![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
![]() ـ[الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة]ـ المؤلف: حسين بن عودة العوايشة الناشر: المكتبة الإسلامية (عمان - الأردن)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان) الطبعة: الأولى، من ١٤٢٣ - ١٤٢٩ هـ (ينظر التفصيل بأول كل جزء) عدد الأجزاء: ٧ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي](تنبيه):الأجزاء الـ ٣ الأولى مطبوعة بنفس الترقيم (تصوير)، دار الصديق - مؤسسة الريان الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الأول كتاب الطهارة - كتاب الصلاة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم بسم الله الرحمن الرحيم الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤ مقدّمة المؤلف إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أمَّا بعد: فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،(١) آل عمران: ١٠٢ (٢) النساء: ١ (٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١ فإِنَّني رأيتُ حاجة الأمَّة مُلحَّةً لكتاب فقهيٍّ: شامل، ميسَّر، مُدعَّم بالأدلَّة الثابتة، بعيدٍ عن الغُموض والتَّعقيد والخلافات الفقهيَّة، يفيد من أقوال أهل العلم؛ من غير تعصُّب لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء. وتأمَّلت الكتبَ الموجودة؛ قديمها وحديثها، فرأيتُ الحاجة المُبتغاة مُتناثرة هنا وهناك، ورأيت أقربها إِلى هذا المطلب كتاب «فقه السنَّة» للسَّيد سابق -حفظه الله- تبويبًا وترتيبًا وتيسيرًا وعرضًا وتناولًا؛ فقد أدَّى كتابُه نفعًا عظيمًا وجُهدًا مباركًا، وقد استفدْتُ منه في كتابي هذا، ولا سيّما في كثيرٍ من العناوين والأدلّة، وكذلك من بعض عناوين المعلِّق على «الروضة الندية» للشيخ محمد الحلاق -حفظه الله- أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منِّي ومنه. بَيْد أنَّ الحاجة -فيما أرى- ما تزال مُلحَّة لوجود الكتاب الذي ذكرْتُ سماته في بداية حديثي، لأمور حديثيَّة وفقهيَّة وغير ذلك. لذلك؛ شمَّرتُ عن ساعد الجدِّ، وأنا أعلمُ أنَّ الطريق طويلٌ، والجهد عظيمٌ؛ لأقوم بهذا العمل النافع المبارَك بإِذن الله. وأرجو أن أنتفع من إِخواني بنصيحة أو توجيه أو اقتراح أو تصويب؛ فالمؤمن مرآة المؤمن؛ ليكون الكتاب على خير وجه -بإِذن الله تعالى-. هذا، وقد رجعْتُ لشيخنا الألباني -شفاه الله تعالى وعافاه- في كثير من المسائل، فاستفدْتُ منه، وأنِسْتُ برأيه، فجزاه الله عنِّي وعن المسلمين خيرًا. ولعلك سترى بعد ذكر كلمة (شيخنا) (١) مرّة -حفظه الله تعالى- ومرّة -شفاه الله وعافاه- وقد ترى كلمة -شفاه الله وعافاه- قبل أو بعد(١) شفاه الله وعافاه. -حفظه الله تعالى- ذلكم أنه قد اشتدّ بشيخنا المرض في فترةٍ من الفترات، ثمَّ تحسَّن حاله، ثمَّ عاوده المرض. كما أننّي كتبتُ بعض العبارات وهو يستمتع بالصحة والعافية، وعند تصحيح التجارب كان في مرضه، وهأنذا الآن على وشك الانتهاء من الكتاب، وقد اشتدّ به المرض، وهو على حالٍ لا أستطيع وصْفها تُذكِّرنا بمقولة قتيبة ابن سعيد -في حياة أحمد بن حنبل رحمه الله- قال: «مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع». أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (١٢٥٤) والبيهقي في «مناقب الشافعي» (٢/ ٢٥٠) (١). ولا أدري ما أقول! هل فقْدنا شيخنا الوالد عبد العزيز بن باز -رحمه الله- هيّأنا للمصاب الجلل الذي سيحلّ بالأمّة، أم أنّ ما نترقبّه من عظيم المصاب يهيّج أحزاننا على فراقه، وهذا كما قال الشاعر: فقُلت له إِنّ الشجى يبعث الشجى ... فدعني فهذا كلّه قبر مالك أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يتقبَّلَ منِّي عملي، وأن ينفَعني به وإِخواني المسلمين، وأن لا يجعل لأحدٍ منه شيئًا؛ إِنَّه سبحانه على كلِّ شيء قدير. ثمَّ وقعت مصيبة الموت وكان ذلك قبل مغرب يوم السبت بساعة ونصف تقريبًا لثمانية أيّام بقين من شهر جمادى الآخر سنة ١٤٢٠ هـ الموافق(١) وهذا من إِتحافات أخي الشيخ مشهور -حفظه الله ورعاه- في بعض دروسه النافعة في المساجد. ٢/ ١٠/١٩٩٩م فإِنّا لله وإِنّا إِليه راجعون، ونقول: «إِنَّ العين لتدمع، وإِنَّ القلب ليحزن، وإِنّا بفراقك يا شيخنا الألباني لمحزونون». ورحم الله فقيه المحدثين ومحدّث الفقهاء وشيخ الإِسلام في هذا الزمان، وأجزل له المثوبة والأجر، وجمَعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وقد قلت أيام حياته -رحمه الله تعالى-: لولا تفضُّلُ ربِّنا الرحمنِ ... بلقائكم يا شيخنا الألباني ما كنتُ أشعر بالحياة وطعمها ... ولَما استطَبْتُ العيش في عمّانِ علّمتنا كيف النّجاة ننالُها ... فالحمد للغفّار للمنّانِ إِني سألْتُ الله أن ألقاكمُ ... في جنّة الفردوس خير جنانِ ومع الأحبّة والأعزّة كلُّهم ... يا حبّذا عيشي مع الإِخوانِ لا تحسبنّ القول نفثة شاعر ... أو أنّني قد هِمْت في الودْيانِ فالكذْب ليس بجائز في ديننا ... لكنّها مِن غربة الإِيمانِ وأقول الآن بعد مماته -رحمه الله-: ودّعتنا يا شيخنا الألباني ... وادَمعَتَا للعالِم الرباني فارقْتنا والحزن ليس مفارقي ... والدمع يعشق بعدكم أجفاني أسفي على الدنيا بفقد إِمامنا ... والحزن بعدك شيخنا يهواني يا شيخنا إِنّ القلوب تفطرت ... هذا عزائي أيها الثقلان سأظل أذكركم ويذكرني الشجى ... حتى يوافيَ قبريَ الملكان قلبي يتاجر بالهموم فمن أتى ... سيرى به سوقًا من الأحزانِ أنظل نفرح بالربيع وزهره ... وكذا بماءٍ صبَّ في الوديانِ أم سوف يبهجنا هديل حمائمٍ ... لما تبدّى الحزن من عمّانِ أم سوف يُمتعنا السكون بليله ... حين اختفى عن أمّتي القمرانِ لمّا قضى عبد العزيز إِمامنا ... ثمّ افتقَدنا بعده الألباني ماذا يعيد إِلى القلوب سرورَها ... ماذا يبدّد مبعثَ الأشجان كيف السبيل إِلى ابتسام شفاهنا ... تالله ليس لنا سوى الرحمنِ ذاك الثرى قد ضمّ أغلى عالمٍ ... فلتهنئي يا تربة (الهملان) (١) ورجاؤنا استغفار نملٍ شيخنا ... لكمُ ونرجو ذاك في الحيتان منهاجَ خير الناس قد بصّرتنا ... أرشدتنا نحيا مع البرهانِ عرَّفتنا هدي النبي وصحبه ... تالله هذا منهج القرآن علّمتنا حبّ النبي وآله ... حفّزتنا نسعى إِلى الغفرانِ في دقّة الأقوال قد مرّستنا ... درّبتنا نمضي إِلى الإِحسان تالله شمس علومكم ما كُوّرت ... تكوير شمسٍ جاء في القرآنِ وبحار فهمك شيخنا ما سُجّرت ... ستظل مغدقةً مع الأزمانِ لكن بحار الكون يأتيها الفنا ... تسجيرها آتٍ بغير توانِ أمّا انكدار النجم فهو محقّقٌ ... هذي عقيدتنا بلا نكرانِ حين انكدار النجم يلمع علمكم ... وبه المفازة بالمنى وجنان من للحديث مصححًا ومضعّفًا ... إِني شكوت البثّ للرحمن(١) هي المقبرة التي دُفن فيها شيخنا -رحمه الله تعالى-. من للفتاوى حين يعضل أمرها ... مِن بعد فقدِك رائد الفرسان من ذا يصدُّ المُحدِثين وكيدَهم ... ويردُّ ما قالوا من الطغيان من ذا سيُفحم كل صاحب بدعةٍ ... من ذا سيلجم هجمة الفتانِ إِنً الذي قد قال إِنك مرجئٌ ... لا يعرف التأصيل في الإيمان كبُر الكلام خروجه وقبوله ... من فيه شخصٍ خاض في البهتان من قال ذا الإِيمانُ ليس بثابتٍ ... هو في ازديادٍ بل وفي نقصانِ أو قال إنَّ الضُّر قد مس الفتى ... حين اقتراف الذنب والعصيانِ أو قال سبُّ المسلمين مُفسِّقٌ ... وقتالهم يهدي إِلى الكفرانِ كان المصيبَ وليس ذاك بمرجئ ... هذا -وربي- الحقُّ يا إِخواني فاترك هواك فإِنه لك قاتلٌ ... وحذارِ أن تبقى على الهذيانِ إِنَّ الهوى في قتلكم متجاهلٌ ... دِيَةً ولم يورِث سوى الخسران أو قائل ما أنت غيرَ محدّث ... في الفقه ما عرفوا لكم من شانِ ذاك امرؤٌ في جهله متخبّطٌ ... إِنّ الجحود طبيعة الإِنسان روّى الورى من فقهه فتأمّلن ... «صفةَ الصلاة» مصنفَ الألباني «أدب الزفاف» دقائقٌ ولطائفٌ ... «إِرواؤُه» كالماء للعطشانِ وكفى بـ «حكام الجنائز» درّةً ... بيّنتَها للناس خير بيان إنّ «الصحيحة» قد تعاظم نفْعها ... منها عبيق المسك والريحان و«مناسك الحج» التي صنّفتها ... كانت وربّي تحفة الخلاّنِ إِغفالكم إِغفال سنّة أحمدٍ ... نسيانكم ضربٌ من العصيان مهما حييتُ فلست أنسى فضلكم ... إِني أخاف الله أن ينساني لو كان ذلك جائزًا لوجدتني ... والله في عجزٍ عن النسيانِ أنا في قيامي للصلاة لخالقي ... لا بد من ذكري إِمامي الحاني لا بُدّ من ذكر الذي قد قاله ... في ذي الصلاة وسائر الأركانِ في الحجّ ماذا قال أو أفتى به ... في الصوم في الصدقات في الإِحسانِ لمّا يسبّح بعضهم في سبحةٍ ... قد كان يذكر أحمد العدناني فيقول هذا لم يَرِدْ في ديننا ... ولذا تمثّل في جميع بناني فإِذا السنون فنت سيبقى علمكم ... تالله ما قدّمتَ ليس بفانِ كم من فتاوى كنت تُفتينا بها ... ستظل تذكركم بكل أمان رباه ما أبغي الغلوّ فإِنّه ... يدعو إِلى النيران والشيطان لكن أردت أداء حقِّ إِمامنا ... يا رب باعِدني عن الكفرانِ رحم الإِله الشيخ أوسع رحمةٍ ... وحباه ما يرجو من الرضوان وكتب: حسين بن عودة العوايشة ثمَّ بلَغَنا وفاة الشيخ السيد سابق -رحمه الله- فكان عامنا هذا حافلًا بالأحزان لفَقْد جَمْعٍ من العلماء، وأقول ما قاله الإِمام البخاري حين بلغه نبأ وفاة الإِمام الدارمي -رحمهما الله تعالى-: إِنْ تبْقَ تُفَجعْ بالأحبّة كلهم ... وفناء نفسك -لا أبالك أفجع-. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 10الى صــ 25 الحلقة (2) الطهارة المياه وأقسامها القسم الأول: الماء الطَّهور: وهو الماء الطَّاهر في نفسه، المُطهِّر لغيره، تُرفع به الأحداث والنجاسات. ويشمل الأنواع الآتية: ١ - ماء المطر: قال الله سبحانه: ﴿وأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماء ماءً طَهُورًا (١)﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً ليُطَهّرَكمْ به (٣)﴾ (٤). ٢ - ما كان أصله الماء؛ كالثلج والبَرَد: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يسكُتُ بين التكبير وبين القراءة إِسكاتة -قال: أحسِبُه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! إِسكاتُك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال:»أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ كما باعَدتَ بين المشرق والمغرب، اللهمَّ نقِّني من ------------------------------ (١) قال ابن كثير: «أي: آلة يُتطهَّر بها؛ كالسَّحور والوجور وما جرى مجراهما». والوَجور: الدواء يوجَر في وسط الفم؛ أي: يُصبُّ. «مختار الصحاح». (٢) الفرقان: ٤٨ (٣) قال ابن كثير في «تفسيره»: «﴿لِيُطهِّرَكم به﴾؛ أي: مِن حدَث أصغر أو أكبر، وهو تطهير الظاهر». (٤) الأنفال: ١١ الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهمَّ اغْسِلْ خطاياي بالماء والثلج والبرد» (١). ٣ - مياه العيون والينابيع (٢): قال الله تعالى: ﴿أَلمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ منَ السَّماء مَاءً فَسَلَكهُ يَنابيعَ في الأرْضِ﴾ (٣). ٤ - ماء البحر: لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سأل رجل النّبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إِنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإِنْ توضأنا به عطِشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيتته» (٤). ٥ - ماء زمزم: لِما ثَبَتَ من رواية عليّ -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - دعا ------------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٧٤٤، ومسلم: ٥٩٨، وغيرهما. (٢) اليَنبوع: عين الماء، وجمعها: ينابيع.»مختار الصحاح«. (٣) الزمر: بعض الآية ٢١، وفي»تفسير ابن كثير«عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية:»... ليس في الأرض ماءٌ إِلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيِّره، فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ ينابيعَ في الأرضِ﴾، فمن سرّه أن يعود الملح عذبًا؛ فليصعدْه«. (٤) أخرجه مالك وأصحاب السنن وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(٤٨٠)، و»صحيح سنن أبي داود" (رقم ٧٦). بسَجْل (١) من ماء زمزم، فشَرِب منه وتوضَّأ» (٢). ٦ - الماء الآجن (٣) المتغير بطول المكث (٤) أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونُه عنه؛ كالطحلب، وورق الشجر، والصابون، والدقيق. «وكذلك ما يتغيَّر في آنية الأدم (الجلد) والنحاس ونحوه؛ يُعْفَى عن ذلك كلِّه، ولا يخرج به الماء عن إِطلاقه». «وأيضًا؛ ما تغيَّر بالسمك ونحوه من دوابِّ البحر، لأنه لا يمكن التحرُّز منه» (٥). ويظلُّ كلُّ ذاك طَهورًا ما دام اسم الماء المطلق يتناوله. ومن الأدلَّة على ذلك: ما روته أمُّ عطيَّة -رضي الله عنها- قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوفِّيت ابنته، فقال: «اغْسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِنْ -------------------------------- (١) بمعنى الذَّنوب: الدلو الملأى ماء.»النهاية«. وفي»فقه اللغة«للثعالبي:»لا يُقال للدلو: سَجْل؛ إِلا ما دام فيها ماء قلَّ أو كثر، ولا يُقال لها: ذَنوب؛ إِلا إِذا كانت ملأى«. (٢) أخرجه عبد الله ابن الإِمام أحمد في»زوائد المسند«(١/ ٧٦)؛ كما في»الإِرواء«(١٣)، وانظر»تمام المنة«(ص ٤٦). (٣) أي: المتغيِّر الطَّعم واللون. (٤) ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- اتفاق العلماء على ذلك في»الفتاوى«(٢١/ ٣٦). (٥) انظر كتاب»المغني" (أحكام الماء المطلق والمتغيِّر). رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر (١)، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافورًا (٢)، فإذا فرغْتُنَّ؛ فآذِنَّني»، فلما فرغْنا؛ آذنَّاه، فأعطانا حَِقْوه (٣)، فقال: «أشعِرْنها (٤) إِيَّاه»؛ تعني: إِزاره (٥). وفي حديث أمِّ هانئ: «أنَّ النّبيَّ - ﷺ - اغتسل وميمونة من إناء واحد؛ في قصعة فيها أثر العجين» (٦). قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- (مسألة ١٤٧) من «المحلى»: «وكلُّ ماءٍ خالَطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحُه وطعمُه؛ إِلاَّ أنه لم يُزِلْ عنه اسم الماء؛ فالوضوء به جائز، والغُسل به للجنابة جائز. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧)، وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مِسكًا أو عسلًا أو زعفرانًا أو غير ذلك». وأما دليل الوضوء في آنية النحاس والجلد ونحوها: فلحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- قال: «أتى رسول الله -ﷺ-، ---------------------------- (١) السِّدر: شجر النَّبِق. (٢) الكافور: من أخلاط الطيب، وفي»الصحاح«: من الطيب.»لسان العرب«. (٣) بفتح المهملة -ويجوز كسرها، وهي لغة هذيل- بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإِزار.»فتح«-بحذف يسير-. (٤) أي: اجْعلْنه شعارها؛ أي: الثوب الذي يلي جسدها. (٥) أخرجه البخاري: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما. (٦) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٣٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٠٣)، وغيرهما، وانظر»المشكاة«(٤٨٥)، و»الإِرواء" (٢٧١). (٧) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِن صُفر (١)، فتوضَّأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسحَ برأسه، فأقبَلَ به وأدْبَرَ، وغَسل رِجليه» (٢). وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بِتُّ ذات ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النّبيُّ - ﷺ - يصلِّي متطوِّعًا من الليل، فقام النّبيُّ - ﷺ - إِلى القربة فتوضأ، فقام فصلَّى، فقُمْتُ لمَّا رأيتُه صنَعَ ذلك، فتوضَّأتُ من القِربة، ثمَّ قُمتُ إِلى شقِّه الأيسر، فأخَذ بيدي من وراء ظهره إِلى الشقِّ الأيمن» (٣). وكذلك حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبي - ﷺ - إِذا خَرَجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوَة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٥). ٧ - الماء الذي خالَطَتْه النجاسةُ، ولم يتغيَّر طعمه أو لونُه أو ريحهُ: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٦) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء طهور، --------------------------------- (١) التور: شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت. والصُّفْر: النحاس الجيِّد.»الفتح«. (٢) أخرجه البخاري: (رقم ١٩٧)، وروى النسائي نحوه. (٣) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣، وغيرهما. (٤) هي إِناء صغير من جلد. (٥) أخرجه البخاري: ١٥٠ (٦) قال في»النهاية": قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، فلما سُمّي به جَمَعَه، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدّم. لا ينجِّسه شيء» (١). وفي الحديث: «إِذا بَلَغَ الماء قُلَّتين (٢)؛ لم يَحملِ الخَبَث» (٣). قال الشوكاني: «وأمَّا حديث القُلَّتين؛ فغايةُ ما فيه أنَّ ما بلَغَ مقدار القلَّتين؛ لا يحمل الخَبَث، فكان هذا المقدار؛ لا يؤثِّرُ فيه الخبث في غالب الحالات، فإِنْ تغيَّر بعض أوصافه؛ كان نَجِسًا بالإِجماع الثابت من طُرُق متعدِّدة. وأمّا ما كان دون القلَّتين؛ فلم يَقُل الشارع: إِنه يحمل الخَبَث قطعًا وبتًّا، ----------------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٠)، و»الإرواء«(١٤)، قال أبو داود:»وسمعت قتيبة بن سعيد؛ قال: سألت قيِّم بئر بُضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون إلى العانة. قلت: فإِذا نقص؟ قال: دون العورة«. قال أبو داود:»وقدرْتُ أنا بئر بُضاعة بردائي مَدَدْتُه عليها، ثمَّ ذرَعْتُه، فإِذا عرضها ستة أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إِليه: هل غُيِّر بناؤها عمَّا كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغيِّر اللون«. (٢) في»سنن الترمذي«:»قال عبدة: قال محمد بن إِسحاق: القُلة هي الجرار، والقُلَّة التي يُستقى فيها«. وقال الشافعي وأحمد وِإسحاق -كما في الترمذي أيضًا-:»يكون نحوًا من خمس قِرب«. والمراد من ذِكْر القلَّتين كثرة الماء، والله أعلم. وسمِّيت قُلَّة؛ لأنَّها تُقَلُّ؛ أي: ترفع وتحْمل. (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٥٦)، و»صحيح سنن النسائي«(٥١)، و»صحيح سنن الترمذى«(٥٧)، و»الإِرواء" (٢٣). بل مفهوم حديث القلَّتين يدلُّ على أنَّ ما دونهما قد يحمل الخَبَث وقد لا يحمله، فإِذا حَمَلَهُ؛ فلا يكون ذلك إِلا بتغيُّر بعض أوصافه ...» (١). وقال الزهري: «لا بأس بالماء؛ ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لون» (٢). ٨ - الماء المستعمَل: سواء تُوضِّىءَ به أو اغتُسِل ... ونحو ذلك؛ ما لم يُستعمل في إِزالة نجاسة. وفي ذلك أدلَّة كثيرة؛ منها: ما قاله عروة عن المِسْوَر وغيره -يصدِّق كل واحد منهما صاحبه-: «وإِذا توضَّأ النّبيّ - ﷺ -، كادوا يقتتلون على وَضوئه» (٣). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - في جفنة (٤)، فجاء النّبيّ - ﷺ - ليتوضَّأ منها -أو يغتسل- فقالت له: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُبًا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء لا ----------------------------- (١)»السيل الجرّار«(باب المياه)، بحذف يسير، ونحوه في»الدراري المضية«. (٢) أخرجه البخاري في»صحيحه«معلَّقًا مجزومًا به. وقال شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- في»مختصر البخاري«(باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، رقم: ٥٩):»وصَلَه ابن وهب في«جامعه» بسند صحيح عنه، والبيهقي نحوه«. وانظر»الفتح«(١/ ٣٤٢). (٣) أخرجه البخاري: ١٨٩ (٤) الجفنة: هي القصعة، وفي»الصحاح«:»كالقصعة". يُجْنِب» (١). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٢) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الماء طهور، لا ينجِّسه شيء» (٣). وعن الرّبَيِّع بنت مُعَوِّذ -رضي الله عنها- في وصف وضوء رسول الله - ﷺ -: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - مسحَ برأسه مِن فضْل ماءٍ كان في يده» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لقيني رسول الله - ﷺ - وأنا جُنُب، فأخذ بيدي، فمشيتُ معه حتى قعد، فانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحل (٥)، فاغتسلتُ، ثمَّ جئت وهو قاعد، فقال: «أين كنتَ يا أبا هرّ؟». فقلتُ له (٦)، فقال: «سبحان الله يا أبا هرّ! إِنَّ المؤمن لا ينجُس» (٧). ------------------------- (١) أخرجه الترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح». وانظر «صحيح سنن أبي داود» «صحيح سنن الترمذي» (٥٥)، و«المشكاة» (٤٥٧). (٢) قال في «النهاية»: قيل: المحايض جمْع المحيض، وهو مصدر حاض، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٦٠)، و«الإرواء» (١٤)، تقدّم. (٤) عن «صحيح سنن أبي داود» (١٢٠). (٥) أى: المكان الذي يأوى فيه. «فتح». (٦) في رواية أخرى: «كنت جنبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة». البخاري: ٢٨٣. (٧) أخرجه البخاري: ٢٨٥، ومسلم: ٣٧١ قال ابن قدامة: «... ولأنَّه ماء طاهر لاقى محلًاّ طاهرًا؛ كالذي غسل به الثوب الطاهر» (١). وقال أيضًا: «ولأنَّه لو غمس يده في الماء؛ لم ينجِّسْه، ولو مسَّ شيئًا رطبًا؛ لم يُنجِّسْهُ» (٢). وعن عمرو بن يحيى عن أبيه؛ قال: «كان عمِّي يكثر من الوضوء. قال لعبد الله بن زيد: أخبِرني كيف رأيتَ النّبيّ - ﷺ - يتوضَّأ؟ فدعا بتورٍ (٣) مِن ماء، فكفأ على يديه، فغسَلهما ثلاث مرار، ثم أدخَل يده في التَّور، فمضمض واستنثَر ثلاث مرَّات من غَرفة واحدة، ثمَّ أدخَل يده فاغترف بها، فغسَل وجهه ثلاث مرات، ثمَّ غسَل يديه إِلى المرفقين مرتين مرتين، ثمَّ أخذ بيده ماءً، فمسح رأسه، فأدبرَ به وأقبل، ثمَّ غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النّبيّ - ﷺ - يتوضأ» (٤). وفي «صحيح البخاري»: «وأمرَ جريرُ بنُ عبد الله أهلَه أن يتوضَّؤوا بفضل سواكِه» (٥). قال الحافظ في «الفتح»: «وقد صحَّحه الدارقطني بلفظ: كان يقول ------------------------------ (١)»المغني«(الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه). (٢)»المغني«(الماء المضاف إِلى مقرِّه والمخالطة لما يلازمه). (٣) شبه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت، وتقدَّم. (٤) أخرجه البخاري: ١٩٩، ومسلم: ٢٣٥، وفيه الدلالة الصريحة على جواز إدخال اليد في الإِناء إلاَّ ما استُثني؛ خلافًا لمن يتحرَّج من ذلك، أو ينهى عنه. (٥) كذا أورده معلَّقًا بصيغة الجزم. وقال الحافظ في»الفتح«:»هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة والدراقطني وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عنه«. وذكر شيخنا في»مختصر البخاري«تصحيح الدارقطني إِسناده. قال الحافظ:»وفي بعض طرقه: كان = لأهله: توضَّؤوا من هذا الذي أدخل فيه سواكي» (١). وعن أبي جحيفة -رضي الله عنه- قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضَّأ، فجعَل النَّاس يأخذون من فضل وَضوئهِ فيتمسَّحون به ...» (٢). قال الحافظ: «وفيه دلالةٌ بيِّنة على طهارة الماء المستعمل». وعن أنس -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - دعا بإِناء من ماء، فأُتي بقدح رَحْراح (٣) فيه شيء من ماء، فوضع أصابعَه فيه»، قال أنس: «فجعلت أنظر إلى الماء ينبُع من بين أصابعه». قال أنس: «فحزَرْتُ (٤) مَن توضَّأ ما بين السبعين إلى الثمانين» (٥). وفي «الفتاوى» (٢١/ ٤٦) لشيخ الإِسلام: «وسُئِل ... -رحمه الله- عن الماء إِذا غَمَس الرجل يده فيه؛ هل يجوز استعماله أم لا؟ فأجاب: لا ------------------------------- = جرير يستاك ويغمس رأس سواكه في الماء، ثمَّ يقول لأهله: توضؤوا بفضله، لا يرى به بأسًا». (١) انظر (كتاب الوضوء) «باب استعمال فضل وضوء الناس» (رقم ١٨٧). (٢) أخرجه البخاري: ١٨٧ (٣) رَحْراح: أي: متَّسع الفم. وقال الخطَّابي: «الرَّحْراح: الإِناء الواسع الصَّحن القريب القعر، ومثله لا يَسَع الماء الكثير؛ فهو أدلّ على عِظَم المعجزة». قال الحافظ: «وهذه الصفة شبيهة بالطَّست». (٤) أي: قدَّرْتُ. (٥) أخرجه البخاري: ٢٠٠ ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وعنه رواية أخرى أنَّه يصير مستعملًا، والله سبحانه وتعالى أعلم». وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (مسألة ١٤١): «والوضوء بالماء المستعمل جائز، وكذلك الغسل به للجنابة، وسواءٌ وُجد ماءٌ آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضَّأ به بعينه لفريضة أو نافلة، أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضِّىء رجلًا أو امرأة. برهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَىِ أو عَلى سَفَرٍ أو جَاءَ أحدٌ مِنْكُم مِنَ الغَائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءَ فَتَيَمَّموا﴾ (١). فعمَّ -تعالى- كل ماء، ولم يخصَّه، فلا يحِلُّ لأحد أن يترك الماء في وضوئه وغسله الواجب وهو يجده؛ إِلا ما منعه منه نصٌّ ثابت أو إِجماع متيقَّن مقطوع بصحّته». ٩ - الماء المسخَّن: فقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه-: «أنَّه كان يسخَّن له الماء في قمقم (٢)، فيغتسل به» (٣). وثبت عنه أيضًا: «أنَّه كان يغتسل بالحميم» (٤). ------------------------ (١) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ (٢) القُمقم: ما يسخّن فيه الماء من نحاس وغيره ويكون ضيّق الرأس. «النهاية». (٣) أخرجه الدارقطني وغيره، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (١٦). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (١٧). والحميم: هو الماء الحارُّ. وأمّا حديث: «لا تغتسلوا بالماء المشمَّس؛ فإِنَّه يورث البَرَص»؛ فإِنَّه لم يثبت (١). القسم الثاني: الماء الطاهر غير المطهِّر: وهو ما خالَطَه طاهر، فغيَّر اسمه، حتى صار صبغًا أو خَلًا أو ماء وَرْد، أو غَلَب على أجزائه فصيَّره حِبرًا، أو طُبِخ فيه فصار مَرَقًا (٢)، وهذا الصِّنْف لا يجوز الغسل به ولا الوضوء؛ لأنَّ الطَهارة إِنَّما تجوز بالماء؛ لقوله تعالى: ﴿... فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا﴾ (٣). وهذا لا يقع عليه اسم الماء. وعن عطاء: «أنَّه كره الوضوء باللبن والنّبيذ، وقال: إِنَّ التيمُّم أعجب إِليَّ منه» (٤). وعن أبي خَلْدة؛ قال: «سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ؛ أيغتسل به؟ قال: لا» (٥). قال البخاري -رحمه الله- في «صحيحه»: «باب: لا يجوز الوضوء ------------------------------ (١) ضعيف موقوفًا على عمر -رضي الله عنه- ورُوِي مرفوعًا من طُرق واهية جدًّا. وانظر»المشكاة«(٤٨٩). (٢)»الشرح الكبير«(ص ١١). (٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ (٤) أخرجه البخاري معلَّقًا، وهو في»سنن أبي داود«(٨٦) موصولًا، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٧٨). (٥) أخرجه أبو داود: ٨٧، وقال شيخنا -حفظه الله-:»إِسناده صحيح على شرط البخاري«. وهو في»صحيح سنن أبي داود" (٧٩). بالنّبيذ ولا المسكر، وكرِهه الحسن وأبو العالية» (١). قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى (٢) -: «وقول من يقول: لا يُتَوَضَّأ بالنَّبيذ: أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيدًا طَيِّبًا﴾ (٣)». القسم الثالث: الماء النَّجس: وهو ما تغيَّر بمخالطة نَجِس، أو أنْ تُغيِّر النجاسة طعمَه أو لونه أو ريحه. وهذا لا يجوز التطهّر به. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠): «الماء إِذا تغيَّر بالنَّجاسات؛ فإِنَّه ينجس بالاتفاق». وجاء في «سُبُل السلام» (ص ٢١): «قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ الماء القليل والكثير إِذا وقَعَت فيه نجاسة، فغيَّرت له طعْمًا أو لونًا أو ريحًا؛ فهو نجِس». النجاسات أولًا: غائط الآدمي، وبوله: وفي ذلك أدلَّة عديدة؛ منها: ------------------------ (١) قال شيخنا في «مختصر البخاري»: «أمّا أثر الحسن؛ فوصَله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريقين عنه نحوه، وأما أثر أبي العالية؛ فوصله أبو داود وأبو عبيد بسند صحيح عنه نحوه». وهو في «صحيح أبي داود» (٨٧)«. وانظر»الفتح" (١/ ٣٥٤). (٢) بعد أن نقل أقوال أهل العلم في المسألة. (٣) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦ قوله - ﷺ -: «بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل» (١). ولم أستدلَّ به على تخفيف طهارة بول الغلام -مع إِفادته ذلك- بل على نجاسة البول بعامَّة، والشاهد: «وبول الجارية يُغسل». وقوله - ﷺ - في بول الأعرابي: «دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء -أو سَجْلًا من ماء-» (٢). وقوله - ﷺ - في المُعذَّبَيْن في قبرَيهما: «كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (٣). وقوله - ﷺ -: «إِذا وطئ أحدُكم بنعليه الأذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور» (٤). وفي رواية: «إِذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْه؛ فطَهورهما التراب» (٥). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في خلْع النّبيّ - ﷺ - نعليه في الصلاة-: قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلِّي بأصحابه؛ إِذ خَلَعَ نعليه، فوضَعَهُما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القوم؛ ألقَوا نعالَهم، فلمَّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاتَه؛ قال: «ما حَمَلَكُم على إِلقائكم نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيْتَ ------------------------ (١) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (١٦٦). (٢) أخرجه البخاري: ٦١٢٨، ومسلم: ٢٨٤، وغيرهما. (٣) أخرجه البخاري: ١٣٦١، ومسلم: ٢٩٢، وغيرهما. ومعنى: «لا يستتر»: لا يستبرئ، ولا يتطهَّر، ولا يستبعد منه. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧١)، وانظر «المشكاة» (٥٠٣). (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢) وغيره. نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ جبريل - ﷺ - أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا». وقال: «إِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينْظرْ، فإِنْ رأى في نعليه قذرًا أو أذى؛ فليَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهما» (١). وممَّا ورد في بول الصغير الذي لم يطعم: ما روته أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها-: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنَضَحَهُ، ولم يغسله» (٢). قال الحافظ في «الفتح» في تفسير: «لم يأكل الطعام»: «المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنَّك به والعسل الذي يلعقه للمُداواة وغيره، فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى كلام النووي في»شرح مسلم«و»شرح المهذَّب«. وقال ابن التين -كما في»الفتح«-:»يُحتمل أنَّها أرادت أنَّه لم يتقوَّت بالطَّعام، ولم يستغنِ به عن الرَّضاع«. وعن لُبابة بنت الحارث -رضي الله عنها- قالت: كان الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في حجر رسول الله - ﷺ -، فبال عليه، فقلتُ: اِلبَسْ ثوبًا ---------------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، انظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٠٥)، و»الإِرواء" (٢٨٤). (٢) أخرجه البخاري: ٢٢٣، ومسلم: ٢٨٧ ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 26الى صــ 40 الحلقة (3) وأعطني إِزاركَ حتى أغسله. قال:»إِنَّما يُغسل من بول الأنثى، وينُضَحُ من بول الذَّكر«(١). عن أبي السَّمح؛ قال:»كنت أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: «ولِّني قفاك»، فأولِّيه قفاي، فأسترُه به، فأُتي بحَسَن -أو حُسين- فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: «يُغسل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام» (٢). وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: «يُغسل بول الجارية، ويُنضح بول الغلام؛ ما لم يطعم» (٣). وفي رواية: «قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا» (٤). قال أبو عيسى الترمذي: «وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين من بعدهم -مِثل أحمد وإِسحاق-؛ قالوا: يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعًا». ثانيًا: دم الحيض: وفيه أدلَّة عديدة؛ منها: ----------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦١)، وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر «المشكاة» (٥٠١). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (٣٦٢) وغيره، وانظر «المشكاة» (٥٠٢). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٣). (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٤). عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِني امرأة أُسْتحاض فلا أطهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: «لا؛ إِنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة، فإِذا أقبلتِ الحيضة؛ فدَعي الصلاة، وِإذا أدبرَت؛ فاغْسِلي عنك الدم وصلِّي» (١). وعن أم قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها- قالت: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: «حُكِّيه بضِلْع (٢)، واغسليه بماء وسِدْر» (٣). وقد نقل النووي في «شرحه» (٣/ ٢٠٠) الإجماع على نجاسته. ثالثًا: الودي: وهو: «البَلَل اللَّزِج الذي يخرج من الذكر بعد البول» (٤) مباشرة، وهو لا يوجب الغُسل. رابعًا: المَذي: وهو ماءٌ أبيض لَزج رقيق، يخرج بلا دَفْق عند الملاعبة أو تذكُّر الجماع أو إِرادته، وقد لا يحسُّ الإِنسان بخروجه، وهي من النجاسات التي يشقُّ الاحتراز -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٢٨، ومسلم: ٣٣٣، وهذا لفظه. (٢) الضِّلع: هو العود، والأصل فيه ضِلع الحيوان، فسمِّي به العود الذى يشبهه. «النهاية»، وقيل: العود الذى فيه اعوجاج. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٤٩)، والنسائي وغيرهما، وصحّحه شيخنا في «الصحيحة» (٣٠٠). (٤) كذا في «النهاية»، وقال: "هو بسكون الدال وبكسرها وتشديد الياء، وقيل: = عنها، فخُفِّف تطهيرُه، ولا غُسل على من يصيبه ذلك؛ بل عليه الوضوء، ويغسل ذكَره وخصيتيه قبل ذلك، ويأخذ كفًّا من ماء، وينضح بها ثوبه. والأدلة على ذلك ما يأتي: عن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: كنت رجلًا مذَّاء، فأمرْت رجلًا أن يسأل النّبيّ - ﷺلمكان ابنته- فسأل، فقال: «توضأ، واغسل ذَكَرَك» (١). وفي رواية: «إِذا وَجَدَ أحدُكم ذلك؟ فليَنْضَحْ (٢) فرْجَه، وليتوضَّأ وضوءه للصلاة» (٣). وفي رواية: «ليغسل ذكَرَهُ وأنثييه» (٤). وفي رواية: «من المَذْي الوضوء، ومن المَنِيِّ الغُسْل» (٥). قال أبو عيسى الترمذي: «وهو قول عامَّة أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - --------------------- = التشديد أصحّ وأفصح من السكون». (١) أخرجه البخاري: ٢٦٩، ومسلم: ٣٠٦، وغيرهما. (٢) ورد النضح على معنيين: الغسل والرش. ولما جاء في بعض الروايات بمعنى الغسل؛ تعيَّن حمل النضح عليه، وهذا ما ذهَب إليه النووي -رحمه الله-. قلت: «وهذا بخلاف الثوب؛ فإِنَّه لم يقل بغسله للتخفيف بخلاف الفرج». (٣) انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٩١). (٤) انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٩٢)، وأنثييه؛ أي: خصيتيه. (٥) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٩) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣١١). والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق«. وعن سهل بن حُنيف -رضي الله عنه- قال:»كنتُ ألقَى من المذي شدَّة وعناء، فكنتُ أُكثر منه الغسل، فذكرْتُ ذلك لرسول الله - ﷺ -، وسألته عنه فقال: «إِنَّما يُجزئك من ذلك الوضوء». فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنَّه أصاب منه» (١). قال الشوكاني -رحمه الله-: «فدلَّ هذا الحديث على أن مجرَّد النَّضح يكفي في رفع نجاسة المذْي، ولا يصحُّ أن يُقال هنا ما قيل في المنِيّ، إِنَّ سبب غسله كونه مستقذرًا، لأنَّ مجرَّد النضح لا يزيل عين المذي كما يزيله الغسل، فظهر بهذا أنَّ نضحه واجب، وأنَّه نَجِس خُفِّف تطهيره» (٢). خامسًا: الميتة: وهي ما مات من غير تذكية أو ذبح شرعي. ودليل نجاستها قوله - ﷺ -: «إِذا دُبِغَ الإِهاب، فقد طَهُرَ» (٣). قال الصنعاني -رحمه الله- في «سبل السلام» (١/ ٥٢): «وأمّا الميتة؛ ---------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(١٩٥)، و»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٠٩)، و»صحيح سنن الترمذي«(١٠٠). (٢)»السيل الجرّار" (٧/ ٣٥). (٣) أخرجه مسلم: ٣٦٦ والإِهاب: هو الجلد قبل أن يُدبَغ؛ فأمّا بعده؛ فلا يسمى إِهابًا. فلولا أنَّه وَرَدَ»دباغ الأديم طَهوره«(١) و»أيّما إِهاب دُبغ؛ فقد طهُر«(٢)؛ لقُلْنا بطهارتها إِذ الوارد في القرآن تحريم أكْلها لكن حكَمْنا بالنَّجاسة لمَّا قام عليها دليلٌ غير دليل تحريمها». ويندرج تحتها ما قُطع من البهيمة وهي حيَّة؛ لحديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيَّةٌ؛ فهو ميتة» (٣). ويستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد؛ فإِنَّها طاهرة حلال أكلها؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان فأمّا الميتتان: فالحوت والجراد وأمّا الدَّمان: فالكبد والطحال» (٤). ولقوله - ﷺ - في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه» (٥). وجلد الميتة نجس كذلك -كما لا يخفى-؛ للحديث المتقدّم: «إِذا -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٦٦ (٢) أخرجه أحمد في»مسنده«والترمذي والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٩٥٥) وانظر»غاية المرام«(٢٨). (٣) أخرجه أحمد في»مسنده«وأبو داود والترمذي والحاكم في»مستدركه«وحسّنه شيخنا في»غاية المرام«(٤١). (٤) أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما، وصحّحه شيخنا في»الصحيحة" (١١١٨). (٥) تقدّم في (باب المياه). دُبِغَ الإِهاب؛ فقد طَهُر». وتقدّم في هذا المعنى بعض النصوص غير بعيد. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله - ﷺ -، فقال:»هلاَّ أخذْتم إِهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟. فقالوا: إِنَّها مَيتة. فقال: «إِنَّما حَرُم أكلُها» (١). فقوله - ﷺ -: «طَهُر»؛ يدلُّ على نجاسته قبل الدِّباغة؛ كما هو بيِّن. سادسًا: لحم الخنزير: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وقال رسول الله - ﷺ -: «من لَعِبَ بالنَّرْدَشير (٣)؛ فكأنَّما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه» (٤). سابعًا: الكلب: ومن الأدلة على نجاسته: -------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٤٩٢، ٢٢٢١، ٥٥٣١، ومسلم: ٣٦٣، وهذا لفظه. (٢) الأنعام: ١٤٥ (٣) النَّرد: اسم أعجمي معرَّب. وشير: بمعنى: حلو. «النهاية». وتعرف في بلاد الشام بـ (لعبة الطاولة). (٤) أخرجه مسلم: ٢٢٦٠، والبخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود، وغيرهم. قوله - ﷺ -: «إِذا شَرِبَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليَغْسِلْهُ سبعًا» (١). وقوله - ﷺ -: «طَهور (٢) إِناء أحدكم إِذا وَلَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (٣). ثامنًا: لحم السباع (٤): ومن أدلة نجاستها ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «سُئل رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع فقال - ﷺ -:»إذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يحمل الخَبَث«(٥) وفي لفظ:»لم ينجِّسْه شيء«(٦). تاسعًا: لحم الحمار: عن أنس -رضي الله عنه- قال:»إِنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر ثم جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحُمر ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُر فأمَر مناديًا فنادى في النَّاس: «إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن ----------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٧٢ ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما. (٢) قال في»سُبُل السلام«:»قال في «الشرح الأظهر»: فيها ضمّ الطاء ويقال بفتحها؛ لغتان«. (٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩ وأبو داود: ٧١ وغيرهما. (٤) انظر للمزيد -إِن شئت- (سؤر السباع). (٥) أخرجه جمع من الأئمة وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٥٦) و»المشكاة«(٤٧٧) وصحّحه شيخنا في»الإِرواء«(٢٣) وتقدم. (٦) وهو عند ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤١٨) وأحمد وصحّحه شيخنا في»الإِرواء" (٢٣) وتقدّم. لحوم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس«. فأُكْفِئت القُدور وإِنَّها لتفور باللحم» (١) عاشرًا: الجَلاَّلة (٢): فقد ثبت في حديث ابن عمر: أنه قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الجلاَّلة وألبانها» (٣). وقال عبد الله بن أبي أوفى: «... تحدَّثنا أنّما حرَّمها رسول الله - ﷺ - ألبته من أجل أنها تأكل العَذِرة» (٤). وثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّه كان إِذا أراد أكل الجلاَّلة حبَسها ثلاثًا (٥). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (٦): «وألبان الجلاَّلة حرام، وهي الإِبل التي تأكل الجلَّة -وهي العَذِرة- والبقر والغنم كذلك، فإِن مُنعت من أكلها حتى سقط عنها اسم الجلاَّلة؛ فألبانها حلال طاهرة». ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما. (٢) جاء في «النهاية» ونحوه في «اللسان»: «الجَلاَّلة من الحيوان: التي تأكل العَذِرة، والجِلَّة: البعر، فوضَع موضع العَذِرة، يقال: جلَّت الدابَّة الجِلَّة واجْتَلَتْها، فهي جالَّة وجلاَّلة، إِذا التقطتْها». وفي «مختار الصحاح»: «جلَّ البعر: التقطه، ومنه سمِّيت الدابَّة التي تأكل العَذِرة: الجَلاَّلة». (٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٢٥٠٣). (٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٥٨٥). (٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه، وانظر «الإِرواء» (٢٥٠٥). (٦) انظر «المحلَّى» (مسألة ١٤٠). وأمّا الدَّجاج؛ فلا حرج في أكله، ولو أكَل الأقذار (١)، وقد ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - أكلهُ؛ كما في حديث زَهْدَم؛ قال: «كنَّا عند أبي موسى الأشعري -وكان بيننا وبين هذا الحيِّ من جَرْم إِخاء - فأُتِي بطعام فيه لحم دجاج، وفي القوم رجُل جالس أحمر، فلم يدْنُ من طعامه، فقال: ادْنُ؛ فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل منه. قال: إِنّي رأيته يأكل شيئًا فقذِرته، فحَلَفْتُ أن لا آكله ... (وذكر الحديث)» (٢). والبيض أيضًا يحمل نفس الحكم (٣). حادي عشر: عظام وشَعْر وقَرْن ما يُحكم بنجاسته: لأنها تتغذَّى بالنجاسة؛ إِلا إِذا قَبِلت الدِّباغ (٤). الأسْآر (٥) وتُقسَم إِلى قسمين: القسم الأول: الأسآر الطاهرة: وتندرج تحتها الأنواع الآتية: ------------------------ (١) انظر «الفتح» (٩/ ٦٤٦) للمزيد من الفائدة. (٢) أخرجه البخاري: ٥٥١٨، ومسلم: ١٦٤٩، وغيرهما. (٣) استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٤) أفادنيه شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٥) جمع سؤر، وهو فضلة الشرب وبقيَّته. ١ - سؤر الآدمي: قال ابن قدامة في «المغني» (١) -في معرض كلامه عن سؤر الآدمي-: «... فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلمًا أو كافرًا، عند عامّة أهل العلم ...». وفي ذلك أدلَّة؛ منها: قوله - ﷺ -: «... إنَّ المؤمن لا ينجس» (٢). وفي رواية: «إنَّ المسلم لا ينجس» (٣). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد، فقال: يا عائشة! ناوليني الثوب». فقالت: إني حائض. فقال: «إنَّ حيضتك ليست بيدك»، فناولَتْهُ (٤). وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنتُ أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النّبي - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ (٥) وأنا ----------------------------- (١) انظر (سؤر الآدمي وعرَقه). (٢) تقدم تخريجه في (الماء المستعمل). (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧٢ (٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩ (٥) جاء في»الفتح«(٢/ ١٢٩):»عَرْقًا -بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف-. قال الخليل: العُراق: العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم؛ فهو عرق. = حائض، ثمَّ أناولُه النّبيّ - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيَّ» (١). وهذا صريح في طهارة فم وسؤر الحائض. وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: سألتُ النّبيّ - ﷺ - عن مواكلة الحائض؟ فقال: «واكِلْها» (٢). وقد أورده الترمذي -رحمه الله- في (باب: مواكلة الحائض وسؤرها). وأما القول بطهارة سؤر الكافر؛ فللأسباب الآتية: أولًا: التمشي مع القاعدة المعروفة: «الأصل في الأعيان الطهارة». ثانيًا: مخالطة المسلمين للمشركين وإباحة ذبائحهم والزواج منهم، ولا نعلم أنَّهم كانوا يغسلون شيئًا ممّا أصابته أبدانهم أو ثيابهم (٣). وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكون نَجَس﴾ (٤)؛ فلا يُراد منها نجاسة الأبدان. ---------------------- = وفي المحكم عن الأصمعي: العَرْق -بسكون الراء-: قطعة لحم. وقال الأزهري: العَرق واحد العراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق، فيُكسر ويُطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عرَقت اللحم واعترقْتُه وتعرَّقته: إِذا أخذت اللحم منه نهشًا«. ومما قال ابن الأثير في»النهاية«:»العَرْق: العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم«. (١) أخرجه مسلم: ٣٠٠ (٢) انظر»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٣١) و»صحيح سنن الترمذي«(١١٤). (٣) قاله السيد سابق -حفظه الله تعالى- بمعناه في»فقه السنَّة" (سؤر الآدمي). (٤) التوبة: ٢٨ قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره»: وأما نجاسة بدنه؛ فالجمهور على أنَّه ليس البدن والذات؛ لأنَّ الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ...«. وقال ابن الجوزي في كتابه»زاد المسير في علم التفسير«(١): والثالث: أنَّه لمّا كان علينا اجتنابهم كما تُجتَنَب الأنجاس؛ صاروا بحُكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو صحيح». ٢ - سؤر ما يؤكل لحمه: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: إِنِّي لَتَحْت ناقة رسول الله - ﷺ - يسيل عليَّ لعابُها، فسمعته يقول: «إِنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ ألا لا وصيَّة لوارث» (٢). جاء في «سُبل السلام» (١/ ٥٣): «والحديث دليل على أنَّ لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. قيل: وهو إِجماع. وهو أيضًا الأصل، فذِكْر الحديث بيانٌ للأصل، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّه - ﷺ - علِم سيلان اللُّعاب عليه؛ ليكون تقريرًا». قال أبو بكر بن المنذر: «أجمع أهلُ العلم -لا اختلاف بينهم- أنَّ سُؤر ما يؤكل لحمُه طاهر؛ يجوزُ شربُه والتطهر به» (٣). ويرى أهل العلم طهارة روث ما يؤكل لحمه؛ فالقول بطهارة سؤره أولى. -------------------- (١) وقد نَقَلَ ثلاثة أقوال في الآية. (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٩٤)، والترمذي والدارقطني وغيرهم، وانظر «الإرواء» (٦/ ٨٩). (٣) الأوسط (١/ ٢٩٩) (المسألة ٧٦). ٣ - سؤر الهرة: عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة دخل فسكبت له وَضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (١) لها الإِناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظرُ إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّها من الطَوَّافين عليكم والطَوَّافات» (٢). وعن داود بن صالح بن دينار التمَّار عن أمه: أنَّ مولاتها أرسلَتها بهريسة (٣) إِلى عائشة، فوجدَتها تصلِّي، فأشارت إِليَّ أن ضعيها، فجاءت هرَّة، فأكَلت منها، فلمَّا انصرفتْ، أكَلت من حيث أكَلت الهرة. فقالت: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّما هي من الطوَّافين عليكم»، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ بفضلها (٤). وفي طهارة سؤر الهرة قال الترمذي -رحمه الله-: «وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم؛ مِثل: الشافعي وأحمد ------------------------ (١) أي: أمال. (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما. وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٦٨). وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في»الإِرواء«تحت (١٧٣):»... وكذا صحَّحه البخاري والعقيلي والداراقطني؛ كما في تلخيص الحافظ ...«. (٣) في»لسان العرب«:»الهرْس: الدق، ومنه الهريسة، وقيل: الهريس: الحب المهروس قبل أن يُطبخ، فهو الهريسة ...«. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٦٩). وإسحاق؛ لم يَروْا بسؤر الهرَّة بأسًا». القسم الثاني: الأسآر النَّجسة: ويدخل في ذلك: ١ - سؤر الكلب: ومن الأدلَّة على ذلك: قوله - ﷺ -: «إِذا شَرِب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا» (١). وفي رواية: «إِذا ولَغَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبع مرار» (٢). قال بعض أهل العلم: «ولو كان سؤره طاهرًا؛ لم تَجُزْ إِراقته، ولا وَجَب غسْله». وجاء في «سُبل السلام»: «والإِراقة إِضاعة مال، فلو كان الماء طاهرًا؛ لَما أمر بإِضاعته، إِذ قد نهى عن إِضاعة المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه» (٣). وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (٤). وقوله - ﷺ -: «طَهور»؛ تدلُّ على نجاسة سؤر الكلب؛ كما قال بعض أهل --------------------------(١) أخرجه البخاري: ١٧٢، ومسلم: ٢٧٩ وغيرهما، وتقدَّم. (٢) أخرجه مسلم: ٢٧٩ (٣) (كتاب الطهارة، طهور إِناء أحدكم ...). (٤) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وغيره وتقدَّم. العلم. ٢ - سؤر الحمار: ودليل ذلك قوله - ﷺ - عن أنس -رضي الله عنه- قال:»أنَّ رسول الله - ﷺ - جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُكلَت الحُمر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَت الحُمُر، فأمَر مناديًا، فنادى في النَّاس: «إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس». فأُكْفِئت القُدور وِإنَّها لتفور باللحم«(١). وفي رواية (٢): فأمَر رسول الله - ﷺ - أبا طلحة، فنادى: إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر؛ فإِنَّها رِجْس أو نَجَس». وقال الترمذي -رحمه الله- في «سننه»: «باب: سؤر الحمار (وأورد الحديث السابق)». ٣ - سؤر الخنزير: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣). واستدلَّ من استدل من العلماء على نجاسة لحم الحمار بقوله - ﷺ -: =================== (١) أخرجه البخاري: ٥٥٢٨، ومسلم: ١٩٤٠، وغيرهما، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ١٩٤٠ (٣) الأًنعام: ١٤٥ ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 41الى صــ 55 الحلقة (4) »فإِنها رجس«(١)؛ فالخنزير بهذا الوصف أولى. وكلُّ شيء ثبتت نجاسة لحمه؛ يُحْكَم بنجاسة سؤره. وكلّ شيء لا يؤكل لحمه -سوى الهِرّ-؛ يُحْكم بنجاسة سؤره» (٢). ٤ - سؤر السباع (٣): ومن أدلَّة ذلك ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع؟ فقال - ﷺ -: «إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يَحْمِل الخَبَث» (٤). وفي لفظ: «لم يُنَجِّسْهُ شيء» (٥). قال شيخنا الألباني -حفظه الله- في «تمام المنَّة» (٦): «... قال ابن التُّركماني في»الجوهر النقي«(١/ ٢٥٠): وظاهر هذا يدلُّ على نجاسة سؤر السباع، إذ لولا ذلك؛ لم يكن لهذا الشرط فائدة، ولكان التقييد به ضائعًا. وذكَر النووي نحوه في»المجموع«(١/ ١٧٣)» ... اهـ ---------------------- (١) تقدَّم تخريجه. (٢) انظر «نيل الأوطار» (باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يُؤكل إِذا ذبح). (٣) في «اللسان»: «السَّبُع: يقع على ما له ناب من السباع ويعدو على الناس والدواب فيفترسها؛ مثل: الأسد والذئب والنمر والفهد وما أشبهها ...». وقيل: «السَّبُع من البهائم العادية: ما كان ذات مخلب». (٤) تقدم. (٥) تقدم. (٦) (ص ٤٧) (... ومن السؤر). قلتُ: والذي جاء في «المجموع»: «واحتجَّ مَن منَع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ النّبيَّ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدوابِّ؟ فقال:»إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم ينجس«. قالوا: فدلَّ على أنَّ لورود السباع تأثيرًا في تنجيس الماء ...». ما يُظنّ أنَّه نجس وليس كذلك أولًا: المَنِيّ (١): ومن الأدلَّة على طهارته ما يأتي: ما يرويه علقمة والأسود؛ أنَّ رجلًا نزل بعائشة -رضي الله عنها- فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: «إِنَّما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإِن لم ترَ؛ نضَحْتَ حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فرْكًا فيصلي فيه» (٢). وفي رواية: «لقد رأيتُني وإِنِّي لأحكُّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظُفُري» (٣). ولو كان المنيُّ نجسًا؛ لما صلَّى النّبيُّ - ﷺ - في ثوبه ذلك. قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- عن الفرك: «وهو قول غير واحد من --------------------- (١) وقد قال بعض أهل العلم بنجاسته، ولكن المتأمّل في النصوص وفقهها وأقوال أهل العلم يطمئنّ -إِن شاء الله تعالى- لطهارته. (٢) أخرجه مسلم: ٢٨٨، وغيره. (٣) عن»صحيح مسلم": ٢٩٠ أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مِثل: سفيان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا في المنِيِّ يصيب الثوب: يجزئه الفَرْك، وإِن لم يُغْسَل». جاء في «السيل الجرَّار»: «وقد ثبت من حديث عائشة -رضي الله عنها- عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي (١)، ولو كان نجسًا؛ لنزَلَ عليه الوحي بذلك؛ كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلَّى فيه» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إِذا كان يابسا، ً وأمسحه أو أغسله -شكَّ الحُميدي- إذا كان رطبًا» (٣). وتردُّد الحميدي بين المسح والغسل لا يضرُّ؛ فإِنَّ كلَّ واحد منهما --------------------- (١) ليس في «صحيح مسلم» كما نبَّه أحد الأخوة، وِإنما هو في: «صحيح ابن خزيمة» (٢٩٠)، وصحّحه شيخنا. (٢) يشير بذلك اٍلى حديث أبي سعيد -رحمه الله- قال: «بينما رسول الله - ﷺ - يصلّي بأصحابه؛ إِذ خلَع نعليه، فوضعَهما عن يساره، فخَلَعَ الناس نعالَهم، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ قال: ما حمَلكم على إِلقائكم نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. قال: «إِنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا». أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «الإرواء» (٢٨٤)، وتقدّم. (٣) أخرجه أبو عوانة، والطحاوي، والدارقطني؛ كما في «الإِرواء» (١٨٠)، وقال شيخنا -حفظه الله-: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين». ثابتٌ (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يسلت (٢) المنيَّ من ثوبه بعِرْق الإِذخِر (٣)، ثم يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلِّي فيه» (٤). وعن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّه قال في المنيِّ يصيب الثوب: «أمِطْه عنك -قال أحدهم- بعودٍ أو إِذخِرة؛ فإِنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط» (٥). قال ابن حزم في «المحلَّى» المسألة (١٣١): «والمنيُّ طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إِزالته، والبصاق مثله، لا فرق». وجاء في «سبل السلام» (١/ ٥٥): «وقالت الشافعيَّة: المنيُّ طاهر، واستدلُوا على طهارته بهذه الأحاديث (٦). ------------------- (١) من قول شيخنا -حفظه الله- في»الإِرواء«(١٨٠). (٢) أي: يميطه. وفي»المحيط«:»أخرجه بيده«. والسلت: يأتي بمعنى المسح أيضًا. (٣) هو حشيش طيب الريح. (٤) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده حسن؛ كما في»الإِرواء«(١٨٠). ورواه ابن خزيمة في»صحيحه«. (٥) سنده صحيح على شرط الشيخين، وهو منكر مرفوعًا؛ كما في»الضعيفة" (٩٤٨). (٦) يريد أحاديث الفرك والحتّ ونحوها. قالوا: وأحاديث غَسله محمولة على النَّدب وليس الغَسْل دليل النجاسة؛ فقد يكون لأجل النظافة وإِزالة الدَّرن ونحوه، قالوا: وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دليل على طهارته أيضًا، والأمر بمسحه بخرقة أو إِذخِرة لأجل إِزالة الدَّرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولوكان نجسًا؛ لما أجزأ مسْحه». وقد ورد غَسْل المنيّ؛ كما في بعض النصوص: كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أغسل الجنابة من ثوب النّبيّ - ﷺ -، فيخرُجُ إِلى الصلاة، وإِنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه» (١). وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ -: «كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه» (٢). وقال أبو عيسى -رحمه الله-: «وحديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها غسلت منيًَّا من ثوب رسول الله - ﷺ -؛ ليس بمخالف لحديث الفَرْك؛ لأنَّه وإن كان الفرك يجزئ؛ فقد يستحبُّ للرَّجل أن لا يرى على ثوبه أثره». وقال ابن حزم في «المحلَّى» (مسألة ١٣١): «وأمّا حديث سليمان بن يسار (٣)؛ فليس فيه أمْر من رسول الله - ﷺ - بغَسْله، ولا بإِزالته، ولا بأنَّه نجس، ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٢٩ (٢) أخرجه مسلم: ٢٨٩ (٣) وقد تقدَّم بلفظ:»كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب ... ". وإِنَّما فيه أنَّه - ﷺ - كان يغسله، وأنَّ عائشة -رضي الله عنها- كانت تغسله وأفعاله - ﷺ - ليست على الوجوب». ثمَّ ذكر -رحمه الله- حديث أنس بن مالك -رحمه الله- في حكِّ البزاق باليد من المسجد. ولفْظه -كما في البخاري (٤٠٥) -: عن أنس: «أنَّ النّبيَّ - ﷺ - رأى نخامة في القِبْلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئي في وجهه، فقام، فحكَّه بيده ..». قال ابن حزم -رحمه الله-: «فلم يكن هذا دليلًا عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه ممّا ليس نجسًا». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥): «وبالجملة؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم: أشبه شيء بخروج المنيِّ من مخرج البول» (١). وقال -رحمه الله-: ومن المعلوم أنَّه لم ينقُل أحد أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر أحدًا من الصحابة بغَسْل المنيّ من بدنه وثوبه، فعُلم يقينًا أنَّ هذا لم يكن واجبًا عليهم، وهذا قاطع لمن تدبَّره«(٢). وقال الحافظ في»الفتح«:»... لا معارضة بين حديثي الغَسْل والفَرْك؛ ------------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٣)، وله بحث نفيس في طهارة المني والردّ على من يقول بنجاسته (ص ٥٨٩ وما بعدها) من مجلد (٢١). (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥). لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيِّ؛ بأن يُحْمل الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب». قال: «وهذه طريقة الشافعيِّ وأحمد وأصحاب الحديث» (١). ثانيًا: الخمر: وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وليس هناك من دليل على نجاستها. أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). فإِن كلمة «رجْس» تعني النجاسة الحُكمية لا الحسِّيَّة، وإلاَّ لَزمنا من ذلك أن نحكم بنجاسة الأنصاب والأزلام. وكذلك التحريم لا يقتضي النجاسة، وإلا لزِمنا الحكم بنجاسة الأمهات والبنات والأخوات والعمَّات ... لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ ...﴾ (٣) الآية. والطعام المسروق يحرُم أكْله، ولا يُقال بنجاسته. جاء في «سُبُل السلام» (١/ ٥٢): «والحقّ أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وأنَّ التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإِنَّ الحشيشة محرَّمة طاهرة، وكذا المخدِّرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأمَّا النجاسة؛ فيلازمها --------------------- (١) انظر»الفتح«(١/ ٣٣٢). وذكره الشوكاني في»نيل الأوطار" (١/ ٦٧). (٢) المائدة: ٩٠ (٣) النساء: بعض الآية ٢٣ التحريم، فكلُّ نجس محرَّم، ولا عَكْس، وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها؛ بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإِنَّه يحرُم لُبْس الحرير والذهب، وهما طاهران ضرورة شرعية وِإجماعًا». وجاء في «الدراري المضيَّة» (١) (١/ ٢٨): «ولو كان مجرَّد تحريم الشيء مستلزمًا لنجاسته لكان مِثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمتْ عَليكُمْ أمَّهاتُكُم ...﴾ إِلى آخره دليلًا على نجاسة النساء المذكورات في الآية، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، وهي طاهرة بالاتِّفاق كالأنصاب (٢) والأزلام (٣) وما يُسكر من النباتات والثمرات بأصل الخِلقة. فإِن قلتَ: إِذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيَّته يدلُّ على أنَّه نجس كما قلتَ في نجاسة الروثة ولحم الخنزير؛ فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الخَمْرُ والميْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ (٤)؟! قلتُ: لمَّا وقع الخمر هنا مقترنًا بالأنصاب والأزلام؛ كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إِلى غير النجاسة الشرعية. وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْركونَ نَجَسٌ﴾ (٥)؛ لمّا جاءت الأدلَّة -------------------- (١) باختصار يسير. (٢) هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها.»تفسير ابن كثير«. (٣) هي قداح كانوا يستقسمون بها.»تفسير ابن كثير". (٤) المائدة: ٩٠ (٥) التوبة: ٢٨ الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين؛ كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضُّؤ في آنيتهم والأكل فيها؛ كان ذلك دليلًا على أنَّ المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية». وجاء في «السيل الجرَّار» (١/ ٣٥): «وليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسُّك به ...». ثمَّ ذكر أن الرِّجْس في آية المائدة إِنَّما هو الحرام وليس النجس؛ بدلالة السياق. ثالثًا: روث وبول ما يؤكل لحمه: عن أنس -رحمه الله- قال: «قدِم أناس من عُكْل أو عُرَيْنة، فاجْتَوَوا (١) المدينة، فأمرهم النّبيُّ - ﷺ - بلقاح (٢)، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعيَ النبي - ﷺ - واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعَثَ في آثارهم، فلما ارتفع النهار؛ جيء بهم، فأَمَر، فقَطَع أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسُمِّرت (٣) أعينُهم، وأُلقوا في الحَرَّة (٤) يَستسْقون فلا ----------------------- (١) أي: كرهوا المقام فيها لتضرّرهم بالإِقامة. قال ابن العربي: الجوى: داء يأخذ من الوباء، وهي بمعنى: استوخموا، وقد جاءت في رواية أخرى للبخاري: ٤١٩٢، بهذا اللفظ. (٢) أى: فأمرهم أن يلحقوا بها. واللِّقاح: النُّوق ذوات الألبان، واحدها لِقْحة بكسر اللام وِإسكان القاف، وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إِلى ثلاثة أشهر، ثمَّ هي لَبون.»فتح«. (٣) سُمّرت: لغة في السَّمل، وهو فقء العين بأي شيء كان، وقد يكون من المسمار، يريد أنَّهم كُحلوا بأميال قد أُحميت.»فتح". (٤) الحرَّة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة. يُسقون». قال أبو قِلابة: «فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد أيمانِهم وحاربوا الله ورسولَه» (١). قال الإِمام أبو البركات ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِذا أُطْلِق الإِذن في ذلك (٢)، ولم يشترط حائلًا يقي من الأبوال، وأُطلق الإِذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإِسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمر بغَسْل أفواههم وما يصيبهم منها؛ لأجل صلاة ولا غيرها، مع اعتيادهم شربها؛ دلَّ ذلك على مذهب القائلين بالطهارة» (٣). وقال -رحمه الله-: «فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإِبل وما يلحق بها طاهرة» (٤). وقال: «والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه؛ تمسُّكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حُكم شرعيٌّ ناقل عن الحُكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلُح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك ...» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٣٣، ومسلم: ١٦٧١ (٢) أي: الشرب من هذه الأبوال. (٣) «نيل الأوطار» (١/ ٦٢). (٤) «نيل الأوطار» (١/ ٦٠). (٥) «نيل الأوطار» (١/ ٦١). واستدلَّ بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يُؤكل لحمه (١). واستدلوا معه أيضًا بقول ابن مسعود -رحمه الله-: «إِنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم» (٢)، وذلك أنَّ التحليل يستلزم الطهارة (٣). وفي الحديث: «صلّوا في مرابض الغنم (٤)، ولا تصلُّوا في أعطان الإِبل (٥)» (٦). وفي بعض الروايات: «فإِنَّها خُلقت من الشياطين» (٧). وعن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنهما-: أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا توضَّأ». ----------------------- (١) انظر «نيل الأوطار» (١/ ٦٠). (٢) إِسناده صحيح موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل، «الفتح» (٧٨)، وقال شيخنا الألباني في «الصحيحة» تحت رقم (١٦٣٣): «إِسناده صحيح». (٣) ولكنَّ التحريم لا يستلزم النجاسة؛ كما تقدَّم. (٤) جمع مَربِض -بفتح الميم وكسر الباء- وهو المأوى والمقرّ. (٥) جمع عَطن؛ قيل: موضع إِقامتها عند الماء خاصّة، وقيل: هو مأواها المطلق، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالأبوال والأرواث حاصلة. (٦) أخرجه الترمذي، وقال «حديث حسن صحيح» وانظر «الإرواء» (١٧٦). و«المشكاة» (٧٣٩)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبِل لا يقتَضي القولَ بنجاستِها؛ كما لا يخفى. (٧) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٦٢٣)، وانظر «الإِرواء» (١٧٦). قال: أتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: «نعم؛ فتوضَّأ من لحوم الإِبل». قال: أصلِّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلِّي في مبارك الإِبل؟ قال: «لا» (١). جاء في «الفتاوى»: «وسُئل عن بول ما يؤكل لحمه؛ هل هو نجس؟ فأجاب: أمّا بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك، فإِنَّ أكثر السلف على أنَّ ذلك ليس بنجس وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويُقال: إِنَّه لم يذهب أحد من الصحابة إِلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَث، لا سَلَف له من الصحابة، وقد بَسَطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنَّا فيه بضعة عشر دليلًا شرعيًّا، وأنَّ ذلك ليس بنجس، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعيٌّ على نجاسته أصلًا» (٢). وجاء فيه أيضًا: «... أنَّ هذه الأعيان لو كانت نجسة؛ لبيَّنه النّبيّ - ﷺ -، ولم يبيِّنْه؛ فليست نجسة، وذلك لأنَّ هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها، ومباشرتهم لكثير منها، خصوصًا الأمَّة التي بُعِث فيها رسول الله - ﷺ -؛ فإِنَّ الإِبِل والغنم غالب أموالهم، ولا يزالون يُباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم، مع كثرة الاحتفاء فيهم. فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض ممَّا فيه ذلك إِذا صُلّي فيها، ويحرُم شرب اللبن الذي يقع فيه بعْرها، وتُغسل اليد إِذا أصابها البول أو رطوبة البعر، إِلى غير ذلك من أحكام النجاسة؛ لوجب أن يبيِّن النّبيّ ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٦٠ (٢) انظر»الفتاوى" (٢١/ ٦١٣) وما بعدها. - ﷺ - بيانًا تحصل به معرفة الحكم، ولو بيَّن ذلك؛ لنُقِل جميعه أو بعضه؛ فإِنَّ الشريعة وعادة القوم توجب مِثل ذلك، فلمَّا لم ينقل ذلك؛ عُلِم أنَّه لم يبيِّن لهم نجاستها. وعدم ذِكْر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النَّهي عنه، والتقرير دليل الإِباحة، ومِن وجْه أنّ مِثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ولا تُحال الأمّة فيه على الرَّأي؛ لأنَّه من الأصول، لا من الفروع ...» (١). وجاء فيه أيضًا: «ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكُروا وجوبًا ولا تحريمًا؛ كان إِجماعًا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم، وهو المطلوب، وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام» (٢). وفيه أيضًا: «... وهو إِجماع الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحدٌ، ولا احترز عن شيء ممَّا في البيادر؛ لوصول البول إِليه، ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة» (٣). وفيه أيضًا: «ما ثبت واستفاض من أنّ رسول الله - ﷺ - طاف على راحلته، وأدخَلها المسجد الحرام الذي فضَّله الله على جميع بقاع الأرض، ومعلوم أنَّه ----------------------- (١) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٨ وما بعدها) بحذف يسير. (٢) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٨١). (٣)»الفتاوى" (٢١/ ٥٨٣ و٥٨٤)؛ بحذف يسير. ليس على الدواب من العقل ما تمنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره؛ للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة؛ لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس ...» (١). قال ابن عباس: «طاف النّبيّ - ﷺ - على بعيره» (٢). وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «شكوت إِلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ، ورسول الله - ﷺ - حينئذ يصلّي إِلى جنب البيت، وهو يقرأ: ﴿والطُّور وكِتابٍ مَسْطورٍ﴾ (٣)» (٤). قال ابن بطال: «في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحْمها المسجد إِذا احتيج إِلى ذلك؛ لأنَّ بولها لا ينجسه؛ بخلاف غيرها من الدواب» (٥). قال البخاري -رحمه الله-: «وصلّى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين ----------------------- (١)»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٣ و٥٧٤)؛ بحذف يسير. (٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في»كتاب الصلاة«ووصله في»كتاب الحج«برقم (١٦٠٧) من حديث ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:»طاف النّبيّ - ﷺ - في حجّة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن«ورواه مسلم: ١٢٧٢ والمحجن: عصا محنيَّة الرأس، والحجن: الاعوجاج. (٣) الطور: ١ - ٢ (٤) أخرجه البخاري: ١٦١٩ (٥)»الفتح" تحت الحديث (٤٦٤). والبَرِّيَّة إِلى جنبه، فقال: ها هنا وثمَّ سواء» (١). رابعًا: الدماء سوى دم الحيض والنفاس: كنت قد تكلّمتُ في (باب النجاسات) عن نجاسة دم الحيض، وأما سائر الدِّماء؛ فطاهرة، سواء كان دم إِنسان أو دم مأكول اللحم من الحيوان؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، والبراءة الأصلية مستصحبة، فلا يُترك هذا الأصل إلا بنصٍّ صحيح. ومن الأدلة على ذلك: قصّة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (٢). ------------------------- (١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب أبوال الإِبِل والدواب والغنم ومرابضها). قال الحافظ: «وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له». والسِّرقين: هو الزّبل، ويُقال له: السِّرجين بالجيم. والبرية: الصحراء، منسوبة إِلى البر. ودار البريد المذكورة: موضع بالكوفة، كانت الرسل تنزل فيه إِذا حضرت من الخلفاء إِلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر وفي زمن عثمان، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرِّيَّة إِلى جنبها. وقال المطرزي: البريد في الأصل: الدابَّة المرتبة في الرباط، ثمَّ سمّي به الرسول المحمول عليها، ثمَّ سُمّيت به المسافة المشهورة. «الفتح». ومعنى سواء: يريد أنَّهما متساويان في صحة الصلاة. «الفتح» أيضًا. (٢) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر بسند حسن؛ كما في «الصحيحة» (٣٠٠). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 56الى صــ 70 الحلقة (5) قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «ومن الظاهر أنَّ النّبيّ - ﷺ - عَلِم بها؛ لأنَّه يبعُد أن لا يطَّلع على مِثل هذه الواقعة العظيمة، ولم يُنْقَل أنَّه أخبره بأنّ صلاته بطلت؛ كما قال الشوكاني (١/ ١٦٥)» (١). وكذلك قول الحسن -رحمه الله تعالى-: «ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم» (٢). وعن محمد بن سيرين عن يحيى الجزَّار؛ قال: «صلى ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلى بطنه فرث ودم جزور نحرها، ولم يتوضَّأ» (٣). وصحَّ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أيضًا: «أنَّه نحر جزورًا، فتلطَّخ بدمها وفرْثها، ثمَّ أقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضَّأ» (٤). فائدة: إِنَّ القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حُجَّة؛ إِلا أنَّه محرَّم بنصّ القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيس؛ كما فعلوا تمامًا في الخمر، ولا يخفى أنَّه لا يلزم من التحريم التنجيس؛ بخلاف العكس؛ كما بيّنه الصنعاني في «سبل ----------------------- (١) انظر»الصحيحة«تحت رقم (٣٠٠). (٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب من لم يرَ الوضوء إلاَّ من المخرَجيْن). (٣) أخرجه عبد الرزاق في»الأمالي«(٢/ ٥١/١) وغيره، وِإسناده صحيح؛ كذا في»الصحيحة«(تحت رقم ٣٠٠). (٤) أخرجه عبد الرزاق في»المصنف«(١/ ١٢٥)، وغيره؛ كما في»تمام المنّة" (ص ٥٢). السلام«ثمَّ الشوكاني وغيرهما ...» (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- «وجملة القول: أنَّه لم يَرِد دليل فيما نعلم على نجاسة الدم على اختلاف أنواعه؛ إلا دم الحيض، ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة، فلا يُتْرَك إلاَّ بنص صحيح يجوز به ترْك الأصل، وإِذ لم يَرِدْ شيء من ذلك؛ فالبقاء على الأصل هو الواجب، والله أعلم» (٢). وذكر نحوه الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرَّار» (٣) و«الدَّراري المضيَّة» (٤). خامسًا: رطوبات فرج المرأة: وذلك لاستصحاب البراءة الأصلية؛ كما تقدَّم مرارًا ذِكر هذه القاعدة، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم ذكَرها في النجاسات. واحتجَّ الشَّيخُ الموفَّقُ وغيره على طهارة رطوبة فرجِ المرأة: بأنَّ منيَّ الرَّجل عند الجماع يخالطُ منيَّ المرأة، ولو كان منيُّها نجسًا؛ لما اكتفى منه الرسول - ﷺ - بالفرك. «الفتح» (شرح الحديث ٢٣٠). ------------------------- (١) انظر فقه حديث (٣٠٠) من «الصحيحة». (٢) انظر «الصحيحة» تحت رقم (٣٠١). (٣) (١/ ٤٤). (٤) (١/ ٢٥ - ٢٦). سادسًا: قيء الآدمي: إِذِ الأصل الطهارة، فلا يُنقل عنها إلا بدليل. قال الشوكاني في «السيل الجرَّار» (١/ ٤٣): «قد عرَّفناك في أول كتاب الطهارة أنَّ الأصل في جميع الأشياء الطهارة، وأنَّه لا يَنْقُل عن ذلك إلاَّ ناقلٌ صحيح صالح للاحتجاج به غيرَ معارض بما يرجُح عليه أو يساويه، فإِنْ وجدنا ذلك؛ فبها ونعمت، وإِنْ لم نجدْ ذلك كذلك؛ وَجَب علينا الوقوف في موقف المنع، ونقول لمدَّعي النجاسة: هذه الدعوى تتضمَّن أنَّ الله سبحانه أوجب على عباده واجبًا هو غسل هذه العين التي تزعم أنَّها نجسة، وأنَّه يمنع وجودها صحة الصلاة بها؛ فهات الدليل على ذلك». ولم يذكره -رحمه الله- في النجاسات في «الدرر البهية» (١). وإلى طهارة قيء الآدمي ذهب شيخنا الألباني في «تمام المنة» (٢). سابعًا: عرق الجنب والحائض: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ - لقِيَه في بعض طريق المدينة وهو جُنُب، فانخَنَسْتُ منه، فذهب فاغتسل ثمَّ جاء، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟». قال: كنتُ جُنُبًا، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: «سبحان الله! إِنَّ المسلم لا ينجس» (٣). ------------------- (١) وانظر «تمام المنَّة» (٥٣). (٢) (ص ٥٣). (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٣، ومسلم: ٣٧١ نحوه، وتقدّم. وبوَّب البخاري في «صحيحه» بابًا في ذلك، فقال: «باب عرق الجُنُب، وأن المسلم لا ينجُسُ». ثامنًا: ميتة ما لا نفس له سائلة: كالذُّباب والنَّمل والعنكبوت ونحو ذلك ... وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة والبراءة الأصلية مستصحبة. وفي الحديث: «إِذا وقع الذُّباب في إِناء أحدكم؛ فلَيغْمِسْه كلَّه، ثمَّ ليطْرَحْه؛ فإِنَّ في إِحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (١). وإِنَّما أمر بغمس الذباب كلّه حفاظًا على الطعام أو الشراب، وفيه دليل الطهارة. وممَّن قال بطهارة ما لا نفس له سائلة: أبو البركات مجد الدين ابن تيمية في «منتقى الأخبار»، والشوكاني في شرحه «نيل الأوطار» (١/ ٦٨). والصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٣٦). إِزالة النجاسات أولًا: حكم إِزالة النجاسة: وحكم إِزالة النجاسات فرض. قال ابن حزم -رحمه الله-: «وإِزالة النجاسة وكل ما أمَر الله تعالى بإِزالته فرض». ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٧٨٢ وقال: «وهذه المسألة تنقسم أقسامًا كثيرة، يجمعها أنَّ كلَّ شيء أمَر الله تعالى على لسان رسوله - ﷺ - باجتنابه أو جاء نصٌّ بتحريمه أو أمَر كذلك بغسله أو مسْحه؛ فكلُّ ذلك فرض يعصي مَن خالفه؛ لما ذكرنا قَبْل مِنْ أَنَّ طاعته تعالى وطاعة رسوله - ﷺ - فرض» (١). ثانيًا: قاعدة جليلة جامعة في تطهير النجاسات: جاء في «السيل الجرَّار» (١/ ٤٢): «والواجب اتِّباع الدليل في إِزالة عين النجاسة، فما ورد فيه الغَسْل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم؛ كان ذلك هو تطهيره. وما ورَد فيه الصبُّ أو الرشُّ أو الحتُّ أو المسح على الأرض أو مجرَّد المشي في أرض طاهرة؛ كان ذلك هو تطهيره. وقد ثبت في السنَّة أنً النعل الذي يصيبه القذر يطهَّر بالمسح، وهو من المغلَّظة اصطلاحًا، وكذلك ورد في الثوب إِذا أصابه القذر عند المشي على أرض قذرة أنَّه يطهِّره المرور على أرض طاهرة» (٢). ثالثًا: تطهير النجاسات: ١ - العَذِرة (الغائط): وتُزال عند الاستنجاء بالماء أو الحجارة ونحوه: أمّا الماء: فلقوله تعالى: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٣). ----------------- (١) «المحلَّى» (مسألة ١٢٠). (٢) هناك تفصيلات طيبة (ص ٤٦ وما بعدها)، فارجع إِليها -إِن شئت-. (٣) التوبة: ١٠٨ وقد نزلت هذه الآية في أهل قِباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء؛ كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال:»نزلت هذه الآية في أهل قِباء: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾«. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» (١). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا خرج لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٢) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٣). وأمّا الحجارة: فلقوله - ﷺ -: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» (٤). وعن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا ذهب أحدُكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه» (٥). وأمّا ما يسدُّ عن الحجارة؛ كالورق ونحوه؛ فإِنَّه مستنبَط من عدَّة نصوص؛ منها: ما يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج -------------------- (١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٣٤)، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٤٥). (٢) إناء صغير من جلد؛ كما تقدَّم. (٣) أخرجه البخاري: ١٥٠، وتقدَّم. (٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢ (٥) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإرواء» (٤٤). لحاجته. فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفض بها - أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث» (١). فنهيُ النّبيّ - ﷺ - عن العظم والرَّوث دالٌّ على جواز ما سواهما ممّا تزال به النجاسة، ولو لم يَجُزْ هذا؛ لقال له - ﷺ -: «ابغني أحجارًا أستنفض بها» وسكت، أو قال: ولا تأتني بغيرها؛ بيدَ أنَّه - ﷺ - قال: «ولا تأتني بعظم ولا روث». ومن المعلوم أنَّ النجاسات محصورة؛ بخلاف الأعيان الطاهرة؛ فإِنَّها غير ْمحصورة، فحصْر النهي عن العظم والروث يدلُّ على جواز استعمال غيرهما. وقد علَّل النّبيّ - ﷺ - سبب هذا النهي، فقال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ» (٢). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «... وهذا كما أنَّه لمَّا أمر بالاستنجاء بالأحجار؛ لم يختصَّ الحجر؛ إِلا لأنَّه كان الموجود غالبًا، لا لأنَّ الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره؛ كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لنهيه عن الاستجمار بالروث --------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٥٥ قال الحافظ في»الفتح -بحذف يسير-: «ابغِني؛ بالوصل من الثلاثي؛ أي: اطلب لي، وفي رواية بالقطع؛ أي: أعنِّي على الطَّلب، يُقال: أبغيتك الشيء؛ أي: أعَنْتُك على طلبه، والوصل أليق بالسياق». ومعنى أستنفض: «أستخرج بها وأستنجي، والنفض: هزّ الشيء ليطير غباره». (٢) أخرجه الترمذي وغيره، وروى مسلم نحوه، وانظر «الإِرواء» (٤٦). والرِّمَّةَ (١) وقال:»إِنهما طعام إِخوانكم من الجنِّ«فلمّا نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلَّة؛ عُلم أنَّ الحكم ليس مختصًا بالحجر، وإلاَّ لم يحتج إِلى ذلك» (٢). وذكر نحوه الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١/ ٢٥٦). وقال الشوكاني -رحمه الله- في «الدراري المضية»: «وإِذا لم توجد الأحجار؛ فغيرها يقوم مقامها للضرورة؛ ما لم يكن ذلك الغير ممَّا ورد النهي عنه؛ كالروثة والرجيع (٣) والعظم ...» (٤). وتُطهّر العَذِرة من النِّعال بالتُّراب: لقوله - ﷺ -: «إِذا وطئ أحدُكم بنعليه أذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور» (٥). وفي رواية: «إِذا وطئ الأذى بخُفَّيه؛ فطَهورهما التراب» (٦). ٢ - دم الحيض: وتطهير دم الحيض من الثوب بحكِّه بضِلع وغَسْله بماء وسِدْر أو صابون ونحوه، ثم ينضح الماء في سائر الثوب: -------------------- (١) أي: العظم البالي. (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٢٠٥). (٣) أي: الرَّوث. (٤) (١/ ٤٠ - ٤١). (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧١) وغيره، وانظر «المشكاة» (٥٠٣). وتقدَّم. (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٢)، والحاكم في «المستدرك». وتقدم. لقوله - ﷺ -: «حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر» (١). وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «سمعت امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - عن ثوبها؛ إِذا طَهُرت من حيضها؛ كيف تصنع به؟ قال: إِن رأيتِ فيه دمًا؛ فحُكِّيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره، فصلِّي فيه» (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الصحيحة» (٢٩٩): «في هذه الرواية زيادة:»ثم انضحي في سائره«، وهي زيادة هامَّة؛ لأنَّها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام:»ثم لتنضحه«؛ ليس المراد نضح مكان الدم، بل الثوب كله. ويشهد له حديث عائشة قالت:»كانت إِحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثمَّ تصلِّي فيه«(٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ خولة بنت يَسار -رضي الله عنها- أتت النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: «إِذا طَهُرْتِ؛ فاغسليه، ثمَّ صلِّي فيه». ---------------------- (١) الضِّلع: العود الذي فيه اعوجاج، وتقدَّم معناه وتخريج الحديث في (باب النجاسات). (٢) أخرجه أبو داود، والدارمي -والسياق له- والبيهقي وسنده حسن؛ كما في «الصحيحة» (١/ ٥٣٩) تحت رقم (٢٩٩). وهو في «صحيح البخاري» (٣٠٧) بلفظ: «إِذا أصاب ثوب إحداكنَّ الدم من الحيضهّ؛ فلتَقْرصه، ثمَّ لتنضَحْه بماء، ثمَّ لتصلِّي فيه». (٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨ وابن ماجه، والبيهقي: (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧). فقالت: فإِنْ لم يخرج الدَّم؟ قال: «يكفيك غسل الدم، ولا يضرُّك أثره» (١). قال الشوكاني -رحمه الله-: «ويستفاد من قوله:»لا يضرُّك أثره«: أنَّ بقاء أثر النجاسة الذي عسُرت إِزالته: لا يضرُّ، لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما، حتى يذهب لون الدم؛ لأنَّه مستقذر، وربَّما نسَبها من رآه إِلى التقصير في إِزالته» (٢). ٣ - الإِناء الذي ولغ فيه الكلب: ويكون ذلك بغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب. لقوله - ﷺ -: «طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب» (٣). ٤ - البول: ويُطهَّرُ البول عمومًا بالغَسْل: ومن الأدلة على ذلك قوله - ﷺ -: «... وبول الجارية يُغسل» (٤). ------------------ (١) عن «صحيح سنن أبي داود» (٣٥١). (٢) «نيل الأوطار» (١/ ٥٠). (٣) أخرجه مسلم: ٢٧٩، وتقدَّم. وورد في «صحيح البخاري» بلفظ: «إِذا شرب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا»، وتقدَّم. وقد وردت في بعض الروايات: «السابعة بالتراب»،وهذا القول شاذٌّ، والأرجح: «الأولى بالتراب». وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٦٦). (٤) تقدَّم. وأمّا إِذا كان بول ذَكَر رضيع لم يَطْعَم؛ فيخفَّف فيه بالنَّضح كما تقدَّم، لقوله - ﷺ - في الحديث السابق: «بَوْل الغلام يُنْضَح». وكما في حديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن -رضي الله عنها-: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله - ﷺ -، فأجْلَسَه رسول الله - ﷺ - في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغْسِلْه» (١). وكذلك حديث أبي السَّمح -رضي الله عنه- قال: كنتُ أخدم النّبيّ - ﷺ -، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: «ولِّني قفاك»، فأوليّه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن -أو حسين-، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: «يُغْسَل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام» (٢). وأمّا الأرض التي يصيبها البول: فيَتِمُّ تطهيرها بأخذ ما بيل عليه من التراب وإلقائه، ثمَّ يُصبُّ على مكانه الماء. فعن أبي هريرة: «أنَّ أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس، فصلَّى ركعتين، ثمَّ قال: اللهمَّ ارحَمْني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النّبيّ - ﷺ -:»لقد تحجَّرتَ واسعًا«(٣)، ثمَّ لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إِليه، فنهاهم النّبيُّ - ﷺ -، وقال:»إِنَّما بُعِثْتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين، صبُّوا عليه سَجْلًا من ماء أو قال: ذَنوبًا من ماء) «(٤). ------------------- (١) تقدَّم. (٢) تقدَّم. (٣) أي: ضيَّقْتَ ما وسَّعه الله، وخصَّصْتَ به نفسك دون غيرك.»النهاية". (٤) أخرجه البخاري: ٢٢٠، ومسلم: ٢٨٤ وأبو داود -وهذا لفظه- وغيرهم. وفي رواية عبد الله بن معقل بن مقرِّن؛ قال: «صلَّى أعرابي مع النّبيّ - ﷺ - (بهذه القصة، وقال فيه): قال -يعني: النّبيّ - ﷺ --:»خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء«(١). ٥ - إِزالة الأذى من الذيل (٢) والثَّوب: عن أمِّ ولد لإِبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:»أنَّها سألت أم سلمة زوج النّبيّ - ﷺ -، فقالت: إِنِّي إِمرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذِر، فقالت أمّ سلمة: قال رسول الله - ﷺ -: «يُطهِّره ما بعده» (٣). وعن امرأة من بني عبد الأشهل -رضي الله عنها- قالت: «قلتُ: يا رسول --------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٦٧). وقال أبو داود: وهو مرسَل؛ ابن معقِل لم يدرك النبي - ﷺ -». قال شيخنا -حفظه الله-: «قلتُ: وهو مرسل صحيح الإِسناد، ورجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين، وقد جاء مرسلًا وموصولًا من طرق أخرى، فالحديث بهما صحيح». ومن الطرق الموصولة التي ذكَرها شيخنا طريق أنس: أنَّ أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي - ﷺ -: «احفِروا مكانه، ثمَّ صبُّوا عليه ذَنوبًا من ماء». وهذا إِسنادٌ رجالُه ثقات؛ كما قال الحافظ في «تلخيص الحبير» (١/ ٣٧). عن «صحيح سنن أبي داود» الأصل من نسخة شيخنا -حفظه الله تعالى-. قلتُ: وذكر الحافظ في «الإِصابة» (٣/ ١٤٢) رقم (٦٦٤٣) أنَّه عبد الله بن مُغفَّل. (٢) الذيل: آخر كل شيء، وذيل الإِزار والثوب: ما جُرَّ. «القاموس المحيط». (٣) صحيح بما بعده، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩)، و«المشكاة» (٥٠٤). الله! إِنَّ لنا طريقًا إِلى المسجد مُنْتِنة، فكيف نفعل إِذا مُطرنا؟ قال: «أليس بعدها طريق هى أطيب منها؟». قالت: قلتُ: بلى. قال: «فهذه بهذه» (١). ٦ - الوَدْي: ويُطهَّر بالغَسْل. ٧ - المَذْي: يُطهَّر ما لامس الفرج منه والأنثيين بالغَسْل، لقوله - ﷺ -: «ليغسل ذكره وأنثييه» (٢). ويُطهره من الثياب بالنضح والرش: كما في حديث سهل بن حُنيف -رضي الله عنه-: ... فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنه أصاب منه» (٣). ٨ - جلد الميتة: ويكون ذلك بدبغها: لقوله - ﷺ -: «إِذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طهُر» (٤). ولقوله - ﷺ -: «أيّما إِهاب دُبِغ فقد طَهُر» (٥). ------------------ (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠). وانظر «المشكاة» (٥١٢). (٢) تقدَّم. (٣) تقدَّم. (٤) أخرجه مسلم: ٣٦٦، وتقدَّم. (٥) تقدَّم في (باب النجاسات). ٩ - إِذا وقع الفأر في السمن ونحوه: يُلقي الفأر وما حوله، ويؤكَل السمن وما شابهه، هذا إِذا لم يكن في السمن المتبقِّي أثر لنجاسة في طعمٍ أو لونٍ أو رائحة، وإلاَّ؛ ألْقى ما تبقَّى. وحُكم السَّمْن أو الزَّيْت؛ كحُكم الماء ولا فرق، وضابط الأمر يرتبط ببقاء أثرٍ للنَّجاسة أم لا. ولا فرق بين القول في الجامد والمائع؛ إِلا من هذا الباب، وهو بقاء الأثر أو عدمه والله أعلم. قال الزُّهري: «لا بأس بالماء ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لونٌ» (١). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن ميمونة: أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل عن فأرة سقطت فىِ سمن؟ فقال: «ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم» (٢). وسئل شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن الزيت إِذا كان في بئر، ووقع فيه نجاسة، فما الحكم إِذا كان دون القُلَّتين؟ فأجاب -رحمه الله-: «إِذا كان أكثر مِن القُلَّتين؛ فهو طاهر عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ... --------------------- (١) أورده البخاري في»صحيحه«(كتاب الوضوء باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء) معلَّقًا بصيغة الجزم، ووصَله ابن وهب في»جامعه«عن يونس عنه. وروى البيهقي معناه من طريق أبي عمرو -وهو الأوزاعي- عن الزهري. كذا في»الفتح". (٢) أخرجه البخاري: ٢٣٥، وغيره. والأظهر أنَّه إِذا لم يكن للنجاسة فيه أثر، بل استهلكت فيه، ولم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا؛ فإِنَّه لا ينجُس، والله أعلم» (١). ١٠ - إِذا كان الماء كثيرًا ووقعت فيه نجاسة: إِن كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، وِإنْ كانت عين النجاسة باقية؛ أُخِذَتْ منه ونُزِحَتْ وأُلقِيَت، وبهذا يكون سائر الماء طاهرًا. جاء في «الفتاوى»: «وسُئل -رحمه الله- عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة، ثمَّ مات فيها، وذهَب شعره وجلده ولحْمه، وهو فوق القُلَّتين؛ فكيف يُصنع به؟ فأجاب: الحمد لله، أي بئر وقع فيه شيء ممَّا ذكر أو غيره: إِنْ كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، فإِن كانت عين النجاسة باقية؛ نُزِحَتْ منه وأُلقِيَتْ، وسائر الماء طاهر ... وأمّا إِنْ كان الماء قد تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنَّه يُنْزَحُ منه حتى يطيب، وإن لم يتغيَّر الماء؛ لم يُنْزَحْ منه شيء ... (وذكر حديث بئر بُضاعة)» (٢). ١١ - الماء القليل إِذا تنجَّس يطهُر بالمكاثرة: وذلك حتى لا يبقى أثرُ ريحٍ أو طعمٍ أو لونٍ لنجاسة، وهذا إِذا تعذَّر التخلُّص من النجاسة؛ لظرف المكان ونحوه، إِذ الأصل إِزالة هذه النجاسة ونضْحها. --------------- (١) «الفتاوى» (٢١/ ٥٢٩). (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٨ - ٣٩). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 71الى صــ 85 الحلقة (6) ١٢ - حبل الغسيل: أما حبْل الغسيل؛ فيطهر إِذا صَعُبَ غسْله بالشمس والريح. «وإن كان سِلكًا يمكنه مسْحه؛ فليَفْعَل» (١). ١٣ - إِذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإِنَّ الماء طهور: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله- (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام. وأيضًا؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب والنتن)؟ فقال: «الماء طهور لا ينجِّسه شيء» (٥). --------------------- (١) هذا مما استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٢) «الفتاوى» (٢١/ ٣٢ - ٣٣). (٣) وقد ذكر خمسة أقوال في المسألة، وقال في الأول: «لا ينجس». (٤) الحِيَض: بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة -بكسر الحاء وسكون الياء: هي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض، وانظر «تحفة الأحوذي» (١/ ٢٠٤). (٥) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦٠) وغيرهما، وتقدَّم. وانظر «الإرواء» (١٤). وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات. وأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة. ومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضًا؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه». وبه قال الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرَّار». وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦١١): «... وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر». "وسئل -رحمه الله- عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل ترابًا؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ فذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح. -------------------- (١) أى: الزّبل. وقال -رحمه الله-: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع» (١). رابعًا: هل الماء متعيّن في إِزالة النجاسة: الماء متعيّن لإِزالة النجاسة؛ إلاَّ ما ورد فيه النصُّ؛ كالثوب يطهِّره المرور على أرض طاهرة، والنِّعال بالتراب ... ونحو ذلك. قال شيخنا الألباني -حفطه الله-؛ -بعد حديث «حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر» (٢) -: يُستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة، أذكر أهمَّها: .... أنَّ النجاسات إِنَّما تُزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتِّفاقًا، وهو مذهب الجمهور، ومذهب أبو حنيفة إِلى أنَّه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر. قال الشوكاني: والحقُّ أنَّ الماء أصْلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا وسُنَّةً مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعيُّنه وعدم إِجزاء غيره يردُّه (٣). مسْح النعل، وفرْك المنيِّ (٤) وإماطته بإِذخِرة ... ------------------- (١) انظر «الفتاوى» (٢١/ ٤٧٨ و٤٧٩). (٢) تقدَّم في (باب إِزالة النجاسة). (٣) «نيل الأوطار» (ص ٤٨ و٤٩). (٤) ومضى الكلام حول طهارة المنيّ. وأمثال ذلك كثير، فالإِنصاف أن يُقال: إِنَّه يطهَّر كلُّ فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصُّ، لكنَّه إِنْ كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء؛ فلا يجوز العدول إِلى غيره؛ للمزيَّة التي اخُتصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإنْ كان ذلك الفرد غير الماء؛ جاز العدول عنه إِلى الماء لذلك، وإنْ وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإِحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللاَّزم؛ لحصول الامتثال به؛ للقَطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسِّطة بين القولين، لا محيص من سلوكها». قال شيخنا: «وهذا هو التحقيق، فشُدَّ عليه بالنَّواجذ. وممَّا يدلُّ على أنَّ غير الماء لا يجزئ في دم الحيض: قوله - ﷺ - في الحديث الثاني:»يكفيك الماء«؛ فإِنَّ مفهومه أنَّ غير الماء لا يكفي، فتأمَّل» (١). قال الحافظ تعليقًا على حديث عليٍّ -رحمه الله-: «كنتُ رجلًا مذَّاء»: «واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره يعيِّن الغسل، والمعيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صحَّحه النوويُّ في»شرح مسلم«» (٢). وقال الشوكاني -رحمه الله- في «الدَّراري المضيَّة» (١/ ٣٠): ------------------ (١) «الصحيحة» فقه الحديث رقم (٣٠٠). (٢) «الفتح» (١/ ٣٧٩). «ويطهُرُ ما تنجَّس بغسله حتى لا يبقى عينٌ ولا لونٌ ولا ريحٌ ولا طعمٌ، والنَّعل بالمسح، والاستحالة مطهِّرة؛ لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، وما لا يمكن غسله؛ فبالصبِّ عليه أو النَّزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر، والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه؛ إلا بإِذن من الشارع». آداب التخلِّي وقضاء الحاجة ١ - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم: عن المغيرة بن شعبه -رضي الله عنه-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إذا ذَهَب المذهب أبْعَدَ» (١). وعن جابر بن عبد الله: أنَّ النّبيّ - ﷺ -: كان إذا أراد البَراز (٢)؛ انطلق حتى لا يراه أحد«(٣). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»كان يذهب لحاجته إلى -------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في «الصحيحة» (١١٥٩). (٢) البَراز بالفتح: الفضاء الواسع، فكنّوا به عن قضاء الغائط كما كنّوا عنه بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: المحدّثون يَروونه بالكسر وهو خطأ، لأنّه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب، وقال الجوهري بخلافه، وهذا لفظه: البِرَازُ المبارزة في الحرب، والبِرَاز أيضًا كناية عن ثفل الغذاء وهو الغائط، ثمَّ قال: والبَراز بالفتح: الفضاء الواسع، وتبرَّز الرجل أي: خرج إِلى البَراز للحاجة وانظر «النهاية». (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢) وغيره، وانظر «الصحيحة» (١١٥٩). المُغمَّس«. قال نافع: المغمَّس: ميلين أو ثلاثة من مكة (١). وعن يعلى بن مُرَّة عن أبيه -رضي الله عنه- قال:»كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال لي: «ائت تلك الأشاءتين (قال وكيع: يعني: النخل الصِّغار)، فقل لهما: إِنَّ رسول الله - ﷺ - يأمركما أن تجتمعا»، فاجتمعتا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: «ائتهما، فقل لهما: لترجعْ كلُّ واحدة منكما إِلى مكانها»، فقلتُ لهما، فرجعتا (٢). ٢ - أن لا يتخلَّى في الطُّرق والظِّلال والموارد: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «اتَّقوا اللَّعَّانَيْن» (٣). قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى (٤) في طريق الناس أو في ظلِّهم (٥)» (٦). -------------------- (١) أخرجه السراج في «مسنده» بإسناد صحيح على شرط مسلم وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٧٢). وقيل بأنَّ المغمس مكان مستورة؛ إِما بهضاب، وإِما بعضاه، والعضاه: كل شجر له شوك؛ صغُر أو كبُر، والميل: قيل: ثلث الفرسخ، وقيل: هو مدّ البصر وقيل غير ذلك. (٢) عن «صحيح ابن ماجه» (٢٧١). (٣) قال الإِمام الخطابي -رحمه الله-: «المراد باللَّعَّانين: الأمرين الجالِبَيْن للَّعن، الحاملَين الناس عليه، والداعِيَين إليه، وذلك أنَّ مَن فعَلهما شُتِم ولُعِن؛ يعني: عادة الناس لعْنه، َ فلما صارا سببًا لذلك؛ أضيف اللعن إِليهما». (٤) أي: يتغوّط. (٥) قال الخطابي وغيره: هو مُستَظلّ الناس الذي اتَّخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون فيه. (٦) أخرجه مسلم: ٢٦٩ وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اتَّقوا الملاعن الثلاث: البِراز (١) في الموارد، وقارعة الطريق (٢)، والظلّ» (٣). ٣ - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم: عن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ -: «أنَّه نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد» (٤). وعن عبد الله بن مُغفَّل -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه، ثم يغتسل فيه» (٥). ٤ - جواز البول في الإِناء أو الطَّست لمرض أو برد أو نحو ذلك: عن أميمة بنت رقيقة -رضي الله عنها- قالت: «كان للنبي - ﷺ - قَدَح من عيدان؛ يبول فيه، ويضعه تحت السرير» (٦). --------------------- (١) هو ثُفل الغذاء هنا، وتقدّم. (٢) قارعة الطريق: أعلاه، أو جادَّته، أو وسطه، أو صدره، أو ما برز منه، فكلّها متقاربة مشتقة من القرع؛ أي: الضرب، فهي مقروعة بالقدم والحافر، وذلك من تسمية المفعول بالفاعل «فيض القدير». (٣) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وحسنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٦٢). (٤) أخرجه مسلم: ٢٨١، وهو في «صحيح ابن ماجه» (٢٧٣)، و«صحيح سنن النسائي» (٣٤)، وله لفظ مقارب عند البخاري: ٢٣٩ (٥) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (٢٢) وغيره، وانظر «المشكاة» (٣٥٣). (٦) أخرجه أبو داود والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٢) وانظر «المشكاة» (٣٦٢). وعن إِبراهيم عن الأسود؛ قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليًّا -رضي الله عنهما- كان وصيًّا، فقالت: «متى أوصى إِليه، وقد كنتُ مسنِدَتَه إِلى صدري -أو قالت: حَجري-، فدعا بالطَّسْت (١)، فلقد انخنث (٢) في حَجري، فما شعرتُ أنَّه قد مات، فمتى أوصى إِليه؟!» (٣). ٥ - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته: لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» (٤). ٦ - أن يقول عند دخول الخلاء: «بسم اِلله، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث»: لقوله - ﷺ -: «سَتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إِذا دَخَلَ الخلاء أن يقول: بسم الله» (٥). ولحديث عبد العزيز بن صهيب؛ قال: سمعتُ أنسًا يقول: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا دخل الخلاء؛ قال:»اللهمَّ إِني أعوذ بك من الخُبُث«(٦) ------------------ (١) الإِناء. (٢) أي: انثنى ومال لاسترخاء أعضائه عند الموت. (٣) أخرجه البخاري: ٢٧٤١ و٤٤٥٩ وغيره، وانظر»صحيح سنن النسائي«(٣٣). (٤) عن»صحيح سنن أبي داود«(١١)، وانظر»الصحيحة«(١٠٧١). (٥) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، وصحّحه شيخنا في»الإرواء«(٥٠). (٦) ويجوز إسكان الباء، وانظر»الفتح" (١/ ٢٤٣). والخبائث (١)» (٢). ٧ - عدم استقبال القبلة: عن أبي أيُّوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا (٣)» (٤). وعن سلمان -رضي الله عنه- قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة (٥). قال: فقال: «أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع (٦) أو بعظم» (٧). ----------------------- (١) الخُبْث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة؛ يريد: ذُكران الشياطين وإناثهم. قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما. «فتح». وأصل الخبائث: المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة. (٢) أخرجه البخاري: ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥ (٣) وليس التشريق أو التغريب عامًّا لكل البلاد، فمن الناس من يشرِّق أو يغرِّب فيستقبل القبلة أو يستدبرها، والمراد عدم استقبال القبلة أو استدبارها؛ كما هى الإشارة في أوَّل الحديث. (٤) أخرجه البخاري: ١٤٤ (٥) التخلِّي والقعود للحاجة؛ قال الخطابي: «وأكثر الرواة يفتحون الخاء». «النهاية». (٦) الرَّجيع: العَذرة والرَّوث، سُمي رجيعًا؛ لأنَّه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. «النهاية». (٧) أخرجه مسلم: ٢٦٢ قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: «ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء. (ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- وغيره، وذكر أيضًا من قال بذلك من السَّلَف)» (١). وعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا». قال أبو أيوب: «فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم (٢)» (٣). وربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام» (٤). وقول مروان الأصفر: «أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُ ----------------------- (١) انظر»المحلّى«(مسألة ١٤٦). (٢) جواب لقوله في البداية:»سمعتَ الزُّهري ... " إِلخ. (٣) أخرجه البخاري: ٣٩٤، ومسلم: ٢٦٤ (٤) أخرجه البخاري: ١٤٨، ومسلم: ٢٦٦ إِليها، فقلتُ (١): يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ» (٢). فالجواب عن ذلك: «١ - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم. ٢ - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط. ٣ - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح. ٤ - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث:»من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه«(٣). ومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقًا؛ فالبول والغائط مستقبلًا لها لا يجوز بالأولى» (٤). ---------------------- (١) أي: مروان الأصفر. (٢) أخرجه أبو داود: ١١، «صحيح سنن أبي داود» (٨)، وغيره، وانظر «الإِرواء» (٦١). (٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وِإسناده صحيح؛ وانظر «الصحيحة» (٢٢٢). (٤) كذا قاله لي بمعناه شيخُنا الألباني -حفظه الله-. ٨ - التحفُّظ من البول كي لا يصيبَ البدن والثياب، والتَّغليظ في ترك غسْله إِذا أصاب البدن والثياب (١): عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»مرَّ النّبيّ - ﷺ - بحائط (٢) من حيطان المدينة -أو مكة-، فَسَمع صوت إِنسانين يعذَّبان في قبورهما، فقال النّبيّ - ﷺ -: «يُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير»، ثمَّ قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر (٣) من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» (٤). ٩ - عدم الاستنجاء باليمين: وذلك لما سبق في حديث سلمان: «... نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار» (٥). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كانت يد رسول الله - ﷺ - اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وكانت اليُمنى لوضوئه ولمَطعمه» (٦). وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا شرب أحدُكم؛ فلا يتنفَّس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء؛ فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا -------------------- (١) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة«. (٢) أي: بستان. (٣) أي: لا يستبرئ ولا يتطهَّر كما تقدَّم. (٤) أخرجه البخاري: ٢١٦، ومسلم: ٢٦٢، وغيرهما، وتقدم مختصرًا. (٥) تقدَّم تحت رقم (٧). (٦) أخرجه أبو داود، وأحمد، وسنده صحيح كما قال النَّووي والعراقي، وانظر تفصيله في»الإرواء" تحت رقم (٩٣). يتمسَّح بيمينه (١)» (٢). وعنه أيضًا؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا دخل أحدُكم الخلاء؛ فلا يمسَّ ذَكَرَة بيمينه» (٣). ١٠ - الاستنجاء بالماء: عن أنس بن مالك قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به» (٥) .... وعنه -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتبرَّز لحاجته، فآتيهِ بالماء، فيَتَغَسَّلُ به» (٦). ١١ - إِذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجْعَلْها أقلَّ من ثلاثة: لحديث سلمان المتقدِّم: «نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... أو أن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار». وأيضًا؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «... وكان يأمر بثلاثة --------------------- (١) أى: لا يستنج. (٢) أخرجه البخاري: ١٥٣، ومسلم: ٢٦٧ (٣) أخرجه مسلم: ٢٦٧ (٤) هي إِناء صغيرمن جلد؛ كما تقدَّم في أول الكتاب. (٥) أخرجه البخاري: ١٥٠، وهو في»صحيح مسلم" (٢٧١) نحوه، وتقدّم قريبًا. (٦) أخرجه مسلم: ٢٧١ أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة» (١). ولقوله - ﷺ -: «إِذا ذهب أحدكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه» (٢). ١٢ - عدم الاستنجاء بالرَّوث أو العظم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفضُ بها -أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث»، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتُها إِلى جنبه، وأعرَضْتُ عنه، فلما قضى؛ أتْبَعَه بهنَّ«(٣). وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أنَّه سمع عبد الله يقول: أتى النّبيُّ - ﷺ - الغائطَ، فأمَرَني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث؛ فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال:»هذا رِكْس (٤) «(٥). ------------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٦)، وبعضه في مسلم: ٢٦٢، وتقدّم قريبًا والمراد بالرِّمة: العظم البالي. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود، وغيرهما، وانظر»الإِرواء«(٤٤)، وتقدّم، ويُفهم من الحديث أنَّ أقلَّ من ثلاث لا تجزئ. (٣) أخرجه البخاري: ١٥٥، وتقدَّم في (باب إِزالة النجاسات). (٤) جاء في»الفتح" (١/ ٢٥٨): الرِّكس: لغة في رجس؛ بالجيم، وقيل: الرِّكس الرَّجيع، رُدَّ من حالة الطهارة إِلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. والأولى أن يقال: رُدَّ من حالة الطعام إِلى حالة الروث. (٥) أخرجه البخاري: ١٥٦ وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتمسَّح بعظْم أو ببعْر» (١). وعلَّل رسول الله - ﷺ - سبب نهيه عن الاستنجاء بالرَّوث والعظام، لأنَّه زاد إِخواننا من الجنِّ، كما في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ» (٢). ١٣ - عدم ردِّ السلام عند قضاء الحاجة: عن ابن عمررضي الله عنهما-: «أنَّ رجلًا مرَّ ورسول الله - ﷺ - يبول، فسلَّم، فلم يردَّ عليه» (٣). وعن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبىّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضَّأ، ثمَّ اعتذر إِليه، فقال: «إِنِّي كرهتُ أن أذكر الله -عز وجل- إِلا على طهر (أو قال: على طهارة)» (٤). ١٤ - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك: كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٢٦٣ (٢) أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما، وصححه شيخنا فى»الإِرواء«(٤٦)، وتقدّم. (٣) أخرجه مسلم: ٣٧٠، وغيره. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣)، والنسائي والدارمي، وانظر»الصحيحة" (٨٣٤). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|