المنتقى» ٢/ ١٦٢، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٥٢، وللأحناف قول آخر، وهو أنه يضمن، وهو قول العراقيين واختيار الكرخي؛ لأنها أمانة فتضمن بالهلاك بعد الطلب كالوديعة. وكذلك أمران يوضع فيه مال البحرين، وأن يبات عليه حتَّى قسمه فيه. وكذلك كان يقعد فيه للوفود، والحكم بين الناس ومثل ذَلِكَ بما هو أبين لعب الحبشة بالحراب، وتعلم المثاقفة. وكل ذَلِكَ إذا كان شاملًا لجماعة المسلمين، أما إذا كان العمل لخاصة الناس فيكره، مثل الخياط والخرازة، وقد كره قوم التأديب فيه؛ لأنه خاص، ورخص فيه آخرون؛ لما يرجى من نفع تعلم القرآن. وفيه: جواز دخول الأطفال فيه واللعب فيه بغير ما يسقط حرمته إذا كان الأطفال إذا نهوا انتهوا. وفيه: أنه ينبغي أن يجنب الأطفال ما يتجنب الكبار من المحرمات. وفيه: أن الأطفال إذا نهوا عن الشيء يجب أن يعرفوا لأي شيء نهوا عنه؛ ليكبروا على العلم ليأتي عليهم وقت التكليف وهم على علم من الشريعة. وفيه: كما قال الطبري: الدليل على أن لأولياء الصغار المعاتبة، وتجنبهم التقدم على ما يجب على البالغين الانزجار عنه، والحول بينهم وبين ما حرم الله على عباده فعله، وذلك أنه - ﷺ - استخرج التمرة من الصدقة من في الحسن وهو طفل لا يلزمه الفرائض، ولم تجر عليه الأقلام ولا شك أنه لو أكل جميع تمر الصدقة، لم تلزمه تبعة عند الله، وإن لزم ماله غرمه من ضمان ذَلِكَ، ولكن من أجل أنه كان مما حرم على أهل التكليف من أهل بيته، فبان بذلك أن الواجب على ولي الطفل والمعتوه إن رآه يتناول خمرًا يشربها، أو لحم خنزير يأكله، أو مالًا لغيره ليتلفه أن يمنعه من فعله، ويحول بينه وبين ذَلِكَ. وفيه: الدليل الواضح على صحة قول القائل: إن على ولي الصغيرة المتوفى عنها زوجها أن يجنبها الطيب، والزينة، والمبيت عن المسكن الذي يسكنه، والنكاح، وجميع ما يجب على البوالغ المعتدات اجتنابه. وخطأ قول من قال: ليس ذَلِكَ على الصغيرة؛ اعتلالًا منهم بأنها غير متعبدة بشيء من الفرائض؛ لأن الحسن كان لا تلزمه الفرائض، فلم يكن لإخراج التمرة من فيه معنًى إلا من أجل ما كان على النبي - ﷺ - من منعه ما على المكلفين منه من أجل أنه وليه. ٥٦ - باب العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالمَاءِ الجَارِي وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي العَسَلِ شَيْئًا. ١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ، يَعْنِي: حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ. وَقَالَ بِلَالٌ: قَدْ صَلَّى [١٥٩٩] فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ، وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ. [فتح: ٣/ ٣٤٧] ذكر فيه عن الزهري عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ وهو ابن عمر، عَنِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» (١). الشرح: تعليق عمر بن عبد العزيز أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع قال: بعثني عمر بن عبد العزيز على اليمن، فأردت أن آخذ من العسل العشر، فقال مغيرة بن حكيم الصنعاني: ليس فيه شيء، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ------------ (١) وقع في هامش الأصل ما نصه: في نسختي زيادة من كلام البخاري، وقد ذكرها الشيخ في الباب الذي بعد هذا. وبعدها علامة انتهاء التعليق، ثم كتب الناسخ: وبمثل ما ذكر هنا الشيخ ذكر الدمياطي في نسخته. صدق، وهو عدل رَضِي. وحَدَّثنَا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل، فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه صدقة. فقال عمر: عدل مصدق (١). وقال الربيع بن سليمان، أنا الشافعي، أنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر قال: جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنًى أن لا يؤخذ من الخيل ولا من العسل صدقة (٢). وفي بعض نسخ الترمذي من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل، قال: قلت: ما عندنا عسل، ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه ليس في العسل صدقة، قال عمر: عدل مرضي، فكتب إلى الناس أن يوضع عنه، رواه ابن بشار عن عبد الوهاب الثقفي عنه (٣). وقال البيهقي: قال الشافعي في القديم: الحديث في أن العسل يعشر ضعيف، وفي أنه لا يؤخذ منه العشر ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز، قال: واختياري أن لا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست فيه ثابتة، فكأنه عفو (٤). لكن لابن حزم من طريق منقطعة ما يخالفه قال: روينا من طريق ابن ------------ (١) «المصنف» ٢/ ٣٧٣ (١٠٠٥٦ - ١٠٠٥٧) كتاب: الزكاة، من قال: ليس في العسل زكاة. (٢) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ١٢٧ كتاب: الزكاة، باب: ما ورد في العسل، وفي «معرفة السنن والآثار» ٦/ ١٢٤ (٨٢٢٧) كتاب: الزكاة، ما ورد في العسل. (٣) «سنن الترمذي» (٦٣٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة العسل، وصححه الألباني. (٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١٢٧. جريج: كتبت إلى إبراهيم بن ميسرة أسأله عن زكاة العسل، فقال: أخبرني من لا أتهم من أهلي أن عروة بن محمد السعدي قال له: إنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن صدقة العسل، فرد إليه عمر: قد وجدنا بيان صدقة العسل بأرض الطائف فخذ منه العشر. وقال أبو محمد: ومن طريق ابن أبي شيبة، عن طاوس أن معاذًا لما أتى اليمن أتي بالعسل وأوقاص الغنم فقال: لم أؤمر فيها بشيء. قال: وبأن لا زكاة في العسل يقول مالك، والثوري، وابن حي، والشافعي، وأبو سليمان، وأصحابه (١). زاد ابن قدامة: وابن أبي ليلى، وابن المنذر، قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة فيه خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة فيه، قال: وروينا ذَلِكَ عن ابن عمر، وعن عمر بن عبد العزيز (٢). وفي «الحاوي» للماوردي: أما العسل فقد علق الشافعي في القديم القول به، فجعل ذَلِكَ قولًا له في إيجاب عشره، ثم قال: والصحيح على القديم، وصرح قوله في الجديد أنه لا زكاة فيه، قال: وبإيجاب عشره قال الأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق فيما أخذ من غير أرض الخراج (٣). ------------- (١) «المحلى» ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣. (٢) «المغني» ٤/ ١٨٣. (٣) هذِه العبارة غير مستقيمة؛ لأن أحمد وإسحاق لم يشترطا أن تكون الأرض أرض عشر أو أرض خراج، بل قالا بإطلاق أن في العسل العشر إذا بلغ النصاب، وقال أبو حنيفة وأصحابه، إن كان في أرض العشر فيه الزكاة، وإلا فلا زكاة، والصحيح كما قال الماوردي نفسه في كتابه: وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة فيما أخذ من غير أرض الخراج. «الحاوي» ٣/ ٢٣٦. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#298 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 551 الى صـــ 570 الحلقة (298) قال ابن قدامة. وبه قال مكحول، والزهري، وسليمان بن موسى (١). وفي «شرح الهداية»: وربيعة، ويحيى بن سعيد، وأبو عبيد بن سلام، وابن وهب صاحب مالك. كأنهم استدلوا بما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه - ﷺ - أخذ العشر فيه، أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد (٢)، وحسنه ابن عبد البر في «استذكاره» (٣). وأما البخاري وغيره فقال: لا يصح في زكاة العسل حديث (٤). وقال ابن المنذر: ليس في وجوب الزكاة فيه خبر يثبت عن رسول الله - ﷺ -، ولا إجماع، فلا زكاة فيه. قُلْتُ: وعلى تقديره فيحمل على أخذه بتطوعهم به، أو على أن ما دفعوه مقابلة لما حصل لهم من الاختصاص بالحمى، ولهذا امتنعوا من دفعه إلى عمر - رضي الله عنه - حين طالبهم بتخلية الحمى لسائر الناس. وعند الحنفية أن محل الوجوب فيه إذا كان في أرض العشر، فإن كان في أرض الخراج فلا شيء فيه كالثمرة (٥) كما قدمته. وهذا على قاعدتهم كما ستعلمه. وذكر البخاري هذا الأثر للتنبيه على أن حديث الباب ينفي العشر فيه؛ لأنه خص العشر أو نصفه بما سقي، فأفهم ذَلِكَ أن ما لا يسقى لا يعشر. ويقوي المفهوم فيه تقديم الخبر على المبتدأ في حصر إيجاب العشر فيه. وإن كان قد يتخيل أن النحل يرعى مما لا مؤنة فيه، ولا تعب. ------------- (١) «المغني» ٤/ ١٨٣. (٢) «ابن ماجه» (١٨٢٤) في الزكاة، باب زكاة العسل، وقال الألباني: حسن صحيح. (٣) «الاستذكار» ٩/ ٢٨٦. وصححه الألباني في «الإرواء» (٨١٠). (٤) نقله عن البخاري الترمذي في «العلل الكبير» ١/ ٣١٢. (٥) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢١٦، «مختصر اختلاف العلماء»١/ ٤٥٦. وأما حديث ابن عمر فهو من أفراده، كما أن حديث جابر في مسلم من أفراده أيضًا (١)، ولأبي داود «ما سقت السماء، والأنهار، والعيون، أو كان بعلا العشر. وفيما يسقى بالسواني أو النضح نصف العشر» (٢). وفي الدارقطني (٣): فرض فيما سقت السماء، إلى آخره، وقال من رواية نافع، عن ابن عمر، عن عمر. قوله: واختلف سالم ونافع عن ابن عمر في ثلاثة أحاديث: هذا أحدها. وثانيها: «من باع عبدًا وله مال» قال سالم، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ -، وقال نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله. قال: وسالم أجل من نافع وأنبل. وحديث نافع (الثالث) (٤) أولى بالصواب. ولهذا الحديث وجوه عن ابن عمر. قُلْتُ: قال الدارقطني: رواه أيوب، عن ابن عقبة، والليث، وابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا- كما رواه سالم. قال: ووهم في موضعين في قوله: عن ابن جريج، عن نافع. وإنما رواه ابن جريج عن موسى بن عقبة. وفي رفعه، وإنما هو موقوف. ورواه أيضًا من جهة عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا. وله غير ذَلِكَ من الطرق. ------------ (١) «صحيح مسلم» (٩٨١) كتاب: الزكاة، باب: ما فيه العشر أو نصف العشر. (٢) «سنن أبي داود» (١٥٩٦) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الزرع. وأصله حديث الباب. (٣) «سنن الدارقطني» (٤) وقع في الأصل: الثلاثة، وما أثبتناه أنسب للسياق. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: العثري بعين مهملة ثم شاء مثلثة مخففة- ويجوز تشديدها كما قاله الهجري في «نوادره»، وحكاه ابن سيده في «محكمه» (١) عن ابن الأعرابي، ورده ثعلب- ثم راء، ثم ياء مثناة من تحت. قال ابن سيده: العثر والعثري: ما سقته السماء من النخل، وقيل: هو العذي من النخل والزرع (٢). وفي «المثنى والمثلث» لابن عديس ضم العين وفتحها، وإسكان الثاء فيهما. قال أبو عبيد: العثري والعذي ما سقته السماء، وما سقته الأنهار والعيون فهو سيح وغيل. والبعل ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها، والنضح ما سقي بالسواني ونحوه. وقال ابن فارس: العثري: ما سقى من النخل سيحًا (٣). ويرد على أبي عبيد، وابن فارس، وكذا الجوهري (٤)، وصاحب «الجامع»، و«المنتهى» الحديث، فإن لفظه: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا» وهو دال على أن العثري غير ما سقته السماء والعيون. والصواب ما قاله الخطابي أن العثري ما شرب بعروقه من غير سقي (٥). وعبارة الداودي «مما سقت السماء» أي: اكتفي بسقي ماء السماء. ------------ (١) «المحكم» ٢/ ٦٤. (٢) السابق. (٣) «مجمل اللغة» ٣/ ٦٤٧. (٤) «الصحاح» ٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧. (٥) «أعلام الحديث» ٢/ ٨١٤. والعثري: ما يسيل إليه ماء المطر، وتحمله إليه الأنهار، سمي بذلك؛ لأنه تكسر حوله الأرض، ويعثر جريه إلى أصول النخل بتراب يرتفع هناك، قاله القرطبي (١). وقال صاحب «المطالع»: قيل له ذَلِكَ؛ لأنه يصنع له شبه الساقية يجمع فيه الماء من المطر إلى أصوله، وُيسمى ذَلِكَ العاثور. وحكى ابن المرابط إسكان الثاء، وقد سلف، والأول أعرف. وفي «المغيث» (٢) لأبي موسى: هو الذي يشرب بعروقه من ماء يجتمع في حفير، وسمي به لأن الماشي يتعثر به. وقيل: إنه ما ليس له حمل. قال والأول أشهر وأصح؛ لأن ما لا حمل له لا زكاة فيه. وقد أوجب الشرع فيه الزكاة. وما أسلفناه في تفسير البعل في «الموعب» لابن التياني خلافه حيث قال: قيل للنخل إذا كان يشرب ماء السماء بعل؛ لأن الغيث يأتيه من علٍ. وفي «البارع» لأبي علي القالي كما سلف. وكذا قاله يعقوب. وخالف أبو عبيدة فقال: البعل من النخل: ما سقته السماء. وعن الكسائي، وأبي عمرو: البعل: العذي. وفي «العين» البعل: الذكر من النخل، وهي أيضًا المرتفعة التي لا يصيبها المطر إلا مرة واحدة في السنة (٣). وقال أبو حنيفة: كل شجر أو زرع لا يسقى فهو بعل. والعشر بضم العين، ويجوز إسكان ثانيه وضمه. والعشور بضم العين وبفتح أيضًا، قاله ابن بزيزة. ------------- (١) «المفهم» ٣/ ١٣. (٢) «المغيث» (٣) «العين» ٢/ ١٤٩ - ١٥٠. وقال القرطبي: أكثر الرواة على فتح العين، وهو اسم القدر المخرج، وقال الطبري: العشر بضم العين وسكون الشين. ويكون العشور جمع عشر. قال: والحكمة في فرض العشر أن يكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخرج للعشر تصدق بكل ماله. ثانيها: هذا الحديث أصل في أن لشدة النفقة وخفتها تأثيرًا في الزكاة، فما لا مؤنة فيه أو كانت خفيفة العشرُ. وفيما فيه مؤنة نصفهُ. واختلف أهل العلم في هذا على تسعة أقوال: أحدها: ذهب أبو حنيفة إلى أن العشر يجب في قليل ما أخرجته الأرض وكثيرها، ولا يعتبر النصاب (١)، لعموم الحديث، وعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إلا الحطب والقصب والحشيش. وهو مذهب النخعي، ومجاهد، وحماد، وزفر. وبه قال عمر بن عبد العزيز. وروي عن ابن عباس. وهو قول داود، وأصحابه فيما لا يوسق (٢). وحكاه يحيى بن آدم عن عطاءٍ. وقاله أيضًا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحكم، عن أبي بردة: في الرطبة صدقة. وقال بعضهم: في (دستجة) (٣) من بقل. وعن الزهري قال: ما كان سوى القمح، والشعير، والنخل، والعنب، والسُلت، والزيتون فإني أرى أن يخرج صدقته من أثمانه. ------------ (١) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٢٢، «الهداية» ١/ ١١٧. (٢) انظر: «المحلى» ٥/ ٢١٢. (٣) في الأصل: وشدجة، والصواب ما أثبتناه، انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٨٢٧. وحديث الباب بعده يرد عليه ويقضي، وهو مقيد له، كما سيأتي عن البخاري. وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي يوسف، ومحمد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (١). قال ابن بطال: وقول أبي حنيفة خلاف السنة والعلماء، قال: وقد تناقض فيها؛ لأنه استعمل المجمل والمفسر في قوله - ﷺ -: «في الرقة ربع العشر» (٢) مع قوله: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٣) ولم يستعمله في الباب مع ما بعده. وكان يلزمه القول به (٤). قُلْتُ: وفي حديث جابر: «لا زكاة في شيء من الحرث حتىَّ يبلغ خمسة أوسق، فإذا بلغها ففيه الزكاة» (٥). ذكره بن التين، وقال: هي زيادة من ثقة فقبلت. وفي مسلم من حديث جابر: «وليس فيما دون خمسة أوساق من التمر صدقة» (٦). وفي رواية له من حديث أبي سعيد: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر، ولا حب صدقة» (٧). وفي رواية: «ليس في حب ولا تمر صدقة حتَّى يبلغ خمسة أوسق» (٨). ------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٥٣، «عيون المجالس» ٢/ ٥١٥، «البيان» ٣/ ٢٥٦، «المغني» ٤/ ١٦١، «نيل الأوطار» ٣/ ٤٢. (٢) سلف برقم (١٤٥٤) باب: زكاة الغنم، وهو من أفراده. (٣) سلف برقم (١٤٠٥) باب ما أدي زكاته فليس بكنز، ورواه مسلم (٩٧٩) الزكاة. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٣٠. (٥) رواه الدارقطني في «سننه» ٢/ ٩٨ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات صدقة. (٦) «صحيح مسلم» (٩٨٠) كتاب: الزكاة. (٧) «صحيح مسلم» (٩٧٩) كتاب: الزكاة. (٨) مسلم (٩٧٩). وأيضًا حديث الباب بيان للقدر المأخوذ دون المأخوذ منه. وحديث أبان بن أبي عياش، عن أنس أنه - عليه السلام - قال: «فيما سقت السماء العشر في قليله وكثيره» غير محفوظ، وفيه رجل مجهول، وليس هو عن أنس، رواه أبو مطيع البلخي (١) -وهو مجهول- عن أبي حنيفة، عن أبان، وهو متروك، عن رجل عن رسول الله - ﷺ - (٢). المذهب الثاني: يجب فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق عند الصاحبين ولا يجب في الخضر ولا في البطيخ، والقثاء، والخيار. ونص محمد على أنه لا عشر في السفرجل، ولا في التين، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، والمشمش، والإجاص (٣) وتجب في كل ثمرة تبقى سنة كالجوز، واللوز، والبندق، والفستق، على قول أبي يوسف، وعلى قول أبي محمد: لا تجب (٤). الثالث: يجب فيما يدخر ويقتات اختيارًا كالحنطة، والشعير، والدخن، والذرة، ونحوها من المقتنيات. وهو قول الشافعي، ولا زكاة عنده في التين، والتفاح، والسفرجل، والرمان، والخوخ، واللوز، والموز، وسائر الثمار، سوى الرطب والعنب. ولا يجب عنده في الزيتون، والورس في الجديد، ولا يجب في الترمس، ولا في ---------- (١) في هامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «المغني» الحكم بن عبيد الله البلخي أبو مطيع عن ابن جريج، وغيره، تركوه. فهو عند الذهبي متروك لا مجهول، ومنهم أبو مطيع آخر أنصاري ذاك مجهول. (٢) انظر: «التحقيق في أحاديث الخلاف» ٢/ ٣٦، و«نصب الراية» ٢/ ٣٨٥، وقال الألباني: موضوع بهذِه الزيادة: «في قليله وكثيره». «الضعيفة» ١/ ٦٧٦ (٤٦٣). (٣) في هامش الأصل ما نصه: الإجاص دخيل لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب. الواحدة إجاصة قاله يعقوب. ولا يقل: إنجاص. (٤) انظر: «الأصل» ٢/ ١٦٣، «المبسوط» ٣/ ٢ - ٣. الخضراوات (١)، لحديث: «ليس في الخضر والبقول صدقة» له طرق لا تصح، وليس في هذا الباب عن رسول الله - ﷺ -، وإنما يروى عن موسى ابن طلحة عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا (٢). الرابع: قول مالك مثل قول الشافعي بزيادة: تجب في الترمس، والسمسم، والزيتون، وبزر الكتان، وبزر السلجم لعموم نفعها بمصر والعراق (٣). الخامس: قول أحمد يجب فيما له البقاء واليبس والكيل من الجوز والثمار، سواء كان قوتًا: كالحنطة، والشعير، والسلت، والأرز والدخن، ونحوه، أو كان من المقتنيات كالعدس، والباقلاء، أو من الأبازير: كالكزبرة، والكمون، والكراويا، أو من البزور كبزر الكتان، والقثاء، والخيار، ونحوه، أو من حب البقول: كالرشاد، والفجل، والقرطم، وسائر الحبوب. ويجب عنده في التمر، والزبيب، واللوز، والبندق، والجوز، والفستق، والتين، والمشمس، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، والإجاص، والباذنجان، والقثاء، والخيار والجزر، ولا يجب في ورق السدر، والخطمي، والأشنان، ولا في ثمره، ولا الأزهار كالزعفران، والعصفر، ولا في القطن (٤). -------------- (١) انظر: «البيان» ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦، «التهذيب» ٣/ ٨٨ - ٩٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٣١. (٢) رواه الترمذي (٦٣٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الخصروات- من حديث عيسى بن طلحة عن معاذ مرفوعًا، وصححه الألباني. وانظر طرقه في «نصب الراية» ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٩، و«التلخيص الحبير» ٢/ ١٦٥ - ١٦٧، و«الإرواء» ٣/ ٢٧٦ (٨٠١). (٣) انظر: «المعونة» ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧، «الذخيرة» ٣/ ٧٣ - ٧٥. (٤) انظر: «المستوعب» ٣/ ٢٤٩ - ٢٥٥، «المغني» ٤/ ١٥٥ - ١٥٨، «الواضح» ٢/ ٥٣، «الإقناع» ١/ ٤١١ - ٤١٥، أما قوله: ويجب عنده في الجوز زكاة ففيه نظر، فقد نص = السادس: تجب في الحبوب، والبقول، والثمار. قاله حماد بن أبي سليمان. السابع: ليس في شيء من الزرع زكاة إلا في التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير. حكاه العبدري عن الثوري، وابن أبي ليلى، وابنُ العربي عن الأوزاعي، وزاد: الزيتون. ثامنها: تؤخذ من الخضراوات إذا بلغت مائتي درهم. وهو قول الزهري والحسن. تاسعها: أن ما يوسق يجب في خمسة أوسق منه، وما لا يوسق يجب في قليله وكثيره وهو قول (١) داود (٢). ----------- = الحنابلة على أنه لا يجب في الجوز زكاة، انظر: «المستوعب» ٣/ ٢٥٣، «المغني» ٤/ ١٥٦، «الواضح» ٢/ ٥٣، «الإقناع» ١/ ٤١٣، «كشاف القناع» ٢/ ٢٠٤، أما قوله: والباذنجان، والقثاء، والخيار، والجزر ففيه نظر، فقد ذهب الحنا بلة إلى أنه لا تجب الزكاة في الخُضَر، بخلاف حب القثاء، والخيار، والباذنجان، وغيرهم، فإن فيها الزكاة، أما قوله: والتين، والمشمش، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، والإجَّاص ففيه نظر، فقد قال ابن قدامة: وتجب الزكاة فيما جمع هذِه الأوصاف -الكيل والبقاء واليُبس- من الثمار، كالتمر، والزبيب، والمشمش، واللوز، والفستق، والبندق، ولا زكاة في سائر الفواكه كالخوخ، والإجاص، والكمثرى، والتفاح، والمشمش، والتين، والجوز. وكذلك قال الحجاوي والبهوتي إلا أنهما قالا: والأظهر وجوبها في العُنَّاب، والتين، والمشمش، والتوت. انظر: «المستوعب» ٣/ ٢٥٣، «المغني» ٤/ ١٥٥ - ١٥٦، «الواضح» ٢/ ٥٣، «الإقناع» ١/ ٤١٣ - ٤١٤، «كشاف القناع» ٢/ ٢٠٤. (١) انظر: «المحلى» ٥/ ٢١٢. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ التاسع عشر إلى آخر هذا الثاني. كتبه مؤلفه. ٥٧ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ». [انظر: ١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣٥٠] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا. ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ «لَيْسَ فِيمَا أقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أقلَّ مِنْ خَمْسَه مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صدَقَةٌ» الحديث. وقد سلف قبل زكاة البقر (١). وفي نسخة: (قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول؛ لأنه لم يوقِّت في الأول، يعني: حديث ابن عمر: «فيما سقت السماء العشر» (٢). وبيَّن في هذا ووقَّت، والزيادة مقبولة، والمفسر يقضي على المبهم إذا رواه أهل الثبت -كما قال الفضل بن العباس- أن النبي - ﷺ - لم يصل في الكعبة. وقال بلال: قد صلى (٣). فأخذ بقول بلال، وترك قول الفضل) (٤). وهذا الذي قاله البخاري عليه أئمة الفتوى بالأمصار. وإن الخمسة الأوسق هو بيان المقدار المأخوذ فيه كما أسلفناه في الباب قبله. وشذ أبو حنيفة، وزفر في ذَلِكَ. --------- (١) سلف برقم (١٤٠٥) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته ليس بكنز. (٢) سلف برقم (١٤٨٣). (٣) سيأتي برقم (١٥٩٩). (٤) هذه القطعة هي التي أشار إليها الناسخ في الباب السابق ص ٥٤٩. قال ابن بطال: وقيل: إنهما خالفا الإجماع فأوجبا في قليل ما تخرج الأرض وكثيره، وخالفه صاحباه في ذَلِكَ، قال ابن القصار: والحجة عليه أن ما طريقه المواساة في الصدقة يقتضي أوله حدًّا ونصابًا، كالذهب، والماشية، والنصاب إنما وضع في المال لمبلغ الجزء الذي يحمل المواساة بغير إجحاف برب المال، ولا يعذر عليه. قال: تألف (١) أبو حنيفة معنًى آخر من الحديث فأوجب العشر أو نصفه في البقول، والرياحين، والفواكه، وما لا يوسق كالرمان، والتفاح، والخوخ وشبه ذَلِكَ (٢). والجمهور على خلافه لا يوجبون الزكاة إلا فيما يوسق، ويقتات، ويدخر. قال مالك: السنة عندنا في الحبوب التي يدخرها الناس، ويأكلونها أنها يؤخذ منها العشر أو نصفه إذا بلغ ذَلِكَ خمسة أوسق بصاع رسول الله - ﷺ - وما زاد على ذَلِكَ فبحسابه. قال: والحبوب التي فيها زكاة الحنطة، والشعير، والسلت، والذرة، والدُّخن، والأرز، والحمص، والعدس، والجلْبَان، واللوبيا، والجلجلان، وما أشبه ذَلِكَ من الحبوب التي تفسير طعامًا. وتؤخذ منها الزكاة بعد أن تفسير حبًّا يحصد. والناس مصدقون فيما دفعوه من ذَلِكَ. ولا زكاة في البقول، والخضر كلها، والتوابل (٣). ----------- (١) في (ج): خالف. (٢) «المبسوط» ٣/ ٣. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، «الاستذكار» ٩/ ٢٥٥، «المنتقى» ٢/ ١٦٤ - ١٦٥. قال ابن القصار: لم ينقل عن رسول الله - ﷺ - أحد بالحجاز أنه أخذ من البقول والفواكه الزكاة. ومعلوم أنها كانت عندهم بالمدينة وأهل المدينة متفقون على ذَلِكَ عاملون به إلى وقتنا، ومحال أن يكون في ذَلِكَ زكاة ولا يؤخذ مع وجود هذِه الأشياء عندهم، وحاجتهم إليها ولو أخذ منها مرة واحدة لم يجز أن يذهب عليهم، حتَّى يطبقوا على خلافه إلى هذِه الغاية (١). ------------- (١) انظر «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٣١ - ٥٣٢. ورد في هامش الأصل: آخر ٨ من ٤ من تجزئه المصنف. ٥٨ - باب مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا». فَلَمْ يَحْظُرِ البَيْعَ بَعْدَ الصَّلَاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ (١). ١٤٨٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ. [٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢١٩٩، ٢٢٤٧، ٢٢٤٩ - مسلم: ١٥٣٤ - فتح: ٣/ ٣٥١] ١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. [٢١٨٩، ٢١٩٦، ٢٣٨١، ٢٣٤٠، ٢٦٣٢ - مسلم: ١٥٣٦ - فتح: ٣/ ٣٥١] ١٤٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قَالَ: حَتَّى تَحْمَارَّ. [٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٣/ ٣٥٢] ثم ساق حديث ابن عمر: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذهَبَ عَاهَتها. وحديث جابر: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. ------------ (١) ورد في الأصل بعد هذِه الكلمة: قال أبو عبد الله: لم يحظر: لم يمنع، وبه سمى الحظيرة. وعليها (لا … إلى). وحديث أنس: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قَالَ: تَحْمَارَّ. أما قوله - عليه السلام -: «لا تبيعوا الثمرة» فقد أسنده في الباب. وحديث ابن عمر أخرجه مسلم والأربعة (١). وأخرجه النسائي عن ابن عمر وجابر جمع بينهما (٢). وحديث جابر أخرجه مسلم (٣). وحديث أنس أخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٤)، ويأتي في البيوع (٥). وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة وهو من أفراده (٦). وسيأتي في البيوع من حديث أنس، وهو من أفراده عن مسلم (٧)، وأخرجه الطحاوي من حديث عائشة، فيه: جواز بيع الثمرة التي وجبت زكاتها قبل أداء الزكاة ويتعين حينئذٍ أن تؤدى الزكاة من غيرها، خلافًا لمن أفسد البيع (٨). وقد اختلف العلماء في هذِه المسألة، فقال مالك: من باع أصل --------- (١) «صحيح مسلم» (١٥٣٤) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ..، أبو داود (٣٣٦٨)، الترمذي (١٢٢٦)، النسائي ٧/ ٢٦٢، ابن ماجه (٢٢١٤). (٢) سنن النسائي ٧/ ٢٦٢ - ٢٦٤ كتاب: البيوع، بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه. (٣) «صحيح مسلم» (١٥٣٦) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. (٤) «صحيح مسلم» (١٥٥٥) كتاب: المساقاة، باب: وضع الحوائج، «سنن النسائي» ٧/ ٢٦٤. (٥) سيأتي برقم (٢١٩٥) باب: بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. (٦) «صحيح مسلم» (١٥٣٨) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، و«النسائي» ٧/ ٢٦٤. (٧) سبق تخريجه. (٨) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٣. حائطه أو أرضه، وفي ذَلِكَ زرع أو ثمر قد بدا صلاحه، وحل بيعه، فزكاة ذَلِكَ الثمر على البائع إلا أن يشترطها على المبتاع. ووجه قوله أن المراعاة في الزكاة إنما تجب بطيب الثمرة، فإذا باعها ربها وقد طاب أولها فقد باع ماله، وحصة المساكين معه، فيحمل على أنه ضمن ذَلِكَ ويلزمه (١). وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع ورده (٢). والعشر مأخوذ من الثمرة من يد المشتري ويرجع على البائع بعد ذلك. ووجه قوله أن العشر مأخوذ من الثمرة لأن سنة الساعي أن يأخذها من كل ثمرة يجدها، فوجب الرجوع على البائع بقدر ذَلِكَ كالعيب الذي يرجع بقيمته. وقال الشافعي في أحد قوليه: إن البيع فاسد؛ لأنه باع ما يملكه، وما لا يملكه، وهو نصيب المساكين، فقدم الضعفة (٣). وعلى هذا القول رد البخاري بقوله في الباب: (فلم يحظر البيع بعد الصلاح على أحد، ولم يخص من وجبت عليها الزكاة ممن لم تجب). والشافعي منع البيع بعد الصلاح، فخالف إباحة الشارع لبيعها إذا بدا صلاحها، واتفق مالك، وأبو حنيفة، والشافعي أنه إذا باع أصل الثمرة، وفيها ثمر لم يبد صلاحه، أن البيع جائز، والزكاة على المشتري؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وإنما الذي ورد فيه النهي عن بيع الثمرة حتَّى يبدو صلاحها، وهو بيع ------------- (١) انظر: «الكافي» ص ١٠١، «المعونة» ١/ ٢٥٤، «الذخيرة» ٣/ ٨٨، «الاستذكار» ٩/ ٢٥٩. (٢) «المبسوط» ١٣/ ١٦٩. (٣) «الأم» ٢/ ٢٠، «البيان» ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩. الثمرة دون الأصل؛ لأنه يخشى عليه العاهة، فيذهب مال المشتري من غير عوض. فإذا ابتاع رقبة الثمرة، وإن كان فيها ثمر لم يبد صلاحه، فهو جائز؛ لأن البيع إنما وقع على الرقبة لا على ثمرتها التي لم تظهر بعد، فهذا الفرق بينهما. وقال ابن التين: قوله: ولم يخص من وجبت إلى آخره. هذا الأمر مترقب عند ابن القاسم إن أعطى البائع الزكاة، وإلا أخذت من المشتري. وقال أشهب: لا شيء على المشتري، ويطلب الساعي ذمة البائع (١). وهذا القول أولى لظاهر الحديث. ونهيه عن بيع الثمار حتى تزهي أي: تحمار. أزهت النخلة إذا صارت زهوا تبدو فيها العمرة وإنما نهى عن بيعها قبل الزهو للبقاء، فأما للقطع فجائز إذا كان المقطوع منتفعًا به، كالكمثرى (٢). واختلف إذا لم يذكر قطعًا ولا بقاء فعند البغداديين من المالكية أنه بيع فاسد. وقيل: هو جائز. وهو مذهب أبي حنيفة ويقطعها. ومن باع حائطه قبل أن يزهي فذلك جائز. والصدقة على المشتري كما سلف. ---------- (١) انظر «المعونة» ١/ ٢٥٤. (٢) رسمت في الأصل: لا ككمثرى. ولعل ما أثبتناه هو الصواب حتى يستقيم المعنى. ٥٩ - باب هَلْ يَشْتَرِى صَدَقَتَهُ؟ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِىَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّمَا نَهَى المُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنِ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ. ١٤٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَاسْتَأْمَرَهُ، فَقَالَ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ». فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلاَّ جَعَلَهُ صَدَقَةً. [٢٧٧٥، ٢٩٧١، ٣٠٠٢ - مسلم: ١٦٢١ - فتح: ٣/ ٣٥٢] ١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». [٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣ - مسلم: ١٦٢٠ - فتح: ٣/ ٢٥٣] ثم ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ عن عُمَر أنه تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَاسْتَأْمَرَهُ، فَقَالَ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» (١). فَبِذَلِكَ كَانَ ابن عُمَرَ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً. وحديث عمر: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأضَاعَهُ الذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، ------------ (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: الفرس الذي تصدق به عمر يقال له: الورد، أعطاه للنبي - ﷺ - تميم الداري فأعطاه عمر، فحمل عليه في سبيل الله. كذا قاله ابن سيد الناس في «سيرته» وغيره. فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». الشرح: الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١)، وفي بعض طرق البخاري عن ابن عمر أن عمر حمل على فرس له في سبيل الله أعطاها رسول الله - ﷺ - ليحمل عليها فحمل عليها رجلًا، الحديث (٢). وفي رواية له: «وإن أعطاكه بدرهم واحد» (٣) وسيأتي حديث عمر في الجهاد في باب: إذا حمل على فرس في سبيل الله فرآها تباع وفي الأوقاف وفي الهبات إن شاء الله (٤). قال الدارقطني: والأشبه بالصواب قول من قال: عن ابن عمر (٥) أن عمر (٦) وفي رواية لابن عبد البر: «لا تشتره ولا شيئًا من نتاجه» (٧). قال ابن عيينة: حضرت مالكًا يسأل زيد بن أسلم عن هذا الحديث، ويتلطفه مالك ويسأله عن الكلمة بعد الكلمة. قال ابن التين: ورواه مالك عن عمرو بن دينار، عن ثابت، عن الأحنف، عن ابن عمر، ولم يدخله في «موطئه». قال قتادة: والقيء حرام. ---------- (١) الحديث الأول رواه مسلم (١٦٢١) كتاب: الهبات، والثاني رواه برقم (١٦٢٠). (٢) سيأتي برقم (٢٧٧٥) في الوصايا، باب وقف الدواب والكراع والعروض .. (٣) سيأتي برقم (٢٦٢٣) في الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. (٤) سيأتي برقم (٢٦٢٣) كتاب الهبة، وبرقم (٣٠٠٣) كتاب الجهاد. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ ذكره القرافي في «السنن المأثورة» عن سفيان عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر. (٦) «علل الدارقطني» ٢/ ١٧. (٧) «التمهيد» ٧/ ١١٣. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: كره أكثر العلماء -كما حكاه عنهم ابن بطال- شراء الرجل صدقته لحديث الباب، وهو قول مالك والليث والكوفيين والشافعي (١)، وسواء عندهم صدقة الفرض والتطوع، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه، وأولى به التنزه عنها، وكذلك قولهم فيما يخرجه المكفر في كفارة اليمين مثل الصدقة سواء. قال ابن المنذر: ورخص في شرائها الحسن، وعكرمة، وربيعة، والأوزاعي، وقال قوم فيما حكاه ابن القصار: لا يجوز لأحد أن يشتري صدقته ويفسخ البيع، ولم يذكر قائل ذَلِكَ ويشبه -كما قال ابن بطال- أن يكونوا أهل الظاهر (٢). وحكاه ابن التين عن ابن شعبان من المالكية. وخرجه من الخلاف في المدبر أو غيره في زكاته عرضًا؛ لأنه يجزئه عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب إذا لم يحاب نفسه ما صنع (٣). وحجة من لم ير الفسخ أن الصدقة راجعة إليه بمعنًى غير معنى الصدقة، كما خرج لحم بريرة، وانتقل عن معنى الصدقة المحرمة على الشارع إلى الهدية المباحة له، وقد قال - عليه السلام - في الحديث السالف فيما مضى: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» وذكر منهم الرجل اشتراها بماله (٤)، ولم يفرق بين أن يكون المشتري لها صاحبها أو غيره. ------------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ٢٦٦، «التمهيد» ٧/ ١١٥، «مختصر المزني» ١/ ٢٥٠، «طرح التثريب» ٤/ ٨٨. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٣٧. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٨١. (٤) رواه أبو داود (١٦٣٥ - ١٦٣٦) كتاب: الزكاة، باب: من يجوز له أخذ الصدقة = وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له (١)، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت، قال: «وجب أجرك وردها عليك الميراث» (٢). قال ابن التين: وشذت فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها بالميراث. ورأوه من باب الرجوع في الصدقة وهو سهو؛ لأنها تدخل قهرًا، وإنما كره شراؤها لئلا يحابيه المتصدق بها عليه فيصير عائدًا في بعض صدقته؛ لأن العادة: التي تصدق عليه بها يسامحه إذا باعها وقد أخبر الشارع في لحم بريرة أنها إذا كانت الجهة التي يأخذ بها الإنسان غير جهة الصدقة جاز ذَلِكَ، ومن ملكها بماله لم يأخذها من جهة الصدقة، فدل هذا المعنى أن النهي في حديث عمر في الفرس محمول على وجه التنزيه لا التحريم لها؛ لأن المتصدق عليه بالفرس لما ملك بيعه من سائر الأجانب وجب أن يملكه من المتصدق عليه، دليله: إن وهب له جاز أن يشتريه الواهب. وقال الطبري: معنى: حديث عمر في النهي عن شراء صدقة التطوع خاصة؛ لأنه لا صدقة في الخيل، فيقال: إن الفرس الذي تصدق به عمر كان من الواجب، وصح أنه لم يكن حبسًا؛ لأنه لو كان حبسًا لم يكن ليباع فعلم أنه كان بما تطوع به عمر، قال غيره: ولا يكون الحبس إلا أن ------------- = وهو غني، وابن ماجه (١٨٤١) كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الصدقة، وأحمد ٣/ ٥٦، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ كتاب: الزكاة، وصححه الحاكم، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٥)، وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٧٧ (٨٧٠). (١) انظر: «التمهيد» ٧/ ١١٥. (٢) رواه مسلم (١١٤٩) كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#299 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 571 الى صـــ 590 الحلقة (299) ينفق عليه المحبس من ماله، وإذا خرج خارج إلى الغزو دفعه إليه مع نفقته على أن يغزو به، ويصرفه إليه، فيكون موقوفًا على مثل ذَلِكَ، فهذا لا يجوز بيعه بإجماع، وأما إذا جعله في سبيل الله وملكه الذي دفعه إليه فهذا يجوز بيعه. قال الطبري: والدليل على جواز شراء صدقة الفرض وصحة البيع ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - فيمن وجبت عليه سن من الإبل فلم تكن عنده وكان عنده دونها أو فوقها أن يأخذ ما وجد (١)، ويرد إن كان أخذ أفضل من الذي له دراهم أو غنمًا، وهذا لا شك أخذ عوض، وبدل من الواجب على رب المال، وإذا جاز تملك الصدقة بالشراء قبل خروجها من يد المتصدق بعوض فحكمها بعد القبض كذلك، وبنحو ذَلِكَ قال جماعة من العلماء. وكان عمر لا يكره أن يشتري الرجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى غيره، رواه الحسن عنه وقال به هو وابن سيرين (٢)، فأما إن كان رجعت إلى المتصدق صدقته بميراث أو هبة من المتصدق عليه، فإنه لا يكره له تملكها، ولا يكون عائدًا؛ لحديث بريرة. قال ابن التين: وليس ذَلِكَ عند مالك بالحرام البين؛ لأن الحديث إنما جاء في صدقة التطوع، قال في «الموطأ» (٣): ترك شرائها أحب إلي، وهو ما في «المدونة» (٤) أيضًا، والذي فعل ابن عمر من ترك شراء ما ------------ (١) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (٢٣٠٥). كتاب: الوكالة، باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة. (٢) روى ذلك ابن أبي شيبة ٢/ ٤١١ (١٠٥١٣). (٣) «الموطأ» ص ١٩٠. (٤) «المدونة» ١/ ٢٦٦. تصدق به إلا أن يشتريه؛ ليجعله صدقة، وكان ابن عمر لا ينتفع من شيء تصدق به وركب مرة راحلة كان حبسها، وفيما نقل عن الداودي رهنها فصرع عنها فرأى ذَلِكَ عقوبة لركوبه إياها، فإن أراد البخاري صدقة التطوع فلائح، وإن أراد الفرض فهو يروي عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: ائتوني (بخميص) (١)، أو لبيس مكان الذرة والحب (٢) وقد سلف. وقوله: (لا بأس أن يشتري صدقة غيره) صحيح يوضحه حديث بريرة: «هو لها صدقة ولنا هدية» (٣) فإذا كان هذا بغير عوض فالعوض أجوز. ثانيها: معنى (حملت عليها في سبيل الله) أي: دفعته إلى من هو مواظب على الجهاد في سبيل الله على وجه التحبيس له، ويحتمل هبته وتمليكه للجهاد، فعلى هذا له بيعه ويتصرف فيه بما أراد بخلاف الأول؛ لأنه موقوف في ذَلِكَ الوجه فلا يزيله مع السلامة، وهذا مثل الحديث السالف: «إن خالدًا احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» (٤). ومعنى إضاعته له: إما عدم حسن القيام عليه، ويبعد مثل هذا على الصحابة إلا أن يوجبه عذر، أو في استعماله فيما حبس له فصيره ضائعًا من الهزال المفرط مباشرة الجهاد وإبقائه له في سبيل الله، فإن كان حبسًا فيحتمل أن عمر ظن أنه يجوز له هذا ويباح له شراء الحبس، غير أن منعه من شرائه وتعليله بالرجوع دليل على أنه لم يكن حبسًا، إلا أن يكون هذا ---------- (١) في الأصول: (بخميس) والمثبت من اليونينية. (٢) سلف قبل الرواية (١٤٤٨) كتاب: الزكاة، باب: العرض في الزكاة. (٣) يأتي برقم (١٤٩٥) باب: إذا تحولت الصدقة. (٤) سلف برقم (١٤٦٨). الضياع قد بلغ به إلى عدم الانتفاع فيما حبس له، فيجوز بيعه عند من يراه ويحتمل أنه لما وهبه إياه على ما سلف وأراد شراءه لضياعه. فرع: ضياع الخيل الموقوفة إذا رجي صلاحها والنفع بها في الجهاد كالضعف المرجو برؤه منع ابن الماجشون بيعه، واختاره ابن القاسم ويوضع ثمنه في ذَلِكَ الوجه. ثالثها: قال ابن عبد البر: في إجازة تحبيس الخيل: وإن من حمل على فرس وغزا به فله أن يفعل فيه ما يشاء في سائر أمواله. قال ابن عمر: إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به. وقال ابن المسيب: إذا بلغ رأس مغزاته فهو له. قال: ويحتمل أن يكون هذا الفرس ضاع حتَّى عجز عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذَلِكَ، فأجيز له بيعه لذلك، ومن أهل العلم من يقول: يضع ثمنه ذَلِكَ في فرس عتيق أي فاره إن وجده وإلا أعان به في مثل ذَلِكَ، ومنهم من يقول: إنه كسائر أمواله إذا غزا عليه (١). رابعها: قوله: («فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ») وفي رواية أخرى: «كالكلب يعود في قيئه» (٢) يريد أنه من القبح في الكراهة بمنزلة العائد في أكل ما قاءه، بعد أن تغير من حال الطعام إلى القيء، وكذلك هذا لما أخرج صدقته فلا يرتجعها بعدما تغيرت وتغير ما في ماله من الفساد فيه، ------------ (١) انتهى من كلام ابن عبد البر بتصرف «الاستذكار» ٩/ ٣٢٤ - ٣٢٦. (٢) سيأتي برقم (٢٦٢٣) في الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. فإن ذَلِكَ من أفعال الكلب وأخلاقه التي ينفرد بها، فإذا تصدق على أجنبي فلا رجوع له كالفرض؛ لهذا الحديث. قال مالك: لا يركبه وإن كان أمرًا قريبًا، وذكر ركوب ابن عمر ناقة وهبها، وقال القاضي أبو محمد: لا بأس أن يركب الفرس الذي جعله في سبيل الله، ويشتري من ألبان الغنم اليسير. حجة مالك أنه من الرجوع في الصدقة، ووجه الآخر أن اليسير معفو عنه، فإن أعطى على غير وجه الصدقة ففي «الموازية» فيمن حمل على فرس لا للمسكنة ولا للسبيل، قال مالك: لا بأس أن يشتريه ولو تصدق (بمنفعة) (١) أو غلة، فقال محمد: لم يختلف مالك وأصحابه في إجازة شراء ذَلِكَ للمتصدق إلا عند الملك، واحتج بهذا الحديث، ووجه قول مالك أنه - عليه السلام - أرخص لصاحب العرية أن يشتريها وهي صدقته، وعندنا للأب والجد أن يرجع فيما وهبه لولد، وعند المالكية ما قصد به المودة والمحبة، فلا رجوع إلا للأبوين. وفي إلحاق الجد والجدة بهما روايتان، وما قصد به التقرب إلى الله من صلة رحم أو لفقير أو ليتيم أو نحوه، فلا رجوع فيه لأحد؛ لأنه صدقة، ولا ينبغي أن يتملكها بوجه إلا بميراث، ولا يأكل من ثمرها ولا يركبها، وفي «الموازية»: من تصدق على ابنه الفقير في حجره بجارية فيبيعها من نفسه له أن يشتريها بخلاف الأجنبي. وقال مالك: من تصدق على ابنه بغنم لا بأس أن يأكل من لحمها و(يشرب) (٢) من لبنها ويكتسي من صوفها، وإن كان حائطًا أكل من ------------ (١) في الأصل: (بمنفعته)، والمثبت من (ج). (٢) في الأصل: (يشتري)، والمثبت من (ج). ثمرته، وعنه لا يكتسي ولا يشرب. وفي «الموازية» عن مالك: إنما ذَلِكَ في الابن الكبير دون الصغير. وقال ابن القاسم: في الصغير، ولو تصدق على غاز بدراهم ثم ترافقا فأخرج المتصدَّق عليه منها جاز ذَلِكَ عند مالك لقصة بريرة (١). ------ (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٩٩. ٦٠ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - ١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كِخٍ كِخٍ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». [انظر: ١٤٨٥ - مسلم: ١٠٦٩ - فتح: ٣/ ٣٥٤] ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة الحسن. وقد سلف في باب: أخذ صدقة التمر عند صرام النخل واضحًا (١). وقوله للحسن: «كِخْ كِخْ» هو ردع للصغار وزجر. وقال الداودي: هي معربة، ومعناها: بئس، وفيها ثلاثة أوجه: فتح الكاف وتنوين الخاء كذا في رواية أبي الحسن، ثانيها: بكسر الكاف وإسكان الخاء في رواية أبي ذر، ثالثها: كسر الكاف وتشديد الخاء في بعض نسخ الهروي (٢). قال المهلب: وفيه أن قليل الصدقة لا يحل لآل محمد بخلاف اللقطة التي لا يحرم منها ما لا قيمة له، لقوله - عليه السلام - في التمرة الملقاة: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» (٣). -------- (١) برقم (١٤٨٥). (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «المطالع» فيها لغات أكثر من ذلك، وليس منها تشديد الخاء، وقد ذكرها في «القاموس». (٣) سيأتي برقم (٢٤٣١)، ورواه مسلم (١٠٧١). ٦١ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ١٤٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟». قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». [٢٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح: ٣/ ٣٥٥] ١٤٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح: ٣/ ٣٥٥] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟». قَالُوا: إِنَّها مَيْتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». وحديث عَائِشَةَ: أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لرسول الله - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا: «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ: وَأُتِيَ رسول الله - ﷺ - بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هذا ممَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَة، وَلنَا هَدِيَّةٌ». الشرح: أما حديث عائشة: فسلف في أحكام المساجد (١)، ويأتي قريبًا (٢). ---------- (١) برقم (٤٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد. (٢) برقم (٢١٥٥) كتاب: البيوع، باب: البيع والشراء مع النساء. وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم بلفظ: تصُدق على مولاة لميمونة بشاة، فمر بها رسول الله - ﷺ -، فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟». فقالوا: إنما هي ميتة. فقال: «إنما حرم أكلها» (١). وفي لفظ له: «هلا انتفعتم بجلدها؟» (٢)، وفي أخرى: «ألا انتفعتم بإهابها؟» (٣) وفي أخرى عن ابن عباس: أن ميمونة … (٤) يعني بهذا: الحديث، وفي رواية للبخاري: «ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها» (٥) ولم يقل في شيء من طرقه: فدبغتموه. وفي بعض طرقه (بعير) مكان: (شاة). وذكر في الأيمان والنذور في باب: إن حلف لا يشرب نبيذًا فشرب الطلاء أو سكرًا أو عصيرًا: عن ابن عباس عن سودة أم المؤمنين قالت: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم مازلنا ننتبذ فيه حتَّى صار شنًّا. وهو من أفراده (٦). وأخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» عن ابن عباس قال: ماتت لنا شاة لسودة أم المؤمنين- فأتاها النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: «ألا انتفعتم بمسكها؟»، فقالت: يا رسول الله، مسك ميتة! فقال: «﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾» [الأنعام: ١٤٥] الآية، «إنكم لستم تأكلونها». فبعث بها فسلخت، قال ابن عباس: فجعلوا مسكها قربة ثم رأيته بعد شَنَّةً. ---------- (١) «صحيح مسلم» (٣٦٣) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ. (٢) «صحيح مسلم» (٣٦٣/ ١٠١). (٣) رواه مسلم (٣٦٥). (٤) رواه مسلم (٣٦٤). (٥) ستأتي برقم (٥٥٣٢) كتاب: الذباح والصيد، باب: جلود الميتة. (٦) سيأتي برقم (٦٦٨٦). ولأحمد فقال: «إنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به» (١)، وللحاكم في «تاريخ نيسابور»: مرّ النبي - ﷺ - بشاة ميتة لأم سلمة أو لسودة .. الحديث. وللدارقطني: كان أعطاها مولًى لميمونة (٢). قال ابن عبد البر: رواه غير واحد بإسقاط ابن عباس، والصحيح اتصاله وكان ابن عيينة يقول مرارًا كذلك، ومرارًا: عن ابن عباس عن ميمونة بزيادة: «دباغ إهابها طهورها» واتفق معمر ومالك وبونس على قوله: «إنما حرم كلها» إلا أن معمرًا قال: «لحمها» ولم يذكر واحد منهم الدباغ، وكان ابن عيينة يقول: لم أسمع أحدًا يقول: «إنما حرم أكلها» إلا الزهري، واتفق عقيل وجماعات على ذكر الدباغ فيه عن الزهري؛ وكان ابن عيينة مرة يذكره، ومرة لا يذكره، قال محمد بن يحيى النيسابوري: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه (٣). وأما ذكر الدباغ فلا يؤخذ إلا عن يحيى بن أيوب، عن عُقَيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا يونس الدباغ، وهو الصحيح في حديث الزهري وبه كان يفتي وأما من غير رواية الزهري فصحيح محفوظ عن ابن عباس. وأما حديث عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر أن «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» فحسنه الترمذي مع اضطرابه، وصححه ابن حبان (٤)، ومنهم من ادعى نسخه، وضعفه ----------- (١) «مسند أحمد» ١/ ٣٢٧. (٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٢. (٣) «التمهيد» ٩/ ٥٠ - ٥١ بتصرف. (٤) «سنن الترمذي» (١٧٢٩)، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٩٣ (١٢٧٧). يحيى وقال ابن عبد البر: لم يثبت (١). وقال النسائي: أصح ما في الباب في جلود الميتة حديث ابن عباس (٢). وقال الدوري: قُلْتُ ليحيى بن معين: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين؟ قال: «دباغها طهورها» أعجب إليَّ. وحكى الحازمي بإسناده إلى إسحاق بن راهويه أنه ناظر الشافعي وأحمد بن حنبل حاضر في جلود الميتة، فقال الشافعي: دباغها طهورها. فقال له إسحاق: ما الدليل؟ قال: حديث ابن عباس، قال إسحاق: حديث ابن عكيم: كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر أن «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، فهذا أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع. فقال إسحاق: إن رسول الله - ﷺ - كتب إلى كسرى وقيصر وكانت حجة بينهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذَلِكَ أحمد ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي (٣). وقوله: (أعطيتها مولاة) هو بالرفع. إذا تقرر ذَلِكَ: فاتفق كافة الفقهاء على أن أزواج النبي - ﷺ - لا يدخلن في آله الذين تحرم عليهم الصدقة، ومواليهن أحرى بالصدقة، على ما ثبت في شاة ميمونة ولحم بريرة وإنما اختلف العلماء في موالي بني هاشم، وقد سلف ما فيه في باب: أخذ صدقة التمر فراجعه (٤)، --------- (١) «التمهيد» ١٠/ ٣٧٤. (٢) «سنن النسائي» ٧/ ١٧٥. (٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» ص ٤٦ - ٤٧. (٤) سلف حديث يدل على ذلك برقم (١٤٨٥). وما نقلناه من الاتفاق هو ما ذكره ابن بطال (١)، لكن في «مصنف ابن أبي شيبة»، حَدَّثَنَا وكيع، عن شريك، عن ابن أبي مليكة أن خالد بن سعيد بن العاصي أرسل إلى عائشة شيئًا من الصدقة فردته، وقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (٢). واعلم أن أكثر أهل العلم -فيما حكاه الحازمي- على جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ- منهم الأئمة الثلاثة، ومن الصحابة عبد الله بن مسعود وإلى المنع ذهب عمر وابنه عبد الله وعائشة (٣) وادعى ابن شاهين أن هذِه الأحاديث لا يمكن ادعاء نسخ شيء منها بالآخر، والمنع على ما قبل الدباغ، والإباحة على ما بعده (٤). وقد قال الخليل: لا يقع على الجلد اسم الإهاب إلا قبل الدباغ فأما بعده فلا يسمى إهابًا بل أديمًا وجلدًا وجرابًا، وكذا في «المنتهى»: الإهاب: الجلد قبل أن يدبغ، وفي «المحكم»: الإهاب: الجلد (٥). قال أبو عمر: ومعلوم أن المقصود بالحديث ما لم يكن طاهرًا؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى دباغ فبطل قول من قال: إنه لا ينتفع به بعد الدباغ، وكذا قول من قال: إن جلد الميتة ينتفع به وإن لم يدبغ، وهو قول مروي عن الزهري والليث، وهو مشهور عنهما وروي عنهما خلافه، وهو من أفراد الزهري وانفرد هو والليث بجواز بيعه قبل الدباغ، وعن مالك ما يشبهه، وظاهر مذهبه خلافه (٦). -------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤. (٢) «المصنف» ٢/ ٤٢٩ (١٠٧٠٨)، و٧/ ٣٢٦ (٣٦٥١٧). (٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ٤٥ - ٤٦. (٤) «ناسخ الحديث منسوخه» ص ١٦٠. (٥) «المحكم» ٤/ ٢٦١. (٦) «التمهيد» ٤/ ١٥٢ - ١٥٤ «والاستذكار» ١٥/ ٣٣٨ - ٣٤١ بتصرف. قُلْتُ: ومعنى الحديث عند كافة الفقهاء: هلا انتفعتم بجلدها بعد الدباغ. ومجموع ما في دباغ جلود الميتة وطهارتها سبعة أقوال: أحدها: أنه تطهير به جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والفرع ظاهرًا وباطنًا ويستعمل في اليابس والمائع وسواء مأكول اللحم وغيره، وبه قال علي وابن مسعود، وهو مذهب الشافعي (١). ثانيها: لا يطهر منها شيء به، روي عن جماعة سلف ذكرهم، وهي أشهر الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك (٢). ثالثها: يطهر به جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثورج وإسحاق (٣). رابعها: تطهير جميعها إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة (٤). خامسها: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره فقط دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، وهو مشهور مذهب مالك فيما حكاه أصحابه عنه (٥). سادسها: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف (٦). سابعها: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا. ومحل بسط المسألة كتب الخلاف وسيكون لنا عودة إلى المسأله في ---------- (١) «الأم» ١/ ٧ - ٨. (٢) «عيون المجالس» ١/ ١٧٨، «المغني» ١/ ٨٩. (٣) «المغني» ١/ ٨٩. (٤) «بدائع الصنائع» ١/ ٨٥. (٥) «عيون المجالس» ١/ ١٧٨. (٦) «المحلى» ١/ ١١٨. أواخر الصيد والذبائح حيث ذكرها البخاري هناك (١). واحتج بعض المالكية بحديث بريرة على أن التصرف في البيع الفاسد يفسده وهو مذهب مالك، وقال الشافعي: لا تأثير للقبض فيه بملك ولا شبهة ملك، وقال سحنون في الحرام البين (…) عندهم العيوب والقبض والنماء المنفصل والمتصل. وقال أبو حنيفة مثله إلا أنه قال: يرد مع النماء وإذا وطئ غرم الأرش، واحتج بعض المالكية بحديث بريرة على أن عائشة اشترتها شراء فاسدًا فأنفذ الشارع عتقها، ومعلوم أن شرط الولاء لغير المعتق يوجب فساد العقد، ثم أنفذ الشارع العقد واستدل به أصحاب أبي حنيفة على أنها ملكت بالقبض ملكًا تامًّا، وهو بعيد؛ لأنه - عليه السلام - في هذا الحديث وغيره أمر عائشة بالشراء ولم يكن ليأمر بفاسد، وأجاب بعضهم بأنها خصت بذلك كما خص غيرها بخصائص، وهو بعيد؛ لأن ذَلِكَ لو وقع لنقل، وعد ابن التين من ذَلِكَ: تخصيص البراء بن عازب تختم الذهب، وطلحة والزبير بجواز لبس الحرير لحكة كانت بهما (٢)، وحسان بن ثابت بجواز إنشاد الشعر في المسجد (٣)، وكله غريب. وزيادة: «اشتريها واشترطي لهم الولاء» ما رواها إلا هشام بن عروة (٤) ساء حفظه، وادعى ابن القطان أنه خلط في آخر عمره، وسيأتي الكلام على ذَلِكَ في موضعه، فهو أمس به. ---------- (١) سيأتي برقم (٥٥٣١ - ٥٥٣٢) باب: جلود الميتة. (٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٩١٩ - ٢٩٢٠) ورواه مسلم (٢٠٧٦) من حديث أنس. وفيه أنهما عبد الرحمن بن عون والزبير بن العوام. (٣) انظر ما سيأتي برقم (٣٢١٢) ورواه مسلم (٢٤٨٥)، وسيأتي برقم (٣٢١٣). ورواه مسلم (٢٤٨٦). (٤) رواها من طريقه مسلم (١٥٠٤/ ٨). ٦٢ - باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ ١٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». [انظر: ١٤٤٦ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٣/ ٣٥٦] ١٤٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ». وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٢٥٧٧ - مسلم: ١٠٧٤ - فتح: ٣/ ٣٥٦] ذكر فيه حديث حفصة بنت سيرين، عن أم عطية الأنصارية: قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ». فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَينَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». وحديث شعبة، عن قتادة، عن أنس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لنَا هَدِيَّةٌ». وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. الشرح: حديث أم عطية أخرجه الشيخان (١). ------------ (١) «صحيح مسلم» (١٠٧٦) في الزكاة، باب: إباحة الهدية للنبي - ﷺ - وبني هاشم. ونسيبة هي أم عطية وقد صرح به البخاري في بعض نسخة (١) ولمسلم: لحم بقر (٢). والتعليق أسنده أبو نعيم في «مستخرجه» فقال: حدثنا عبد الله، ثنا يونس، ثنا أبو داود -يعني الطيالسي- أنبأنا شعبة، فذكره. وفائدته تصريح قتادة بسماعه إياه من أنس، قال ابن التين: وكان البخاري لا يسند عن أبي داود هذا في «صحيحه»: وقال ما كان أحفظه! إذا تقرر ذَلِكَ: ففيهما دلالة، كما قال الطحاوي، على جواز استعمال الهاشمي، ويأخذ جعله على ذَلِك (٣)، وقد كان أبو يوسف يكره ذَلِكَ إذا كانت جعالتهم منها، قال: لأن الصدقة تخرج من ملك المتصدق إلى غير الأصناف التي سماها الله تعالى، فيملك المتصدق بعضها وهي لا تحل له، واحتج بحديث أبي رافع في ذَلِك (٤). وخالفه آخرون فقالوا: لا بأس أن يجتعل منها الهاشمي؛ لأنه إنما يجتعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء، فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء الذين يحرم عليهم غناهم الصدقة كان ذَلِكَ أيضًا في النظر -------- (١) جاء في الأصل بعد كلمة نسخه: وحديث أم عطية أخرجه الشيخان فلعله تكرار. (٢) «صحيح مسلم» برقم (١٠٧٥). (٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣. (٤) رواه أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي ٥/ ١٠٧ عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله - ﷺ - فأسأله، فانطلق إلى النبي - ﷺ - فسأله، فقال: «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم». والحديث صححه ابن خزيمة (٢٣٤٤)، والألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٦) وانظر «الإرواء» (٨٦٢). لا يحرم ذَلِكَ على بني هاشم الذين يحرم عليهم سهم الصدقة، فلما كان ما تصدق به على بريرة جائزًا للشارع أكله؛ لأنه أكله بالهدية جاز أيضًا للهاشمي أن يجتعل الصدقة؛ لأنه إنما يملكها بعمله لا بالصدقة، هذا هو النظر عندنا، وهو أصح مما ذهب إليه أبو يوسف. قال بعض العلماء: لما كانت الصدقة يجوز فيها التصرف للفقير بالبيع والهبة لصحة ملكه لها وأهدتها نسيبة وبريرة إلى عائشة، حكم لها بحكم الهبة وتحولت عن معنى الصدقة بملك المصدق عليه بها، وانقلبت إلى معنى الهدية الحلال لرسول الله - ﷺ - وإنما كان يأكل الهدية دون الصدقة (١) لما في الهبة من التآلف والدعاء إلى المحبة، وجائز أن يثيب عليها بمثلها (٢) وأفضل منها فيرفع الذلة والمنة، بخلاف الصدقة. وقال سحنون: لا بأس أن يشتري الرجل كسور السؤال منهم، دليله حديث بريرة. قال ابن التين: وفيه دليل على أصبغ ومن نحا نحوه؛ لأنه يقول: موالي القوم منهم لا تحل لهم الصدقة ويقول: إن آل أبي بكر لا يأكلونها إلا أن يصح ما ذكره الداودي أن نسيبة بعثت إلى بريرة، لكن سائر الأخبار فيها: «بلحم تصدق به على بريرة». وإن كان يحتمل صدقة التطوع فأصبغ أيضًا يرى أنها لا تحل لهم في أحد قوليه وفي الآخر مكروهة. --------- (١) انظر ما سيأتي برقم (٢٥٧٦)، وراه مسلم (١٠٧٧). (٢) انظر ما سيأتي برقم (٢٥٨٥). ٦٣ - باب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا ١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ». [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٣٥٧] ذكر فيه حديث معاذ، وسلف في أول الزكاة أكثره وبعضه في أثنائه (١) وقد سلف هناك الاختلاف في نقل الصدقة من بلدها وهو حجة للمانع؛ لأنه أخبر أنها تفرد في فقراء اليمن إذا أخذت من أغنيائهم. واحتج المجيز بأثر معاذ السالف: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة (٢)؛ فإنها أنفع لأهل المدينة فأعلمهم أنه ينقلها إلى المدينة. وكان عدي بن حاتم ينقل صدقة قومه إلى الصديق بالمدينة فلم ينكر عليه (٣) وفية: أيضًا كما سلف هناك أن الزكاة تعطى لصنف واحد خلافًا للشافعي. ----------- (١) برقم (١٣٩٥) باب: وجوب الزكاة. (٢) سلف قبل حديث (١٤٤٨) باب العرض في الزكاة. (٣) انظر: «سنن البيهقي» ٧/ ١٠، ١٩ - ٢٠. وقد اختلف العلماء في الصدقات هل هي مقسومة على من سمى الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجوز أن توضع في صنف واحد من الأصناف المذكورة على قدر اجتهاد الإمام، وهو قول عطاء والنخعي والحسن البصري، وقال الشافعي: هي مقسومة على ثمانية أصناف لا يصرف منها سهم عن أهله ما وجدوا، وهو قول عكرمة، وأخذ بظاهر الآية (١). قال: وأجمعوا لو أن رجلًا أوصى بثلاثة لثمانية أصناف لم يجز أن يجعل ذَلِكَ في صنف واحد وكان ما أمر الله بقسمته على ثمانية أصناف أولى ألا يجعل في واحد، ومعنى الآية عند مالك والكوفيين إعلام من الله تعالى لمن تحل له الصدقة بدليل إجماع العلماء أن العامل عليها لا يستحق ثمنها وإنما له بقدر عمله، فدل ذَلِكَ على أنها ليست مقسومة على ثمانية أصناف بالسواء واحتجوا بما روي عن حذيفة وابن عباس أنهما قالا: إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك (٢) ولا مخالف لهما من الصحابة، فهو كالإجماع. وقال مالك والكوفيون: المؤلفة قلوبهم قد بطلوا ولا مؤلفة اليوم وليس لأهل الذمة في بيت المال حق. وقال الشافعي: المؤلفة قلوبهم من دخل في الإسلام ولا يعطى مشرك يتألف على الإسلام. ------------- (١) «المبسوط» ٣/ ٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٢، «بدائع الصنائع» ٢/ ٤٤، «المعونة» ١/ ٢٦٨، «الأم» ٢/ ٨٩، «عبد الرزاق» ٤/ ١٠٥ (٧١٣٥)، «ابن أبي شيبة» ٢/ ٤٠٥ (١٠٤٥٢،١٠٤٥٤). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٠٥ (١٠٤٤٥ - ١٠٤٤٧) عن حذيفة، ورواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٠٤ (١٦٩٠٢ - ١٦٩٠٣ - ١٦٩٠٧) عنهما. وقوله: («اتق دعوة المظلوم») فيه عظة الإمام من ولاه النظر في أمور رعيته، ويأمره بالعدل بينهم، ويخوفه عاقبة الظلم ويحذره وباله، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ولعنة الله: الإبعاد من رحمته. والظلم محرم في كل شريعة، وقد جاء أن دعوة المظلوم لا ترد، وإن كانت من كافر (١) ومعنى ذَلِكَ أن الرب تعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن، وأخبر تعالى أنه لا يظلم الناس شيئًا، فدخل في عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر. وحذر معاذًا من الظلم مع علمه بفضله وورعه، وأنه من أهل بدر وقد شهد له بالجنة، غير أنه لا يأمن أحد بل يشعر نفسه بالخوف. ----------- (١) رواه أحمد ٢/ ٣٦٧، والطيالسي ٤/ ٩٢ (٢٤٥٠)، وابن أبي شيبة ٦/ ٤٩ (٢٩٣٦٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٢٠٨ (٣١٥) من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه». قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٣/ ١٣٠ (٣٣٧٢)، والحافظ في «الفتح» ٣/ ٣٦٠، والهيثمي في «المجمع» (١٧٢٢٧): إسناده حسن. وله شاهد من حديث أنس؛ رواه أحمد ٣/ ١٥٣ عنه مرفوعًا: «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا فإنه ليس دونها حجاب». وقال الهيثمي في «المجمع»١٠ (١٧٢٣٥) فيه: أبو عبد الله الأسدي، لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح والحديثين صححهما الألباني في «الصحيحة» (٧٦٧). ٦٤ - باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ إلى قوله ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التو بة: ١٠٣] ١٤٩٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى». [٤١٦٦، ٦٣٣٢، ٦٣٥٩ - مسلم: ١٠٧٨ - فتح: ٣/ ٣٦١] ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى». هذا الحديث ذكره في غزوة الحديبية عن عمرو سمعت ابن أبي أوفي، وكان من أصحاب الشجرة (١) ولأبي داود، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفي قال: كان أبي من أصحاب الشجرة (٢). وهما صحيحان، هو ووالده من أصحابها، وأخرجه مسلم أيضًا (٣). وهذِه الآية نزلت -فيما قاله الضحاك- في قوم تخلفوا عن غزوة تبوك منهم: أبو لبابة فندموا وربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد (٤) فقال - عليه السلام -: «لا أعذرهم» فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ -------------- (١) سيأتي برقم (٤١٦٦) كتاب: المغازي. (٢) «سنن أبي داود» (١٥٩٠). (٣) «صحيح مسلم» (١٠٧٨) كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: إنما ربط أبو لبابة نفسه حين طلبه بنو قريظة فاستشاروه أينزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فأشار إلى حلقه، فجاء إلى المسجد ولم يجتمع بالنبي - ﷺ -، وربط نفسه بساريته. الحديث. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#300 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 591 الى صـــ 610 الحلقة (300) [التوبة: ١٠٢] الآية، فأتي النبي - ﷺ - بأموالهم فأبى أن يقبلها فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) الآية [التوبة: ١٠٣]. ومعنى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم إن دعاءك سكون وتثبيت. فيه: الأمر بالدعاء لصاحبها، وأوجبه أهل الظاهر عملًا بالأمر وبفعل الشارع، وخالفهم جميع العلماء وأنه مستحب؛ لأنها تقع الموقع وإن لم يدع له ولم يأمر به معاذًا، ولو كان واجبًا لعلمه ولأمر به السُعاة، ولم ينقل. والمراد بأنها سكن بعد الموت وهو خاص به؛ لأن صلاته سكن لنا؛ ولأن كل حق لله أو لآدمي استوفاه الإمام لا يجب عليه الدعاء لمن استوفاه منه كالحدود والكفارات والديون، وفيه: الصلاة على غير الأنبياء، وقد منعه مالك، والحديث حجة عليه، وكذا حديث «الموطأ»: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (٢) ولكن هذا من باب التبع. وفيه: أن يقال: آل فلان، يريد فلانًا وآله، وذكر بعض أهل اللغة أنها لا تقال إلا للرجل العظيم كآل أبي بكر وعمر. وقال الشافعي: الصلاة عليهم: الدعاء لهم فيستحب للإمام إذا أخذها أن يدعو لمن أخذها منه، وأحب أن يقول: أجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورًا، وبارك لك فيما أبقيت (٣). وللنسائي من حديث وائل بن حجر قال - عليه السلام - لرجل بعث بناقته -يعني في الزكاة- فذكر من حسنها: «اللهم بارك فيه وفي آله» (٤). -------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٦١، ٤٦٤ (١٧١٥٨)، (١٧١٧٢). (٢) «الموطأ» ص ١٢٠. (٣) «الأم» ٢/ ٥١. (٤) «سنن النسائي» ٥/ ٣٠. والحديث صححه ابن خزيمة ٤/ ٢٢ - ٢٣ (٢٢٧٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٠ على شرط مسلم. ٦٥ - باب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ إنما هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ. وَقَالَ الحَسَنُ فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ: الخُمُسُ، فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِى يُصَابُ فِي المَاءِ. ١٤٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ». [٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١ - فتح: ٣/ ٣٦٢] وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا أِلَيهِ، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَدَ خَشَبَةً فنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فخَرجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أسلَفَة، فإذَا بِالخَشَبَةِ فَأَخَدَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ». الشرح: أما أثر ابن عباس فأخرجه الشافعي من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن أذينة قال: سمعت ابن عباس، فذكره (١). ------------ (١) «مسند الشافعي» ١/ ٢٢٩ (٦٣٠). قال البيهقي: ورواه عمرو بن دينار، عن ابن جريج (١). وأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان بن سعيد، عن عمرو به: ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر. ثم رواه عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سأل إبراهيم بن سعد ابن عباس، عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس، قال: وحَدَّثَنَا وكيع، عن الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه أن ابن عباس سئل عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس (٢). وقال البيهقي: ابن عباس علق القول فيه في هذِه الرواية، وقطع بأن لا زكاة فيه في الأولى، والقطع أولى (٣). وأما أثر الحسن فأخرجه ابن أبي شيبة، عن معاذ بن معاذ، عن أشعث عنه أنه كان يقول: في العنبر الخمس. وكذلك كان يقول في اللؤلؤ (٤). ومعنى (دسره البحر): دفعه ورمى به، قاله ابن فارس (٥). واختلف العلماء في العنبر واللؤلؤ إذا أخرجا من البحر هل فيهما خمس أم لا؟ وكذلك المرجان ونحوه فجمهور العلماء على أنه لا شيء فيهما وأنها كسائر العروض، وبه قال أهل المدينة والكوفيون والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال أبو يوسف: اللؤلؤ والعنبر ------------- (١) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦، وقد انقلبت العبارة هنا على المصنف -رحمه الله- فقول البيهقي: ورواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وهو الصواب قطعًا. (٢) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٥٩، ١٠٠٦٤، ١٠٠٦٥). (٣) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦. (٤) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٣). (٥) «المجمل» ٢/ ٣٢٦. وكل حلية تخرج من البحر فيه الخمس، وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن شهاب وإسحاق (١). وحكى ابن قدامة أن ظاهر قول الخرقي واختيار أبي بكر الأول، قال: وروي نحوه عن ابن عباس، قال: وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو عبيد. وعن أحمد رواية أخرى بالوجوب؛ لأنه خارج من معدن فأشبه الخارج من معدن البحر، قال: ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس (٢)، وهو ما قدمناه أولا تبعًا لابن بطال (٣)، وهو ما في «المصنف» لابن أبي شيبة حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن معمر أن عروة بن محمد كتب إلى عمر بن عبد العزيز في عنبرة زِنتها سبعمائة رطل فقال: فيها الخمس. وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ليث أن عمر بن عبد العزيز خمس العنبر (٤). حجة المانع أثر ابن عباس السالف، وروى أبو بكر، عن وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي الزبير، عن جابر قال: ليس في العنبر زكاة، إنما هو غنيمة لمن أخذه (٥). قال ابن القصار في قول الوجوب: إنه غلط؛ لأنه - عليه السلام - قال: «وفي الركاز الخمس» (٦) فدل أن -------------- (١) «المبسوط» ٢/ ٢١٢، «المدونة» ١/ ٢٥١، «الأم» ٢/ ٣٣، «المغني» ٤/ ٢٤٤، وقول عمر رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٢، ١٠٠٦٣). (٢) «المغني» ٤/ ٢٤٤. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٠. (٤) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦١ - ١٠٠٦٢). (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٠) (٦) سيأتي قريبًا برقم (١٤٩٩)، ورواه مسلم (١٧١٠). غير الركاز لا خمس فيه، والبحر لا ينطلق عليه اسم ركاز، واللؤلؤ والعنبر متولدان من حيوان البحر فأشبه السمك والصدف (١). واحتج غيره بأن الله تعالى قد فرض الزكاة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذ الشارع من بعض الأموال دون بعض، فعلمنا أن الله تعالى لم يُرد جميع الأموال، فلا سبيل إلى إيجاب زكاة إلا فيما أخذه الشارع ووقف عليه أصحابه. وقال ابن التين: وقول ابن عباس هو قول أكثر العلماء، ثم نقل عن عمر بن عبد العزيز والحسن إيجاب الخمس فيه. وقال الأوزاعي: إن وجده على ضفة (٢) النهر خمسه، وإن غاص عليها في مثل بحر الهند فلا شيء فيها خمس ولا نفل ولا غيره. فائدة: روى الشيرازي في «ألقابه» من حديث حذيفة مرفوعًا: «لما أهبط آدم من الجنة بأرض الهند وعليه ذَلِكَ الورق الذي كان لباسه في الجنة يبس فتطاير فعبق منه شجر الهند فلقح، فهذا العود والصندل (٣) والمسك والعنبر من ذَلِكَ الورق» قيل: يا رسول الله، إنما المسك من الدواب، قال: «أجل هي دابَّة تشبه الغزال رعت من ذَلِكَ الشجر فصير الله المسك في سررها، فإذا رعت الربيع جعله الله مسكًا يتساقط، وقال لي جبريل: لا يكون إلا في ثلاث كور فقط: الهند والصين وتبت» قالوا: يا رسول الله، والعنبر إنما هي دابَّة في البحر، قال: «أجل كانت هذِه الدابَّة بأرض الهند ترعى في البر يومئذ» -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٠. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: في «الصحاح» بالكسر: الجانب أشهر. وفي «النهاية» الفتح والكسر. (٣) ورد في هامشج الأصل ما نصه: الصندل شجر طيب الرائحة. وقيل: إن العنبر ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر. رواه ابن رستم عن محمد بن الحسن. وقيل: إنه شجر تتكسر فيصيبها الموج فيلقيها إلى الساحل. وقيل: إنه جُشاء دابة. وقيل: يخرج من عين. والصواب أنه يخرج من دابَّة بحرية صرح به ابن البيطار (١) - ينبت في قعر البحر فتأكله بعض دوابِّه فإذا امتلأت منه قذفته رجيعًا وهو في خلقه كالعظام من الخشب، وهو دسم خوار دهني يطفو على الماء، ومنه ما لونه إلى السواد. وقال ابن سينا (٢): فيما نظن نبع عين في البحر. -------------- (١) هو العلامة ضياء الدين عبد الله بن أحمد، الأندلس، المالقي، والبناني، ابن البيطار، مصنف كتاب «الأدوية النباتية» وما صنف في معناه مثله، كان ثقة فيما ينقله، حجة، انتهت إليه معرفة الحشائش والنبات وتحقيقه وصفته وأسمائه وأماكنه، كان لا يجارى في ذلك، وسافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، وأخذ فن النبات عن جماعة. وكان ذكيًّا فطنًا. توفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة. وانظر تمام ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٢٥٦ (١٦٨)، «تاريخ الإسلام» ٤٧/ ٣١١ (٤١٦)، «الوافي بالوفيات» ١٧/ ٥١ (٤٧) «شذرات الذهب» ٥/ ٢٣٤. (٢) هو العلامة الشهير الفيلسوف- أبو علي، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا، البلخي ثم البخاري، صاحب التصانيف في الطب والفسلفة والمنطق. صنف «الإنصاف» عشرين مجلدًا. و«البر والإثم» مجلدين، «القانون» مجلدين. قال الذهبي: هو رأس الفلاسفة الإسلامية لم يأتي بعد الفارابي مثله، فالحمد لله على الإسلام والسنة، وله كتاب «الشفاء» وغيره، وأشياء لا تحتمل، وقد كفره الغزالي في كتاب «المنقذ من الضلال» وكفر الفارابي. اهـ من «السير» ١٧/ ٥٣٥. توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ١٥٧، «وسير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٣١ (٣٥٦) و«تاريخ الإسلام» ٢٩/ ٢١٨ (٢٦٢)، و«الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٩١. وأبعد من قال: إنه زبد البحر أو روث دابَّة. وهو أشهب وأزرق وأصفر وأسود، وفي «الحيوان» لأرسطو: الدابَّة التي تلقي العنبر من بطنها تشبه البقرة. وجمعه عنابر على ما قال ابن جني، والعنبر (١): الزعفران وقيل: الورس، قاله ابن سيده (٢)، وفي «الجامع» أحسب النون فيه زائدة، وذكره أكثرهم في الرباعي، والعرب تقوله بالباء والميم ومن أسمائه: الذكي، كما قاله المفضل، (الإبليم) (٣) كما ذكره العسكري في «تلخيصه». فائدة ثانية: اللؤلؤ أصله: مطر الربيع يقع في الصدف، فأصله ماء ولا زكاة فيه، وقيل: إن الصدف حيوان يخلق الله فيه اللؤلؤ، والدر كباره. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في سبعة مواضع: هنا والبيوع والكفالة والاستقراض والملازمة والشروط والاستئذان (٤) ------------- (١) «سر صناعة الإعراب» ١/ ٤٢١. وابن جني هو إمام العربية. أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، صاحب التصانيف منها: «سر صناعة الإعراب» و«اللمع»، و«التصريف» و«الخصائص» و«المقصور والممدود». و«المحتسب في الشواذ» توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٣١١، «معجم الأدباء» ١٢/ ٨١، «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٢٧٠، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٧ (٩). (٢) «المحكم» ٢/ ٣٢٨. (٣) رسمت هكذا في الأصل. (٤) سيأتي برقم (٢٠٦٣) كتاب: البيوع، باب: التجارة في البحر، وبرقم (٢٢٩١) كتاب: الكفالة، باب: الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها، وبرقم (٢٤٠٤) كتاب: الاستقراض، باب: إذا أقرضه إلى أجل مسمًى ..، وبرقم (٢٤٣٠) كتاب: اللقطة، باب: إذا وجد خشبة في البحر أو سوطًا، وبرقم = وما علقه هنا وقع في بعض نسخ البخاري عقبه: حَدَّثَني بذلك عبد الله بن صالح، حَدَّثَني الليث. ذكره الحافظ المزي قال: وهو ثابت في عدة أصول من كتاب البيوع من «الجامع»، من رواية أبي الوقت، عن الداودي، عن ابن حمويه، عن الفربري عنه (١). وقال الطرقي: أخرجه محمد في خمسة مواضع من الكتاب فقال: وقال الليث. قُلْتُ: بل في سبعة كما مضى، ورواه النسائي عن علي بن محمد، عن داود بن منصور، عن الليث (٢)، وذكر ابن أبي أحد عشر في «جمعه» أن أبا خلدة حدثه به متصلًا فساقه من حديث عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث به. وذكره أبو نعيم في «مستخرجه» من حديث عاصم بن علي حدثنا به الليث، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضًا ومن حديث آدم بن أبي إياس عن الليث ثم قال: ليس في هذا الحديث الذي ذكره شيء يتصل به هذا الباب رجل أقرض قرضًا فارتجع قرضه. وأعله ابن حزم بعبد الله بن صالح وقال: إنه ضعيف جدًّا وذكره من حديث عبد الرحمن بن هرمز عن أبيه عن أبي هريرة، قال: وأخرجه البخاري منقطعًا غير متصل (٣) هذا لفظه. وقد أسلفت أن عاصم بن علي، وداود بن منصور، وآدم بن أبي إياس تابعوا عبد الله بن صالح، وقد روى عنه ابن معين والبخاري، ----------- = (٢٧٣٤) كتاب: الشروط، باب: الشروط في القرض، وبرقم (٦٢٦١) كتاب: الاستئذان، باب: بمن يبدأ في الكتاب. (١) «تحفة الأشراف» ١٠/ ١٥٦. (٢) عزاه المزي في «تحفة الأشراف» للنسائي ١٠/ ١٥٦. (٣) «المحلي» ٨/ ١١٩. قال أبو زرعة: حسن الحديث، وسيأتي (متابع آخر له وشاهد (١» وقال ابن التين: لم يسند البخاري إلى الليث، وقد أسنده عاصم بن علي، عن الليث، والبخاري حدث عن عاصم بن علي، ولعله لم يسمعه منه، أو لعله لم يتواطأ في روايته عن الليث، وإن كان قد رواه محمد بن رمح بن مهاجر أيضًا عن الليث. وروي من طريق آخر إلى أبي هريرة ذكره محمد بن سعدون العبدري بإسناده من حديث أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، فذكره، وقال الداودي: مثل قول الإسماعيلي السالف: حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء. وقال أبو عبد الملك: إنما أدخله البخاري هنا لبيان أن كل ما ألقاه البحر جاز التقاطه ولا خمس فيه، كالعنبر إذا لم يعلم أنه من مال المسلمين، وأما إذا علم أنه منها فلا يجوز أخذه وإن مات أهل المركب عطشًا، أو لعله كان كاللقطة؛ لأن الرجل إنما أخذ خشبة على الإباحة لتملكها فوجد فيها المال ولو وقع هذا اليوم لكان كاللقطة؛ لأنه معلوم أن الله تعالى لا يخلق الدنانير المضروبة في الخشب، ونحا نحو ذَلِكَ ابن المنير فقال: موضع الاستشهاد إنما هو أخذ الخشبة على أنها حطب فدل على إباحة مثل ذَلِكَ مما يلفظه البحر، أما ما ينشأ فيه كالعنبر أو مما سبق فيه ملك وعطب وانقطع ملك صاحبه منه على اختلاف بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مفصلًا، وإذا جاء تمليك الخشبة وقد تقدم عليها ملك فتمليك نحو العنبر الذي لم يتقدم عليه ملك أولى (٢). -------------- (١) في (ج): منافع أخر وشواهد. (٢) «المتواري» ص ١٢٩. وهذا أخذه من قول المهلب، وفي أخذ الرجل الخشبة حطبًا دلالة على أن ما يوجد في البحر من متاع البحر وغيره أنه لا شيء فيه، وهو لمن وجده حتى يستحق ما ليس من متاع البحر من الأموال كالدنانير والثياب، وشبه ذَلِكَ، فإذا استحق رد إلى مستحقه وما ليس له طالب، ولم يكن له كبير قيمة، وحكم بغلبة الظن بانقطاعه كان لمن وجده ينتفع به ولا يلزمه فيه تعريف، إلا أن يوجد فيه دليل يستدل به على مالكه كاسم رجل معلوم أو علامة فيجتهد فيه الفقهاء في أمر التعريف (١). وفيه أيضًا فوائد أخر منها: أن الله تعالى يجازي أهل الإرفاق بالمال يحفظه عليهم مع الأجر المدخر لهم في الآخرة كما حفظه على المسلف حين رده الله إليه، وهذان فضلان كبيران لأهل المواساة والثقة بالله والحرص على أداء الأمانة. ومنها: جواز ركوب البحر بأموال الناس والتجارة فيه وغير ذَلِكَ (٢). ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥١. (٢) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في العشرين كتبه مؤلفه. ٦٦ - باب فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ: الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُسُ. وَلَيْسَ المَعْدِنُ بِرِكَازٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَعْدِنِ: «جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الخُمُسُ». وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً. وَقَالَ الحَسَنُ: مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: المَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ؛ لأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ. إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. قِيلَ لَهُ: قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ، أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ. ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ. ١٤٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». [٢٣٥٥، ٦٩١٢، ٦٩١٣ - مسلم: ١٧١ - فتح: ٣/ ٣٦٤] ثم ساق حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». الشرح: أما قول مالك فأخرجه البيهقي من حديث (ابن مسلمة) (١) ثنا مالك ------------- (١) كذا بالأصول، والصواب: ابن بكير. انظر: «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٥. أنه سمع بعض أهل العلم يقولون في الركاز. إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه كبير عمل، فأما ما طلب بمال أوكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز (١)، ورواه أيضًا الشافعي في القديم عن مالك. (وابن إدريس) الظاهر أنه الإمام الشافعي المطلبي حيث قرنه بمالك، وكذا قال الحافظ المزي، ونقل ابن التين عن أبي ذر أنه يقال: ابن إدريس الشافعي، وقيل: هو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو أشبه. وأما قوله: («وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ»). فقد أسنده آخر الباب. وأثر عمر بن عبد العزيز أخرجه البيهقي من حديث قتادة أن عمر بن عبد العزيز جعل المعدن بمنزلة الركاز يؤخذ منه الخمس، ثم عقب بكتاب آخر فجعل فيه الزكاة، قال: وروينا عن عبد الله أبي بكر أن عمر بن عبد العزيز أخذ من المعادن من كل مائتي درهم خمسة دراهم. وعن أبي الزناد قال: جعل عمر بن عبد العزيز في المعادن أرباع العشور إلا أن تكون ركزة فإذا كانت ركزة ففيها الخمس (٢). وأما أثر الحسن فأخرجه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن هشام، عن الحسن قال: الركاز الكنز العادي وفيه الخمس (٣). وحدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن الحسن قال: إذا وجد الكنز في أرض العدو فيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة (٤). --------------- (١) «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٥. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٢. (٣) «المصنف» ٦/ ٤٣٨ (٣٢٦٩٥). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٣٦ (١٠٧٧٧)، ٦/ ٤٣٧ (٣٢٦٨٦). قال ابن التين: وقول الحسن لم يتابع عليه، وقال مرة: أجمع أهل العلم على خلافه. وكذا قال ابن المنذر: لا خلاف بين العلماء أن في الركاز الخمس، ولا نعلم أحدًا خالف في ذَلِكَ إلا الحسن ففصل. قال غيره: وهو غلط؛ لأن الشارع لم يخص أرضًا دون أرض. وقوله: (وقال بعض الناس) هو: أبو حنيفة كما صرحوا به ومنهم ابن التين، قال: وذلك؛ لأن العلة التي ذكرها البخاري هي كالعلة المروية عن أبي حنيفة، ونقل ابن بطال عن أبي حنيفة والثوري والأوزاعي أن المعدن كالركاز (١)، وفيه الخمس في قليله وكثيره على ظاهر قوله: «وفي الركاز الخمس» احتج أبو حنيفة بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازًا وهو قطع من الذهب تخرج من المعادن، قاله في «العين» (٢)، وألحق ابن سيده الفضة به (٣)، وفي «التهذيب»: قطعٌ عظامٌ كالجلاميد (٤). وفي الترمذي أنه ما وُجد من دفن الجاهلية (٥). وقال الزهري وأبو عبيد فيما حكاه ابن المنذر: إنه المال المدفون، وكذا المعدن وفيها الخمس. وفي «الجامع»: ليس الركاز من الكنوز؛ لأن أصله ما ركز في الأرض إذا ثبت أصله، وأما المعدن فهو: شيء مركوز الأصل لا تنقطع مادته، والكنز متى استخرج انقطع؛ لأنه لا أصل له، ومن جعل الكنز ركازًا قال: هو من ركزت الرمح، سمي -------------- (١) ورد بهامش الأصل: وسيأتي عن علي - رضي الله عنه - وعن الزهري أيضًا مثل ذَلِكَ. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٥ وانظر: «العين» ٥/ ٣٢٠. (٣) «المحكم» ٦/ ٤٦٠. (٤) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٤٦٠. (٥) «سنن الترمذي» عقب الرواية (١٣٧٧). بذلك؛ لأنه مركوز في الأرض. وأنكر بعضهم أن يكون الركاز المعدن، قال في «المحكم»: المعدن منبت الجواهر (١) من الحديد والفضة والذهب ونحوها؛ لأن أهلها يقيمون فيه لا يبرحون عنه شتاء ولا صيفًا، ومعدن كل شيء أصله من ذلك، قال الجوهري: وهو بكسر الدال (٢)، وقال في «المغيث»: هو مركز كل شيء (٣). وما ألزمه البخاري أبا حنيفة حجة قاطعة كما قال ابن بطال (٤)؛ لأنه لا يدل اشتراك المسميات في الأسماء على اشتراكها في المعاني والأحكام، إلا أن يوجب ذَلِكَ ما يجب التسليم له، وقد أجمعوا أن من وهب له مال أو كثر ربحه أو ثمره فإنما يلزمه في ذَلِكَ الزكاة خاصة على سببها، ولا يلزمه في شيء منه الخمس، وإن كان يقال فيه: أركز. كما يلزمه في الركاز الذي هو دفن الجاهلية إذا أصابه فاختلف الحكم وإن اتفقت التسمية، ومما يدل على ذَلِكَ حديث مالك، عن ربيعة، عن غير واحد (٥) من علمائهم أن رسول الله - ﷺ - أقطع لبلال بن الحارث المعادن القبلية ولا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة، فلما لم يؤخذ منها غير الزكاة في عهده وفي عصر الصحابة (دل) (٦) على أن الذي يجب في المعادن هو الزكاة (٧). ------------ (١) «المحكم» ٢/ ١٤. (٢) «الصحاح» ٦/ ٢١٦٢. (٣) «المجموع المغيث» ٢/ ٤١٢. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٥. (٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: بخط الشيخ في الهامش: معناه: عن ربيعة وغير واحد، كذا عنه ابن وضاح. (٦) زيادة ليس في الأصول، والسياق يقتضيها ليستقيم المعنى. (٧) وراه مالك ص ١٦٩، والشافعي في «الأم» ٢/ ٣٦، والبيهقي ٤/ ١٥٢، وأيضًا ٦/ ١٥١. وقول البخاري: (ثم ناقض فقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدي منه الخمس). فالطحاوي حكى عن أبي حنيفة قال: من وجد ركازًا فلا بأس أن يعطي الخمس للمساكين وإن كان محتاجًا جاز له أن يأخذه لنفسه أي: متأولًا أن له حقًّا في بيت المال، وله نصيب في الفيء، فلذلك أجاز أن يأخذ الخمس لنفسه عوضًا من ذَلِكَ؛ لأن أبا حنيفة أسقط الخمس من المعدن بعد ما أوجبه فيه. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والأربعة (١). والكلام عليه من أوجه: أحدُها: العجماء: البهيمة تنفلت من يد صاحبها وعجمها: عدم نطقها، والجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، يريد إذا جنت لا غرامة فيه. وهو محمول على ما إذا أتلفت شيئًا بالنهار، أو انفلتت بالليل من غير تفريط من مالكها، أو أتلفت ولم يكن معها أحد، لكن الحديث محتمل لإرادة الجناية على الأبدان فقط، وهو أقرب إلى حقيقة الجرح، فإنه قد ثبت في بعض طرقه في مسلم (٢) وفي البخاري في الديات: «المعجماء جرحها جبار» (٣) وفي لفظ: «عقلها جبار» (٤) وعلى كل تقدير فلم يقولوا بالعموم في إهدار كل متلف من بدن أو مال، --------- (١) «صحيح مسلم» (١٧١٠) كتاب: الحدود، باب: جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، أبو داود (٤٥٩٣)، «الترمذي» ٦٤٢، «النسائي» ٥/ ٤٥ - ٤٦، «ابن ماجه» (٢٦٧٣). (٢) «صحيح مسلم» (١٧١٠). (٣) ستأتي برقم (٦٩١٢) باب: المعدن جبار والبئر جبار. (٤) سيأتي برقم (٦٩١٣) كتاب: الديات، باب: العجماء جبار. والمراد بجرج العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو بغيره. قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت (١). وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال كان برجل أو بمقدم؛ لأن الشارع جعل جرحها جبارًا، ولم يخص حالًا من حال إلا أن يحملها الذي هو معها على ذَلِكَ أو يقصده، فتكون حينئذ كالآلة، وكذا إذا تعدى في ربطها، أو إرسالها في موضع لا يجب ربطها أو إرسالها فيه، وأما من لم يقصد إلى ذَلِكَ فلا يضمن إلا الفاعل المقاصد. قال أصحابنا: وسواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ونحوه فإنه يجب ضمانه في مال الذي هو معها، سواء كان مالكها أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا أو مودعًا أو وكيلًا أو غيره، إلا أن تتلف آدميًّا فتجب ديته على عاقلة الذي معها، والكفارة في ماله. وقال مالك والليث والأوزاعي: لا ضمان فيما إذا أصابت بيدها أو رجلها، ونقل ابن بزيزة عن أبي حنيفة أنه لا ضمان فيما لفحت برجلها دون يدها لإمكان التحفظ من اليد دون الرجل. قال: وتحصيل مذهب مالك أنه لا ضمان على راكبها ولا على سائسها إلا أن تؤثر أثرًا، أو يفعل بها فعلًا غير معتاد، أو يوقفها في موضع لم تجر العادة بإيقافها فيه، فهو حينئذ ضامن، أما إذا أتلفت بالنهار، وكانت معروفة بالإفساد، ولم يكن معها أحد فإن مالكها ------------ (١) «إكمال المعلم» ٥/ ٥٥٣. يضمن؛ لأن عليه ربطها والحالة هذِه، وأما جنايتها بالليل فقال مالك: يضمن صاحبها ما أتلفته، وقال الشافعي وأصحابه: إن فرط في حفظها ضمن وإلا فلا. وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما رعته نهارًا. وقال الليث وسحنون: يضمن. وقد ورد حديث مرفوع في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع وأنه يضمن -كما قاله مالك- أخرجه أبو داود والنسائي من حديث حرام بن محيصة عن البراء (١)، ومن حديث حرام عن أبيه أن ناقة للبراء (٢). وصحح ابن حبان الثاني (٣) والحاكم الأول وقال: صحيح الإسناد (٤). ثانيها: البئر مؤنثة مشتقة من بارت إذا حفرت، والمراد هنا: ما يحفره الإنسان حيث يجوز له، فما هلك فيها فهو هدر، وكذا إذا حفر بئرًا فانهارت على الحافر أيضًا، وأَبْعَدَ من قال: المراد بالبئر هنا البئر القديمة. ثالثها: المعدِن بكسر الدال: ما عدن فيه شيء من جواهر الأرض، سمي معدنًا لعدون ما أثبته الله فيه لإقامته وإقامة الناس فيه، أو لطول بقائه في الأرض (٥)، ومعنى كونه جبارًا: أن من حفره في ملكه أو موات -------------- (١) «سنن أبي داود» (٣٥٧٠)، «السنن الكبرى» ٣/ ٤١١ - ٤١٢ (٥٧٨٥). (٢) رواه أبو داود (٣٥٦٩)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١١ (٥٧٨٤). (٣) «صحيح ابن حبان» ١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ (٦٠٠٨). (٤) «المستدرك» ٢/ ٤٧ - ٤٨، والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٥٢٧) وانظر «الصحيحة» (٢٣٨). (٥) انظر: «الصحاح» ٦/ ٢١٦٢، «لسان العرب» ٥/ ٢٨٤٣ - ٢٨٤٤. ومرّ به مارٌ أو استأجر أجيرًا يعمل فيه فوقع عليه فمات فلا شيء عليه، وسيأتي تكملة لما نحن فيه في كتاب الديات إن شاء الله وقدره. رابعها: الركاز بكسر الراء: المركوز أي: النابت أو المختفي، ومنه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٨٩] وهو في الشرع: الموجود الجاهلي عند جمهور العلماء، وقد سلف بسطه قريبًا، ومنهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، والحديث قال على المغايرة بينه وبين المعدن، وهو مذهب أهل الحجاز، ومذهب أهل العراق أنه المعدن كما سلف، والحديث يرد عليهم وفيه وجوب الخمس، وبه قال جميع العلماء، ولا أعلم أحدًا خالف فيه إلا الحسن، فإنه فصل كما سلف، ويصرف عندنا مصرف الزكاة لا لأهل الخمس على المشهور، وفاقًا لمالك، وخلافًا لأبي حنيفة. وفيه: أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة لعمومه، وهو أحد قولي الشافعي، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، قال: وبه أقول، وأصحهما عنده اختصاصه بالنقد كالمعدن. وفيه: أنه لا فرق بين قليله وكثيره في وجوب الخمس لعموم الحديث، وهو أحد قوليه. قال ابن المنذر: وبه قال جل أهل العلم، وهو أولى، وأصحهما عنده اختصاصه بالنصاب، ونقل عن مالك وأحمد وداود وإسحاق، والأصح عند المالكية الأول، ونقل ابن التين عن ابن الجلاب أنه حكى فيه رواية بوجوب الخمس فيه وأخرى بمقابله قال: ويشبه أن يكون حد القليل ما دون النصاب، والكثير النصاب فما فوقه. وفيه: عدم اعتبار الحول في إخراج زكاته، وهو إجماع بخلاف المعدن -على رأي- للمشقة فيه. وفيه: إطلاق اعتبار الخمس فيه من غير اعتبار الأراضي، لكن الفقهاء فصلوا فيه كما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه (١). تنبيهات: أحدها: قسم بعض الحنفية المعدن ثلاثة أقسام: بما يدرك بالنار ولا ينقطع، كالنورة والكحل والفيروز ونحوها، ومما يدرك بالنار وينطبع كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس، وما يكون مائعًا كالقار والنفط والملح المائي ونحوها، والوجوب يختص بالنوع الثاني دون الآخرين عند الحنفية وأوجبه أحمد في الجميع، ومالك والشافعي في الذهب والفضة خاصة (٢). ثانيها: أوجب الشافعي وأحمد في المعدن ربع العشر، وفي الركاز الخمس، وقال مالك في البدرة تصاب بغير كبير تعب: يجب فيها الخمس، وإن لحقته كلفة ففيه ربع العشر، وفي الكنز الخمس (٣). وفي كتاب «الأموال» لابن زنجويه: عن علي أنه جعل المعدن ركازًا، وأوجب فيه الخمس (٤)، ومثله عن الزهري (٥)، وقد سلف حديث مالك عن ربيعة، قال ابن عبد البر: وهو عند سائر الرواة مرسل، وقد أسنده البزار من حديث الحارث بن بلال بن الحارث، ------------ (١) راجع «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ٦٠ - ٧٠. (٢) «المبسوط» ٢/ ٢١١، «عيون المجالس» ٢/ ٥٤٨، «الأم» ٢/ ٣٦، «المغني» ٤/ ٢٤٤. (٣) «المدونة» ٢/ ٢٤٧، «الأم» ٢/ ٣٧، «المغني» ٤/ ٢٣٢، ٢٣٩. (٤) «الأموال» ٢/ ٧٤٣. (٥) المصدر السابق ٢/ ٧٤٥. عن أبيه (١)، ورواه أبو سبرة المدني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن علقمة، عن أبيه عن بلال مثله (٢)، ولم يتابع أبو سبرة عليه، ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده مرفوعًا، وهذا في أبي داود (٣) وكثير مجمع على ضعفه، وإسناد ربيعة فيه صالح حسن (٤). قُلْتُ: وأخرجه الحاكم من حديث بلال، عن أبيه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولعله علم حال الحارث (٥). ثالثها: قال ابن حزم: كل من عدا عليه حيوان من بعير أو فرس أو بغل وشبهها، فلم يقدر على دفعه عن نفسه إلا بقتله فقتله، فلا ضمان عليه فيه، وهو قول مالك والشافعي وداود وقال الحنفيون: يضمن؛ واحتجوا بحديث: «العجماء جرحها جبار»، وبخبر رويناه عن عبد الكريم: أن إنسانًا عدا عليه فحل ليقتله فضربه بالسيف فقتله، فأغرمه أبو بكر الصديق إياه وقال: هو بهيمة لا يعقل وعن علي نحوه، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: من أصاب العجماء غرم (٦). ومن طريق الثوري عن الأسود بن قيس عن أشياخ لهم أن غلامًا لهم دخل دار زيد بن صوحان فضربته ناقة لزيد فقتلته، فعمد أولياء الغلام المقتول فقتلوها فأبطل عمر دم الغلام، وأغرم والد الغلام ثمن الناقة، وعن شريح مثله، قال: وحديث العجماء في غاية الصحة وبه نقول، ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ------------ (١) «مسند البزار» ٨/ ٣٢٢ (٣٣٩٥). (٢) «الموطأ» ص ١٦٩ - ١٧٠. (٣) أبو داود (٣٠٦٢). والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٦٩٢). (٤) «التمهيد» ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٨. (٥) «المستدرك» ١/ ٤٠٤. (٦) «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ٦٧ (١٨٣٧٨). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|