الأشياءُ التي نحبّها.. نحِب سماعَها من غيرنا.. من الأصدقاء القريبين.. نحب رؤيتها فيهم.. مشاركتُهم تثبيتٌ لنا.. وأمان لنا.. قال رسول الله ﷺ لابن مسعود: "إني أحبّ أن أسمعه -أي: القرآن- من غيري.."
لما قالوا لموسى ﴿أتتخذنا هزوا؟﴾؛ لم يرد عليهم بأن يقول -مثلا- "أعوذ بالله أن أكون من المستهزئين/الساخرين"، بل قال: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾، وكأنه ينتقل بالحوار إلى نطاق آخر، ليقول إن صاحب العلم لا يسخر، وكأنه يقرر مسؤولية العلم، ويجل العلم عن أن يكون وسيلة للاستهزاء.
في موقف أقل ما يوصف بالأزمة النفسية الحادة؛ جاء النداء: ﴿ألا تحزني؛ قد جعل ربك تحتك سريا﴾، ولكن كيف يكون السري -وهو النهر الصغير- سببا لعدم الحزن؟ يظهر لي -والله أعلم- احتمال إشاري: كما أن النهر يجري؛ فالحزن يمضي.. الماء يتجدد، والحزن لا يدوم.. ستتسع الأيام، بقدر امتداد الماء..
﴿ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا﴾؛ أي أنهم لا يشعرون بالنقص إن أُعطيَ غيرُهم، وحُرِموا هم، بل يفرحون لهم.. هذا الكرم في المشاعر ذكره عبدالوهاب مطاوع عن رجل توفيت زوجته؛ فدعا: "اللهم لا تُفرّقْ بين حَبيبين من بعدي.. اللهم فاجعل لمن ليس له حبيبٌ حبيبا يُحبّ الحياةَ من أجله."
المقارنات غير عادلة؛ لأنها تتجاهل عوامل معقدة، وأثرها النفسي سيء.. ولذلك لم يطالب القرآنُ جميعَ الناس بنفس الالتزامات؛ بل ألزم البعضَ بالكمال ﴿فخذها بقوة﴾، وآخرين بأقلّ من ذلك ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾.. وجماع الأمر قول الله ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾؛ أي: طبيعته وما يناسبه..
كنت أتكلم اليوم، مع صديق عزيز، عن بعض مظاهر اللطف الخفيّ؛ ومنها أن الإنسان قد يلح في الدعاء لأمر ما، ولا يُجاب دعاؤُه لأنه ليس خيرا له.. ثم يشاءُ اللهُ أن يُعطى سؤلَهُ.. لا لشيء، وإنما لكي يرى بعينيه أنّ ما طلبه ليس مناسبا له.. فينصرف عنه راضيا قانعا.. التجربةُ تغير القناعات..
قد ينوي المرءُ الاعتمادَ على غيره، واللجوءَ للأسباب المادية: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾، وهذه طبيعة الحياة بلا شك، ولا تثريب عليه في ذلك.. ثم بعد ذلك، وفي لحظة تجلّ وبصيرة.. يتكشف له النور.. فيعرض عن ذلك.. ويأوي بكليته لربه.. ملتجأً للذي لا يخيب من رجاه: ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾
جاء في آيات الإنفاق: ﴿ويطعمون الطعامَ﴾؛ قولُ المُنفقين: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾، ولكن ذكر بعضُ العلماء أن المنفِقين قالوا ذلك في أنفسهم ولم يصرحوا به. وعلى هذا الوجه—إن صح، وهو محتمل، ولا دليل عليه—ملمح أخلاقي جميل: الحفاظ على "كرامة" المحتاجين، والتحفظ من أي كلمة قد تجرحهم..
مثلما أن الأجساد قد تجتمع في نفس المكان، والقلوب متفرقة لا ألفة بينها ﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾.. فَقد تلتقي القلوبُ وإن تناءت الأماكن.. وما جمعه الله لا يفرقه