استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة
ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة تهتم بعرض جميع المواضيع الخاصة بعقيدة أهل السنة والجماعة
 

   
الملاحظات
 

 
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 12-30-2025, 03:46 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي الغني جل جلاله وتقدست أسماؤه

      

الغني جل جلاله وتقدست أسماؤه
الشيخ وحيد عبد السلام بالي

الْغَنِيُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ:
الْغَنِيُّ فِي اللُّغَةِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ لِمَنِ اِتَّصَفَ بَالْغِنَى، فِعْلُهُ غَنِيَ غِنًى وَاسْتَغْنَى وَاغْتَنَى فَهُوَ غَنِيٌّ.

وَالْغِنَى فِي حَقِّنَا قِلَّةُ الْاِحْتِيَاجِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ نِسْبِيٌّ، وَيَتَحَقَّقُ غَالِبًا بِالْأَسْبَابِ الَّتِي اُسْتُؤمِنَ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ وَاسْتَخْلَفَهُ اللهُ فِيهَا كَالْأَمْوَالِ وَالْأَقْوَاتِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفِسِهِ الْحَاجَاتِ وَمُخْتَلَفَ الضَّرُورِيَّاتِ[1]، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ [التوبة: 93].

وَالْغِنَى إِنْ تَعَلَّقَ بِالمَشِيئَةِ فَهُوَ وَصْفُ فِعْلٍ كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 28].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم: 48].

وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالمَشِيئَةِ فَهُوَ وَصْفُ ذَاتٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97].

وَكَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15].

وَالْغَنِيُّ سُبْحَانَهُ هُوَ المُسْتَغْنِي عَنِ الْخَلْقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَالْخَلْقُ جَمِيعًا فُقَرَاءٌ إِلَى إِنْعَامِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى أَحَدٍ فِي شَيءٍ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى المُطْلَقُ، وَلَا يُشَارِكُ اللهَ تَعَالَى فِيهِ غَيرُهُ، وَالْغَنِيُّ أَيْضًا هُوَ الَّذِي يُغْنِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى قَدْرِ حِكْمَتِهِ وَابْتِلَائِهِ.

وَأَيُّ غَنيٍّ سِوَى اللهِِ فَغِنَاهُ نِسْبِيٌّ مُقَيَّدٌ، أَمَّا غِنَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فَهُوَ كَامِلٌ مُطْلَقٌ، وَمَهْمَا بَلَغَ المَخْلُوقُ فِي غِنَاهُ فَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى اللهِ؛ لَأَنَّ اللهَ هُوَ المُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ وَالمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ فَهُوَ المَالِكُ لِكُلِّ شَيءٍ، المُتَصَرِّفُ بِمَشِيئَتِهِ فِي خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ، يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ مِنْ فَضْلِهِ، وَقَسَمَ لِكُلِّ مَخْلوقٍ مَا يَخُصُّهُ فِي حَيَاتِهِ وَرِزْقُهُ، وَعَطَاؤُهُ لَا يَمْتَنِعُ، وَمَدَدُهُ لَا يَنْقَطِعُ، وَخَزَائِنُهُ مَلْأَى لَا تَنْفَدُ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ»[2].

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مَمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ»[3].

فَالْغَنِيُّ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ وَالْقِيَامِ بِالنَّفْسِ هُوَ اللهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، فَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَنِ الْعَالَمِينَ، المُسْتَغْنِي عَنِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَاتِّصَافُ غَيْرِ اللهِ بَالْغِنَى لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْحَقِّ مُتَوَحِّدًا فِي غِنَاهُ؛ لَأَنَّ الْغِنَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ مُقَيَّدٌ، وَفِي حَقِّ اللهِ مُطْلَقٌ، وَهَذَا وَاضِحٌ مَعْلُومٌ، وَذَلِكَ مُضْطَرِدٌ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِهِ بِاللُّزُومِ[4].

وُرُودُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
وَرَدَ الْاسْمُ فِي ثَمَانِ عَشَرَةَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، مِنْهَا: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: 133].

وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ[يونس: 68].

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم: 8].

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40].

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: 6].

وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15].

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن: 6].

مَعْنَى الاِسْمِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263]: وَاللهُ غَنِيٌّ عَمَّا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ، حَلِيمٌ حِينَ لَا يَعْجَلُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ يَمُنُّ بِصَدَقَتِهِ مِنْكُم، وَيُؤذِي فِيهَا مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِ»[5].

وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267]: «وَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ اللهَ عز وجل غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَاتِكُمْ وَعَنْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا أَمَرَكُمْ بِهَا وَفَرَضَهَا فِي أَمْوَالِكُمْ رَحْمَةً مِنْهُ لَكُمْ لِيُغْنِيَ بِهَا عَائِلَكُمْ، وَيُقَوِّيَ بِهَا ضَعِيفَكُم، وَيَجْزِلَ لَكُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ مَثُوبَتَكُمْ، لَا مِنْ حَاجَةٍ بِهِ فِيهَا إِلَيْكُمْ»[6].

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: «وَهُوَ (الْغَنِيُّ) وَالْمُسْتَغْنِي عَنِ الْخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ وَعِزِّ سُلْطَانِهِ، وَالْخَلْقُ فُقَرَاءٌ إِلَى تَطوُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد: 38][7].

وَقَالَ الزَّجَّاجِيُّ: «الْغَنِيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الَّذِي لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ اللهُ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ جَلَّ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا كَمَا قَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: 6].

وَكُلُّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ - جَلَّ اِسْمُهُ - مُحْتَاجٌ، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15].

فَاللهُ عز وجل لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ فِيمَا خَلَقَ وَيَخْلُقُ، وَدَبَّرَ وَيُدَبِّرُ، وَيُعْطِي وَيَرْزُقُ، وَيَقْضِي وَيُمْضِي، لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ»[8].

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: «(الْغَنِيُّ) هُوَ الَّذِي اِسْتَغْنَى عَنِ الْخَلْقِ وَعَنْ نُصْرَتِهِم وَتَأْيِيدِهِمْ لِمُلْكِهِ، فَلَيْسَتْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ إِلَيْهِ فُقَرَاءٌ مُحْتَاجُونَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد: 38]»[9].

وَقَالَ الْحُلَيْمِيُّ: «(الْغَنِيُّ) وَمَعْنَاهُ: الْكَامِلُ بِمَا لَهُ وَعِنْدَهُ، فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَرَبُّنَا - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لَأنَّ الْحَاجَةَ نَقْصٌ، وَالمُحْتَاجُ عَاجِزٌ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَهُ وَيُدْرِكَهُ، وَلِلمُحْتَاجِ إِلَيْهِ فَضْلٌ بِوُجُودِ[10] مَا لَيْسَ عِنْدَ المُحْتَاجِ.

فَالنَّقْصُ مَنْفِيٌّ عَنِ الْقَدِيمِ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْعَجْزُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فَضْلٌ[11]؛ إِذْ كُلُّ شَيءٍ سِوَاهُ خَلْقٌ لَهُ وَبِدْعٌ أَبْدَعَهُ، وَلَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَمَا يُرِيدُهُ اللهُ عز وجل وَيُدَبِّرُهُ، فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ هَذَا اتِّسَاعٌ لِفَضْلِهِ عَلَيْهِ»[12].

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «هُوَ الَّذِي اسْتَغْنَى عَنِ الْخَلْقِ، وَقِيلَ: المُتَمَكِّنُ مِنْ تَنْفِيذِ إِرَادَتِهِ فِي مُرادَاتِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ يَسْتَحِقُّهَا بِذَاتِهِ»[13].

وَقَالَ فِي المَقْصِدِ: «(الْغَنِيُّ) هُوَ: الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِ ذَاتِهِ، بَلْ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الْعِلَاقَةِ مَعَ الْأَغْيَارِ.

فَمَنْ تَتَعَلَّقْ ذَاتُهُ أَوْ صِفَاتُ ذَاتِهِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ ذَاتِهِ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ وُجُودُهُ أَوْ كَمَالُهُ فَهُوَ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إِلَى الْكَسْبِ».

قَالَ: «وَالْغَنِيُّ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ أَصْلًا، وَالَّذِي يَحْتَاجُ وَمَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَهُوَ غَنِيٌّ بِالمَجَازِ، وَهُوَ غَايَةُ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِمْكَانِ فِي حَقِّ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، فَأَمَّا فَقْدُ الْحَاجَةِ فَلَا، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى اللهِ تَعَالَى سُمِّي غَنِيًّا، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَصْلُ الْحَاجَةِ؛ لِمَا صَحَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ كُلِّ شَيءٍ سِوَى اللهِ لَمَا صَحَّ للهِ تَعَالَى وَصْفُ المُغْنِي»[14].

الْغِنَى الْمُطْلَقُ للهِ تَعَالَى:
قَالَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله تَعَالَى:
«قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15]، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ فَقْرَ الْعِبَادِ إِلَيْهِ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لِهُمْ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمْ، كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ذَاتِيٌّ لَهُ، فِغِنَاهُ وَحَمْدُهُ ثَابِتٌ لَهُ لِذَاتِهِ لَا لِأَمْرٍ أَوْجَبَهُ، وَفَقْرُ مَنْ سِوَاهُ إِلَيْهِ ثَابِتٌ لِذَاتِهِ لَا لِأَمْرٍ أَوْجَبَهُ، فَلَا يُعَلَّلُ هَذَا الْفَقْرُ بِحُدُوثٍ وَلَا إِمْكَانٍ، بَلْ هُوَ ذَاتِيٌّ لِلْفَقِيرِ، فَحَاجَةُ الْعَبْدِ إِلَى رَبِهِ لِذَاتِهِ لَا لِعِلَّةٍ أَوْجَبَتْ تِلْكَ الْحَاجَةَ، كَمَا أَنَّ غِنَى الرَّبِ سُبْحَانَهُ لِذَاتِهِ لَا لِأَمْرٍ أَوْجَبَ غِنَاهُ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَةَ:
وَالْفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لَازِمٌ أَبَدًا
كَمَا الْغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي



فَالْخَلْقُ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إِلَى رَبِّهِ بِالذَّاتِ لَا بِعِلَّةٍ، وَكُلُّ مَا يُذْكَرُ وَيُقَرَّرُ مِنْ أَسْبَابِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ فَهِيَ أَدِلَّةٌ عَلَى الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ لَا عِلَلَ لِذَلِكَ؛ إِذْ مَا بِالذَّاتِ لَا يُعَلَّلُ، فَالْفَقِيرُ بِذَاتِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى الْغَنِيِّ بِذَاتِهِ، فَمَا يُذْكَرُ مِنْ إِمْكَانٍ وَحُدُوثٍ وَاحْتِيَاجٍ فَهِيَ أَدِلَّةٌ عَلَى الْفَقْرِ لَا أَسْبَابٌ لَهُ.

وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي مَسْأَلَةِ عِلَّةِ احْتِيَاجِ الْعَالَمِ إِلَى الرَّبِ سُبْحَانَهُ غَيْرَ الْقَوْلَينِ اللَّذَيْنِ يَذْكُرُهُمَا الْفَلَاسِفَةُ وَالمُتَكَلِّمُونَ، فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ قَالُوا: عِلَّةُ الْحَاجَةِ الْإِمْكَانُ، وَالمُتَكَلِّمُونَ قَالُوا: عِلَّةُ الْحَاجَةِ الْحُدُوثُ.

وَالصَّوَابُ أَنَّ الْإِمْكَانَ وَالْحُدُوثَ مُتَلَازِمَانِ، وَكِلَاهُمَا دَلِيلُ الْحَاجَةِ وَالْافْتِقَارِ، وَفَقْرُ الْعَالَمِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يُعَلَّلُ، فَهُوَ فَقِيرٌ بِذَاتِهِ إِلَى رَبِّهِ الْغَنِيِّ بِذَاتِهِ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بإِمْكَانِهِ وَحُدُوثِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْفَقْرِ.

وَالمَقْصُودُ أَنَّه سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَنْ حَقِيقَةِ الْعِبَادِ وَذَوَاتِهِم بِأَنَّهَا فَقِيرَةٌ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ ذَاتِهِ المُقَدَّسَةِ وَحَقِيقَتِهِ أَنَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، فَالْفَقْرُ المُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَابِتٌ لِذَوَاتِهِم وَحَقَائِقِهِم مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَالْغِنَى المُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَابِتٌ لِذَاتِهِ تَعَالَى وَحَقِيقَتِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إِلَّا فَقِيرًا، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ إِلَّا غَنِيًّا، كَمَا أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إِلَّا عَبْدًا وَالرَّبُّ إِلَّا رَبًّا.

فَقْرُ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ دَرَجَاتٌ:
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْفَقْر فَقْرَانِ:
فَقْرٌ اِضْطِرَارِيٌّ، وَهُوَ فَقْرٌ عَامٌّ لَا خُرُوجَ لِبَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ عَنْهُ، وَهَذَا الْفَقْرُ لَا يَقْتَضِي مَدْحًا وَلَا ذَمًّا وَلَا ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِ المَخْلُوقِ مَخْلُوقًا وَمَصْنُوعًا.

وَالْفَقْرُ الثَّانِي: فَقْرٌ اِخْتِيَاريٌّ هُوَ نَتِيجَةُ عِلْمَيْنِ شَرِيفَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ، وَالثَّانِي مَعْرِفَتُهُ بِنَفْسِهِ، فَمَتَى حَصَلَتْ لَهُ هَاتَانِ المَعْرِفَتَانِ أَنْتَجَتَا فَقْرًا هُوَ عَيْنُ غِنَاهُ وَعِنْوَانُ فَلَاحِهِ وَسَعَادَتِهِ، وَتَفَاوُتُ النَّاسُ فِي هَذَا الْفَقْرِ بَحَسَبِ تَفَاوُتِهِم فِي هَاتَيْنِ المَعْرِفَتَيْنِ...

فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْغِنَى المُطْلَقِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ المُطْلَقِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ التَّامِّ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِزِّ التَّامِّ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالمَسْكَنَةِ التَّامَّةِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِلْمِ التَّامِّ وَالْحِكْمَةِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْجَهْلِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ أَخْرَجَ الْعَبْدَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ، وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى عَطَاءٍ وَلَا مَنْعٍ وَلَا ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ وَلَا شَيءٍ الْبَتَّةَ، فَكَانَ فَقْرُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِلَى مَا بِهِ كَمَالُهُ أَمْرًا مَشْهُودًا مَحْسُوسًا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَمَا بِالذَّاتِ دَائِمٌ بِدَوَامِهَا، وَهُوَ لَمْ يَنْتَقِلُ مِنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ إِلَى رُتْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْغِنَى، بَلْ لَمْ يَزَلْ عَبْدًا فَقِيرًا بِذَاتِهِ إِلَى بَارِئِهِ وَفَاطِرِهِ.

فَلَمَّا أَسْبَغَ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ رَحْمَتَهُ، وَسَاقَ إِلَيْهِ أَسْبَابَ كَمَالِ وُجُودِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَخَلَعَ عَلَيْهِ مَلَابِسَ إِنْعَامِهِ، وَجَعَلَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ، وَعَلَّمَهُ وأَقْدَرَهُ وَصَرَّفَهُ وَحَرَّكَهُ، وَمَكَّنَهُ مِنِ اسْتِخْدَامِ بَنِي جِنْسِهِ، وَسَخَّرَ لَهُ الْخَيْلَ والْإِبِلَ، وَسَلَّطَهُ عَلَى دَوَابِّ المَاءِ، وَاسْتِنْزَالِ الطَّيْرِ مِنَ الْهَوَاءِ، وَقَهْرِ الْوُحُوشِ الْعَادِيَةِ، وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَشَقِّ الْأَرْضِ، وَتَعْلِيَةِ الْبِنَاءِ، وَالتَّحَيُّلِ عَلَى مَصَالِحهِ، وَالتَّحَرُّزِ وَالتَّحَفُّظِ لِمَا يُؤْذِيهِ، ظَنَّ الْمِسْكِينُ أَنَّ لَهُ نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ، وَادَّعَى لِنَفْسِهِ مُلْكًا مَعَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَرَأَى نَفْسَهُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْعَيْنِ الْأُولَى، وَنَسِيَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَالَةِ الْإِعْدَامِ وَالْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، حَتَى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ ذَلِكَ الْفَقِيرَ المُحْتَاجَ، بَلْ كَأَنَّ ذَلِكَ شَخْصًا آخَرَ غَيْرَهُ.

كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ بُسْرِ بِنْ جَحَّاشٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا إِصْبُعَهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ حَتَى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ حَتَى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ»[15]، وَمِنْ هَهُنَا خُذِلَ مَنْ خُذِلَ وَوُفِّقَ مَنْ وُفِّقَ، فَحُجِبَ المَخْذُولُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَنَسِيَ نَفْسَهُ فَنَسِيَ فَقْرَهُ وَحَاجَتَهُ وَضَرُورَتَهُ إِلَى رَبِّهِ، فَطَغَى وَعَتَا، فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6، 7].

وَقَالَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 5 - 10].

فَأَكْمَلُ الْخَلْقِ أَكْمَلُهُمْ عُبُودِيَّةً وَأَعْظَمُهُمْ شُهُودًا لِفَقْرِهِ وَضَرُورَتِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ وَعَدَمِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ دُعَائِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَصْلِحْ لِي شأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ»[16]، وَكَانَ يَدْعُو: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك»[17]، يَعْلَمُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ قَلْبَهُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ عز وجل لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَصْرِفُهُ كَمَا يَشَاءُ.

كَيْفَ وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: 74]، فَضَرُورَتُهُ صلى الله عليه وسلم إِلَى رَبِّهِ وَفَاقَتُهُ إِلَيْهِ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَحَسَبِ قُرْبِهِ مِنْهُ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَهَذَا أَمْرٌ إِنَّمَا بَدَا مِنْهُ لِمَنْ بَعْدَهُ مَا يَرْشَحُ مَنْ ظَاهِرِ الْوِعَاءِ، وَلِهَذَا كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً وَأَعْظَمَهُمْ عِنْدَهُ جَاهًا وَأَرْفَعَهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً؛ لِتَكْمِيلِهِ مَقَامَ الْعُبُودِيَّةِ وَالْفَقْرِ إِلَى رَبِّهِ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ»[18].

وَكَانَ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»[19].

وَذَكَّرَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِسِمَةِ الْعُبُودِيَّةِ فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ، مَقَامِ الْإِسْرَاءِ وَمَقَامِ الدَّعْوَةِ وَمَقَامِ التَّحَدِّي، فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1].

وَقَالَ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن: 19].

وَقَال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: 23].

وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: «إِنَّ المَسِيحَ يَقُولُ لَهمْ: اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ عَبْدٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ»[20]، فَنَالَ ذَلِكَ الْمَقَامَ بِكَمَالِ عُبُودِيَّتِهِ للهِ وَبِكَمَالِ مَغْفِرَةِ اللهِ لَهُ.

فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: 15] بِاسْمِ اللهِ دُونَ اِسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ لِيُؤْذِنَ بَنَوْعَي الْفَقْرِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ نَوْعَانِ: فَقْرٌ إِلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَهُوَ فَقْرُ المَخْلُوقَاتِ بِأَسْرِهَا، وَفَقْرٌ إِلَى أُلُوهِيَّتِهِ وَهُوَ فَقْرُ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ النَّافِعُ، وَالَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الْقَوْمُ وَيَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ وَيُشِيرُونَ إِلَيْهِ هُوَ الْفَقْرُ الْخَاصُّ لَا الْعَامُّ.

وَقَدِ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُم عَنْهُ وَوَصْفُهُم لَهُ، وَكُلٌّ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَدْرِ ذَوْقِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّعِبِيرِ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ: «الْفَقْرُ اِسْمٌ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: الدَّرَجَةُ الْأُولَى: فَقْرُ الزُّهَّادِ، وَهُوَ نَفْضُ الْيَدَيْنِ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا أَوْ طَلَبًا، وَإِسْكَاتُ اللِّسَانِ عَنْهَا ذَمًّا أَوْ مَدْحًا، وَالسَّلَامَةُ مِنْهَا طَلَبًا أَوْ تَرْكًا، وَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِي شَرَفِهِ، الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: الرُّجُوعُ إِلَى السَّبْقِ بِمُطَالَعَةِ الْفَضْلِ، وَهُوَ يُورِثُ الْخَلَاصَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَعْمَالِ، وَيَقْطَعُ شُهُودَ الْأَحْوَالِ، وَيُمَحِّصُ مِنْ أَدْنَاسِ مُطَالَعَةِ المَقَامَاتِ، وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: صِحَّةُ الْاِضْطِرَارِ وَالْوُقُوعُ فِي يَدِ التَّقَطُّعِ الْوَحْدَانِي وَالْاحْتِبَاسُ فِي بَيْدَاءَ قَيْدَ التَّجْرِيدِ، وَهَذَا فَقْرُ الصُّوفِيَّةِ».

فَقَوْلُهُ: «الْفَقْرُ اِسْمٌ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ» يَعْنِي: أَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي يُجَرِّدُ رُؤْيَةَ المُلْكِ لِمَالِكِهِ الحَقِّ، فَيَرَى نَفْسَهُ مَمْلُوكَةً للهِ، لَا يَرَى نَفْسَهُ مَالِكًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَيَرَى أَعْمَالَهُ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى كَوْنِهِ مَمْلُوكًا عَبْدًا مُسْتَعْمَلًا فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ، فَنَفْسُهُ مَمْلُوكَةٌ، وَأَعْمَالُهُ مُسْتَحَقَّةٌ بِمُوجِبِ الْعُبُودِيَّةِ، فَلَيْسَ مَالِكًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِشَيءٍ مِنْ ذَرَّاتِهِ وَلَا لِشَيءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ عَلَيْهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، كَرَجُلٍ اِشْتَرَى عَبْدًا بِخَالِصِ مَالِهِ ثُمَّ عَلَّمَهُ بَعْضَ الصَّنَائِعِ، فَلَمَّا تَعَلَّمَهَا قَالَ لَهُ: اِعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ فَلَيْسَ لَكَ فِي نَفْسِكَ وَلَا فِي كَسْبِكَ شَيءٌ، فَلَوْ حَصَّلَ بِيَدِ هَذَا الْعَبْدِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَسْبَابِ مَا حَصَّلَ لَمْ يَرَ لَهُ فِيهَا شَيْئًا، بَلْ يَرَاهُ كَالْوَدِيعَةِ فِي يَدِهِ، وَأَنَّهَا أَمْوَالُ أُسْتَاذِهِ وَخَزَائِنُهُ وَنِعَمُهُ بِيَدِ عَبْدِهِ، مُسْتَودَعًا مُتَصَرِّفًا فِيهَا لِسَيِّدِهِ لَا لِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ: «وَاللهِ إِنِّي لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ»[21]، فَهُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي تِلْكَ الْخَزائِنِ بِالْأَمْرِ المَحْضِ تَصَرُّفَ الْعَبْدِ المَحْضِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ تَنْفِيذُ أَوَامِرَ سَيِّدِهِ.

فَاللهُ هُوَ المَالِكُ الحَقُّ، وَكُلُّ مَا بِيَدِ خَلْقِهِ هُوَ مِنْ أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَخَزَائِنِهِ، أَفَاضَهَا عَلَيْهِم لِيَمْتَحِنَهُم فِي الْبَذْلِ وَالْإِمْسَاكِ، وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى شَاهِدِ الْعُبُودِيَّةِ للهِ عز وجل، فَيَبْذُلُ أَحَدُهُم الشَّيءَ رَغْبَةً فِي ثَوَابِ اللهِ وَرَهْبَةً مِنْ عِقَابِهِ وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ وَطَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ؟ أَمْ يَكُونُ الْبَذْلُ وَالْإِمْسَاكُ مِنْهُمْ صَادِرًا عَنْ مُرَادِ النَّفْسِ وَغَلَبَةِ الْهَوَى وَمُوجِبِ الطَّبْعِ فَيُعْطِي لِهَوَاهُ وَيَمْنَعُ لِهَوَاهُ؟ فَيَكُونُ مُتَصِرِّفًا تَصَرُّفَ المَالِكِ لَا المَمْلُوكِ، فَيَكُونُ مَصْدَرُ تَصَرُّفِهِ الْهَوَى وَمُرَادَ النَّفْسِ، وَغَايَتُهُ الرَّغْبَةَ فِيمَا عِنْدَ الْخَلْقِ مِنْ جَاهٍ أَوْ رِفْعَةٍ أَوْ مَنْزِلَةٍ أَوْ مَدْحٍ أَوْ حَظٍّ مِنَ الْحُظُوظِ، أَوِ الرَّهْبَةِ مِنْ فَوْتِ شَيءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.

وَإِذَا كَانَ مَصْدَرُ تَصَرُّفِهِ وَغَايَتُهُ هُوَ هَذِهِ الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ رَأَى نَفْسَهُ - لَا مَحَالَةَ - مَالِكًا، فَادَّعَى المُلْكَ وَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْعُبُودِيَّةِ وَنَسِيَ فَقْرَهُ، وَلَوْ عَرَفَ نَفْسَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ لَعَلِمَ أَنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ مُمْتَحَنٌ فِي صُورَةِ مَلِكٍ مُتَصَرِّفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[يونس: 14].

وَحَقِيقٌ بِهَذَا المُمْتَحَنِ أَنْ يُوكَلَ إِلَى مَا اِدَّعَتْهُ نَفْسُهُ مِنَ الْحَالَاتِ وَالمَلَكَاتِ مَعَ المَالِكِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ؛ فَإِنَّ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ حَالَةً مَعَ اللهِ سُبْحَانَهُ وُكِلَ إِلَيْهَا، وَمَنْ وُكِلَ إِلَى شَيءٍ غَيْرَ اللهِ فَقَدْ فُتِحَ لَهُ بَابُ الْهَلَاكِ وَالْعَطْبِ، وَأُغْلِقَ عَنْهُ بَابُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيءٍ مَا سِوَى اللهِ بَاطِلٌ، وَمَنْ وُكِلَ إِلَى الْبَاطِلِ بَطَلَ عَمَلُهُ وَضَلَّ سَعْيُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ إِلَّا عَلَى الْحِرْمَانِ.

فَكُلُّ مَنْ تَعَلَّقَ بِغَيرِ اللهِ انْقَطَعَ بِهِ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: 166]، فَالْأَسْبَابُ الَّتِي تَقَطَّعَتْ بِهِم هِيَ الْعَلَائِقُ الَّتِي بِغَيْرِ اللهِ وَلِغَيْرِ اللهِ، تَقَطَعَتْ بِهِم أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لَأََنَّ تِلْكَ الْغَايَاتِ لَمَّا اِضْمَحَلَّتْ[22] وَبَطَلَتْ اِضْمَحَلَّتْ أَسْبَابُهَا وَبَطَلَتْ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ تَبْطُلُ بِبُطْلَانِ غَايَاتِهَا وَتَضْمَحِلُّ بِاضْمِحْلَالِهَا، وَكُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ سُبْحَانَهُ، وَكُلُّ عَمَلٍ بَاطِلٌ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَكُلُّ سَعْيٍ لِغَيْرِهِ بَاطِلٌ وَمُضْمَحِلٌّ، وَهَذَا كَمَا يُشَاهِدُهُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا مِنَ اِضْمِحْلَالِ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ وَالْكَدِّ وَالْخِدْمَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْعَبْدُ لِمُتَوَلٍّ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ صَاحِبِ مَنْصِبٍ أَوْ مَالٍ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الَّذِي عَمِلَ لَهُ عُدِمَ ذَلِكَ الْعَمَلُ وَبَطَلَ ذَلِكَ السَّعْيُ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ سِوَى الْحِرْمَانِ.

وَلِهَذَا يَقُولُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَيْسَ عَدْلًا مِنِّي أَنِّي أُوَلِّي كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُم مَا كَانَ يَتَوَلَّى فِي الدُّنْيَا، فَيَتَوَلَّى عُبَّادُ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ أَصْنَامَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ فَتَتَسَاقَطُ بِهِم فِي النَّارِ، وَيَتَوَلَّى عَابِدُو الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ آلِهَتَهُم، فَإِذَا كُوِّرَتِ الشَّمْسُ وَانْتَثَرَتِ النُّجُومُ اضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الْعِبَادَةُ وَبَطَلَتْ وَصَارَتْ حَسْرَةً عَلَيْهِم:﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: 167]، وَلِهَذَا كَانَ المُشْرِكُ مِنْ أَخْسَرِ النَّاسِ صَفْقَةً وَأَغْبَنِهِم يَوْمَ مَعَادِهِ؛ فَإِنَّهُ يُحَالُ عَلَى مُفْلِسٍ كُلِّ الْإِفْلَاسِ بَلْ عَلَى عَدَمٍ، وَالمُوَحِّدُ حِوَالَتُهُ عَلَى المَلِيءِ الْكَرِيمِ، فَيا بُعْدَ مَا بَيْنَ الْحِوَالَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: «الْبَرَاءَةُ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ» وَلَمْ يَقُلْ مِنَ المَلَكَةِ لَأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ فَقِيرًا لَا مَلَكَةَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ عَرِيٌّ عَنِ التَّحْقِيقِ بِنَعْتِ الْفَقْرِ المَمْدُوحِ أَهْلُهُ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ مَلَكَةً إِلَّا لِمَالِكِهَا الحَقِّ ذِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ قَدْ فُوِّضَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ وَجُعِلَ كَالْخَازِنِ فِيهِ، كَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أُوتِيَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَذَلِكَ الْخَلِيلُ وَشُعَيْبٌ وَالْأَغْنِيَاءُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ أَغْنِيَاءُ الصَّحَابَةِ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا بَرِيئِينَ مِنَ المَلَكَةِ فِي الظَّاهِرِ، وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ لِنُفُوسِهِم، فَلَا يَرَوْنَ لَهَا مِلْكًا حَقِيقِيًّا بَلْ يَرَوْنَ مَا فِي أَيْدِيهِم للهِ عَارِيَةً وَوَدِيعَةً فِي أَيْديهِمْ، ابْتَلَاهُمْ بِهِ؛ لِيَنْظُرَ هَلْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ العَبِيدِ أَوْ تَصَرُّفَ المُلَّاكِ الَّذِينَ يُعْطُونَ لِهَوَاهُمْ وَيَمْنَعُونَ لِهَوَاهُمْ.

فَوُجُودُ المَالِ فِي يَدِ الْفَقِيرِ لَا يَقْدَحُ فِي فَقْرِهِ، إِنَّمَا يَقْدَحُ فِي فَقْرِهِ رُؤْيَتُهُ لَمَلَكَتِهِ، فَمَنْ عُوفِيَ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ لَمْ يَتَلَوَّثْ بَاطِنُهُ بِأَوْسَاخِ المَالِ وَتَعَبِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَكَانَ كَالخَازِنِ لِسَيِّدِهِ الَّذِي يُنَفِّذُ أَوَامِرَهُ فِي مَالِهِ، فَهَذَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ مِنَ المَالِ أَمْثَالُ جِبَالِ الدُّنْيَا لَمْ يَضُرَّهُ، وَمَنْ لَمْ يُعَافَ مِنْ ذَلِكَ اِدَّعَتْ نَفْسُهُ المَلَكَةَ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ النَّفْسُ تَعَلُّقَهَا بِالشَيءِ المَحْبُوبِ المَعْشُوقِ، فَهُوَ أَكْبَرُ هَمِّهِ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ: إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ، فَهُوَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، يُصْبِحُ مَهْمُومًا وَيُمْسِي كَذَلِكَ، يَبِيتُ مُضَاجِعًا لَهُ، تَفْرَحُ نَفْسُهُ إِذَا ازْدَادَ، وَتَحْزَنُ وَتأْسَفُ إِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيءٌ، بَلْ يَكَادُ يَتْلَفُ إِذَا تَوَهَّمَتْ نَفْسُهُ الْفَقْرَ، وَقَدْ يُؤَثِرُ المَوْتَ عَلَى الْفَقْرِ، وَالْأَوَّلُ مُسْتَغْنٍ بِمَوْلَاهُ المَالِكِ الحَقِّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا أَصَابَ المَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ نَائِبَةٌ رَأَى أَنَّ المَالِكَ الحَقَّ هُوَ الَّذِي أَصَابَ مَالَ نَفْسِهِ.

فَمَا لِلْعَبْدِ وَمَا لِلْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَإِنَّمَا تَصَرُّفُ مَالِكِ المَالِ فِي مُلْكِهِ الَّذِي هُوَ وَدِيعَةٌ فِي يَدِ مَمْلُوكِهِ، فَلَهُ الْحُكْمُ فِي مَالِهِ: إِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ، وَإِنْ شَاءَ ذَهَبَ بِهِ وَأَفْنَاهُ، فَلَا يَتَّهِمُ مَوْلَاهُ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مُلْكِهِ، وَيَرَى تَدْبِيرَهِ هُوَ مُوجِبُ الْحِكْمَةِ، فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ بِالمَالِ تَعَلُّقٌ وَلَا لَهُ بِهِ اِكْتِرَاثٌ؛ لِصُعُودِهِ عَنْهُ وَارْتِفَاعِ هِمَّتُهُ إِلَى المَالِ الحَقِّ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِهِ وَبِحُبِّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَقُرْبِهِ مِنْهُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَيْهِ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَهَذَا هُوَ الْبَرِيءُ عَنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ المُوجِبَةِ لِلطُّغْيَانِ.

كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6، 7]، وَلَمْ يَقُلْ: إِنِ اِسْتَغْنَى، بَلْ جَعَلَ الطُّغْيَانَ نَاشِئًا عَنْ رُؤْيَةِ غِنَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ فِي سُورَةِ اللَّيْلِ، بَلْ قَالَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 8 - 10]، وَهَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - لَأَنَّهُ ذَكَرَ مُوجِبَ طُغْيَانِهِ وَهُوَ رُؤْيَةُ غِنَى نَفْسِهِ، وَذَكَرَ فِي سُورَةِ اللَّيْلِ مُوجِبَ هَلَاكِهِ وَعَدَمَ تَيْسِيرِهِ لِلْيُسْرَى، وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ رَبِّهِ بِتَرْكِ طَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ اِفْتَقَرَ إِلَيْهِ لَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِمَا أَمَرَهُ مِنْ طَاعَتِهِ فِعْلَ المَمْلُوكِ الَّذِي لَا غِنَى لَهُ عَنْ مَوْلَاهُ طَرْفَةُ عَيْنٍ وَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ مَعَهُ بُخْلَهُ وَهُوَ تَرْكُهُ إِعْطَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَأَدَاءِ المَالِ، وَجَمَعَ إِلَى ذَلِكَ تَكْذِيبَهُ بِالحُسْنَى، وَهِيَ الَّتِي وَعَدَ بِهَا أَهْلَ الْإِحْسَانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26]، وَمَنْ فَسَّرَهَا بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَلَأَنَّهَا أَصْلُ الْإِحْسَانِ، وَبِهَا تُنَالُ الْحُسْنَى، وَمَنْ فَسَّرَهَا بِالْخُلْفِ فِي الْإِنْفَاقِ فَقَدْ هَضَمَ المَعْنَى حَقَّهُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْخُلْفُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْحُسْنَى، وَالمَقْصُودُ أَنَّ الْاسْتِغْنَاءَ عَنِ اللهِ سَبَبُ هَلَاكِ الْعَبْدِ وَتَيْسِيرِهِ لِكُلِّ عُسْرَى، وَرُؤْيَتَهُ غِنَى نَفْسِهِ سَبَبُ طُغْيَانِهِ، وَكِلَاهُمَا مُنَافٍ لِلْفَقْرِ وَالْعُبُودِيَّةِ.

قَوْلُهُ: «الدَّرَجَةُ الْأُولَى: فَقْرُ الزُّهَّادِ، وَهُوَ نَفْضُ الْيَدَيْنِ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا أَوْ طَلَبًا، وَإِسْكَاتُ اللِّسَانِ عَنْهَا ذَمًّا أَوْ مَدْحًا، وَالسَّلَامَةُ مِنْهَا طَلَبًا أَوْ تَرْكًا، وَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِي شَرَفِهِ»، فَحَاصِلُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَرَاغُ الْيَدِ وَالْقَلْبِ مِنَ الدُّنْيَا، وَالذُّهُولُ عَنِ الْفَقْرِ مِنْهَا وَالزُّهْدِ فِيهَا، وَعَلَامَةُ فَرَاغِ الْيَدِ نَفْضُ الْيَدَيْنِ ضَبْطًا أَوْ طَلَبًا، فَهُوَ لَا يَضْبِطُ يَدَهُ مَعَ وُجُودِهَا شُحًّا وَضَنًّا بِهَا، وَلَا يَطْلُبُهَا مَعَ فَقْدِهَا سُؤَالًا وَإِلْحَافًا وَحِرْصًا، فَهَذَا الْإِعْرَاضُ وَالنَّفْضُ دَالٌّ عَلَى سُقُوطِ مَنْزِلَتِهَا مِنَ الْقَلْبِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهَا فِي الْقَلْبِ مَنْزِلَةٌ لَكَانَ الْأَمْرُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَكَانَ يَكُونُ حَالُهُ الضَّبْطَ مَعَ الْوُجُودِ لِغِنَاهُ بِهَا، وَلَكَانَ يَطْلُبُهَا مَعَ فَقْدِهَا لِفَقْرِهِ إِلَيْهَا.

وَأَيْضًا مِنْ أَقْسَامِ الْفَرَاغِ إِسْكَاتُ اللِّسَانِ عَنْهَا ذَمًّا وَمَدْحًا؛ لَأَنَّ مَنِ اِهْتَمَّ بِأَمْرٍ وَكَانَ لَهَ فِي قَلْبِهِ مَوْقِعٌ اِشْتَغَلَ اللِّسَانُ بِمَا فَاضَ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ أَمْرِهِ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، فَإٍِنَّهُ إِنْ حَصَلَتْ لَهُ مَدَحَهَا، وَإِنْ فَاتَتهُ ذَمَّهَا، وَمَدْحُهَا وَذَمُّهَا عَلَامَةُ مَوْضِعِهَا مِنَ الْقَلْبِ وَخَطَرِهَا، فَحَيْثُ اشْتَغَلَ اللِّسَانُ بِذَمِّهَا كَانَ ذَلِكَ لِخَطَرِهَا فِي الْقَلْبِ؛ لَأَنَّ الشَيءَ إِنَّمَا يُذَمُّ عَلَى قَدْرِ الْاهْتِمَامِ بِهِ وَالْاعْتِنَاءُ شِفَاءٌ لِغَيْظٍ مِنْهُ بِالذَّمِّ، وَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ الزُّهْدِ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ خَطَرِهَا فِي الْقَلْبِ؛ إِذْ لَوْلَا خَطَرُهَا وَقَدْرُهَا لَمَا صَارَ لِلزُّهْدِ فِيهَا خَطَرٌ، وَكَذَلِكَ مَدْحُهَا دَلِيلٌ عَلَى خَطَرِهَا وَمَوْقِعِهَا مِنْ قَلْبِهِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ، وَصَاحِبُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ لَا يَضْبِطُهَا مَعَ وُجُودِهَا، وَلَا يَطْلُبُهَا مَعَ عَدَمِهَا، وَلَا يَفِيضُ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ مَدْحٌ لَهَا يَدُلُّ عَلَى مَحَبَّتِهَا، وَلَا يَفِيضُ مِنَ الْقَلْبِ عَلَى اللِّسَانِ ذَمٌّ يَدُلُّ عَلَى مَوْقِعِهَا وخَطَرِهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا صَغُرَ أَعْرَضَ الْقَلْبُ عَنْهُ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ سَالِمٌ عَنِ النَّظَرِ إِلَى تَرْكِهَا، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ خَطَرِ الزُّهْدِ فِيهَا؛ لَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ إِلَى كَوْنِهِ تَارِكًا لَهَا زَاهِدًا فِيهَا تَتَشَرَّفَ نَفْسُهُ بِالتَّرْكِ، وَذَلِكَ مِنْ خَطَرِهَا وَقَدْرِهَا، وَلَوْ صَغُرَتْ فِي الْقَلْبِ لَصَغُرَ تَرْكُهَا وَالزُّهْدُ فِيهَا، وَلَوِ اِهْتَمَّ الْقَلْبُ بِمُهِمٍّ مِنَ المُهِمَّاتِ المَطْلُوبَةِ الَّتِي هِيَ مَذَاقَاتُ أَهْلِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ لَذَهُلَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى نَفْسِهِ بِالزُّهْدِ وَالتَّرْكِ.

فَصَاحِبُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مُعَافًى مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ كُلِّهَا: مِنْ مَرَضِ الضَّبْطِ، وَالطَّلَبِ، وَالذَّمِّ، وَالمَدْحِ، وَالتَّرْكِ، فَهِيَ بِأَسْرِهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مَمْدُوحًا فِي الْعِلْمِ مَقْصُودًا يَسْتَحِقُّ المُتَحَقِّقُ بِهِ الثَّوَابَ وَالمَدْحَ، لَكِنَّهَا آثَارٌ وَأَشْكَالٌ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ صاحِبَهَا لَمْ يَذُقْ حَالَ الْخُلُوِّ وَالتَّجْرِيدِ الْبَاطِنِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنَ الْحَقَائِقِ المُتَوَقَّعَةِ المُتَنَافَسِ فِيهَا.

فَصَاحِبُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ دَرَجَتَي الدَّاخِلِ بِكُلِّيَّتِهِ فِي الدُّنْيَا قَدْ رَكِنَ إِلَيْهَا وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهَا وَاتَّخَذَهَا وَطَنًا وَجَعَلَهَا لَهُ سَكَنًا، وَبَيْنَ مَنْ نَفَضَهَا بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَتَخَلَّصَ مِنْ قُيُودِهَا وَرُعُونَاتِهَا وَآثَارِهَا، وَارْتَقَى إِلَى مَا يَسُرُّ الْقَلْبَ وَيُحْيِيهِ وَيُفْرِحُهُ وَيُبْهِجُهُ مِنْ جَذَبَاتِ الْعِزَّةِ، فَهُوَ فِي الْبَرْزَخِ كَالْحَامِلِ المُقَرَّبِ يَنْتَظِرُ وِلَادَةَ الرُّوُحِ وَالْقَلْبِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؛ فَإِنَّ مَنْ لَمْ تُولَدْ رُوحُهُ وَقَلْبُهُ وَيَخْرُجُ مِنْ مَشِيمَةِ نَفْسِهِ وَيَتَخَلَّصُ مِنْ ظُلُمَاتِ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ وَإِرَادَتِهِ فَهُوَ كَالْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ الَّذِي لَمْ يَرَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَهَكَذَا هَذَا الَّذِي بَعْدُ فِي مَشِيمَةِ النَّفْسِ، وَالظُّلُمَاتُ الثَّلَاثُ هِيَ: ظُلْمَةُ النَّفْسِ، وَظُلْمَةُ الطَّبْعِ، وَظُلْمَةُ الْهَوَى، فَلَا بُدَّ مِنَ الْوُلَادَةِ مَرَّتَينِ كَمَا قَالَ المَسِيحُ لِلْحَوَارِيينَ: «إِنَّكُم لَنْ تَلِجُوا مَلَكُوتَ السَّمَاءِ حَتَى تُولَدُوا مَرَّتَينِ»؛ وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبًا لِلمُؤمِنِينَ كَمَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم وَهُوَ أَبٌ لَهم)[23]، وَلِهَذَا تَفَرَّعَ عَلَى هَذِهِ الْأُبُوَّةِ أَنْ جُعِلَتْ أَزْوَاجُهُ أُمَهَاتِهِمْ؛ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ وُلِدَتْ بِهِ وِلَادَةً أُخْرَى غَيْرَ وِلَادَةِ الْأُمَّهَاتِ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ أَرْوَاحَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْغَيِّ، إِلَى نُورِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَفَضَاءِ المَعْرِفَةِ وَالتَّوْحِيدِ، فَشَاهَدَتْ حَقَائِقَ أُخَرَ وَأُمُورًا لَمْ يَكُنْ لَهَا بِهَا شُعُورٌ قَبْلَهُ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: 1].

وَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: 2].

وَقَالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: 164].

وَالمَقْصُودُ أَنَّ الْقُلُوبَ فِي هَذِهِ الْوِلَادَةِ ثَلَاثَةٌ: قَلْبٌ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَأْنِ لَهُ بَلْ هُوَ جَنِينٌ فِي بَطْنِ الشَّهَوَاتِ وَالْغَيِّ وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، وَقَلْبٌ قَدْ وُلِدَ وَخَرَجَ إِلَى فَضَاءِ التَّوْحِيدِ وَالمَعْرِفَةِ وَتَخَلَّصَ مِنْ مَشِيمَةِ الطِّبَاعِ وَظُلُمَاتِ النَّفْسِ وَالْهَوَى، فقَرَّتْ عَيْنُهُ بِاللهِ، وَقَرَّتْ عُيُونٌ بِهِ وَقُلُوبٌ، وَأَنَسَتْ بِقُرْبِهِ الْأَرْوَاحُ، وَذَكَّرَتْ رُؤْيَتُهُ بِاللهِ، فَاطْمَأَنَّ بِاللهِ، وَسَكَنَ إِلَيْهِ، وَعَكَفَ بِهِمَّتِهِ عَلَيْهِ، وَسَافَرَتْ هِمَمُهُ وَعَزَائِمُهُ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، لَا يُقَرُّ بِشَيءٍ غَيْرَ اللهِ، وَلَا يَسْكُنُ إِلَى شَيءٍ سِوَاهُ، وَلَا يَطْمَئِنُّ بِغَيْرِهِ، يَجِدُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سِوَى اللهِ عِوَضًا، وَمَحَبَّتُهُ قُوَّتُهُ، لَا يَجِدُ مِنَ اللهِ عِوَضًا أَبَدًا، فَذِكْرُهُ حَيَاةُ قَلْبِهِ، وَرِضَاهُ غَايَةُ مَطْلَبِهِ، وَمَحَبَّتُهُ قُوتُهُ، وَمَعْرِفَتُهُ أَنِيسُهُ، عَدُوُّهُ مَنْ جَذَبَ قَلْبَهُ عَنِ اللهِ «وَإِنْ كَانَ الْقَرِيبَ المُصَافِيَ»، وَوَلِيُّهُ مَنْ رَدَّهُ إِلَى اللهِ وَجَمَعَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ «وَإِنْ كَانَ الْبَعِيدَ المُنَاوِيَ».

فَهَذَانِ قَلْبَانِ مُتَبَايِنَانِ غَايَةَ التَّبَايُنِ، وَقَلْبٌ ثَالِثٌ فِي الْبَرْزَخِ يَنْتَظِرُ الْوِلَادَةَ صَبَاحًا وَمَسَاءً، قَدْ أَصْبَحَ عَلَى فَضَاءِ التَّجْرِيدِ، وَأَنَسَ مِنْ خِلَالِ الدِّيَارِ أَشِعَّةَ التَّوْحِيدِ، تَأْبَى غَلَبَاتُ الْحُبِّ وَالشَّوْقِ إِلَّا تَقَرُّبًا إِلَى مَنِ السَّعَادَةُ كُلُّهَا بِقُرْبِهِ، وَالْحَظُّ كُلُّ الْحَظِّ فِي طَاعَتِهِ وَحُبِّهِ، وَتَأْبَى غَلَبَاتُ الطِّبَاعِ إِلَّا جَذْبَهُ وَإِيقَافَهُ وَتَعْوِيقَهُ، فَهُوَ بَيْنَ الدَّاعِيَيْنِ تَارَةً وَتَارَةً، قَدْ قَطَعَ عَقَبَاتٍ وَآفَاتٍ، وَبَقَى عَلَيْهِ مَفَاوِزٌ وَفَلَوَاتٌ، وَالمَقْصُودُ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا المَقَامِ إِذَا تَحَقَّقَ بِهِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَسَلِمَ عَنْ نَظَرِ نَفْسِهِ إِلَى مَقَامِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ وَوُقُوفِهِ عِنْدَهُ، فَهُوَ فَقِيرٌ حَقِيقيٌّ، لَيْسَ فِيهِ قَادِحٌ مِنَ الْقَوَادِحِ الَّتِي تَحُطُّهُ عَنْ دَرَجَةِ الْفَقْرِ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَحْسُنُ إِعْمَالُ اللِّسَانِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَوْضِعُ التَّزْهِيدِ فِيهَا لِلرَّاغِبِ، وَالثَّانِي: عِنْدَمَا يَرْجِعُ بِهِ دَاعِي الطَّبْعِ وَالنَّفْسِ إِلَى طَلَبِهَا وَلَا يَأْمَنُ إِجَابَةَ الدَّاعِي، فَيَسْتَحْضِرُ فِي نَفْسِهِ قِلَّةَ وَفَائِهَا وَكَثْرَةَ جَفَائِهَا وَخِسَّةَ شُرَكَائِهَا، فَإِنَّهُ إِنْ تَمَّ عَقْلُهُ وَحَضَرَ رُشْدُهُ زَهَدَ فِيهَا وَلَا بُدَّ.

وَقَوْلُهُ: «الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ الرُّجُوعُ إِلَى السَّبْقِ بِمُطَالَعَةِ الْفَضْلِ، وَهُوَ يُورِثُ الْخَلَاصَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَعْمَالِ، وَيَقْطَعُ شُهُودَ الْأَحْوَالِ، وَيُمَحِّصُ مِنْ أَدْنَاسِ مُطَالَعَةِ المَقَامَاتِ» فَهَذِهِ الدَّرَجَةُ أَرْفَعُ مِنَ الْأُولَى وَأَعْلَى، وَالْأُولَى كَالْوَسِيلَةِ إِلَيْهَا؛ لَأَنَّ فِي الدَّرَجِةِ الْأُولَى يَتَخَلَّى بِفَقْرِهِ عَنْ أَنْ يَتَأَلَّهَ غَيْرَ مَوْلَاهُ الحَقِّ، وَأَنْ يُضَيِّعَ أَنْفَاسَهُ فِي غَيْرِ مَرْضَاتِهِ، وَأَنْ يُفَرِّقَ هُمُومَهُ فِي غَيْرِ مَحَابِّهِ، وَأَنْ يُؤْثِرَ عَلَيْهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَيُوجِبُ لَهُ هَذَا الْخَلْقُ وَهَذِهِ المُعَامَلَةُ صَفَاءَ الْعُبُودِيَّةِ، وَعِمَارَةَ السِّرِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَخُلُوصَ الْوُدِّ، فَيُصْبِحُ وَيُمْسِي وَلَا هَمَّ لَهُ غَيْرُ رَبِّهِ، قَدْ قَطَعَ هَمُّهُ بِرَبِّهِ عَنْهُ جَمِيعَ الْهُمُومِ، وَعَطَّلَتْ إِرَادَتُهُ جَمِيعَ الْإِرَادَاتِ، وَنَسَخَتْ مَحَبَّتُهُ لَهُ مِنْ قَلْبِهِ كُلَّ مَحَبَّةٍ لِسِوَاهُ، كَمَا قِيلَ:
لَقَدْ كَانَ يُسْبِي الْقَلْبَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
ثَمَانُونَ بَلْ تِسْعُونَ نَفْسًا وَأَرْجَحُ
يَهِيمُ بِهَذَا ثُمَّ يَأْلَفُ غَيْرَهُ
وَيَسْلُوهُمْ مِنْ فَوْرِهِ حِينَ يُصْبِحُ
وقَدْ كَانَ قَلْبِي ضَائِعًا قَبْلَ حُبِّكُمْ
فَكَانَ بِحُبِّ الخَلْقِ يلْهُو وَيَمرَحُ
فَلَمَّا دَعَا قَلْبِي هَوَاكَ أَجَابَهُ
فَلَسْتُ أَرَاهُ عَنْ خِبَائِكَ يَبْرَحُ
حَرمْتُ مُنَائِي مِنَكَ إِنْ كُنْتُ كَاذِبًا
وَإِنْ كُنْتُ فِي الدُّنْيَا بِغيرِكَ أَفرحُ
وَإِنْ كَانَ شَيءٌ فِي الوجُودِ سِوَاكمُ
يُقِرُّ بِه القَلْبُ الجَرِيحُ وَيَفرحُ


وَاللهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ، فَبِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ القَلْبَ مِنْ هَمٍّ وَإِرَادَةٍ وَحُبٍّ يَخْرُجُ مِنْهُ هَمٌّ وَإِرَادَةٌ وَحُبٌّ يُقَابِلُهُ، فَهُوَ إِنَاءٌ وَاحِدٌ وَالأَشْرِبَةُ مُتَعَدِدَةٌ، فَأَيُّ شَرابٍ مَلَأهُ لَمْ يَبقْ فِيهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَمْتَلِئُ الإنَاءُ بِأَعْلَى الأشْرِبَةِ إِذَا صَادَفَهُ خَالِيًا، فَأَمَّا إِذَا صَادَفَهُ مُمْتَلِئًا مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُسَاكِنْهُ حَتَى يُخْرِجَ مَا فِيهِ ثُمَّ يَسْكُنَ مَوْضِعَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى
فَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكَّنَا



فَفَقْرُ صَاحِبِ هَذِه الدَّرَجَةِ تَفْرِيِغُهُ إِنَاءَهُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ غَيْرِ شَرَابِ المَحَبَّةِ وَالمَعْرِفَةِ، لأَنَّ كُلَّ شَرَابٍ فَمُسْكِرٌ وَلَا بُدَّ، «وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيُله حَرَامٌ»[24]، وَأَيْنَ سُكْرُ الهَوَى وَالدُّنْيَا مِنْ سُكْرِ الخَمْرِ، وَكَيْفَ يُوضَعُ شَرَابُ التَّسْنِيمِ - الذِي هُوَ أَعْلَى أَشْرِبةِ المُحِبِّينَ - فِي إِنَاءٍ مَلآنَ بِخمرِ الدُّنْيَا وَالهَوَى، وَلاَ يَفِيقُ مِنْ سُكْرِهِ وَلاَ يَسْتَفِيقُ، وَلَو فَارَقَ هَذَا السُّكْرُ القَلْبَ لَطَارَ بِأَجْنِحَةِ الشَّوْقِ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، وَلكِنْ رَضِي المِسْكِينُ بِالدُّونِ، وَبَاعَ حَظَّهُ مِنْ قُرْبِ اللهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَكَرَامَتِهِ بِأَخَسِّ الثَّمَنِ صَفْقَةَ خَاسِرٍ مَغْبُونٍ، فَسَيَعْلَمُ أَيَّ حَظٍّ أَضَاعَ إِذَا فَازَ المُحِبُّونِ، وَخَسِرَ المُبْطِلُونَ.

حَقِيقَةُ الافتِقَارِ إِلَى اللهِ:
وَإِذَا كَانَ التَّلَوُّثُ بِالْأَعْراضِ قَيْدًا يُقَيِّدُ القُلَوبَ عَنْ سَفَرِهَا إِلَى بَلَدِ حَيَاتِهَا وَنَعِيمِهَا الذِي لَا سَكَنَ لَهَا غَيْرُهُ، وَلَا رَاحَةَ لَهَا إِلَّا فِيهِ، وَلَا سُرُورَ لَهَا إِلَّا فِي مَنَازِلِهِ، وَلَا أَمْنَ لَهَا إِلَّا بَيْنَ أَهْلِهِ، فَكَذَلِكَ الذِي بَاشَرَ قَلْبُهُ رُوحَ التَّألُّهِ، وَذَاقَ طَعْمَ المَحَبَّةِ، وَآنَسَ نَارَ المَعْرِفَةِ، لَهُ أَغْرَاضٌ دَقِيقَةٌ حَالِيَّةٌ تُقَيِّدُ قَلْبَهُ عَنْ مُكَافَحَةِ صَرِيحِ الحَقِّ، وَصِحَّةِ الاضْطِرَارِ إِلَيْهِ، وَالفَنَاءِ التَّامِّ بِهِ، وَالبَقَاءِ الدَّائِمِ بِنُورِهِ الذِي هُوَ المَطْلُوبُ مِنَ السَيْرِ وَالسُلُوكِ، وَهُوَ الغَايَةُ التِي شَمَّرَ إِلَيْهَا السَّالِكُونَ، وَالعِلْمُ الذِي أَمَّهُ العَابِدُون وَدَنْدَنَ حَوْلَهُ العَارِفُونَ، فَجَمِيعُ مَا يُحْجِبُ عَنْهُ أَوْ يُقَيِّدُ القَلْبَ نَظَرَهُ وَهَمَّهُ يَكُونُ حِجَابًا يَحْجُبُ الوَاصِلَ وَيِوُقِفُ السَّالِكَ وَيُنَكِّسُ الطَالِبَ، فَالزُّهْدُ فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ الهِمَمِ العَلِيَّةِ مُتَعَيِّنٌ تُعَيُّنَ الوَاجِبِ الذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ كَزُهْدِ السَّالِكَ إِلَى الحَجِّ فِي الظُّلَلِ وَالمِيَاهِ التِي يَمُرُّ بِهَا فِي المَنَازِلِ، فَالأوَّلُ مُقَيَّدٌ عَنِ الحَقَائقِ بِرُؤْيَةِ الأَعْرَاضِ، وَالثَّانِي مُقَيَّدٌ عَنِ النِّهَايَاتِ بِرُؤْيَةِ الأَحْوَالِ، فَتَقَيَّدَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الغَايِةِ المَطْلُوبَةِ، وَتَرتَّبَ عَلَى هَذا القَيْدِ عَدَمُ النُّفُوذِ، وَذَلِكَ مُؤَخَّرٌ مُخَلَّفٌ.

وَإِذَا عَرَفَ العَبْدُ هَذَا وَانْكَشَفَ لَهُ عِلْمُهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الزُّهْدُ فِي الأَحْوَالِ وَالفَقْرِ مِنْهَا، كَمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الزُّهْدُ فِي المَالِ وَالشَّرَفِ وَخُلُوُّ قَلْبِهِ مِنْهُمَا، وَلَمَا كَانَ مُوجِبُ الدَّرَجَةِ الأُولَى مِنَ الفَقْرِ الرَّجُوعَ إِلَى الآخِرَةِ، فَأَوْجَبَ الاسْتِغْرَاقَ فِي هَمِّ الآخِرَةِ نَفَضَ اليَدَيْنِ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا أَوْ طَلَبًا، وَإِسْكَاتَ اللَّسَانِ عَنْهَا مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، وَكَذَلِكَ كَانَ مُوجِبُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى فَضْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَمُطَالَعَةِ سَبْقَةِ الأَسْبَابِ وَالوَسَائِطِ، فَبِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وُجِدَتْ مِنْه الأَقَوَالُ الشَّرِيفَةُ، وَالمَقَامَاتُ العَلِيَّةُ، وَبِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَصَلُوا إِلَى رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ، وَقُرْبِهِ وَكَرَامَتِهِ وَمُوالاتِهِ، وَكَانَ سُبْحَانَهُ هُوَ الأَوَّلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا أَنَّهُ الأوَّلُ فِي كُلِّ شَيءٍ، وَكَانَ هُوَ الآخِرُ فِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ الآخِرُ فِي كُلِّ شَيءٍ.

فَمَنْ عَبَدَهُ بِاسْمِهِ الأوَّلِ وَالآخِرِ حَصَلَتْ لَهُ حَقِيقَةُ هَذَا الفقرِ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ عُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ فَهَذَا هُوَ العَارِفُ الجَامِعُ لِمُتَفَرِّقَاتِ التَّعَبُّدِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَعُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ الأوَّلِ تَقْتَضِي التَّجَرُّدَ مِنْ مُطَالَعَةِ الأَسْبَابِ وَالوُقُوفِ أَوِ الالتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَتَجْرِيدَ النَّظَرِ إِلَى مُجَرَّدِ سَبْقِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ المُبْتَدِئُ بِالإحْسَانِ مِنْ غَيْرِ وَسِيلَةٍ مِنَ العَبْدِ؛ إِذْ لَا وَسِيلةَ لَهُ فِي العَدَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَأَيُّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ هُنَاكَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، فَمِنْهُ سُبْحَانَهُ الإعْدَادُ، وَمِنْهُ الإمْدَادُ، وَفَضْلُهُ سَابِقٌ عَلَى الوَسَائِلِ، وَالوسَائِلُ مِنْ مُجَرَّدِ فَضْلِهِ وَجُودِهِ لَمْ تَكُنْ بِوَسَائِلَ أَخْرَى، فَمَنْ نَزَّلَ اسْمَهُ الأَوَّلَ عَلَى هَذَا المَعْنَى أَوْجَبَ لَهُ فَقْرًا خَاصًّا.

وَعُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ الآخِرِ تَقْتَضِي أَيْضًا عَدَمَ رُكُونِهِ وَوُثُوقِهِ بِالأسْبَابِ وَالوُقُوفِ مَعَهَا؛ فَإِنَّهَا تَنْعَدِمُ لَا مَحَالةَ وَتَنْقَضِي بِالآخِرِيَّةِ، وَيبْقَى الدَّائِمُ البَّاقِي بَعْدَهَا، فَالتَّعَلُّقُ بِهَا تَعَلُّقٌ بِمَا يُعْدَمُ وَيَنْقَضِي، وَالتَّعَلُّقُ بِالآخِرِ سُبْحَانَهُ تَعَلُّقٌ بِالحَيِّ الذِي لَا يَمُوتُ وَلَا يَزُولُ، فَالمُتَعَلِّقُ بِهِ حَقِيقٌ أَنْ لَا يَزُولَ وَلَا يَنْقَطِعَ، بِخِلَافِ التَّعَلُّقِ بِغَيرِهِ مِمَّا لَهُ آخِرٌ يَفْنَى بِهِ، كَذَا نَظَرَ العَارِفُ إِلَيْهِ بِسَبْقِ الأَوَّلِيَّةِ حَيْثُ كَانَ قَبْلَ الأَسْبَابِ كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ نَظَرُهُ إِلَيهِ بِبَقَاءِ الآخِرِيَّةِ حَيْثُ يَبْقَى بَعْدَ الأسْبَابِ كُلِّهَا، فَكَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ، وَكُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ، فَتَأمَّلْ عُبُودِيَّةَ هَذَيْنِ الاسْمَيْنِ وَمَا يُوجِبَانِهِ مِنْ صِحَّةِ الاضْطِرَارِ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ وَدَوَامِ الفَقْرِ إِلَيْهِ دُونَ كُلِّ شَيءٍ سِوَاهُ، وَأَنَّ الأَمْرَ ابْتَدَأَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ، فَهُوَ المُبْتَدِئُ بِالفَضْلِ حَيْثُ لَا سَبَبَ وَلَا وَسِيلَةَ، وَإِلَيهِ تَنْتَهِي الأَسْبَابُ وَالوَسَائِلُ، فَهُوَ أَوَّلُ كُلِّ شَيءٍ وَآخِرُهُ.

وَكَمَا أَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيءٍ وَفَاعِلُهُ وَخَالِقُهُ وَبَارِئُهُ، فَهُوَ إِلَههُ وَغَايَتُهُ التِي لَا صَلَاح لَهُ وَلَا فَلَاحَ وَلَا كَمَالَ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ وَحْدُهُ غَايَتَهُ وَنِهَايتَهُ وَمَقْصُودَهُ، فَهُوَ الأوَّلُ الذِي ابْتَدَأَتْ مِنْه المَخْلُوقَاتُ، وَالآخِرُ الذِي انْتَهَتْ إِلَيْهِ عُبُودِيَّاتُهَا وَإِرَادَاتُهَا وَمَحَبَّتُهَا، فَلَيْسَ وَرَاءَ اللهِ شَيءٌ يُقْصَدُ وَيُعْبَدُ وَيُتَأَلَّهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيءٌ يَخْلَقُ وَيَبْرَأُ، فَكَمَا كَانَ وَاحِدًا فِي إِيجَادِكَ فَاجْعَلْهُ وَاحِدًا فِي تَأَلُّهِكَ إِلَيْهِ لِتَصِحَّ عُبْودِيَّتُكَ، وَكَمَا ابْتَدَأَ وُجُودَكَ وَخَلْقَكَ مِنْهُ فَاجْعَلْهُ نِهَايَةَ حُبِّكَ وَإِرَادَتِكَ وَتَأَلُّهِكَ إِلَيْهِ لِتَصِحَّ لَكَ عُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ الأوَّلِ وَالآخِرِ، وَأَكْثَرُ الخَلْقِ تَعَبَّدُوا لَهُ بِاسْمِهِ الأوَّلِ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي التَّعَبُّدِ لَهُ بِاسْمِهِ الآخِرِ، فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ وَإِلَهُ المُرْسَلِينَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ.

وَأَمَّا عُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ الظَّاهِرِ فَكَمَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ»[25].

فَإِذَا تَحَقَّقَ العَبْدُ عُلُوَّهُ المُطْلَقَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ بِذَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ شَيءٌ البَتَّةَ، وَأَنَّهُ قَاهِرٌ فَوْقَ عِبَادِهِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10]، صَارَ لِقَلْبِهِ أَمَمًا يَقْصِدُهُ وَرَبًّا يَعْبُدُه وَإِلَهًا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ، بِخَلَافِ مَنْ لَا يَدْرِى أَيْنَ رَبُّهُ؛ فَإِنَّهُ ضَائِعٌ مُشَتَّتُ القَلبِ لَيْسَ لِقَلبِهِ قِبْلةٌ يَتَوَجَّهُ نَحْوَهَا وَلَا مَعْبُودٌ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ قَصْدُهُ.

وَصَاحِبُ هَذِهِ الحَالِ إِذَا سَلَكَ وَتَأَلَّهَ وَتَعَبَّدَ طَلَبَ قَلْبُهُ إِلَهًا يَسْكُنُ إِلَيْهِ وَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ، وَقَدِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ شَيءٌ إِلا العَدَمَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فَوقَ العَالَمِ إلَهٌ يُعْبَدُ وَيُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى العَرشِ مَنْ يَصْعَدُ إِلَيْهِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَلَا يُرْفَعُ إِلَيْهِ العَمَلُ الصَّالِحُ، جَالَ قَلْبُهُ فِي الوُجُودِ جَمِيعِهِ فَوقَعَ فِي الاتِّحَادِ وَلَا بُدَّ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالوُجُودِ المُطْلَقِ السَّارِي فِي المُعَيَّنَاتِ، فَاتَّخَذَ إِلَهَهُ مِنْ دُونِ إِلهِ الحَقِّ، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى عَيْنِ الحَقِيقَةِ! وَإِنَّمَا تَأَلَّهَ وَتَعَبَّدَ لِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ، وَلِخَيَالٍ نَحَتَهُ بِفِكْرِهِ وَاتَّخَذَهُ إِلَهًا مِنْ دُونَ اللهِ سُبْحَانَهُ.

وَإِلهُ الرُّسُلِ وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [يونس: 3، 4].

وَقَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة: 4 - 9].


فَقَدْ تَعَرَّفَ سُبْحَانَهُ إِلَى عِبَادِهِ بِكَلَامِهِ مَعْرِفَةً لَا يَجْحَدُهَا إِلا مَنْ أَنْكَرَهُ سُبْحَانَهُ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِهِ، وَالمَقْصُودُ أَنَّ التَّعَبُّدَ بِاسْمِهِ الظَّاهِرِ يَجْمَعُ القَلْبَ عَلَى المَعْبُودِ، وَيَجْعَلُ لَهُ رَبًّا يَقْصِدُهُ وَصَمَدًا يَصْمُدُ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِ وَمَلْجَأً يَلْجَأُ إِلَيْهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ وَعَرَفَ رَبَّهُ بِاسْمِهِ الظَّاهِرِ اسْتَقَامَتْ لَهُ عُبُودِيَّتُهُ، وَصَارَ لَهُ مَعْقِلٌ وَمَوْئِلٌ يَلْجَأُ إلَيْهِ وَيَهْرَبُ إِلَيْهِ وَيَفِرُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَيْهِ، وَأَمَّا تَعَبُّدُهُ بِاسْمِهِ البَاطِنِ فَأمْرٌ يَضِيقُ نِطَاقُ التَّعْبِيرِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَيَكِلُّ اللَّسَانُ عَنْ وَصْفِهِ، وَتُصْطَلَمُ الإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَتَجْفُوِ العِبَارَةُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةً بَرِيئَةً مِنْ شَوَائِبِ التَّعْطِيلِ، مُخَلَّصَةً مِنْ فَرْثِ التَّشْبِيهِ، مُنَزَّهَةً عَنْ رِجْسِ الحُلُولِ وَالاتِّحَادِ، وَعِبَارَةً مُؤَدِّيَةً لِلْمَعْنَى كَاشِفَةً عَنْهُ، وَذَوْقًا صَحِيحًا سَلِيمًا مِنْ أَذْوَاقِ أَهْلِ الانْحِرَافِ.

يتبع

اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* كلمة التوحيد في الكتاب والسنة
* أهل الحديث
* القوي - المتين جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
* القَريبُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* مورد الرد على الأشاعرة والماتريدية من كتب السنة
* حساب الورعين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أسماؤه, الغنى, حل, جماله, وتقدست
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العلي - الأعلى - المتعال جل جلاله، وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 12-30-2025 03:40 PM
الصمد جل جلاله، وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 12-28-2025 03:03 PM
الشهيد جل جلاله، وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 12-28-2025 02:57 PM
الله جلا جلاله الاميرة ملتقى الحوار الإسلامي العام 4 01-31-2019 05:23 PM
أخطرطائر رغم جماله أبوالنور ملتقى الطرائف والغرائب 18 06-13-2011 10:44 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009