![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الرابع من صــ 391الى صــ 405 الحلقة (109) المبيت، يجب التفريق بين الأمرين، والحديث الواضح الصريح: أنّه مَن صلّى صلاتنا هذه» معنا في جمع، وكان قد وقف على عرفة ساعةً من الليل أو النهار؛ فقد تمّ حجُّه وقضى تَفَثَهُ«(١). فجعل صلاة الصبح في مزدلفة والوقوف في عرفة أوّلًا شيئًا واحدًا؛ ثمّ رتَّب على مجموع الأمرين بأنّه قد تمّ حَجُّهُ. ومعنى ذلك: أنّه إِذا أخلّ بأحد الأمرين المذكورين في هذا الحديث الصحيح؛ فحجّه لم يتمّ». انتهى. أقول: صلاة الفجر في المزدلفة لغير النساء والضعفة رُكن على الراجح، والله أعلم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ولقول النّبيّ - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم» (٢). ولحديث عروة بن مضرِّس -رضي الله عنه- قال: «أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف -يعني: الجمع- قلت: يا رسول الله! من جبل طَيءٍ، أكللت مَطِيَّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (٣) إِلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو -------------------- (١) ذكر شيخنا -رحمه الله- حديث عروة بن المضرِّس بمعناه، وسيأتي في الصفحة الآتية إِن شاء الله تعالى. (٢) تقدّم تخريجه. (٣) حَبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه. وقيل: الحبال في الرمل؛ كالجبال في غير الرمل». «النهاية». وفي بعض النسخ (جبل) بالجيم. نهارًا؛ فقد تمّ حجُّه، وقضى تفَثه (١)» (٢). وفي لفظ: «من أدرك جمْعًا مع الإِمام والناس حتى يُفيض منها؛ فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرك مع الناس والإِمام؛ فلم يُدرك» (٣). قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣) -بعد حديث عروة بن المضرّس -رضي الله عنه-: «وبهذا احتجّ من ذهب إِلى أنّ الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة ...» ثمّ ذكر من يرى هذا من الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم، وقال: ولهم ثلاث حجج، هذه إحداها. والثانية: قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (٤). والثالثة: فِعل رسول الله - ﷺ - الذي خرَج مخرج البيان لهذا الذّكر المأمور به. حُجج من يرد على الركنية: *١ - احتج بعضهم بقول النّبيّ - ﷺ -: «الحج عرفة». ويرد عليهم: ------------------- (١) التفَث: هو ما يفعله المحرم بالحج إِذا حلّ؛ كقص الشارب، والأظفار، ونتْف الإِبط، وحلق العانة. وقيل: هو إِذهاب الشعَث والدَّرَن والوسخ مطلقًا. «النهاية». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٨)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٤٢)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٤٥). (٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٤٦). (٤) البقرة: ١٩٨. أ- أنّ عندهم فرائض يبطل الحجّ بتركها سوى عرفة؛ كترك الإِحرام، وترك طواف الإِفاضة، وترك الصفا والمروة. ب- ليس قوله - ﷺ -: «الحج عرفة» بمانع من أن يكون غيرُ عرفة الحجَّ أيضًا، إِذا جاء بذلك نصّ، وقد قال تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إِليه سبيلًا﴾ (١)؛ والبيت غير عرفة بلا شكّ. .. وقد قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إِلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (٢). وأخبر رسول الله - ﷺ - أنّ يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ ولا يكون يوم الحج الأكبر إِلا وغيره يوم الحج الأصغر، ومحال ممتنع أن يكون هو يوم الحج الأكبر ولا يكون فيه من فرائض الحج شيء، ويكون فرض الحج في غيره. فصحّ أن جملة فرائض الحج الأكبر، وهي الوقوف بمزدلفة الذي لا يكون في غيره، ورمي الجمرة، والإفاضة؛ وقد يكونان فيما بعده كما عرفة فيما قبله* (٣). وذكر ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٧/ ١٧٠) بإِسناده إِلى ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّه قال: «من أفاض من عرفة؛ فلا حجّ له». وقال (ص ١٧١): «وقد ذكرنا عن ابن الزبير أنّه كان يقول في خطبته: ألا ------------------- (١) آل عمران: ٩٧. (٢) التوبة: ٣. (٣) ما بين نجمتين من»المحلّى" (٧/ ١٦٩) بتصرّف. لا صلاة إِلا بجمع! فإِذا أبطل الصلاة إِلا بمزدلفة؛ فقد جعَلها من فرائض الحج. ومن طريق شعبة عن داود بن يزيد الأزدي عن أبي الضحى قال: سألت علقمة عمن لم يدرك عرفات أو جمعًا أو وقع بأهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: عليه الحج. ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن إِبراهيم النخعي قال: كان يقال: من فاته جمع أو عرفة؛ فقد فاته الحج. ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: من فاته عرفة أو جمع أو جامع قبل أن يزور؛ فقد فسد حجه. ومن طريق سفيان الثوري أيضًا عن عبد الله بن أبي السَّفَرِ عن الشعبي أنه قال: من فاته جمع؛ جعلها عمرة. وعن الحسن البصري: من لم يقف بجمع؛ لا حجّ له. وعن حمّاد بن أبي سليمان قال: من فاته الإِفاضة من جمع؛ فقد فاته الحج؛ فليحلّ بعمرة ثمّ ليحج من قابل. ومن طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، ألا ترى أنه إِذا فاته عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فاته الحج؟! قال أبو محمد: صدق سعيد؛ لأنّ من فاتته عرفة يوم عرفة؛ لم يفته الحج؛ لأنّه يقف بعرفة ليلة النحر يوم النحر؛ وأمّا يوم النحر فإِنما سماه الله تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ (١)؛ لأنّ فيه فرائض ثلاثًا من فرائض الحج، وهو الوقوف بمزدلفة لا يكون جازئًا إِلا غداة يوم النحر، وجمرة العقبة وطواف الإِفاضة؛ ويجوز تأخيره؛ فصح أن مزدلفة أشد فروض الحج تأكيدًا وأضيقها وقتًا؛ وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا. ٢ - واحتجّ بعضهم بأنّ النّبيّ - ﷺ - مدّ وقت الوقوف بعرفة إِلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صحّ حجّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا؛ لم يصحّ حجّه (٢). قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٤): «وأمّا توقيت الوقوف بعرفة إِلى الفجر؛ فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة رُكنًا، وتكون تلك الليلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات (٣)، وتضييق الوقت لأحدهما لا يُخرجه عن أن يكون وقتًا لهما حال القدرة». ٣ - واحتجّ بعضهم بأنّه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرجال والنّساء، فلمّا قدَّم رسول الله - ﷺ - النساء بالليل؛ عُلم أنه ليس بركن! فأقول: ---------------------- (١) التوبة: ٣. (٢) قلت: وإذا قلنا بركنية صلاة الفجر دون ركنية المبيت لأهل القوّة؛ في حال يضيق عليه الوقت؛ فإِنه يتمكن من الجمع بين الوقوف في عرفة قبل الفجر وشهود صلاة الفجر بالمزدلفة. وتأمّل قوله - ﷺ -: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمْع؛ فقد تمّ حجّه». أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧١٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٢٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٠٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٤١)، وانظر «الإِرواء» (١٠٦٤). (٣) يعني: كوقت آخر الظهر وأول العصر مثلًا. أ- قال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٤): «وفي [هذا] نظر؛ فإِنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما قدّمهنّ بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة؛ والواجب هو ذلك». ب- إِنما يكون الأمر بحسب القدرة؛ فعند الضعف يكون التخفيف أو رفع التكليف، فالقيام في الصلاة من أركانها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (١). وفي الحديث: «صلِّ قائمًا، فإِن لم تستطِع فقاعدًا ...» (٢). *٤ - وأجابوا .. عن حديث عروة: بأنّ الإِتمام يكون على وجوه: تارة يكون إِتمامًا لا يصح الشيء إِلا به، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إِتمامًا يصح الشيء به مع نفي التحريم، والمراد بالإِتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة: إِتمام الواجب الذي تصح العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور* (٣). فأقول: ١ - ما هو الدليل على هذا الاختيار في تفسير مدلول الإِتمام؛ فإِن هذا يتقرّر من خلال مجموع أفراد المسائل الأُخرى! وقد بيّنت الردّ عليها. ٢ - إِن النّبي - ﷺ - لم يذكر كلّ أعمال الحج حتى يقال هذا القول فإِنّه لم --------------------- (١) البقرة: ٢٣٨. (٢) تقدّم تخريجه. (٣) ما بين نجمتين عن كتاب «الشرح الممتع» (٧/ ٤١٥) للشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-. يذكر إِلا شهود صلاة الفجر والوقوف بعرفة، فبهما يتمّ الحج ويُقضى التفث، والحاج مُعرَّض للتمام الذي يصحّ الحج به؛ سواءً أكان مع التحريم أو بدونه؛ بالأعمال التي تأتي بعد هذه العبارة. ج- إِنّ الله -تعالى- قد أوجب على الرجال أمورًا لم يوجبها على النساء؛ كصلاة الجمعة والجماعة ... فإِن قالوا: لكن هناك البدل والمبدل منه. قلنا: فالجهاد؟! وما الدليل على البدل والمبدل منه؟ فهذه أمور تُستقرأ من النصوص ولا تُؤصّل. والحاصل أنّ هناك أمورًا يسقط وجوبها بالكلية، وهناك من الأمور ما يكون فيه البدل منه. أقول: إِنّ تقديم ما فيه الاختيار للركنية (١) وبراءة الذّمة أولى. جاء في كتاب «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» للحازمي -رحمه الله- (ص ٣٧): "الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين، ولا يكون في الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين أولى (٢). --------------------- (١) أمّا مَن ترجح لديه الوجوب دون الركنية من خلال بحثه الموضوعي بتجرّد؛ فله عدم الأخذ بهذا الاحتياط. وعلى أي حال: فثمرة هذا الحكم يتعلّق بأهل القوّة، فينبغي التأني في إِطلاق القول بالوجوب ارتجالًا. (٢) وتقدّم. ولا يجوز لنا أن نخرج عن موضوعية البحث العلمي، أو أن يُفضي الأمر بنا إِلى الخصومة والعداء؛ فإِنّ المراد هو وجه الله -تعالى- عند القائلين بأيّ رأيٍ من الرأيَيْن، وهو بين الأجر والأجرين، فلا يجوز أن نتخطّى دائرة الأجر والأجرين إِلى الإِثم، أو ما يبلغنا إِليه! ونسأل الله الهدى والسداد. ثمّ يأتي المشعر الحرام (وهو جبل في المزدلفة)، فيرقى عليه ويستقبل القبلة، فيحمد الله ويكبّره ويهلّله ويوحّده ويدعو، ولا يزال كذلك حتى يُسفر (١) جدًّا. عن جابر -رضي الله عنه- في حديثه الطويل: «أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئًا، ثمّ اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإِقامة، ثمّ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (٢)، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلله ووحدّه، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس» (٣). فضل الوقوف في المشعر الحرام: روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: "وقف النّبيّ - ﷺ - بـ (عرفات) وقد كادت الشمس أن تؤوب؛ فقال: يا بلال! أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله - ﷺ - فأنصت الناس --------------------- (١) الإِسفار: إِضاءة الفجر إِضاءة تامّة. (٢) جبل معروف في المزدلفة. (٣) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وتقدّم. فقال: معاشر الناس. أتاني جبرائيل آنفًا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله -عز وجل- غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر ابن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثُر خير الله وطاب» (١)! هل التحصِيب (٢) سُنّة؟ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «من السّنّة النزول بـ (الأبطح) (٣) عشية النَّفْر» (٤). قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٦٧٥): ولقد بادرت إِلى تخريج هذا الحديث فور حصولي على نسخة مصوّرة من «المعجم الأوسط» لعزّته، وقلّة من أورده من المخرجين وغيرهم، ولكونه شاهدًا قويًا لما ---------------------- (١) انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٥١)، وتقدّم. (٢) التحصيب: النزول بـ (المحصَّب) وهو الشعب الذي مخرجه إِلى الأبطح بين مكة ومنى. وهو أيضًا (خيف بني كنانة). قاله شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة». وقال الخطابي -رحمه الله-: التحصيب: هو أنّه إذا نفَر من منى إِلى مكة للتوديع؛ يقيم بالمحصّب حتى يهجع به ساعة ثم يدخل مكّة. «عمدة القارئ» (١٠/ ١٠٠). وقال النووي -رحمه الله-: والمحصّب والحصْبة والأبطح والبطحاء وخَيْف بني كنانة اسم لشيء واحد. (٣) الأبطح: يعني أبطح مكّة، وهو مسيل واديها، ويجمع على البطاح والأباطح، ومنه قيل: قريش البطاح، هم الذين ينزلون أباطح مكّة وبطحاءها. «النهاية». (٤) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط»، وانظر «الصحيحة» (٢٦٧٥). رواه مسلم (٤/ ٨٥) عن نافع أنّ ابن عمر كان يرى التحصيب سنّة. فكأنّ ابن عمر تلقّى ذلك من أبيه -رضي الله عنهما- فتقوّى رأيه بهذا الشاهد الصحيح عن عمر. وليس بخافٍ على أهل العلم أنّه أقوى في الدلالة على شرعية التحصيب من رأي ابنه؛ لما عُرف عن هذا من توسّعه في الاتباع له - ﷺ - حتى في الأمور التي وقعت منه - ﷺ - اتفاقًا لا قصدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد ذكر بعضها المنذري في أول «ترغيبه» بخلاف أبيه عمر كما يدلّ على ذلك نهيه عن اتباع الآثار، فإِذا هو جزم أنّ التحصيب سنّة؛ اطمأن القلب إِلى أنه يعني أنّها سنّة مقصودة أكثر من قول ابنه بذلك، لا سيّما ويؤيّده ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيفٍ بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر». وذلك أنّ قريشًا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلّموا إِليهم رسول الله - ﷺ -. يعني بذلك التحصيب. والسياق لمسلم. قال ابن القيم في «زاد المعاد»: «فقصد النّبيّ - ﷺ - إِظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله. وهذه كانت عادته -صلوات الله وسلامه عليه-: أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك كما أمر - ﷺ - أن يبني مسجد الطائف موضع اللات والعزّى». وأما ما رواه مسلم عن عائشة أنّ نزول الأبطح ليس بسنّة، وعن ابن عباس أنّه ليس بشيء (١)، فقد أجاب عنه المحقّقون بجوابين: الأول: أنّ المثبت مقدّم على النافي. والآخر: أنّه لا منافاة بينهما، وذلك أنّ النافي أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، والمثبت أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -، لا الإِلزام بذلك، قال الحافظ عقبه (٣/ ٤٧١): «ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل كما دلّ عليه حديث أنس وابن عمر». قلت -أي: شيخنا رحمه الله-: وهما في «مختصري لصحيح البخاري» (كتاب الحج/٨٣ - باب و١٤٨ - باب). انتهى. وجاء في «الفتح» (٣/ ٥٩١): «وروى مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق سليمان بن يسار. عن أبي رافع قال:»لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربْتُ قبته فجاء فنزل«. لكن لما نزله النّبيّ - ﷺ - كان النزول به مستحبًا اتباعًا له لتقريره على ذلك، وقد فعَله الخلفاء بعده كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال:»كان النّبيّ - ﷺ - وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح"، وسيأتي للمصنف في الباب الذي يليه (٢) لكن ليس فيه ذكر أبي بكر، ومن طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنّة، قال ----------------------- (١) أي: ليس بنُسك من مناسك الحجّ كما قال عدد من العلماء. (٢) أي: باب ١٤٨ - باب النزول بذي طوُى والنزول بالبطحاء ... نافع: «وقد حصب رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده». فالحاصل أن من نفى أنّه سنّة كعائشة وابن عباس أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء. ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله - ﷺ -؛ لا الإِلزام بذلك، ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل؛ كما دل عليه حديث أنس، ويأتي نحوه من حديث ابن عمر في الباب الذي يليه. ويأتي زمزم، فيشرب منها. فائدة: سألت شيخنا -رحمه الله- عن النزول في المُحصب حين ينفر الحاج من منى إِلى مكة؟ فقال -رحمه الله-: «مسألة خلافية بين الصحابة -رضي الله عنهم- منهم من رآها سنة، ومنهم من لم يرها». قلت: وما تقدّم في «السلسلة» زيادة بيان وفائدة. الرمي مشروعيته: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -: "لما أتى إِبراهيم خليل الله المناسك؛ عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إِبراهيم تتبعون» (١). وسألت شيخنا -رحمه الله- عن قصّة ظهور الشيطان لصرف إِبراهيم -عليه الصلاة والسلام- قبل الاطلاع على تصحيحه. فأجاب: نعم، لكن ليس هناك شيطان قابع ليرميَه الحُجَّاج، ولكنه تذكير بتلك الحادثة الجليلة«. وجوبه: عن جابر بن عبد الله -رضي لله عنه- قال: رأيت النّبيّ - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد حَجّتي هذه» (٢). وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون وجوب رمي الجمار،؟ فأجاب: نعم. صفته: ويلتقط الحصيات (٣) التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى، وهي ----------------------- (١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم -واللفظ له-، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٥٦). (٢) أخرجه مسلم: ١٢٩٧. (٣) جاء في كتاب «حجة النّبيّ - ﷺ -» (ص ٨١): ".. يجوز له أن يلتقط الحصى = آخر الجمرات وأقربهن إِلى مكة. ويستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه. ويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف، وهو أكبر من الحِمِّصَة قليلًا. الرفق في رمي الجمار وصفتها: عن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب، يُكبّر مع كلّ حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس، فقال النّبيّ - ﷺ -: يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رميتم الجمرة؛ فارموا بمثل حصى الخَذْف» (٢). ------------------------ = من حيث شاء، كما قال ابن تيمية -رحمه الله-؛ وذلك لأن النّبيّ - ﷺ - لم يحدد لذلك مكانًا، وغاية ما جاء فيه حديث ابن عباس (وفي رواية: الفضل بن عباس) قال: قال لي رسول الله - ﷺ - غداة العقبة (وفي رواية: غداة النحر، وفي أخرى: غداة جمع) وهو على راحلته: هاتِ القُطْ لي. فلقطت له حصيات نحوًا من حصى الخذف، فلمّا وضعتهنّ في يده قال: مثل هؤلاء -ثلاث مرات-؛ وإياكم والغلو في الدين؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين«. أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن الجارود في»المنتقى«-والسياق له-، وابن حبان في»صحيحه«، والبيهقي، وأحمد بسند صحيح. فهذا مع كونه لا نص فيه على المكان؛ فهو يشعر بأن الالتقاط كان عند جمرة العقبة، على الرواية الثانية، وكذا الأولى وعليها أكثر الرواة .. فما يفعله كثير من الحجاج -من التقاط الحصيات من المزدلفة وحين وصولهم إِليها- خلاف السُّنّة، مع ما فيه من التكلّف لحمل الحصيات لكل يوم». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٧٢٩) وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٤٤٥). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (قال رسول الله - ﷺ - غداة العقبة- وهو على ناقته-: أُلقُطْ لي حصًى. فلقطت له سبع حصيات، هنّ حصى الخذْف، فجعل ينفضهنّ في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثمّ قال: يا أيها الناس! إِياكم والغلوّ في الدّين؛ فإِنه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين» (١). ويكبر مع كلّ حصاة. ْفعن جابر -رضي الله عنه-: «أن النّبيّ - ﷺ - كان يكبّر مع كلّ حصاة» (٢). ويقطع التلبية مع آخر حصاة. عن الفضل -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة» (٣). ولا يرميها إِلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء أو الضعفة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، والرمي شيءآخر. عن جابر -رضي الله عنه- قال: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضُحى، وأمّا بعدُ (٤)؛ فإِذا زالت الشمس» (٥). ---------------------- (١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٤٥٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٨٦٣)، وانظر «الصحيحة» (١٢٨٣). (٢) أخرجه مسلم: ١٢١٨، وانظر حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في «صحيح البخاري» (١٧٥٠)، و«صحيح مسلم» (١٢٩٦). (٣) أخرجه البخاري: ١٦٧٠، ومسلم: ١٢٨١. (٤) أي: أيام التشريق الثلاثة. (٥) أخرجه مسلم: ١٢٩٩. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|