![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#13 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (12) الأمانة كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - الإسلام يحثُّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). - من مكارم الأخلاق المنشودة: "الأمانة": قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: 58). - المقصود الأمانة: قال الكفوي في تعريف الأمَانَة: "كلُّ ما افترض على العباد فهو أمانة، كصلاة وزكاة، وصيام، وأداء دين، وأوكدها: الودائع، وأوكد الودائع: كتم الأسرار". - حاجتنا إلى نشر خُلُق الأمانة في زمان قلَّت فيه الأمانة، وقلَّ أصحابها كما أخبر الصادق المصدوق: قال: (*وَيُصْبِحُ *النَّاسُ *يَتَبَايَعُونَ، *فَلَا *يَكَادُ *أَحَدٌ *يُؤَدِّي *الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا) (رواه البخاري). مكانة الأَمانَةُ في الإسلام: - الأَمانَةُ من أخلاق الإسلام العظمى، وأساس من أسسه الكبرى: قال -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: 72). - وقد أمرنا الله بأداء الأمانات الى أصحابها، ولو كانوا من غير المسلمين: قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58). قال المفسرون: "لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة، ودخل المسجد الحرام فطاف حول الكعبة، وبعد أن انتهى من طوافه دعا عثمان بن طلحة -حامل مفتاح الكعبة- فأخذ منه المفتاح، وتم فتح الكعبة، فدخلها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم جلس في المسجد فقام علي بن أبي طالب وقال: يا رسول الله، اجعل لنا الحجابة مع السقاية، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أين عثمان بن طلحة؟ فجاءوا به، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برٍّ ووفاء"، ونزلت الآية في هذا. (انظر سيرة ابن هشام). - وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بحفظهم للأمانة: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المعارج: 32). - وجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأمانة دليلًا على إيمان المرء وحسن خلقه: فقال: (*لَا *إِيمَانَ *لِمَنْ *لَا *أَمَانَةَ *لَهُ، *وَلَا *دِينَ *لِمَنْ *لَا *عَهْدَ *لَهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). - وقد أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بأداء الأمانة مع جميع الناس، وألا نخون من خاننا: قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَدِّ *الْأَمَانَةَ *إِلَى *مَنِ *ائْتَمَنَكَ، *وَلَا *تَخُنْ *مَنْ *خَانَكَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (آيَةُ *الْمُنَافِقِ *ثَلَاثٌ: *إِذَا *حَدَّثَ *كَذَبَ، *وَإِذَا *وَعَدَ *أَخْلَفَ، *وَإِذَا *اؤْتُمِنَ *خَانَ) (متفق عليه). مجالات الأمانة: الأمانة لها مجالات كثيرة، منها: 1- الأمانة في العبادة (بأن يلتزم المسلم بالتكاليف، فيؤدي فروض الدين كما ينبغي). 2- الأمانة في حفظ الجوارح (فلا يستعملها فيما يغضب الله؛ فالعين أمانة يجب عليه أن يغضها عن الحرام، والأذن أمانة يجب عليه أن يجنِّبَها سماع الحرام، واليد أمانة، والرجل أمانة، واللسان أمانة، إلخ)، قال -تعالى-: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء:36). 3- الأمانة في حفظ الودائع (بأدائها لأصحابها عندما يطلبونها كما هي دون نقصان). 4- الأمانة في العمل والوظيفة والمسئولية عمومًا (وهي أن يؤدي المرء ما عليه على خير وجه، ويحافظ على ما تحت يده، فلا يستعمله إلا في الحق)، قال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، *وَالْعَبْدُ *رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه). 5- الأمانة في البيع (فلا يغِشُّ أحدًا، ولا يغدر به ولا يخونه): مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: (مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟) قَالَ: *أَصَابَتْهُ *السَّمَاءُ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: (أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي) (رواه مسلم). نماذج في الأمانة: - أمانة الأنبياء -عليهم السلام-: - الأنبياء والرسل هم أعظم أمناء الله في أرضه، فهم أمناء على شرائعه ودينه: شعارهم جميعًا -عليه السلام-: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (الأعراف: 68). - النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-: اتصف بها منذ نشأته -صلى الله عليه وسلم- حتى لَصِقت به قبل بعثته، فنعتته قريش بالصادق الأمين، واشتُهِر بذلك عند أهل مكة فحكَّموه في خصوماتهم، واستودعوه أماناتهم، فما حُفظت عنه غدرة، ولا عُرفت له في أمانته زلة: "لما هاجر من مكة إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب ليعطي المشركين الودائع والأمانات التي تركوها عنده" . أمانة الصالحين: - أمانة في البيع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: *إِنَّمَا *بِعْتُكَ *الْأَرْضَ *وَمَا *فِيهَا، *قَالَ: *فَتَحَاكَمَا *إِلَى *رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا) (متفق عليه). - أمانة في قضاء الدين: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، قَالَ: ائْتِنِي بِشُهَدَاءَ أُشْهِدُهُمْ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: ائْتِنِي بِكَفِيلٍ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا، يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مَعَهَا إِلَى صَاحِبِهَا، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا الْبَحْرَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي اسْتَسْلَفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَإِنِّي قَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالَّذِي أَعْطَانِي، فَلَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا، وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَطْلُبُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا يَجِيئُهُ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ، وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ، فَأَتَاهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ بِهِ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِأَلْفِكَ رَاشِدًا) (أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم). - أمانة في الوظيفة: عن عبد الله بن دينار أنه قال: "خرجت مع عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- إلى مكة، فعرسنا في بعض الطريق، فانحدر بنا راعٍ من الجبل فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إني مملوك فقال: قل لسيدك أكلها الذئب، فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى ابن عمر -رضي الله عنه- ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة" (إحياء علوم الدين). خاتمة: - أين الذين يختلسون الأموال التي اؤتمنوا عليها مِن هؤلاء؟ أين الذين...؟ أين الذين...؟ فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عنا سيئها.. لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. |
|
|
|
|
|
|
#14 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (13) الحكمة
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). - من الأخلاقيات الكريمة المنشودة: "الحكمة": قال -تعالى-: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) (البقرة: 269). - تعريف الحكمة: أصل الحكمة في اللغة: من الحكمة، وهي ما أحاط بحَنَكَي الفرس، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تمنعه من الجري الشَّديد، وتُذلِّل الدَّابَّة لراكبها، حتى تمنعها من الجِماح، ومنه اشتقاق الحِكْمَة؛ لأنَّها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل. (القاموس المحيط - لسان العرب). وفي الاصطلاح: قال ابن القيِّم: "الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي" (مدارج السالكين). - ففي الجملة: الحكيم هو الشخص الذي لديه القدرة على الموازنة العقلية بين نتائج الأمور على المدى القصير والمدى البعيد، وبين المصلحة الشخصية ومصالح الآخرين، وذلك مع التفكير في جميع الخيارات المتاحة، وفقا للوضع القائم، أو من خلال السعي لتشكيل وضع جديد. (1) شواهد مدح الحكمة في الكتاب والسنة وكلام السلف والحكماء: - جعل الله الحكمة من أعظم نعمه على عباده: قال -تعالى-: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) (البقرة: 269). وعن سفيان بن عيينة قال: "كان يقال: إنَّ أفضل ما أُعطي العبد في الدُّنيا الحِكْمَة، وفي الآخرة الرَّحمة" (حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصفهاني). - أثنى الله على نبيه داود بما امتن عليه به من نعمة الحكمة، بما يدل على أهميتها في إدارة الملك والرعية: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) (ص:20). - ورفع الله مكانة عبد سوداني، وصار بين الناس مثالًا للحكماء، حتى ظنه بعض العلماء نبيًّا، بسبب ما أعطى من نعمة الحكمة: قال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (لقمان: 12). وقال مالك بن دينار: "قرأت في بعض كتب الله: أنَّ الحِكْمَة تزيد الشَّريف شرفًا، وترفع المملوك حتى تُجْلِسه مجالس الملوك" (الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه، لأبي هلال العسكري). - ولمَ لا؟ والحكمة أصل وأساس في منهج الدعوة إلى الله، وهي أبرز صفات الداعي الناجح: قال -تعالى- توجيها لسيد الدعاة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل:125). وعن ابن عباس قال: ضمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى صدره وقال: (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ) (رواه البخاري). (2) أقسام الحكمة: تنقسم الحِكْمَة من حيث الأصل إلى قسمين: - حِكْمَة فطريَّة: يؤتيها الله -عز وجل- من يشاء، ويتفضَّل بها على مَن يريد: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: "إنَّ الحِكْمَة ليست عن كِبَر السِّن، ولكنَّه عطاء الله يعطيه من يشاء" (الإشراف في منازل الأشراف). - حِكْمَةٌ مكتسبةٌ: يكتسبها العبد بفعل أسبابها، وترك موانعها، فيسهل انقيادها له، وتجري على ألفاظه التي ينطق بها، وتكتسي بها أعماله التي يفعلها، ويشهدها النَّاس على حركاته وسكناته. وسيأتي الحديث عن طرق اكتساب الحكمة. (3) نماذج من الحِكْمَة في حياة الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام-: 1- من حِكْمَة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-: - حكمته -صلى الله عليه وسلم- في سرية الدعوة في أول المرحلة المكية: (للحفاظ على الدعوة الناشئة وصيانتها من الهلاك والدمار، وحتى تتكون الجماعة المؤمنة التي يستطيع أصحابها الصبر والصمود أمام هذه الابتلاءات القادمة لا محالة). - حكمته -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع اختلاف قواعد الكعبة: عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: قَالَ: (لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَلَبَنَيْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) (رواه البخاري). 2- من حِكْمَة نبيِّ الله سليمان -عليه السلام-: - حكمته -عليه السلام- في القضاء: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عليهما السلام فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا، يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) (متفق عليه). (4) نماذج من حِكْمَة السلف -رضي الله عنهم-: 1- حكمة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- يوم وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "إنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- خرج، وعمر -رضي الله عنه- يكلِّم النَّاس، فقال: اجلس. فأبى، فقال: اجلس. فأبى، فتشهَّد أبو بكر -رضي الله عنه-، فمال إليه النَّاس، وتركوا عمر، فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم-، فإن محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم-: قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنَّ الله حيٌّ لا يموت؛ قال الله -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144). قال: والله لكأنَّ النَّاس لم يكونوا يعلمون أنَّ الله أنزلها حتى تلاها أبو بكر -رضي الله عنه-، فتلقاها منه النَّاس، فما يُسْمَع بَشَرٌ إلَّا يتلوها" (رواه البخاري). 2- حكمة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: - حكمته -رضي الله عنه- في موافقة نزول الأحكام: قال عمر -رضي الله عنه-: "وافقت ربِّي في ثلاث، قلتُ: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مُصَلًّى؟ فنزلت: (وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (البقرة: 125). وقلتُ: يا رسول الله، إنَّ نساءك يدخل عليهن البَرُّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساؤه في الغَيْرة، فقلت لهن: (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) (التَّحريم: 5). قال: فنزلت كذلك" (متفق عليه). 3- حكمة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: - حكمته -رضي الله عنه- في جمع القرآن: "فقد أمر الصحابة إذا اختلفوا في شيء عند جمع القرآن أن يكتبوه بلغة قريش، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصُّحف في المصاحف، ردَّ عثمان الصُّحف إلى حفصة -رضي الله عنها-، وأرسل إلى كلِّ أُفُقٍ من الآفاق بمصحف ممَّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يُحرق" (رواه البخاري). 4- حكمة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: - من حكمته -رحمه الله- في إقامة العدل في الناس: أنه لما تولي الخلافة، كان ابنه عبد الملك شابًا تقيًّا متحمسًا، ينكر على أبيه عدم إسراعه في إزالة كل بقايا الانحراف لمن كانوا قبله فقال يومًا: "مالك يا أبتِ لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق"، فكان جواب الأب الحكيم: "لا تعجل يا بني، فإن الله -تعالى- ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة" (ينظر الموافقات للشاطبي). (5) من وسائل اكتساب الحكمة: 1- كثرة التَّجارب والاستفادة من مدرسة الحياة؛ ولذا فالحكمة تزداد بالسن مع التجارب: ففي الحديث: (لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) (متفق عليه). وروي مرفوعًا: "لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ" (رواه الترمذي، وضعفه الألباني). 2- إحسان العبادة لله -سبحانه-، والبعد عن المعاصي، وطرد الهوى: فعن الحسن -رحمه الله- قال: "من أحسن عبادة الله في شبيبته، لقَّاه الله الحِكْمَة عند كِبَر سنِّه، وذلك قوله: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص: 14)" (المجالسة وجواهر العلم، للدينوري). وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: "لكلِّ باب مفتاح، ومفتاح الحِكْمَة: طرد الهوى" (التبصرة). 3- التَّفقه في الدِّين، وهو من الخير الكثير الذي أشارت إليه الآية: قال -تعالى-: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) (البقرة: 269). 4- استشارة ذوي الخبرة والتَّجربة من الصَّالحين؛ ليزداد بصيرة بالعواقب. 5- التَّحلِّي بالصَّمت عمَّا لا فائدة فيه، فالحَكِيم يُعرف بالصَّمت وقلَّة الكلام، وإذا تكلَّم تكلَّم بالحقِّ، وإن تلفَّظ، تلفَّظ بخير أو سكت: قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) (متفق عليه). وقد قال وهب بن منبه: "وأجمعت الحُكَماء على أنَّ رأس الحِكْمَة: الصَّمت" (الصمت، لابن أبي الدنيا). وقيل: "زَيْن المرأة: الحياء، وزَيْن الحكيم: الصمت" (حسن السمت في الصمت للسيوطي). فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#15 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (14) (القناعة)
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). - من مكارم الأخلاق المنشودة "القناعة": قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ) (رواه مسلم). - تعريف القناعة: "هي الرضا بما دون الكفاية والاستغناء بالموجود"(1). (مشارق الأنوار لأبي الفضل البستي). - حاجتنا إلى التذكير بفضل القناعة في زمانٍ صار أكثر الناس يعمل في الدنيا ليل نهار، لا لأجل الكفاية والحاجة، بل لأجل الزيادة والتكاثر: (شواهد: إعدادات الزواج من الرفاهيات - صالات الأفراح - دهانات الحوائط والأرضيات - الأجهزة المنزلية الكثيرة الغالية - الهواتف المحمولة الغالية - الأقساط المتراكمة في التحسينيات عمومًا - إلخ). (1) فضل القناعة: - القناعة من الفلاح؛ لأنها توفيق من الله: عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ). قال المباركفوري: "(كَفَافًا) أي: ما يكف من الحاجات، ويدفع الضرورات. (وَقَنَّعَهُ اللهُ) أي: جعله قانعًا بما آتاه". وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا) (رواه مسلم). قال ابن حجر: "أي: اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذلِّ المسألة، ولا يكون فيه فضولٌ تبعث على الترفُّه والتبسُّط في الدنيا". - القناعة هي الغنى الحقيقي، وفيها راحة النفس والبدن: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) (متفق عليه). وروي من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم قنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه" (رواه الحاكم، وضعفه الألباني). - الله يحب الراضي القانع، ويعيب على الشَّرِه الطامع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ)، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-. (رواه البخاري). قال ابن حجر: "وفيه إشارةٌ إلى فضل القناعة، وذمِّ الشَّرَهِ". - القناعة هي الحياة الطيبة التي وعد الله الصالحين في الدنيا: قال -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97). وعن محمد بن كعب في الحياة الطيبة قال: "هي القناعة". وقال علي بن أبي طالب: "هي القناعة". (ينظر: تفسير ابن كثير). (2) نماذج من القناعة: - قناعة النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ. قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: (مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟) قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ، وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟) قُلْتُ: بَلَى". (متفق عليه). وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لعروة: "ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نَارٌ"، فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: "الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا" (متفق عليه). وعن قتادة -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، قَالَ: كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ!" (رواه البخاري). - قناعة الصحابة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ" (رواه البخاري). - قناعة رجل من السلف: "كان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل، ويقول: مَن قنع بهذا لم يحتج إلى أحد" (إحياء علوم الدين). - قناعة رجل من المعاصرين (الشيخ محمد الأمين الشنقيطي): قال الشيخ عطية سالم: "سمعتُ الشيخَ يقول: لقد جئت معي من البلاد -شنقيط- بكنز عظيم يكفيني مدى الحياة، وأخشى عليه الضياع. فقلت له: وما هو؟ قال: القناعة". وكان شعاره في ذلك قول الشاعر: الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام تكثر حسرتي ووساوسي 1- الإيمان الجازم بأن الله -تعالى- كتب الأرزاق قبل أن يخلقَ العِباد: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). 2- الاعتقاد بأن الله سبحانه جعل التفاوت في الأرزاق بين الناس لحكمة يعلمها: قال الله -تعالى-: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32). 3- أن ينظر الإنسان إلى مَن هو أقل منه في المال والمنصب والجاه، ولا ينظر إلى من هو أعلى منه في ذلك: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) (رواه مسلم). 4- تربية النفس على الاقتصاد في الإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67). 5- تذكّرُ العبدِ أن الدنيا إلى زوال وأن متاعها إلى فناء، وأنه سيخرج منها بغير شيء من متاعها: فعن أنس -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال: (يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ) (رواه مسلم). وصدق الشاعر الذي قال: هـي الـقنـاعةُ لا تـرضـَى بها بـدلًا فـيهـا النعيمُ وفـيهـا راحـةُ الـبـدنِ انـظـرْ لـمن مـلَك الدُّنيا بأجـمـعِـها هل راح منها بغير القطن والكفن اللهم قنِّعنا بما رزقتنا، وبارك لنا فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ (1) مثال للتوضيح: إذا كان الإنسان يحتاج لكفايته عشرة، ولكن لا يملك إلا خمسة، فالقناعة هي الرضا بها والاستغناء بها عن الناس. وأما غير القانع فهو يريد الفارق بطريق من ثلاث: الأول: طريق الحرام (السرقة - الرشوة - الغش -...). والثاني: طريق الحلال، ولكنه على حساب حق ربه، وربما حقوق أخرى، فيعمل ليل نهار "حمار بالنهار، جيفة بالليل". الثالث: بين الطريقين، وهو سؤال الناس والتذلل لهم. نسأل الله أن يرزقنا القناعة بما رزقنا. وبالجملة: القناعة شفاء ودواء؛ شفاء من داء الجشع والطمع، شفاء من الهموم والأحزان، شفاء من الكراهية والحسد، شفاء من نهب الأموال والاعتداء على الممتلكات. فمَن عُدِم القناعة لا يُرضيه طعام يُشبعه، ولا لباس يواريه، ولا مركب يحمله، ولا مسكن يؤويه؛ ولن يملأ جوفه إلا التراب. قال عبد الله بن عباس: "القناعة مال لا نفاد له"، ورحم الله أيامًا كان الناس يكتبون على بيوتهم ودكاكينهم: "القناعة كنز لا يفنى". صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#16 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (15) الصبر
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). - من مكارم الأخلاق المنشودة "الصبر": قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ) (متفق عليه). - في أيام الفتن والشدائد والمحن تزداد حاجة المسلم إلى الصبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي، وقال الألباني: "صحيح لغيره"). - الذي لا يصبر لا يصل إلى مراده ومحبوبه؛ فالصبر ضروري لكل إنسان: (انظر إلى الطالب كيف يصبر على المذاكرة، ويكف نفسه عن لذة الراحة، وذلك ليصل إلى مراده، وهو النجاح في الامتحانات - وانظر إلى التاجر كيف يصبر على الأسفار، وسوء أخلاق الرجال، ويكف نفسه عن لذة الراحة، وذلك ليصل إلى مراده، وهو الأرباح وعدم الخسارة - وانظر إلى الغريب، وكيف يصبر على شدة العيش في أيام الغربة؛ لأن له غاية وهدفًا، وهو أن يعود إلى بلده، وقد حقق مراده). وهكذا كل صاحب هدف، ولو كان باطلًا، فإنه يصبر على ذلك ليصل إلى مراده؛ قال الله -تعالى- عن صبر الكفار: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) (ص:6)؛ فكيف بأهمية الصبر في حقك أنت، يا صاحب أعظم هدف، وهو الفوز بالجنة، والنجاة مِن النار؟! (1) أنواع الصبر: - هي ثلاثة: (الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة). النوع الأول: الصبر على طاعة الله: - وهو المواصلة والمجاهدة في طاعة الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الراحة والكسل، وتحمل المصاعب والمشاق في ذلك: قال الله -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99). - مثاله من السير والتاريخ (مسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة): قال -صلى الله عليه وسلم- بعد مسيرة الطاعة والجهاد: "اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد". وقال -تعالى- عن الصحابة وأمثالهم: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23). وقال -تعالى- عن تصبير موسى -عليه السلام- قومه: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128). - أمثلة واقعية لبعض الطاعات التي لا يصبر عليها كثير من الناس: (صلاة الصبح في جماعة - حفظ القرآن - تعلم العلم الشرعي - الدعوة الى الله وتحمل الأذى في النفس والمال - إلخ). النوع الثاني: الصبر عن معصية الله: - وهو المواصلة والمجاهدة في ترك معصية الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الشهوات واللذات، وتحمل المصاعب والمشاق في ذلك. - مثاله من السير والتاريخ (صبر يوسف -عليه السلام- على مغريات امرأة العزيز): (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف:23). - أمثلة واقعية لبعض المعاصي التي لا يصبر عليها كثير من الناس: (شرب الدخان - مشاهدة الأفلام - سماع الأغاني - الصبر عن العمل في وظيفة محرمة لأجل الراتب - إلخ). النوع الثالث: (وهو أكثر ما ينصرف إليه أكثر الناس عند ذكر الصبر): الصبر على أقدار الله المؤلمة. - وهو التسليم لقضاء الله وقدره، والرضا بما قدَّره الله مما يشق على النفوس (المرض - فقد الولد - ضياع المال - الظلم والقهر - المصائب عمومًا): قال -تعالى-: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:155، 156). - مثاله من السير والتاريخ (صبر أيوب عليه السلام - صبر يعقوب عليه السلام - صبر آل ياسر رضي الله عنهم): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللهِ -عليه السلام- لَبِثَ بِهِ بَلاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ...) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني). (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف: 18)، (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86)، (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني)(1). (2) فضل الصبر في الدنيا والآخرة: - الصبر سبب معية الله وحفظه ومحبته: قال الله -تعالى-: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46). - الصبر طريق الإمامة والتمكين للدين: قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24). - الصبر طريق الفلاح والنجاح والتوفيق والسداد: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) (متفق عليه). - الصبر أعظم ما يعين على الثبات عند مواجهة مكر الأعداء: قال الله -تعالى-: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران:120). - الصبر عاقبته خير للعبد في الدنيا والآخرة: قال الله -تعالى-: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل:126)، وقال الله -تعالى-: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون:111)، وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:155-157)، وقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10). - وبالجملة.. الصبر عاقبته الجنة (بلاد الراحة والأفراح): قال -تعالى-: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا) (الفرقان:75). قال السعدي -رحمه الله-: "أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين؛ وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا، كما قال -تعالى-: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد:23- 24)" . (3) أسباب معينة على الصبر: 1- تدبر ما سبق مِن الآيات والأحاديث في فضل الصبر، ولا سيما الداعية إليه عند اشتداد الأذى. 2- دراسة سير الأنبياء والمرسلين؛ لا سيما الفترة المكية في حياة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-. 3- العلم بأن القدر سبق بذلك، وأن كل شيء قدَّره الله له فيه حكمة؛ فهو العليم الحكيم، قال الله -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ثم قال: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) (الحديد:22، 23). 4- أن يعلم العبد أن عواقب الأمور تتشابه في الغيوب، فرب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب؛ قال الله -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216). 5- من ذلك أن المصائب تفتح على العبد أبوابًا مِن العبادات: كالدعاء، والإنابة، كما قال الله -تعالى-: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (الروم:33). 6- أن يعلم أن العاقبة والنصر للمؤمنين، ولكنها مراحل يقدرها الله لحكم كثيرة، ومنها أن يرى منك الصبر: قال الله -تعالى-: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ . أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (آل عمران:140-142). فاللهم اجعلنا مِن الصابرين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فوائد حول أنواع الصبر: - من هذه الفوائد: (1- الصبر منه اختياري واضطراري. 2- أيهما أكمل وأفضل؟ 3- أفضل أنواع الصبر. 4- الصبر فطري أم كسبي). أولًا: الصبر منه اختياري واضطراري: الصبر على الطاعة وعن المعصية يكون اختياريًّا، وأما الصبر على الأقدار المؤلمة فيكون اضطراريًّا، وهذه أمثلة على ذلك: فمن الأول: صلاة الصبح في جماعة، فيها كسب من العبد واختيار، حيث يجاهد نفسه في فعل الطاعة، فصبره اختياريًّا. ومن الثاني: عدم شرب الدخان أو مشاهدة الأفلام، فيها كسب من العبد واختيار، حيث يجاهد نفسه في صبره عن فعل المعصية. ومن الثالث: فقد ولد الإنسان، دون كسب منه ولا اختيار، وصبره اضطراري؛ لأنه إن لم يصبر فلن يغير شيئًا. ثانيًا: أيهما أكمل وأفضل؟ الجواب: الصبر الاختياري أفضل وأكمل من الصبر الاضطراري: ومن أمثلته: صبر يوسف -عليه السلام- عن مطاوعة امرأة العزيز كان أكمل من صبره على إلقائه في البئر والسجن. وصبر إبراهيم -عليه السلام- على ذبح ولده، كان أكمل من صبر يعقوب -عليه السلام- على فقد ولده. وصبر الأنبياء الذين حملوا الرسالات وعاشوا يعلمون الناس ويتحملون الأذى، أكمل من صبر أيوب -عليه السلام- على تحمل المرض. ثالثًا: أفضل أنواع الصبر: - اختلفوا في ذلك ورجح شيخ الإسلام الصبر على الطاعة، ورجح غيره الصبر عن المعصية، وتوسط ابن القيم حيث رأى الأفضلية على حسب الوقت والحال من باب "واجب الوقت". رابعًا: الصبر فطري أم كسبي؟ - هو فطري وكسبي: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) (متفق عليه). صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#17 | |
![]() ![]() ![]() ![]()
|
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]. ![]() الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين بارك الله فيك وجزاك كل خير |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#18 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
بارك الله فيك
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى فيض القلم | 13 | 07-05-2026 07:56 PM |
| أمثال وحكم عن مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 1 | 06-29-2026 07:49 PM |
| الأربعون في مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 0 | 05-01-2026 03:17 PM |
| من درر العلامة ابن القيم عن مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 03-10-2026 05:15 AM |
| مكارم الأخلاق للطبراني كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-21-2017 02:13 PM |
|
|