![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#31 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
الحديث (34) «من رأى منكم منكرًا فليغيره...»
عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، نص على وجوب إنكار المنكر، والمنكر ضد المعروف، وهو كل ما يستقبحه الشرع ويحرمه؛ لفساده وضرره من كل المعتقدات والأقوال والأفعال والأحوال. وقد أمر الله بتغيير المنكر في قوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]. فكون فئة من الناس هي الآمرة والناهية، فيه دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وإذا كثر المنكر وترك الناس النهي؛ فسد المجتمع، فالمجتمع كسفينة يركب فيها الجميع، ولا ينبغي السماح للمفسدين أن يخربوها؛ وإلا سيغرق الجميع، ويوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده؛ الصالح والطالح؛ قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- إنكار المنكر باليد واللسان وضوابطه: قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه»، دلالة الحديث فيها وجوب إنكار المنكر على كل فرد، فهو بهذا فرض عين، لإرادة النصح للمسلمين، ولكن لا يتعيَّن إلا بشروط وضوابط ذكرها أهل العلم؛ ومنها: العلم: فقبل إنكار المنكر لا بد من العلم أنه منكر، حتى لا ينكر ما هو معروف أو يأمر بما هو منكر، فيشبه المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ [التوبة: 67]، فالعلماء ليسوا كغيرهم لعلمهم بالمنكر، ومن اشتبه عليه الأمر فليسأل العلماء قبل الإنكار. والمنكر الذي ينكر هو البارز الظاهر وليس بالبحث عنه والتجسس على الناس، وأن يكون مجمعًا عليه وليس مختلفًا فيه؛ إذ المعلوم عند العلماء أنه: لا إنكار في مسائل الخلاف. القدرة: أي إن الشخص يكون قادرًا على إزالة المنكر دون أن يترتب على هذه الإزالة ضرر أكبر؛ كمن له سلطة أو وجاهة. فالدولة بأجهزتها لها القدرة أكثر من غيرها، ووجهاء وأعيان البلد لهم القدرة أكثر من غيرهم، والمسؤول عن قطاع معين له القدرة على موظفيه أكثر من غيره، والأب له القدرة على زوجته وأبنائه أكثر من غيره، وهكذا. وفي الأثر عن بعض السلف: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"؛ أي: يمنع بالسلطان من اقتراف المحارم أكثر مما يمنع بالقرآن؛ لأن بعض الناس ضعيف الإيمان. فإذا وجد الشرطي مثلًا طبق قانون السير والمرور، لكن إن لم يجده، خرق القانون. اختيار أحسن الطرق والوقت المناسب والصبر: لقوله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]. ومراعاة الرفق في الإنكار وترك الفظاظة والغلظة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»[2]، فالذين يفقدون الحكمة، والرفق، واختيار أنسب العبارات، وإنزال الناس منازلهم، يفسدون أكثر مما يصلحون، ثم لا بد من الصبر والحلم على رد فعل المدعو، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأسوة في الصبر على أذى المشركين؛ قال بعض السلف: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه»[3]. * ألا يفضي تغيير المنكر إلى منكر أو فوضى أكبر منه: كمن يُجوِّز الخروج على السلطان بدعوى ارتكابه بعض المعاصي، فإن الخروج عليه غير جائز، وسيترتب عليها فوضى أعم تأتي على الأخضر واليابس، والواقع خير شاهد على هذا. وإذا كنت تعرف أن النكير على شاربي الخمر سيفضي إلى القتال وإزهاق الأرواح، تترك هذا النهي حتى لا يترتب عليه مفسدة أكبر، وهذا من القواعد الشرعية. وهذا ابن تيمية رحمه الله قال: "مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم"[4]. هكذا كان فقه علمائنا – أيها الإخوة المؤمنون- فاجتهدوا في التفقه في الحلال والحرام، ومعرفة الخير؛ لتعملوا وتأمروا به، ومعرفة الشر لتحذروه وتحذروا منه. فاللهم فقهنا في ديننا، وبصرنا بما ينفعنا وما يضرنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 2- إنكار المنكر بالقلب فرض عين على الجميع: إذا كان المنكر باليد واللسان يحتاج إلى قدرة واستطاعة، فإن الإنكار بالقلب في مقدور كل أحد، ولا يترتب عليه رد فعل من المنكر عليه، فالقلوب لا يَطَّلِع عليها إلا الله. ولأنه أدنى مراتب الإنكار، وقليل الأثر والفاعلية، عُدَّ من أضعف الإيمان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفائدة الإنكار بالقلب عدم تطبيع النفس مع المنكر، فالمطبع مع المنكر يألفه ولا ينكره ويتحوَّل عنده إلى معروف بالتدرج، ثم إن من أدمن إنكار المنكرات بقلبه يحمله ذلك على التدرُّج إلى مرتبتي الإنكار باليد واللسان حال توفر الاستطاعة، فضلًا عن وقاية نفسه من الانغماس فيه. قال صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء (أي: نقطة)، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَدًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا (أي: إناء معكوس)، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه»[5]. فمن أنكر الفتن والمنكرات ولم يستجب لها، ترك في قلبه نقطة بيضاء حتى يصبح أبيض، ومن لم ينكر المنكرات ويتطبع معها يسودّ قلبه، وتنقلب عنده الموازين؛ فيصبح عنده المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فلا يعرف من المعروف إلا ما وافق هواه. فاللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، وارزقنا صفاءً في القلب. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 49. [2] رواه مسلم، رقم 2594. [3] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية، ص 21. [4] أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم: 3/13. [5] رواه مسلم، رقم 231. |
|
|
|
|
|
|
#32 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
الحديث (35) «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا...»
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبِعْ بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» [1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وعظيم النفع، حثَّ على الأخوة الإيمانية وحذر من كل ما يناقضها؛ كالحسد والخداع والتباغض والتدابر والاحتقار وغيرها، وحرم دم المسلم وماله وعرضه. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الحث على الأخوة الإيمانية:لقوله صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم». وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. فالرباط الذي يجمع المؤمنين رغم اختلاف أوطانهم ولغاتهم وألوانهم وأعراقهم وأجناسهم وقبائلهم، هو رباط العقيدة والإيمان، وهي أقوى الروابط كلها وتقدم عليها عند التعارض. كما تبرَّأ إبراهيم عليه السلام من أبيه لما كفر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 114]. وعجيب أن نرى في واقعنا غياب اللحمة والتعاون والتآزر والتآخي بين المسلمين؛ بل أصبحت العصبية لروابط أخرى؛ كاللون واللغة والقبلية والوطن، وتهميش الرابطة الدينية. وما ذاك إلا لعدم الأخذ بأسباب تقوية هذه الرابطة والقيام بحقوقها، وهو موضوع الفائدة الثانية. 2- حقوق الأخوة الإيمانية والأخذ بأسباب تنميتها:ومما ذكر في الحديث من الحقوق والأسباب ما يلي: تجنب الحسد:لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا». فحينما تتمنَّى زوال النعمة التي أنعم الله بها على أخيك، حسدًا من عند نفسك، وتكون هذه النعمة إليك أو إلى غيرك، فأنت بهذا تعترض على قسمة الله، وتقضي على الرابطة الإيمانية بينك وبينه. وتأملوا- إخواني- حسد إخوة يوسف عليه السلام له وما آل إليه أمرهم، كما قصَّ الله علينا في سورة يوسف. وتأملوا الحسد الذي أدى إلى قتل قابيل لهابيل ابني آدم عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27]. فاجتهدوا في أن تحبوا لإخوانكم مثل ما تحبون لأنفسكم تجلبوا المودة والمحبة بينكم. تجنب النجش: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تناجشوا». والنجش هو الذي يمكر ويحتال ويخادع أخاه عمومًا وفي البيع خصوصًا. وعند الفقهاء هو الذي يزيد في السعر رغم أنه لا نية له في شراء السلعة، فيتضرر المشتري بذلك؛ لأنه اشترى بغير الثمن الحقيقي. فعلينا التزام الصفاء والوضوح في معاملاتنا، وألا نغش إخواننا أو نأكل أموالهم بالباطل. تجنب التباغض: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تباغضوا». فكل ما ينشر التباغض بين المسلمين وجب تركه، فالغيبة والنميمة والظلم والغش والخداع والتجسس وغيرها تنشر الحقد بين المسلمين. وبالمقابل، كل ما ينشر المحبة والأُلْفة بينهم؛ كالإصلاح بين المتخاصمين والهدية وإفشاء السلام وجب القيام به. والأدلة على ما ذكرنا معلومة. تجنب التدابر: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تدابروا». فإذا تحدثت مع شخص وأهملتما الثالث وهو معكما، فإن هذا نوع من التدابر، والذي يهجر أخاه ولا يكلمه نوع من التدابر، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» [2]. تجنب البيع على بيع أخيك المؤمن: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يبِعْ بعضُكم على بيع بعض». فإذا عرفت أن أخيك المسلم مثلًا باع شيئًا بثمن محدد للمشتري، ثم تقول للبائع: أنا أزيدك فافسخ البيع معه؛ فهذا نوع من الإيذاء لأخيك المشتري. أو تقول للمشتري: ثمن ما اشتريت مرتفع فافسخ العقد وأنا أبيعك بثمن أقل. وهذا كله من صور الضرر التي لا تجوز. تجنب ظلم أخيك المسلم: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يظلمه». فالظلم يجعل المظلوم يحس بالاحتقار؛ مما يفتح الباب للحقد على الظالم والدعاء عليه، ودعاء المظلوم مستجاب. تجنب خذلان أخيك المسلم: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يخذله». فإذا احتاج أخوك المسلم إلى نصرته فلا تخذله، فنكوص الأمة عن نصرة إخوانهم في فلسطين نوع من الخذلان، وأي خذلان! والذي ينتظر أن تؤدي الشهادة بصدق ثم تشهد الزور في حقه نوع من الخذلان، والعياذ بالله. تجنب احتقار أخيك المسلم: فالاستهزاء وعيب أخيك المسلم في خلقته مثلًا أو احتقار نسبه أو قبيلته، فتح لباب العصبية والشر؛ ولذلك قالصلى الله عليه وسلم: «ولا يحقره، التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم». من المستفادات كذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» ما يلي: تجنب الاعتداء على نفسه: فلا يحل قتل المسلم بغير وجه حق؛ لأن حفظ الأنفس من الكليات الشرعية التي أمرنا بالحفاظ عليها، ضمانًا لحقها في الحياة. كما يحرم الاعتداء عليه بالضرب أو التعذيب أو الترويع أو التخويف. وشرع الإسلام القصاص لضمان هذا الحق، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]. تجنب الاعتداء على ماله: فلا يحل الاعتداء على أمواله بالسرقة والنهب، أو أكل أمواله بالباطل عن طريق الغش، أو الرشوة، أو الربا، وغيرها من الطرق المحرمة. وحفظ المال من الكليات الشرعية التي أمرنا بالحفاظ عليها، بعدم ضياعه وتبذيره فيما لا ينفع، وبذله في الوجوه المشروعة. ولأجل الحفاظ على المال شرع الإسلام حَدَّ السرقة، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 38]. تجنب الاعتداء على عرضه: فلا يحل الاعتداء والطعن في شرف المسلم وسمعته وكرامته؛ كأن تقذف وتتهم المؤمنة بالزنا دون بيِّنة؛ ولذلك شرع الإسلام حَدَّ القذف لصيانة الأعراض، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]. والغيبة والنميمة وسوء الظن نوع من الاعتداء على عرض أخيك المسلم. فأحسنوا الظن بإخوانكم، ولتسلم ألسنتكم من لحومهم. عباد الله،إن اجتناب ما سبق ذكره في هذه الخطبة من حسد ونجش وتباغض وتدابر وبيع على بيع أخيك، وتجنب ظلمه وخذلانه واحتقاره، وتجنب الاعتداء على دمه وماله وعرضه، كما أخبر الصادقصلى الله عليه وسلم، لهو كفيل ببناء الأخوة الإيمانية وبناء مجتمع متراحم متعاون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فاللهم اجعلنا إخوةً متحابِّين، وجنِّبْنا أسباب الشقاق والنفور. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 2564. [2] رواه البخاري، رقم: 6237 |
|
|
|
|
|
|
#33 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
الحديث 36: «من نفَّس عن مؤمن كربةً...»
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفَّس عن مؤمن كُرْبةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كُرْبةً من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عملُه، لم يُسْرِع به نسبه»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، جامع لأنواع العلوم والقواعد والآداب، كما قال الإمام النووي عليه رحمة الله في شرحه لصحيح مسلم[2]: وفيه الترغيب بحقوق الأخوة الإيمانية، والاهتمام والعناية بطلب العلم وقراءة القرآن. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: الحث على الأخوة الإيمانية والترغيب فيها: ومنها في هذا الحديث: تنفيس كربة أخيك المؤمن: لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفَّس عن مؤمن كُرْبةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كُرْبةً من كُرَب يوم القيامة». والكُرْبة هي الضائقة والأزمة التي يمرُّ منها المسلم أو المسلمة. فمن حرص على المساعدة المادية لإخوانه في غزة بفلسطين في محنتهم هذه الأيام، لشراء ما يحتاجون إليه من طعام، ودواء، وغيرها، وتقديم ما يستطيع من العون بحسب طاقته، لهو من أعظم التنفيس عن الكُرْبة التي يعيشونها ويفرضها المحتل الذي فقد كل معاني الإنسانية. ومثله من يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة ولا يملك مالًا أو شفاعةً لإجرائها، فساهمت من مالك أو توسَّطْت له للنظر في حالته المستعجلة فهذا تنفيس للكربة. ويتعدَّى تنفيس الكرب الجانب المادي إلى الجانب المعنوي والنفسي، فقد لا تملك حلًّا لمشاكل إخوانك، ولكنك تملك التخفيف عنهم بالكلمة الطيبة التي تدخل السرور عليهم، وترفع معنوياتهم، وتساعدهم في اتخاذ القرار، وتواسيهم بالحضور، وغيرها. وليبشر من يفعل هذا في الدنيا بأن ينفس الله عنه كُرْبةً من كُرَب يوم القيامة، ومهما تكن من كُرْبة في الدنيا فلا تداني كُرَب ذلك اليوم. التيسير على المعسر:لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة». ولنعطي مثالًا في مجال الديون، فقد تكون ميسورًا تقرض إخوانك قرضًا حسنًا، فأنت بهذا نفَّست كُرْبةً من كُرَب الدنيا- كما رأينا- ثم إذا كان هذا المقترض معسرًا، حضر الأجل ولم يستطع الوفاء، فزدته في الأجل دون رِبًا، أو وضعت عنه شطرًا من قيمة الدَّيْن، أو وضعته كله، فأنت بهذا يسَّرت على أخيك؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]، فأبشر بالتيسير عليك في الدنيا والآخرة. ستر أخيك المؤمن: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة». الكمال لله وحده، وكلنا نخطئ، ومن حقوق أخيك إذا رأيته في معصية ألَّا تُعين الشيطان عليه بالتشهير والتشنيع، بل استر عليه ما دام يستخفي بمعصيته ولم يستعلن بها، وانصحه سرًّا بينك وبينه، عسى أن يرحمَه ربُّه ويمنَّ عليه بالتوبة النصوح، فلا يُعيَّر بعدها بالذنب القديم، ومن منهج النبيصلى الله عليه وسلم: "إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟"[3]. وكم ستر الله علينا ولم يفضحنا. قال ابن القيم رحمه الله في نونيته: وهو الحيي فليس يفضح عبده ![]() عند التجاهر منه بالعصيان ![]() لكنه يلقي عليه ستره ![]() فهو الستير وصاحب الغفران ![]() فأبشر يا من هذا خلقه بستر الله عليك في الدنيا والآخرة. عون أخيك المؤمن:لقولهصلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ومن أمثلته ما رأيناه في الحديث السادس والعشرين من الأربعين، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «... ويُعين الرجل على دابَّتِه فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة...»[4]. فإذا أعنت رجلًا على ركوب سيارته، أو أعنته على رفع متاعه وغيرها من أوجه التعاون، فأبشر بمعونة الله لك في جميع أمورك. من المستفادات في هذا الحديث: الترغيب في طلب العلم: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة». والعلم المقصود هو العلم الموصِّل إلى معرفة الله والإيمان به واتِّباع شريعته، وكثير ممن له شواهد مرموقة في تخصُّصات شتى، تجده ملحدًا، أو لا يصلي، أو لا يتورَّع عن منكر، بل يسخر علمه في المكر والخداع. فهذا علمه لا ينفعه، فالعلم الموصل إلى الجنة هو العلم المقرون بالعمل المورث للخشية، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]. الأعمال هي التي تنفع يوم القيامة: لقولهصلى الله عليه وسلم: «ومن بَطَّأ به عَمَلُه، لم يُسْرِع به نَسَبُه». فالذي ينفع العبد يوم القيامة هو العمل والقلب السليم، قال تعالى:﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]. وقالصلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله»[5]. فالنَّسَب لا يغني عن العمل، فلنحذر- إخواني- من الغرور، الاغترار بالمال أو النَّسَب أو القبيلة وغيرها مما يتفاخر الناس به في الدنيا، فكلها إلى زوال، ولا يثبت إلا العمل الصالح، فغدًا يقول من أوتي كتابه بشماله: ﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ [الحاقة: 25 - 29]. فاغتنموا أوقاتكم في تقديم ما ينفعكم بين يدي ربكم. فاللهم إنا نسألك العلم النافع والزيادة منه، واجعلنا من أهل القرآن، ونسألك العمل الصالح. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 2699. [2] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 17/21. [3] صحيح أبي داود، رقم: 4788. [4] رواه البخاري، رقم: 2989. ومسلم، رقم: 1009. [5] رواه البخاري، رقم: 2989. ومسلم، رقم: 1009. |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الفوائد منتقاة من سلسلة شرح القواعد الفقهية الخمس الكبرى | حارس السنة | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 10 | 12-28-2018 03:01 PM |
| دورة شرح الأربعين النووية | تائبة إلى ربي | قسم غرفة أحبة القرآن الصوتية | 13 | 06-18-2012 08:56 PM |
| الدرس الرابع في سلسلة شرح الأصول الجامعة | Abujebreel | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 4 | 04-23-2012 03:39 PM |
| الدرس ال 163 من سلسلة شرح رياض الصالحين | Abujebreel | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 1 | 04-10-2012 06:09 PM |
| انتبه فقد بلغت الأربعين | جندالاسلام | ۩۩ مكتبة الصحة والحياة ۩۩ | 1 | 12-06-2011 09:55 AM |
|
|