![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
حديث «ما يكن من خير فلن أدخره عنكم..»
ما يكن من خير فلن أدخره عنكمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فمما أورده الإمام النووي -رحمه الله- في باب الصبر من كتابه رياض الصالحين: عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري -رضي الله تعالى عنهما- أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكن من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاء خيراً وأوسع من الصبر[1]متفق عليه. الأنصار: هم الأوس والخزرج الذين أدركوا النبي ﷺ فآمنوا به، فهم الذين نصروا دين الله ، ونصروا رسوله ﷺ حيث آووه. سألوا رسول الله ﷺ، والظاهر أن أبا سعيد كان منهم، حيث إن أمه أرسلته إلى النبي ﷺ ليسأله، لحاجة شديدة وقعت بهم، كانوا في حاجة، فلما سمع النبيَّ ﷺ يذكر من لا تحل له المسألة رجع ولم يسأل. يقول: سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده. وهذا من شمائله ﷺ حيث كان أكرم الناس ﷺ، فلربما سأله الرجل فخلع ثوبه، أو جبته، أو رداءه، فأعطاه إياه، فكان لا يرد سائلاً. فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، السين والتاء للطلب، من يستعفف أي: يطلب العفاف، فالعفاف، والغنى، والصبر، والحلم وغيره كل ذلك يمكن للإنسان أن يتخلقه كما قال النبي ﷺ: إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم[2]، وكذلك يحصل العفاف، فالفقر في القلب قبل كل شيء، لربما تجد الإنسان ليس في يده إلا القليل من عرض الدنيا، ومع ذلك تجده من أغنى الناس، ولربما رأيت الرجل وهو يملك الكثير من هذه الدنيا، ومع ذلك تجد الفقر في قلبه، نسأل الله العافية. فأقول: هذا تعليم من النبي ﷺ للناس كيفية التخلق بالأخلاق الفاضلة، حتى تصير سجية، فالإنسان قليل الصبر، كيف يكون صبوراً؟ عليه أن يتصبر في البداية، إذا أصابه آلام، أو أمراض، أو شدة وفقر، أو شيء من المكاره، يتصبر قليلاً، ويعلم أن الجزع لا ينفعه شيئاً، وإذا نظرت إلى إنسان يتضجر وهو يتألم من المرض، لو وجهت إليه هذا السؤال: هذا التضجر ماذا يغني عنك؟ هل يرتفع المرض؟ الجواب: لا يرتفع، فماذا التضجر؟ لو أتيت إلى أحد من الطلاب، وهو يذاكر مادة لا يفهم كثيراً منها، ووجدته في حال من البؤس، ويرفع صوته ويتكلم، ولربما شتم المادة، ولربما ألحق ذلك بأستاذها، ولربما دعا على نفسه، ويتضجر ويتأوه، وهو لا يقضي شيئاً من مطلوبه، ولا يقطع شوطاً في كتابه، فلو سألته هذا التضجر هل هو نافعك شيئاً؟ هل يمكن بهذا الضجر أن تفهم؟ هل يمكن أن تنهي هذا الكتاب إذا تضجرت؟ إنما أنت تضر نفسك، أنت تثبط نفسك، وتقعدها عن العمل الجاد المثمر، فلا تزيد نفسَك إلا تعويقاً بهذا التضجر، لكن ما على الإنسان إلا أن يستبدل ذلك بابتسامة، ويوسع صدره قليلاً، وشيئاً فشيئاً، ثم بعد ذلك يفتح الله عليه ألوان المغاليق، ويرزقه -تبارك وتعالى- من الفهم ما لا يحتسب. وقل مثل ذلك في الفقير، وغيره، ممن يمكن أن يحصل له شيء من انفراط الصبر، أو شيء من خشونة الأخلاق. فالإنسان الذي لا علم عنده يمكن أن يتعلم، فيكون عالماً، فالعلماء ما كانوا علماء في أول أمرهم، وكذلك من يستعفف يعفه الله، أي: يريد أن يكون عفيفاً لا يحتاج إلى الناس، ولا يسأل الناس شيئاً، والله مدح الأنصار، ومدح المهاجرين فقال: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273] أي: بسبب التعفف، تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ [البقرة:273] يعني: الفقر يظهر في وجه الإنسان، وقسماته وملامحه، وتظهر فيه الحاجة الشديدة من قسمات الوجه، ومن ثيابه، كما أن المرض يعرف بوجه الإنسان، فتراه تقول: أنت اليوم مريض، من حاله، ومن هيئته، ومن جلسته. فالجاهل بحال الفقراء يحسبهم أغنياء، أي: يظنهم أغنياء من التعفف، لا يسألون مباشرة –أعطني، ولا بطريق غير مباشر، كأن يجلس يشرح أحواله، ولا يتعرض لك و يقف أمامك، أو بطريقة أخرى كأن يبيع شيئاً تافهاً لا قيمة له وقصده السؤال، فهذا من المسألة، سواء كان بهذه الصيغة أو كان بتلك. لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273] الإلحاف مثل اللحاف، فاللحاف كما أنه يشتمل على الإنسان بجميع جوانبه، فكذلك الإلحاف في المسألة، لا يترك طريقة إلا ويسأل بها، كأنه يقول: الله يخليك أعطني، اللهم آتِ منفقاً خلفاً، أنا فقير، الله يخلي لك عيالك، فيلح بكل طريقة، ويدعو لك مرة، ومرة أعطني مباشرة، ومرة يقف أمامك، ومرة يلحقك، فنفاه الله عنهم. فالمقصود أن العفاف صفة من صفات الكمال التي ينبغي للإنسان أن يتحلى بها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: "استغنِ عمن شئت تكن نظيره، واحتجْ إلى من شئت تكن أسيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره". إن استطعت أن لا يكون لأحد من الخلق عليك يد فافعل، لا تحتج للناس، لا تحتج لأحد يمن عليك، المنة لله وحده لا شريك له، الله أعطاك عقلاً، وأعطاك عافية، وأعطاك لساناً، وأعطاك بصراً وسمعاً، وأعطاك كل ما أعطى الآخرين، لا تنتظر من الآخرين أنهم يحسنون إليك، وتكون لهم يد عليك. قوله: ومن يتصبر يصبره الله هذا هو الشاهد في الباب، يتصبر، يعني: هو في البداية يتكلف الصبر، ليس من طبيعته أنه صبور، والناس يتفاوتون تفاوتاً كبيراً في هذا، من الناس من إذا أصابه زكام أتيته وهو يتأوه، وتظن أن الموت يتنزل به، وإذا سألت أولاده قالوا: هو طبيعته كذا، أدنى شيء يأتيه مباشرة يتحول إلى شخص في غاية الجزع، إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:19-23]، ولا يظهر ضعف الإنسان إلا إذا أصيب، وابتلي، ومن الناس من لو أصابه كدمة أو شيء لرأيته ينهار. قوله: وما أُعطي أحدٌ عطاء خيراً وأوسع من الصبر يعني: لا المال، ولا أي شي؛ لأنه بالصبر يحصِّل جميعَ المطالب، ولا يُحصَّل شيءٌ من المطالب إلا بالصبر، فإذا رزق العبد الصبر استطاع أن يستمر في طريق العبودية حتى يصل إلى مأمنه بإذن الله . فمن الناس من يبدأ –مثلا- في قيام ليل، ويستمر أسبوعاً، أو عشرة أيام، ثم يترك، أو إذا بدأ في صيام تطوع استمر فترة ثم انقطع، إذا بدأ في طلب علم حضر درساً درسين، ثم بعد ذلك انقطع، إذا بدأ في عمل مشروع خيري من الأعمال الخيرية، أو نحو ذلك تحمس في البداية، ثم بعد ذلك أدار لهم ظهره، وانقطع، فمثل هذا لا ينتج، ولا يحصّل شيئاً يذكر. فلو أن هناك من يغرس كل يوم له غرسات من النخل أو غيرها، ثم يسقيها أسبوعاً أو أسبوعين، ثم يتركها، ويغرس غرسة أخرى، هل يمكن أن ينتظر ثمرة؟ الجواب: لا يمكن أن يحصل له شيء، فهكذا في سائر الأمور، من أراد العلم يحتاج إلى صبر، من أراد الدنيا والتجارة يحتاج إلى صبر، وهكذا في كل الأمور؛ لأنه هو الطريق إلى تحصيل المطالب العالية. هذا، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم من الصابرين، ويرزقنا وإياكم الهدى والسداد والثبات في الأمر، وأن يعيننا وإياكم على الرشد، ويوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه. |
|
|
|
|
|
|
#8 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
حديث «اتقي الله واصبري..»
اتقي الله واصبريالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فعن أنس قال: مر النبي ﷺ على امرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري[1]. مر ﷺ على امرأة تبكي عند قبر، وجاء في بعض روايات الحديث: تبكي على صبي لها[2]. وهذه المرأة مر بها النبي ﷺ وهي في حال مصيبة، قد فقدت صبيها وصغيرها، ومعلوم منزلة الولد من قلب الوالد. فقال لها: اتقي الله واصبري، فأمرها بالتقوى أولاً؛ لأن من تحقق بالتقوى فإنه يكون ممتثلاً مذعناً لمطلوبات الشارع، ومن فقد التقوى فإنه لا يستطيع أن يَزُم نفسه بزمام الطاعة، فتنفلت عليه نفسه، وينفرط صبره، فيصدر منه من ألوان الجزع، والتعدي، والأقوال والأفعال غير اللائقة ما لا يخفى. فأمرها بالصبر، وهذا هو الشاهد الذي من أجله أورد الإمام النووي -رحمه الله- هذا الحديث في باب الصبر. وهذا الصبر هو حبس النفس في حال المصيبة عن الجزع والتسخط والنياحة، وأشباه ذلك مما لا يجوز للإنسان أن يفعله في مثل هذه الأمور المكروهة المؤلمة التي لا يخلو منها إنسان. وليس أمام الإنسان طريق أمام المصائب سوى الصبر، وإلا فإنه مهما فعل لن يسترد به فائتاً، ولا يمكن أن يستدرك به أمراً يطلبه وينوح على فقده، فإما أن يصبر صبر المؤمنين، وإما أن يسلو كما تسلو البهائم، يخف أثر المصيبة عنه يوماً بعد يوم، ثم بعد ذلك تتلاشى، فهذا أمر لا يليق بالمؤمن. فقالت: (إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه)، يعني ابتعد عني، ولم تعرفه ﷺ، وفي بعض الروايات قالت: (إليك عني، فإنك خِلْوٌ من مصيبتي)[3]، ومعنى خلو من مصيبتها: أنه فارغ البال، فهي لم تعرفه ﷺ، فتقول: أنت تأمرني بالصبر، ولم تذق ما ذقت، قال: (فقيل لها: إنه النبي ﷺ)، وجاء عند مسلم: (فأخذها مثل الموت) لما علمت أنه النبي ﷺ فصار ذلك أعظم من فقدها لولدها ومصابها، أخذها مثل الموت؛ إجلالاً لرسول الله ﷺ أن تخاطبه بمثل هذا الخطاب. قال: (فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين) لكمال تواضعه ﷺ، على غير عادة الملوك فإنه لا يتمكن الداخل من الدخول لوجود الحرس، والبوابين على أبوابهم، فوجدت باب النبي ﷺ كغيره من الأبواب ليس عليه حارس، ولا بواب، وكأنها كانت تظن أن بابه ﷺ لابد أن يكون محروساً، فلما جاءت قالت له: (لم أعرفك)، تعتذر إليه من مقالها، فقال لها : إنما الصبر عند الصدمة الأولى، ومراد النبي ﷺ بذلك -والله أعلم- أنه ﷺ أعرض عن اعتذاراها إليه، لأنه ﷺ لا يطلب بحقه ولا يقف عند نفسه، وإنما نبهها على أمر من مطلوبات الشارع، وهو أن يكون الصبر حال وقوع المصيبة، لا إذا عاد للإنسان عقله، وفكره ورويته بعد ذلك، فإن المصيبة لها صدمة في أولها، وهذا شيء مشاهد. وكثير من الناس يتصرفون بتصرفات لا يدرون كيف تصرفوها، ويتكلمون بكلام لا يعرف الواحد كيف تكلم به، بل لربما قيل لأحدهم: إنك قمت تصلي، وهو لا يدري عما وقع منه، وقد شاهدنا شيئاً من ذلك، وبعضهم لربما تكلم بكلام ولطم نفسه، وصاح وما إلى ذلك، فإذا قيل له ذلك لم يتذكر شيئاً منه، ولربما إذا ذُكّر به استحيا وخجل، وتمنى أن ذلك لم يقع منه، أو أن ذلك لم يكن بحضرة فلان أو فلان، مما يبين ضعفه وعجزه وهلعه وخوار نفسه، ومنهم من قد يتصرف بتصرفات أخرى في حال الصدمة الأولى، بعضهم لربما لا يشعر بشيء من مصيبته، وإنما يشعر بها بعد مدة، على عكس المتوقع، يعني بعضهم يقول بأنه مسترسل في حاله وفي ضحكه، بل لربما بعضهم ضحك حينما يسمع الخبر، ثم بعد ذلك يأتيه ما لا قبل له به من الحزن، ولربما تأخر ذلك عنه على غير العادة. قوله: إنما الصبر عند الصدمة الأولى، يعني: بمجرد وقوع المصيبة، هذا أوان الصبر إن كنت حازماً، وأما إذا هدأت النفس فإن الصبر هنا لا يحمد؛ لأنه قد ذهب موطنه، ولذلك رخص الشارع في الحداد للمرأة أن تحد على غير الزوج ثلاثة أيام، لا تزيد على ذلك، والسبب في هذا أن المصيبة تبقى محتدمة في النفس حارة طرية هذه المدة عادة، وهذه طبيعة ركبها الله في النفوس. وقت العزاءومن لطف الله أن الإنسان يسلو وينسى، وإلا لدامت حسراته وأحزانه، ولم يهنأ بنوم، ولا طعام، ولا شراب، ولا خُلطة، وبالتالي أخذ من هذا الفقهاء -رحمهم الله- أن العزاء ثلاثة أيام، وهذا ليس عليه دليل خاص، لا في الكتاب، ولا في السنة، وإنما استنبطوا ذلك استنباطاً من بعض الأدلة، مثل: أن المرأة تحد على غير الزوج ثلاثة أيام[4]. فالمصيبة تخف بعد الأيام الثلاثة عادة، وكذلك أيضاً ما يتعلق بالهجر، لا يحل للإنسان أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث[5]، يعني: لحظِّ نفسه، ورخص في الثلاث؛ لأن النفس تبقى محتدمة في هذه الثلاث، وهذا شيء مشاهد، فإذا حصل بين إنسان وآخر خصومة أو نحو ذلك فإن ذلك يَبقى مضطرماً في نفسه، فإذا مضى عليه اليوم الثالث لربما هدأت النفس، وذهب ما فيها، أو كثير مما فيها، وعندئذ لا يعذر بهجره، وهذا من لطف الشارع بالمكلفين، حيث لم يحملهم ما لا يطيقون. فأخذ من هذا كثير من الفقهاء -رحمهم الله- أن العزاء يكون ثلاثة أيام، وهذا فيه نظر؛ وذلك أن العزاء إنما يُقدم لمن أصيب، فإذا كانت المصيبة حارة فإنه يعزى ولو بعد الأيام الثلاثة، وإذا ذهب أثرها في النفس، أو خف فإنه لا يُذكَّر بمصيبته، ولا يقال له: أحسن الله عزاءك، وقد تسلى عنها ونسيها، فهذا أمر لا يليق، فهذا هو ضابط هذه المسألة. فبعض الناس يقول: مضت الأيام الثلاثة، انتهى وقت العزاء، نقول له: ينظر في حال هذا المعزَّى، إذا كان لا يزال في حزنه فإنه يعزى، وإن خفت مصيبته فلا. ومسائل الصبر وأعمال القلوب لا يكفي فيها العلم، بل لابد فيها من المجاهدة، والترويض، ومراقبة الخطرات، وملاحظة النفس في كل حالاتها، ما يكفي العلم، وقد رأينا من يحمل علماً كثيراً وهو من أشد الناس جزعاً عند وقوع المصيبة، رجل ينسب إلى العلم -بل هو في عداد العلماء- يموت ابن له فتتغير حاله شهوراً، ويصير في حالة أشبه فيها بمن فقد صوابه، أو صار بمنزلة الصبي، وكلما دخل عليه داخل أخذ بيده، وجعل يمشي معه في حجرته ليريه كيف سقط ابنه ثم مات، وهكذا، ويكرر ذلك ويعيده، ويأبى أن يطفئ النور الذي في حجرة هذا الابن، ويترك ثيابه معلقة، بل لربما صدر منه بعض الهلاوس، لربما قال: لم يمت فلان؛ لشدة الصدمة، وهذا شيء مشاهد، لربما قالت المرأة عن زوجها: فلان سيرجع، فلان لم يمت، كما قال بعض الصحابة لما صدموا بموت رسول الله ﷺ. والله يقول: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]، يتذكر الإنسان هذه الآية عند المصيبة ويقرؤها، كذلك إذا حصلت المصائب الكبار، والبلايا العظام للأمة، والامتحان والاختبار يتذكر قول الله : وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا[الأحزاب: 22]. ويتذكر أن الضعف، والبكاء، والعويل لا ينفعه بل يضره، ولربما عُذب به هذا الميت، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصبر واليقين، والثبات والسداد في الأمر، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. |
|
|
|
|
|
|
#9 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
حديث «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه..»
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة[1]، رواه البخاري. فهذا الحديث أورده الإمام النووي -رحمه الله- في باب الصبر من كتابه رياض الصالحين، وموطن الشاهد فيه ظاهر، وذلك أن من قُبض صفيه من أهل الدنيا فإن ذلك يستدعي منه صبراً، وإلا فإن ذلك قد يفضي به إلى الجزع، والخروج إلى ما لا ينبغي، وما لا يليق من النياحة، والتسخط على أقدار الله ، وما إلى ذلك. النبي ﷺ يقول في هذا الحديث: يقول الله تعالى..، فهذا من الأحاديث القدسية، فما صدر بمثل هذه الجملة يضيفه النبي ﷺ إلى ربه، أو يقول الراوي: قال رسول الله ﷺ في ما يرويه عن ربه، فيكون ذلك من قبيل الحديث القدسي، وهذه الأحاديث معروفة، وتقارب المائة، منها ما يصح ومنها ما لا يصح، والفرق بينها وبين القرآن -على الأرجح- أن الأحاديث القدسية من كلام الله ، كما أن القرآن من كلام الله -تبارك وتعالى- إلا أنها تفترق عنه بأن القرآن متعبد بتلاوته، وأن القرآن قد تعهد الله بحفظه، وأن القرآن حفظه الله -تبارك وتعالى- من التبديل والتحريف، وهذه الأحاديث القدسية ليست بمعجزة بلفظها، ولا متعبد بتلاوة ألفاظها، ولم يتعهد الله -تبارك وتعالى- بحفظها. يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا المقصود بالصفي أي: من تصافيه، وهو خلاصة الأحباب والأصحاب، الذي يكون بينك وبينه الصفا والود، فهذا إذا قبض لا شك أن المصيبة فيه تعظم، وأن النفس تحزن لفقده، فإذا زَمّ الإنسان نفسه بالصبر في مثل هذا المقام فإن الله قد وعده بالجنة. قال: ثم احتسبه أي: احتسب الأجر على الصبر على فقد هذا الصفي المحبوب، فليس له جزاء إلا الجنة، ولذلك كان السلف يدركون هذا المعنى إدراكاً جيداً، وقد ذكرت في بعض المناسبات طرفاً من أخبارهم، فمن ذلك ما جاء عن ابن مسعود لما دخل عليه بعض أصحابه فرأوا صِبْية عنده وغلاماناً كالدنانير، يعني: بحسنهم، وبهائهم، ونضارتهم، فجعلوا ينظرون إليهم، فقال: "تنظرون إليهم؟ والله إني لأتمنى موتهم" فهذا محمول على احتساب هذا الأجر الموعود به. وكذلك قول عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك: يا بني، والله إني لأحب أن تموت قبلي لأحتسبك، فقال: والله ما بي كراهة لما تحب يا أبت. فكانوا يستشعرون مثل هذه المعاني، ويعرفون أن الأجر عند الله يكون عظيماً، وأنه يبلغ بهذه المصيبة من المنازل العالية الرفيعة ما لا يبلغه بصلاة، ولا صيام، ولا قيام. فأقول: إذا وقع للإنسان شيء من المكروه، ثم احتسب ذلك عند الله فإنه يُرفع بهذا، ويكفر عنه من خطاياه، فالمؤمن في ربح دائم مستمر، والله لا يبتليه ليكسره، وإنما يبتليه ليرفعه. هذا، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
|
|
|
|
|
|
|
#10 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
حديث «كان عذابا يبعثه الله تعالى على من يشاء..»
عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرني أنه: عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد[1]، رواه البخاري. سألت عائشة رسول الله ﷺ عن الطاعون، يعني: ما هو؟ ما نظر الشارع لهذا الوباء الذي يكون ضرره فاشياً عاماً في الناس، هل هو عذاب أو أنه رحمة؟ هل هو خير يقع لأهل الإيمان فيصطفي الله منهم من شاء، أو أنه عقوبة تنزل بسبب الذنوب؟ هي سألت رسول الله ﷺ عن هذا الطاعون، والطاعون مرض معروف -أعاذنا الله وإياكم من كل سوء- وهو يعد من الأمراض الوبائية التي تنتشر وتعدي بإذن الله ، ولا يقع في هذا الكون شيء إلا ما أراده الله -تبارك وتعالى، فهو مرض وَرَميٌّ، من الأمراض الورمية، ويظهر غالباً بشكل بثور تحت الإبط، ويميل ذلك إلى السواد، ويكون فيه شيء من التوهج والحرارة، وترتفع معه حرارة الجسم، ويكون معه خفقان في القلب سريع، فهذا هو الطاعون. وهو نوع خاص من الوباء، إذ إن الوباء هو المرض العام الذي ينتشر كالكوليرا مثلاً أو الجدري، أو غير ذلك من الأمراض التي تنتشر في الناس، فهذه كلها من الأوبئة. وهذا المرض في الأصل يصيب الفئران، ثم تنقله البراغيث من هذه الفئران إلى فئران أخرى، أو تنقله إلى الآدميين عن طريق الدم، فيكون ذلك بسبب نقل هذا البرغوث بإذن الله -تبارك وتعالى- من هذا الفأر، فإذا أصاب الناس ينتشر بعد ذلك فيهم. المقصود أنها سألته عن الطاعون، فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، يعني: من الكفار والعصاة، وهذا يدل دلالة نصية صريحة على أن الله يعذب بالأمراض التي تنتشر في الناس. ويدل على ذلك الحديث الآخر: وما انتشرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا عمتهم الأوجاع والطواعين التي لم تكن في أسلافهم[2]، أو كما قال -صلى الله عليه وسلم. وفي هذا رد على أولائك الذين يكتبون في الطوفان المدمر ويردون على من قال: إنه من عذاب الله ، فيقولون: كيف يقال هذا؟ وهذه مصائب ونكبات طبيعية تحصل لجميع الناس، يستوي فيها الخلق -في هذه الكوارث الطبيعية، ونسوا أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه يرسل عذابه ورجزه على من شاء من عباده، فهم تَرِمُ آنافهم إذا سمعوا مثل هذا الكلام ويغضبون منه، ويشنعون على قائله. فالنبي ﷺ أخبر عائشة –رضي الله عنها- أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، يعني: أن ذلك من عقوبته المعجلة في الدنيا، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فإذا وقع ذلك لأهل الإيمان الذين هم أهل الإيمان بمعنى الذين حققوا الإيمان فإن ذلك يكون رحمة لهم، ومعنى ذلك: أن ما يقع من المكاره للناس فإنه بحسب حالهم، فإذا كان الإنسان مطيعاً وعلى حال من الاستقامة فإن ذلك يكون رحمة وابتلاء ابتلاه الله به ليرفعه، وكذلك ما كان متولداً وناشئاً من أثر الطاعة، كالذي يذهب في الحج فيقع فتنكسر رجله، أو يحج ثم يأتي فيصاب بمرض وحمى وإنفلونزا وما أشبه ذلك، فهذا كله رحمة، يؤجر عليها، فكل ما كان متولداً من الطاعة ناشئاً عنها فإنه رحمة، وأما ما كان متولداً عن المعصية فإنه عذاب، كالذي يفجر ويصاب بالإيدز مثلاً، هذا عذاب معجل له في الدنيا قبل الآخرة، وكذلك من أراد معصية وسلك طريقاً ليعصي الله فصدم أو وقع وانكسر أو نحو ذلك فهذا من عقوبة الله المعجلة له في الدنيا، وأما ما لم يظهر فيه الطاعة أو المعصية وإنما وقع فينظر فيه إلى حال العبد، فإن كان الغالب عليه الطاعة فهو رحمة، وإن كان الغالب عليه الانحراف والشر والتكذيب والكفر فهذا من العذاب. ثم إن الله يرسل العقوبات العامة ثم يبعث الناس بعد ذلك بحسب حالهم، العقوبة إذا نزلت فإنها تأخذ الصالح والطالح، والله قد أخبرنا في كتابه فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116] فينجي الله الذين ينهون عن السوء، وأما الذين يشاركون فيه، أو الذين يسكتون عنه فإن العقوبة تأخذهم جميعاً، ثم يبعثون بعد ذلك بحسب حالهم وعلى نياتهم. قوله: فليس من عبد يقع في الطاعون، أي: أنه يبتلى به ويصاب به، أو يقع في أرض يظهر فيها الطاعون، يقع فيها البلاء والوباء، فيمكث في بلده صابراً محتسباً بهذا الشرط، لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لا يمكن أن يقع شيء إلا بتقدير الله ، فالملك ملكه، والخلق خلقه، ونواصيهم بيده. قوله: محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد، وقد جاء في الحديث الآخر النهي عن الخروج من الأرض التي يقع فيها الطاعون، وإذا كان الإنسان في خارجها فإنه لا يدخل فيها[3]. وذلك أن الإنسان لا يعرض نفسه للبلاء، فإذا وقع في البلاء فعندئذ عليه أن يصبر، وأن يحتسب، والفرار لن ينفعه، وقد قال الله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ [البقرة:243]، حتى قيل: إن هؤلاء هم قوم قد فروا من الطاعون، وهم بالألوف أعداد كثيرة جداً، ولكن الله قال لهم: موتوا، ليروا أنه لا مفر من قدر الله . والله يقول: قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ [الأحزاب:16]، ويقول الله -تبارك وتعالى: قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154]، ويقول: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء:78]، فلا مجال للفرار من الموت، وذلك الفرار لا ينفع، ولكن الإنسان يتخذ الأسباب، فإذا كان في أرض وقع فيها الطاعون فلا يخرج، ولا يمنع ذلك أن يتعالج إن وجد علاجاً، وإذا كان في أرض خارج الطاعون فإنه لا يدخل، من باب طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، ولئلا يعرض نفسه للبلاء من جهة، وكذلك أيضاً من أجل تعاطي الأسباب. وتعرفون ما وقع لعمر حينما سار إلى الشام فبلغه وهو في الطريق أن الوباء قد وقع فيها، فجمع أهل بدر فاستشارهم فاختلفوا عليه مِن قائل: نذهب، ومِن قائل: نرجع، ثم جمع أهل بيعة الرضوان -أهل الشجرة- فاختلفوا عليه، ثم جمع من أسلموا في الفتح -من تأخر إسلامهم- فلم يختلف منهم اثنان، كلهم أشار عليه بالرجوع، وبينما هم كذلك إذ جاء عبد الرحمن بن عوف وكان قد ذهب ليقضي حاجته، غاب في حاجته، فلما رأى ذلك أخبرهم بما سمع من رسول الله ﷺ: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه فقال له أبو عبيدة عامر بن الجراح: أفراراً من قدر الله يا عمر، تفر من قدر الله؟، أبو عبيدة لكمال يقينه وثقته لم يبالِ فقال: أفراراً من قدر الله؟، قال عمر: لو أن غيرك قالها يا أبا عبيدة، يعني: حري بأن تصدر هذه الكلمة من غيرك، لا تصدر منك ومن كان في مقامك، ومثّل له عمر بمثال واضح: لو أنه له غنم أو دواب –بهائم- ووجد مرعيين أحدهما جدب -مجدب- والآخر أرض مخصبة في أيهما ترعى الغنم؟، فقال: في المخصبة، فقال: أفراراً من قدر الله؟[4]. إنك إن رعيتها في الأرض المجدبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها في الأرض المخصبة رعيتها بقدر الله، ومن هذا نأخذ فائدة ومسألة علمية مهمة تتعلق بالقدر، وهي: أن التداوي لا ينافي الرضا والإيمان بالقدر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن موقف المسلم في باب القدر أنه بحسبه، بحسب ذلك الواقع، فما لا يمكن مدافعته فليس هناك سوى الصبر والرضا والتسليم، إذا نزل به الموت فليس أمامه إلا الرضا، إذا مات له قريب أو خسرت تجارته أو غرقت في البحر ليس هناك إلا الرضا، وهناك نوع من القدر يشرع للإنسان مدافعته، مثل لو نزل به المرض فإنه يتداوى تداووا عباد الله[5]. إذا رأى المطر ينهال على زرعه وحرثه فيمكن أن يضع الحواجز ويمنع وصول هذا المطر أو السيل إليه حتى لا تَفسد زروعُه مثلاً، إذا رأى الجرب وقع ببعير من إبله فإنه يعزل هذا البعير، ويداويه، حتى لا ينتشر ذلك الداء والجرب بسائر الإبل، فهذا من باب تعاطي الأسباب، سواء بعد أن وقعت -مما يمكن مدافعته- أو قبل أن تقع كالتطعيم مثلاً، لكي لا يصاب الإنسان بالمرض بإذن الله ، مع أنه إذا وقع له ذلك في قدر الله فلابد أن يحصل. فالمقصود أن النبي ﷺ أخبر أن من كان صابراً محتسباً -بقي في بلده صابراً محتسباً- أما الذي يبكي ويتضجر فإن ذلك لا يحصل له هذا الأجر. ولاحظوا أن النبي ﷺ قال: يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد، ولم يقل: فإذا مات أو إذا أصيب بالطاعون كان له مثل أجر الشهيد، فدل ذلك بظاهره -والله أعلم- على أنه يكون له مثل أجر الشهيد وإن لم يحصل له الطاعون، وإن مات بعد مدة على فراشه بمرض آخر، هذا ظاهر الحديث، وهو الذي فهمه بعض الشراح، ومنهم الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى. فالمقصود أن الإنسان يحتسب ذلك فيحصل له مثل هذا الأجر والثواب، والمقصود بالشهادة هنا هي أنه يحصل له أجر الشهيد بأحكام الآخرة، وليس ذلك بحسب الدنيا، فإن الشهيد في الدنيا كما هو معلوم لا يغسل، ويكفن بثيابه، واختلفوا في الصلاة عليه، أما من أصيب في الطاعون، ومن قال فيه النبي ﷺ: إنه شهيد، كالغريق والحريق ومن مات بالهدم، ونحو ذلك فإنه تجرى عليه أحكام الشهيد في الآخرة، ويبلغ منازل الشهداء، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
|
|
|
|
|
|
|
#11 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
حديث «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه..»
عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة، يريد عينيه[1]، رواه البخاري. هذا الحديث من جملة الأحاديث القدسية، وقد أشرت إلى بعض ما يتعلق بها في مجلس مضى قريباً، النبي ﷺ يخبر عن ربه -تبارك وتعالى- عظم الجزاء لمن وقع له عظيم البلاء في هذه الأحاديث، فهذا الذي يصبر في حال الطاعون، ولا شك أنه مصيبة يكفي سماعه لتضطرب كثير من النفوس، فكيف بالصبر عند مواجهته؟ فيكون له أجر شهيد، وكذلك من قبض صفيه من أهل الدنيا، وهو من يصافيه، -من أحب الناس إليه- فلا تسأل عن وحشته وحسرته على فقده، فمثل هذا إذا احتسبه ليس له جزاء إلا الجنة. وهكذا في مثل هذا الحديث، إذا فقد الإنسان حبيبتيه وهما عيناه، وذلك أن الإنسان إذا فقد نعمة البصر فاته كثير من نعيم الدنيا، فإن كثيراً من النعيم إنما يدرك بحاسة البصر، وأما من فقد ذلك فإنه لا يميز بين حسن وقبيح، وليس له في نزهة مطلب، ولا يتمتع كما يتمتع غيره في الدور الفارهة، والمناظر الجميلة، والزوجات الحسان، وما إلى ذلك مما يتنافس عليه المتنافسون في دنياهم، بل لربما تكاثروا بالأموال من أجل تحصيل تلك المطلوبات التي يجدون فيها متعة بتسريح أنظارهم فيها، من زوجة حسناء، أو دار واسعة جميلة، يُزوّقون جدرانها وسقفها، ويزينونها بألوان الزينات، إلى غير ذلك من ألوان الأثاث، فهذا الإنسان الذي فقد بصره لو وضعته في مكان مظلم، ولو وضعته على أثاث لا منظر له، ولا وجه من وجوه الحسن لو أنك زوجته بأقبح نساء الدنيا من حيث الصورة فإن ذلك لا يفترق بالنسبة إليه، فكم فقد هذا الإنسان من النعيم، فضلاً عن الافتقار إلى الناس في كل شأن من شئونه، يفتقر إليهم في حاجته الخاصة، وما إلى ذلك ثم هو يشعر بالترقب الدائم، ولماذا شرع الاستئذان؟، من أجل أن يطمئن الناس في بيوتهم، فتستكين نفوسهم، وتستقر وتهدأ، فلا يبقى الإنسان في حال ترقب دائم يرهق نفسه، ويتآكل في داخله، ويجلس بهيئة معينة، ويلبس متهيئاً للقاء كل أحد في كل لحظة، ولكن هذا الإنسان الذي لا يبصر هو يتوقع أن الأنظار تنظر إليه، وأن الداخل يدخل عليه في كل لحظة وهو لا يراه، بل لربما لا يأمن نظر الناظرين وهو في أخص حالاته مع أهله في خلائه أو في غير ذلك، دعك مما يقع له من ألوان الحرج بسبب أنه لا يرى، فيضطر إلى كثير من الأمور التي ترهق نفسه. فالمقصود أن فقد البصر أمر لا يستطيع الإنسان أن يتصوره إلا إذا وقع له وجربه، وانظر إلى حال الناس إذا انطفأت عليهم الكهرباء فجأة في الليلة كيف تكون حالهم من التخبط في الظلام، ويرون أن الأوقات تمضي عليهم من غير طائل، لا يستطيعون فيها القيام بعمل شيء من مصالحهم الدنيوية، أو طلب العلم، أو غير ذلك، بينما هذا الذي فقد بصره هو هكذا في كل أحواله. فالمقصود أن مصيبته عظيمة فعَظُم الجزاء عليها، قال: فصبر عوضته منهما الجنة، فلا يضيع على الإنسان شيء، كما ورد في أول هذا الباب: عجباً لأمر المؤمن..[2]. أضف إلى ذلك ما يعوضه الله فيه في هذه الدنيا مما هو مشاهد من السلوة، فإن عامة من يفقد بصره يورثه الله من الانبساط ما لا يوجد عند غيره، هذا أمر مشاهد، ثم إن فقد هذا البصر ينعكس على البصيرة، فيعوضه الله من البصيرة، والفهم الثاقب، والحافظة القوية ما لا يوجد عند كثير من الناس، وذلك أن المشوشات التي تسبب خلخلة في ذهن الإنسان غير موجودة بالنسبة لهذا الإنسان غالباً، لأن عامتها يكون بسبب المشاهد التي يراها، فتنطبع في ذهنه فتشغله، فهو يعيد النظر فيها مرة بعد مرة، ويفكر فيها إلى غير ذلك، وأما هذا فإنه لا يحصل له شيء من ذلك، فيكون عنده من قوة الإدراك والحافظة، والتمييز ما لا يوجد عند كثير من الناس، ولذلك لو سألت كثيراً ممن فقدوا أبصارهم فإنك تجد عنده من الحس المرهف الذي يميز به بين كثير من الأشياء، ويميز بين الناس بالأصوات، ويميز بينهم حتى في قبضة اليد، والملامسة، ولو بعد سنين، ويستطيع في الغالب أن يحدد عمر الإنسان الذي يتحدث معه لأول مرة، إذا سئل كم عمر فلان؟ فيأتي بالعمر، لربما زاد سنة، أو نقص سنة، ولربما أعطاه الله المزيد، فيدرك الألوان في الجملة، يدرك أن هذا الإنسان يلبس ثوباً فاقعاً، أو شديد الحمرة، أو نحو ذلك، وقد سألت بعض هؤلاء فأخبرني بذلك، رأيت بعضهم يشتري أغلى الأثاث والحقائب وأموراً من هذا القبيل، فسألته قلت: ما شأنك بهذه الأشياء، حقيبة دبلوماسية بخمسة وعشرين ألف ريال، ما شأنك بهذه الأشياء؟ هل تدرك؟ قال: نعم يوجد عندي إدراك، بعضهم لما أراد أن يتزوج كان يشترط شروطاً من طول المرأة، طول قامتها إلى آخره، فقلت: يستوي عندك السوداء كالليل، والبيضاء كالكافور، فقال لا، أدرك في الجملة، أدرك أن الذي أمامي طويل، أو قصير، أو متوسط القامة، أدرك هذه الأشياء، وأدرك لوناً من الجمال، وإن لم يكن كالمبصرين بطبيعة الحال، هذا شيء مشاهد، وبعضهم قد يستغني عن القائد، فيذهب، ويجيء، ويعمل، بل لربما عمل في الأعمال الدقيقة لنفسه ولغيره، ويقوم بأمور لا يقوم بها المبصرون، بل لربما أدرك أن بالحضرة أحداً، أن بحضرته بالمجلس هنا أحداً، من الموجود هنا؟ من الذي دخل؟ من الذي جالس؟ لربما من الأنفاس أو شيء آخر الله أعلم. فالمقصود أن الله يعوض هؤلاء في الدنيا، ومن صبر عوضه الله الجنة في الآخرة، فالإنسان إذا أصلح التفكير فإنه لا يبتئس، هي مصيبة عظيمة تحصل، ولكن إذا أصلح تفكيره أدرك أن الله أخذ منه شيئاً وأعطاه أشياء وعوضه، وأبقى أيضاً له أشياء، أضف إلى ذلك أنه يستريح من كثير من الحساب، ويستريح من كثير من العناء؛ لأن أكثر ما يورط الناس بالموبقات إنما هو البصر، ينظر ثم يجره هذا النظر إلى أمور أخرى، فيقع فيما لا يحمد عقباه، أما هذا فقد استراح، فكثير من فتنة الدنيا لا يقع له، فإذا نظر الإنسان إلى هذا واعتبره هانت عليه مصيبته، أضف إلى ذلك ما يحصل له من الأجر العظيم. هذا، وأسأل الله أن يلطف بنا جميعاً، وأن يجعل السمع والبصر هو الوارث منا، وأن يسددنا ويثبتنا بالقول الثابت، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد.
|
|
|
|
|
|
|
#12 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
حديث «إن شئت صبرت ولك الجنة..» (1-2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فتحدثنا عن شيء من ترجمة عطاء بن أبي رباح -رحمه الله، وهو الذي قال: قال لي ابن عباس -رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟، فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء. وهذا يؤخذ منه أن الشهادة لأحد بالجنة أو بالنار، أو بالنجاة أو الهلاك الأخروي يصح فيما شهد له الشارع، بمعنى: أن النبي ﷺ خير تلك المرأة بأن تصبر وأن يكون لها الجنة كما سيأتي، أو أن يدعو لها فلا تصرع، فاختارت الصبر، فدل ذلك على أنها اختارت الجنة، وأنها موعودة بذلك على لسان الشارع، فهذا يدل على أنه يجوز أن يُشهد للمعين بالجنة أو بالنار إذا كان الشارع قد شهد له بهذا. وما عداه هل يجوز أن يُشهد لأحد معين بجنة أو بنار؟ بالنسبة للشهادة للإنسان بالجنة يُرجى للمحسن الخير والأجر والثواب وحسن العاقبة، ويُخاف على المسيء، ولكن الشهادة بذلك والقطع به عامة أهل العلم يقولون بأنه لا يُشهد إلا لمن شهد الله تعالى له، أو رسوله ﷺ كالعشرة المبشرين بالجنة، ومن كان في حكمهم ممن شهد له الشارع، وقال بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: إنه يصح أن يشهد لمن استفاضت خيريته في الأمة، وتواتر ذلك عندهم، بمعنى: أنه عرف على لسان الأمة بالصلاح والفضل والخير، ولو لم يشهد له الشارع، كعمر بن عبد العزيز -رحمه الله- مثلاً، فمثل هذا قد يقول قائل: نستطيع أن نشهد لمثله بالجنة بعينه. ومن الصعوبة بمكان أن تشهد لمعين بأنه في النار، وقد قال النبي ﷺ حيثما مررتَ بقبر مشرك فبشره بالنار[1]، ونحن لا نشك في أن كل من مات على الكفر أنه من أهل النار، لكن العلماء يقولون: إننا لا ندري حينما مات هذا الإنسان هل ختم له بالكفر أو أنه أسلم واهتدى قبل موته؟ وبالتالي فالشهادة عليه بالنار فيها هذا التردد والحرج، ومن أهل العلم من أخذ من عموم الحديث: حيثما مررتَ بقبر مشرك فبشره بالنار، فقال هذه شهادة لمعين، هذا قبر كافر. هذا فيما علمنا أنه قد مات على الكفر، أما في الحياة فقطعاً لا نستطيع أن نشهد له بالنار، ولا نستطيع أن نقول: إن فلاناً من الكفار من أهل النار؛ لأنه قد يسلم، لا على أن ذلك من تصحيح مذهبه أو الشك في كفره، أو أن هذا الإنسان على هدى، أو أنه مؤمن، فهو كافر، وإن مات على ما هو عليه فهو من حطب جهنم، لكننا لا ندري هل يختم له بالكفر، أو أن الله يفتح على قلبه فيهديه إلى الإسلام كما أسلم كثيرون ممن حاربوا النبي ﷺ وفعلوا ألوان الموبقات، وقتلوا أصحاب النبي ﷺ، ومع ذلك هداهم الله إلى الإسلام فأسلموا، فالمسألة ينظر إليها بهذا النظر في الحكم على المعين، وإلا فإن أهل الإيمان ناجون عند الله ، هذه الأمة المرحومة بطوائفها الثلاث، ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: 32] منهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد وهو الذي يفعل الواجبات ويترك المحرمات فقط، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، قد يحصل لهم تعذيب، ولكن عاقبتهم إلى الجنة، هذا في الجملة. كذلك أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، فإن النبي ﷺ قال لعمر في أهل بدر: أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم[2]، وكذلك أهل بيعة الرضوان، كما قال الله : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] رضِيَ عنهم، وإذا رضي الله عن عباده فإنه يسكنهم دار كرامته ورحمته وهي الجنة. فالمقصود أن ابن عباس –رضي الله عنهما- أراه هذه المرأة، امرأة من أهل الجنة، وليس ذلك من التزكية المذمومة؛ لأن ذلك كان بتزكية الشارع، الله يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً [النساء: 49]، ويقول عن أولائك الأعراب: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14]، ويقول: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ [النجم:32]، فالتزكية للنفس أمر مذموم، إلا في حالات قليلة يُحتاج معها إلى ذلك. قال: فقلت: بلى، وهذا أمر لا غرابة فيه، أن الإنسان يريد أن يرى إنساناً من أهل الجنة يمشي على الأرض، ليتخلق بأخلاقه، ويستن بسنته، ويعمل بعمله، ويقتدي به. فقال: هذه المرأة السوداء، لاحظوا هذه المرأة قد لا يعبأ بها، امرأة غير معروفة حتى إنه لم يسمها باسمها، ولم تعرف بكثير صيام ولا صلاة، ولا بإنجازات عظيمة، وخدمات هائلة لهذا الدين وأهله، إنما هو على شيء واحد يختص بها، وهو صبرها على بلاء نزل بها، ليس ثمّة عمل من صلاة وصيام ومسابقة بالخيرات وبذل للملايين ونصرة للدين، نحن نفهم عثمان بن عفان قال النبي ﷺ: من يجهز جيش العسرة؟، فقام مرة وثانية وثالثة، حتى قال النبي ﷺ: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم[3]، فقد قام بأعمال كبيرة جداً. وأبو بكر قام بأعمال كبيرة جداً، أسلم على يده جمع من المبشرين بالجنة فضلاً عن غيرهم، قال رسول الله ﷺ:ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن صاحبكم خليل الله[4]. فهناك أناس لهم أعمال جليلة، لكن هذه المرأة لم يعرف لها عمل كبير، وبهذا نعرف أن الجنة أبواب، وأن طرق الخير كثيرة جداً لا تنحصر، فقد يكون بابك الذي تدخل منه الجنة هو بلاء ابتليت به فصبرت عليه، مع أنك لم تكن صواماً قواماً، وهذا من لطف الله -تبارك وتعالى- بهذه الأمة، فالناجون كثير، وقد تنوعت أسباب نجاتهم. قال: هذه المرأة السوداء، المقاييس ليست بالألوان، السواد لون من الألوان، لا فضل لأحمر على أصفر، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، بلال كان أسود البشرة، لكنه خير من أبي لهب ابن عم النبي ﷺ القرشي، وخير من أمية بن خلف، وخير من هؤلاء الكبراء العظماء الذين هم من حطب جهنم. فليس المقياس عندنا هو قضية اللون، أو النسب، أو ما يدخره الإنسان في أرصدة من الملايين أو المليارات، أو ما يلبسه من الثياب، أو جمال الهيئة وحسن البشرة، أو صحة الجسم أو نحو ذلك، فالعبرة بصلاح قلب الإنسان، وصلاح عمله، وصلاح حاله، وسلوكه إلى الله طريق النجاة. فهذه المرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، والصرع معروف هو اعتلال يصيب الإنسان تارة بسبب أورام في الدماغ، وتارة يكون بسبب أبخرة تتصاعد إلى الرأس -إلى الدماغ، وتارة يكون ذلك بسبب مس الجن والشياطين، كما قال الله عن المرابين: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: 275]، والتخبط هو الضرب على غير استواء. والأمر الذي أقلق هذه المرأة لا يبدو أنه مجرد الصرع، قالت: وإني أتكشف، وهذا يدل على وفور التقوى في قلبها مع أنها غير مؤاخذة، فهي حينما تصرع تضطرب في حركتها اضطراباً شديداً، ولربما احتاجت إلى من يضبطها حتى لا تؤذي نفسها، كما هو مشاهد، لكن الأمر الذي أرقها أنها تتكشف، والمرأة محلها الستر، فأين هذه المرأة عن أولائك النسوة اللاتي يتكشفن عن قصد وتعمد؟ تظهر أجزاء كبيرة من جسدها في مناسبة وغير مناسبة. بل أين هذا من أولائك النسوة اللاتي تضع الواحدة منهن ثيابها في غير بيت زوجها؟ لربما في مواضع كما يقال: الحمامات النسائية، حمامات البخار، وهي مواضع تضع فيها المرأة ثيابها في غير بيت زوجها، وقد قال النبي ﷺ: أيُّما امرأةٍ وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ما بينها وبين الله[5]، مواطن الرِّيَب تأتي عند الكوافير البنت تريد أن تتزوج -لربما ما رأتها الشمس- وتكشف عن عورتها المغلظة، من أجل التجمل والتزين، هل هذا يعقل؟ ولولا أن ذلك قد تواتر لا يصدق به أحد، الرجل يستحي أن تُرى ساقه، فكيف بالمرأة التي محلها الحياء والحشمة؟ نقف عند هذا الموضع، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| باب التوبة_رياض الصالحين (شرح الشيخ خالد السبت) | امانى يسرى محمد | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 5 | 05-01-2026 08:54 PM |
| الدرس 168 شرح رياض الصالحين . شرح حديث ان النبي اذا خطب احمرت عيناه | ابو عبد الرحمن | قسم فضيلة الشيخ احمد رزوق حفظه الله | 4 | 02-02-2013 11:29 AM |
| الدرس 164 شرح رياض الصالحين و شرح حديث رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر الأسود | ابو عبد الرحمن | قسم فضيلة الشيخ احمد رزوق حفظه الله | 3 | 02-02-2013 11:20 AM |
| الدرس 166 من شرح رياض الصالحين شرح باب النهي عن البدع و محدثات الأمور | ابو عبد الرحمن | قسم فضيلة الشيخ احمد رزوق حفظه الله | 1 | 05-15-2012 11:20 AM |
| تسجيلات شرح كتاب رياض الصالحين الشيخ // أحمد رزوق حفظة الله | ابو عبد الله | قسم غرفة أحبة القرآن الصوتية | 1 | 03-24-2012 06:25 PM |
|
|