![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (1) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الحمد لله ثناء أثنى به الله على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. فالحمد ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى، بما أنعم على عباده من نعم لا يحصيها غيره، وبما بسط لهم من الرزق وسخر لهم جميع الكائنات من غير استحقاق منهم لذلك، والألف واللام في ﴿ الْحَمْدُ ﴾ لاستغراق جميع المحامد وصنوفها لله، فما من حمد واقع أو مفروض منذ البداية حتى النهاية يصرفه أحد إلى أحد إلا وينصرف إلى الله، إذ هو أهله؛ لأنه معطي الجميل ومعطف أهل الفضل لفعل الجميل. ثم إن معنى الحمد في الاصطلاح هو معنى الشكر في اللغة، ومعنى الشكر في الحقيقة هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلقه لأجله، من جميع الجوارح والحواس والآلات والقوى، وكافة النعم والأموال، فيحسن التصرف فيها باستعمالها في طاعة الله، ونشر دينه، وإعلاء كلمته، وقمع المفتري عليه، إذ يتضمن مدلولا الحمد والشكر القيام بجميع أنواع العبودية المرضية لله، ففي قرن الحمد بلفظة الجلالة الكريمة هذه الدلالة العظيمة، فمن لم يقم بذلك لم يكن حامداً ولا شاكراً على الحقيقة، إذ مجرد النطق لا يفيد، ومن قصر في أنواع العبودية كان مقصرا بحمد ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ بقدر ذلك، و﴿ الْعَالَمِينَ ﴾ هم مَنْ سوى الله، فكل من سوى الله تعالى فهو عالم (بفتح اللام). ومن هنا قالوا بعموم مدلولهم جميع أجناس المخلوقات، فمعنى ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ سيدهم المربي لهم الذي رباهم بنعمته: 1- تربية خلقية يكون بها نموهم وكمال إحساسهم وقواهم النفسية والعقلية. 2- تربية هداية فطرية لكل نفس ما يلائمها من طلب نفع أو مكافحة ضرر. 3- تربية هداية شرعية لأهل الإدراك منهم لما يسعدهم في دنياهم وأخراهم، وذلك بما يوحيه إلى أفراد منهم بدينه القويم، وتشريعه النافع، ومن هنا قال من قال بقصر معنى (العالمين) على أهل الإدراك من الجن والإنس والملائكة، والتعميم بجميع المخلوقات هو الأولى؛ لورود النصوص القرآنية بتسبيح كل شيء وسجود كل شيء لله ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [النحل: 48]. 4- رباهم تربية معيشية بتسخيره لهم كل دابة ومادة، وتيسير أرزاقهم حسب تقديره الأزلي، وإنعامه عليهم بالنعم التي لا يمكن لهم البقاء بدونها. ولذلك استحق جميع المحامد بحيث إن أي حمد يتجه إلى محمود ما فهو لله - تعالى - سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه؛ لأنه مصدر جميع الوجود والفضل والنعمة والمعروف والإحسان، فلهذا ثنى السورة بقوله ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ لأن تربيته للعالمين بأنواعها المتقدمة ليست الحاجة به إليهم قطعياً، وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه؛ لأن ربوبيته ليست مقصورة على القهر والعزة والجبروت، بل فائضة بالرحمة واللطف والإحسان، فهو الرحمن المنعم بجلائل النعم كالسموات والأرض وما بعث فيهما من دابة ومادة، وما سخره من شمس وقمر وأفلاك، وما وهبه من نعم وصحة وعقل، وهو ﴿ الرحيم ﴾ بدقائق النعم، كسواد العين، وتلاصق شعرات أهدابها المانعة من دخول كل ما يؤذيهما مع كون النور يلمح من خلالها. وهو ﴿ الرحيم ﴾ الذي اقتضت رحمته وحكمته أن يجعل ماء العينيين مالحاً؛ ليحفظ شحمهما من الذوبان، وجعل ماء الأذن مرَّا؛ ليمنع الذباب وسائر الحشرات من الولوج فيها لصعوبة خروجه منها، ودقة إيذائه إذا بقي فيها، وجعل ماء الأنف لزجاً ومسالكه ملتوية ليتقمع الداخل المؤذي، ويطيب التنفس، وترهف حاسة الشم، وجعل ماء الفم حلواً رائقاً ليطيب للإنسان بما يمضغه من الطعام، كما جعل في اللسان أجهزة دقيقةً كثيرةً جداً لتمييز التذوق، وجعل في الفم نفسه أجهزة لحسن الابتلاع واتقاء الضرر. وهو ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ الذي جعل الليل والنهار، هذا صالح للسكن، مفيد نومه صحياً، وهذا للعمل واكتساب الرزق، كما يأتي توضيح ذلك في سورة القصص - إن شاء الله -، ثم هو ﴿ الرحمن ﴾ ذو الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق، حتى الكافر والفاسق والمتمرد، وهو ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين كما نص على ذلك في الآية (157) من سورة الأعراف، كما سنوضحه بحوله تعالى وقوته، وهو ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ في خلقه وتكوينه، وحسن تصويره، وقسمته للأرزاق، وتشريعه لخلقه من الدين ما يحرر نفوسهم ويزكيها، وتشريعه لهم من الأحكام ما يحصل به عموم الرحمة والسعادة والرفاهية والأمن والعيشة الراضية في الدارين، فتحليله رحمة، وتحريمه رحمة، وعزيمته رحمة، ورخصته رحمة، وعقوباته رحمة، ومصائبه وبلاياه رحمة ظاهرة، لمن تدبرها، وخافيه لمن عمي أو غفل عنها، فهو ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ البالغ في الرحمة غايتها، والذي هو أرحم بخلقه من الوالدة بولدها. واعلم أنه لا ينافي عموم رحمته ما يجريه على خلقه من النكبات التي هي عقوباته القدرية، ولا ما يفرضه عليهم من العقوبات الشرعية، فإنها كلها رحمة وعدل اقتضته حكمته تأديباً للجناة رحمة بهم، وبمن جنوا عليه، وإيقاظاً للعصاة الذين فرطوا أو أعرضوا عن هديه، وقد يسلط أعداءه على بعض المسلمين المتعبدين ببعض الشعائر، وهم مهملون لبعضها أو للمهم فيها، كالتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، الذي من موجباتها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وكبت المنكرين له في صحفهم وكتبهم الخبيثة، الطاعنين في دينه، المحادين له ولرسوله، بتحبيب الكفر والفسوق والعصيان، في كتبهم وصحفهم، التي لا يجوز للمسلم أن يسمح بها أو يتسع صدره لانتشارها في بلاده؛ كيلا يحرمه الله من رحمته الواسعة؛ لأنه أقسم بحصول الخسران لمن لم يتصف بذلك من بني الإنسان، فكيف يطمع بدوام رحمة الله وشمولها من لم يغضب لله، ومن لم يتمعر وجهه فيه، ولم يحقق محبته بموالاة أحبابه ومعاداة أعدائه، والبراءة منهم، وممن تنكب عن الهدى، ويعمل على أطره على الحق أطرا. ((هذه الأمور العظيمة)) التي تستلزم لصاحبها العزم على الجهاد، وإعداد المستطاع من كل قوة لازمة ملائمة يتمكن بها من قمع المفتري على الله، والمعرض عن سبيله، أو المتعرض له بالصد عن الحق والإغراء والفتنة، يسد بذلك الفراغ والثغور، التي ينفذ منها المبطلون من الأحزاب المغرضة المنحرفة، وذوي المبادئ الهدامة، التي تفاقم شرها في هذا الزمان، وطم سيلها الوعر والسهل، والتي تلبس في كل زمان زياً خاصاً بسبب تفريط المسلمين في هذه الأصول العظيمة، لما انطفأت جمرة الغيرة من قلوبهم، وعكفوا على خرافات وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان، أو اكتفوا بفعل بعض الشعائر التي يأتون بها خالية من الحب والتعظيم لرب العالمين، فأصبحوا بذلك عرضة للعقوبات القدرية التي سنفصلها في تفسير قوله تعالى:﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123]. وخسروا النصيب الأوفر من رحمة الله التي خصصها في سورة الأعراف للمؤمنين المتبعين القائمين بنصرة دينه، فرحمته الكاملة الشاملة لا تُنال بدون ذلك، ومن طمع بها دون أن يسلك مسالكها من تحقيق التقوى والأخذ بالأسباب الواقية فهو العاجز الذي يتمنى على الله الأماني. والله كتب على نفسه نصرة المؤمن والدفاع عنه، والانتقام من المخالفين بشتى أنواع العقوبات، وقد ينجي بعض الناس مع ما بهم من البدعة التي تأولوها بنية حسنة، لثباتهم على ما هم فيه احتساباً، وإنفاقهم المال في سبيله لعدم وجود من يوجههم إلى الحق، والله يعامل عباده بحسب نياتهم وقوة غيرتهم نحوه، ومدى اندفاعهم لطاعته وحفظ حدوده، وقد يرى الطبيب الماهر قطع عضو، أو قلع سن؛ فيكون ذلك رحمة لصاحبه وإصلاحاً لحاله. و- لله المثل الأعلى والحجة البالغة -.وسنزيد الموضوع توضيحا عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ ﴾ [البقرة:155] إن شاء الله تعالى، ثم إن ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ - جل وعلا -، إذ يعاقب أصحاب المخالفات في الدنيا ويسلط عليهم أعداءهم ولا يبالي بهم في أي وادٍ هلكوا، فإنه لا يضيع من حسناتهم شيئاً في الدار الآخرة، إذا خلصت من نوائب الشرك، وقد يضاعفها لهم بصبرهم أو بأسباب أخرى. ومن تمام رحمته أن اختص بالملك والحكم وحده في دار الجزاء، فهو ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إذ لو جعل الأمر هناك إلى سلاطين البشر ورؤسائهم ووزرائهم ومديريهم كما في الدنيا، لحصل الجور والمحاباة، وكثرت الأثرة والأنانية، ولم يدخل الجنة سوى عدد من محسوبيهم، وقذفوا بسائر الخلق في الجحيم، ولكن رب العزة - جل وعلا - اختص بالحكم في ذلك ليحقق رحمته وعدله وجزيل فضله، فلا تظلم أو تهضم نفس شيئاً وإن كان مثقال ذرة، ولاطمئنان المؤمنين بالغيب لأحكامه في الآخرة رخصت عليهم نفوسهم وأموالهم في ذات الله، فاتصفوا بأشرف السجايا وأكرم الخصال، وسارعوا في الخيرات، وأقدموا وتنافسوا على الجهاد، فنالوا النصر والسؤدد في الدنيا حيث حقت عليهم كلمة ربهم الحسنى، ورحمته الواسعة، وسينالون الجزاء الأوفى في الدار الآخرة، ومن عداهم انعكست أحوالهم بتفريطهم في جنب الله وعدم قيامهم بواجبه. والدين هنا يطلق لغة على المكافأة والجزاء، وقد ورد الأثر: ((كما تدين تدان)) ويطلق على الطاعة والإخضاع والسياسة، ويقال: ((دانه وتولى سياسته)) ويطلق على الشريعة وما يؤاخذ العباد به من التكاليف، وقد قرئ ﴿ ملك يوم الدين ﴾ بوجوه كثيرة، إلا أنها شاذة، وهي على طريقة الاتساع وبها يجري الظرف مجرى المفعول به فيكون معناه على الظرفية أي: الملك في الدين، ويجوز أن يكون المعنى: (ملك الأمور يوم الدين) فيكون فيه حذف، أما على القراءة المشهورة عند عاصم والكسائي وغيره فتقديرها: (مالك الأمر يوم الدين) أو مالك مجيء يوم الدين، وبصفتها تقتضي حذفاً، فإن قراءة (ملك يوم الدين) أبلغ في المعنى، وأرجح من حيث الدلالة اللغوية؛ لأن الملك أعظم من المالك، إذ قد يوصف كل واحد بالمالك لماله دون الملك، فإنه سيد الناس، ولها تأييد ثالث من القرآن وهو قوله: ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ [الأنعام: 73] وعلى كل حال بقراءة مالك تعطي المراد أيضا، وتخصيصه تعالى لنفسه الحكم في الآخرة نعمة عظيمة يشكره عليها العارفون لضبط الجزاء أولا، ثم يشكرونه لمضاعفة الأمر ثانياً كما سيأتي في بحث الشكر، وأيضا فتخصيصه لنفسه الحكم في الآخرة هو المشجع للمؤمنين بالغيب على تحقيق عبوديته والاستعانة به والتفاني في ذلك. ولذلك أرشدهم في هذه السورة الكريمة إلى حصرها له حيث قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بتقديم المفعول وتكريره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، ولا نتوكل إلا عليك، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين وذلك لأمور... معاني العبادة والاستعانة: أحدها: أن العبادة هي كمال الطاعة والانقياد لأوامر الله والانتهاء عن زواجره، والوقوف عند حدوده، وقبول جميع ما ورد عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم دون رد شيء من ذلك أو إلحاد فيه. ثانيها: أن التذلل والخشوع فيها ناشئ عن حب وتعظيم، فمن خضع لأحد مع بغضه له لا يكون عابداً له ومن أحبه ولم يخضع له بالقبول والانقياد لم يكن عابدا له أيضاً كمحبة الإنسان لوالده أو صديقه، إذ لابد أن يقترن الحب بالتعظيم ليحصل الخضوع والانقياد، فلو حصلا بسبب الخوف والإرهاب لا يكون عبادة، ومن هنا وجبت محبة الله ورسوله وتعظيمها وتقديم محبتهما على كل شيء. ويشهد لذلك حديث عدي بن حاتم المشهور في الصحاح والمسانيد حيث نص الرسول صلى الله عليه وسلم أن موافقة النصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يشرعونه عبادة لهم، وإن كانوا لا يحسبونه ولا يعتقدونه عبادة، والله سبحانه يقول: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة:165]. ثالثها: من ألزم وأعظم أنواع العبودية أخذ القرآن بقوة، وذلك بالعمل بما فيه، وإقامة حدوده، دون الاقتصار على إقامة حروفه، كما هي الحال عليه في هذا الزمان، وألا يُسطى على نصوصه بالتأويل أو التحريف. رابعها: العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه، وتعني العمل وفق شريعته سبحانه وتعالى وطبق حدوده. فمن شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، أو قلد متبوعاً محبوباً فيما استهواه فليس عابداً لله كما يفيد معنى الحصر في الآية، بل هو عابد للطاغوت المفتئت على حكم الله. خامسها: من ترك العمل بشعائر الإسلام معتمدا على مجرد لفظ الشهادتين فهو مشرك عابد للهوى والشيطان. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ﴾ [يس: 60]. وقال سبحانه: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾[الجاثية:23]. سادسها: جميع أنواع العبادة التي سنفصلها في تفسير ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ [البقرة: 21] من خوف ودعاء وخشية ورجاء واستعانة واستعاذة لا يجوز شيء منها لغير الله وهو مصادم لمقصود الله في حصره ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ كما أنه شرك مخل بمدلول الشهادتين. سابعها: إقامة الحدود والحكم بما أنزل الله من لوازم عبوديته سبحانه، وهما من صميم العقيدة؛ لأن من عطل حدود الله، أو لم يحكم بشريعته فقد ابتغى غير الله حكما، فإن ادعى عدم صلاحيتها للعصر، فإنه طاغوت تجب منابذته حتى تكون عبودية الله مرتكزة على أصل صحيح. ثامنها: لباب العبودية الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة فيه، فلا تجوز محبة شخص إلا في ذات الله، ولأن حاله موافقة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تاسعها: روح العبودية التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومن مقتضياتهما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقمع المفتري، فمن تخلى عن ذلك ولم يفعل قدر المستطاع فقد أخل بعبودية رب العالمين. عاشرها: من تمام عبودية الله - سبحانه - نصرة المظلوم وردع الظالم مهما كان نوع ظلمه وأطره على الحق أطرا. حادي عشرها: من العبودية الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها من النشاط في العمل والسعي لطلب الرزق، وبذل أقصى الجهد في الاستعداد بالقوة، وتسخير كل ما في الكون ليعين المسلمين على التواصي بالحق وقمع المفتري، وإقامة الجهاد، وكما قال ابن تيمية رحمه الله: فالتوكل مقرون بالعبادة كما في قوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]. اهـ. ثاني عشرها: ذروة سنام الدين وعبودية رب العالمين الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، إذ لا يمكن الانتصار لله ودحض المفترين إلا به، ومن لم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات ميتة جاهلية، وحق عليه غضب الله وذلته في الحياة الدنيا. ثالث عشرها: عبودية رب العالمين لا تسمح للعابد إقرار المفتري على الله ورسوله من كل ملحد أو مبتدع، فضلاً عن موالاتهم والعياذ بالله باسم القومية أو الوطنية ونحوهما. رابع عشرها: تقتضي عبودية الله على العابد الحقيقي أن يعتبر نفسه خليفة الله في أرضه، مسئول عما يجريه فيها أعداؤه من الفساد والخبث، فيسعى لإزالته ببذل أقصى مجهوده ويستغل جميع الطاقات من أجل ذلك، فمن اقتصر على ركعات يصليها وأدعية يرددها، وسُبحَة يعلقها، لم يقم بواجب العبودية؛ لأنه ترك المشاقين لله ورسوله يسرحون ويمرحون. خامس عشرها: على عابد الرحمن أن يعرف نفسه حق المعرفة، وأن يعرف دوره وواجبه في هذه الحياة، فلا يعيش في مجتمعه مقلداً ومسايراً، ولا تابعاً مسالماً، بل يكون قائداً متبوعاً آمراً وناهياً، يفرض عقيدته ومبدأه حيث حل. سادس عشرها: تحقيق عبودية الله والاستعانة به من كافة الوجوه، فتحرر النفوس من رق العبودية لغير الله من كل سلطان وهمي، وتسمو بعقله عن الخضوع لتُرَّهات القبوريين والمشعوذين، وتعصمها من همزات شياطين الجن والإنسان، وتنقذها من مكر الدجاجلة المضللين المهرجين؛ لأنها - بإذن الله - تكسب العبد فرقاناً يميز به بين الحق والباطل، ويعرف به دعاة الرشد من دعاة الغي الذين تفاقم شرهم. سابع عشرها: عبودية الله المرضية تستلزم الإخلاص له والصدق معه ببذل جميع مجهوده وطاقته في ذات الله، وتكريس جميع أوقاته في النصح له ولرسوله وعباده المؤمنين من آمر ومأمور وسيد ومسود، بلا كسل ولا جبن أو فتور، ليصدق القسم الإلهي في سورة (العصر) وأن يكون مخلصاً في حركاته وسكناته كلها. ثامن عشرها: عبودية الله المرضية تقتضي حسن المعاملة للخالق والمخلوق فيعامل الله ويراقبه حق المراقبة كأنه يراه؛ ليرقى بذلك إلى درجة الإحسان، وينال حظ المحسنين، ويحسن معاملة الخلق أيضاً، بما يجب أن يعاملوه به ليحقق الإيمان، ويكون أسوة صالحة مؤثرة في دعوته، نافعاً لأمته، ويكون كل فرد منها مواطناً صالحاً، فيتحقق لها الوئام والكرامة. تاسع عشرها: العبودية بمعناها الصحيح تسمو بالذات إلى أشرف الغايات، وتكسب صاحبها عزة معنوية وصلابة في دين الله، بحيث لا يستطيع الولاة أن يشتروه بموائدهم وخلعهم، ولا أن يخضعوه بسياطهم؛ لأنه قوي الإيمان، زكي الجنان، مترفع عن المادة، شعاره شعار الأنبياء: ((اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة)). العشرون: القيام بواجب العبودية يحقق لصاحبه الصلة الروحية بالله ورسوله فلا يزحزح عقيدته هديرُ أصحاب القوميات الذين غيروا كلام الله وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، فبدلوا حب الله ورسوله بحب الوطن، وبدلوا تقديس حدود الله وشعائره بتقديس حدود الوطن ومصالحه، حتى تبجحوا بأكل السحت تكثيراً للثروة القومية، وبمسارح اللَّهو ونوادي الإثم والمنكر وبلاجات الخلاعة، زعماً للحضارة الخاطئة المعكوسة الممجوجة من قيح الاستعمار ودمه وصديده، بل حضارته حضارة صحيحة عجنت مع اسم الله ومراقبته، وقامت على أساس الإيمان والطابع الديني المطهر للأخلاق، الحافظ للأموال، المبارك في الأوقات والأعمال. الحادي والعشرون: تحقيق عبودية الله عز وجل، يتكون منها شعوب وفصائل، أعزة على الكافرين تجدهم أمامهم أشداء في صلابة الحديد، لا تلين لهم قناة مهما بلغوا عددا وعدة، بينما تجدهم أذلة على إخوانهم المؤمنين رحماء بينهم، متسابقين إلى منفعة بعضهم بعضاً، فَهُمُ في ذات الله للمؤمنين كنعمومة الحرير وكالغيث السح الغدق، وعلى أعداء الله شداد غلاظ لا يقبلون صرفاً ولا عدلاً ممن لا يدين دين الحق، وعلى العكس تجد الذين لم يحققوا عبودية الله وفق شرعه يظاهرون النصارى والملاحدة ويتوددون إليهم، ويسخرون بالمسلمين ويرمونهم بكل نقيصة. الثاني والعشرون: عبودية الله تحقق لمن قام بها الرشد والصلاح والفلاح والوحدة الصحيحة المشبعة بروح المودة والإخاء التام، ومن استنكف عن عبوديته وتنكب عن شريعته فقد سفه نفسه ووقع في خسران مبين وشقاق بعيد، كما نرى أصحاب المبادئ والنظريات المنحرفة عن شرع الله، وقعوا في ذلك وحق عليهم وعيد الله بقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾[البقرة: 137]، فحصر أحوالهم بالشقاق تارة، وبالسفاهة تارة، وبالخزي تارة، وبالكبت والذلة مرة،فجميع أنواع الوعيد في القرآن متحقق فيهم، ولكنهم يغالطون ويقلبون الحقائق. الثالث والعشرون: تحقيق العبودية يكون منه معسكر واحد يقف لإعزاز كلمة الله كأنه بنيان مرصوص، فيمضي بمحبة الله ونصرته وتأييده بجند من عنده لاهتدائه بتحقيق العبودية إلى غض النظر عن الخلافات الجزئية، وطهره من الأثرة والأنانية، فهو أعظم حرمة عند الله من السماء التي زينها بالنجوم وحفظها من كل شيطان رجيم. الرابع والعشرون: للعبادة الصحيحة المطابقة لهدي الله أثر عظيم في تقويم أخلاق القائم بها، وتطهير نفسه من الإعجاب والكبر والسخرية بالغير واحتقاره، والإفك والغيبة والنميمة، كما تزكيها من جميع أنواع الشرك والانصياع إلى المبادئ الوثنية المادية التي ظهرت علينا بأسماء محببة من قومية ووطنية وشيوعية واشتراكية، كعجل بني إسرائيل المصوغ، ولكنها يبدو زيفها بأدنى نقد، ويظهر فسادها وعدم جدواها بأدنى حادثة؛ لأنها لا تحل مشكلة ولا تحرز نصراً إلا بانضمام غيرها إليها. الخامس والعشرون: من لوازم العبودية ألا يتقدم المسلم بين يدي الله ورسوله بأي تشريع يخالف الكتاب والسنة، مهما كان وحيث كان، ولا يقبل ذلك من أحد ولا يقر أحداً عليه، بل ينكره بحسب استطاعته ويتقرب إلى الله ببغض صاحبه وتكريس جهوده للرد عليه ومعارضته بشتى الطرق والأساليب، نصرة لله ورسوله دون مبالاة بالدنيا وزينتها، فإن من الإيمان الفرار بالدين من الفتن. السادس والعشرون: من لوازم العبودية ودلائل إخلاصها القيام بتبليغ الدعوة الإسلامية في سائر الآفاق بحسب استطاعته وتفهيم كتاب الله لأسرته وعشيرته، كي يقوموا بواجبهم معه، وألا يألو جهداً في نشر الإسلام غبر مبالٍ بالمصاعب والتكاليف كي يحسن التصرف بوراثة محمد صلى الله عليه وسلم في حمل رسالته ويكون له أحسن خليفة. ألا ترى أنه بتجميد المسلمين لرسالتهم شغل أعداؤهم الفراغ الذي أحدثوه، فجندوا عشرات الآلاف من المبشرين ومثلهم من الملاحدة لنشر المسيحية الكاذبة والإلحاد، ففتنوا أولاد المسلمين وأشغلوهم بالملذات والأباطيل حتى جعلوهم كالأنعام، وما الذنب إلا ذنب المسلمين الجامدين القاعدين عن رسالتهم، الواثقين بأعدائهم حيث يتسابقون إلى إدخال أولادهم المدارس التي يدرس بها خريجو مدارس فرنسيس وأفراخ الإفرنج، فهل فاقد الشيء يعطيه؟!! وهل يرجون من شجر الحنظل رماناً أو برتقالاً؟! أم أنهم لما نسوا الله أنساهم أنفسهم؟ فعلى عباد الله الانتباه للواقع السيئ من جديد؛ ليصححوا دينهم ويحققوا عبوديتهم لله. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (2) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري حب الله ورسوله: السابع والعشرون: كمال العبودية ولبابها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فلا يفضل على طاعة الله وابتغاء مرضاته أولاداً ولا أباً ولا أماً ولا إخواناً ولا أزواجاً ولا عشيرةً ولا موطناً ولا مالاً ولا عقاراً ولا ضيعة، فتفضيل شيء من ذلك على مرضاة الله ومحبته والجهاد في سبيله مخل بالعبودية وسالب الإيمان أو مضعف له بحبه. وذلك أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب قوي انطلاقه لمرضاة محبوبه، فإذا كانت المحبة لله تامة استلزمت إرادة جازمة في بذل الوسع لتحصيل محبوب الحق تبارك وتعالى، ودفع ما يكرهه والزهد والمعاداة لما يصده عن ذلك، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد، كان دليلاً على ضعف محبته لله ورسوله في قلبه وإيثاره ما سواهما، مما تقدم، فالحب خير حاجز للقلب، وخير حارس له، إذا احتل قلباً وشغله ومنعه من أن يغزوه، أو يكون كالغصن تميله الأهوية فيكون لعبة للعابثين، وعبدا للأطماع والشهوات؛ لأنه لابد للمرء أن يستعبده شيء من المحبوبات من شهوة حيوانية أو مال أو رئاسة أو عصبية أو مذهب من مبتكرات أهل هذا الزمان، وذلك إذا شغر قلبه من حب الله، قال الشيخ ابن تيمية: ((إن المحبوبات لا تنال غالباً إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة، فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر في الآخرة، فالمحب لله ورسوله إذا لم يتحمل ما يتحمله المحبون لغير الله في حصول مطلوبهم، دل ذلك على ضعف محبة الله، إذا كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل، ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله..)). ومن أضل ممن أشقى نفسه وأفناها في حب غير الله فجعلها عرضة للعقوبات في الدنيا والآخرة، وخسر العزة والثواب؟ ومحبة الله لا تكون إلا بمحبة ما أحب وتحقيقه، وكراهة ما كرهه من متلبس بكفر أو فسوق أو عصيان، ومعاداته والسعي لإزالته، ولا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يفضل على غيره، ولو حقق المسلمون هذه القاعدة، لما ذلوا بل كانت لهم السيادة وتحققت لهم القيادة. الثامن والعشرون: ليس بين الحق والباطل طرف ثالث مقبول لله. فقد حصر الله الضلال فيما سوى الحق بقوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ [يونس: 32] فالمعرض عن الله لابد أن ينصرف قلبه إلى غيره، وفاقد الحب الصحيح لابد له من الحب الفاسد المفسد لقلبه المخرب لضميره، المتلف لمهجته، الضار بأسرته وأمته، كما هو مشاهد محسوس، فإن المعرض عن عبادة الله يستعبده ما سواه من مطامع الدنيا وشهواتها، ويفني عمره في اتباع الأذواق والمواجيد المتلونة التي لا يستقر لها قرار، ولا يتحقق فيها أمن ولا راحة، فبخروج الناس من عبودية إله واحد فرد صمد، وقعوا تحت استرقاق آلهة كثيرة، وفرضت عليهم أهواؤهم الإلحادية تضحيات وخسائر لا يكلفهم بها الرحمن الرحيم، فعاشوا ويعيشون في جحيم من الاضطرابات والتخليط، بل في جحيم من الأنانية المستمرة التي تحملوا أهوالها من همزات الرؤساء الماديين وقلاقلهم، مهما حصروا إيمانهم في رئيس أو جماعة أو أمة أو دولة أو مذهب فاشي أو سواه من الفلسفات المؤدية إلى الولاء الجماعي لطاغية يتحكم في الشعوب وباسم الشعوب. فيعرضها للويلات، ويسوقها للمجازر، فقد أثبت الواقع أن الولاء الجماعي كلف الناس مثلما كلفهم الهوى الفردي من شطط، فما أعظم خسارة العالم بانحطاط المسلمين وابتعاد العرب خاصة عن حمل رسالة رب العالمين. التاسع والعشرون: من أجل ذلك كانت عبودية الله المرتكزة على وحيه وهداه تستلزم الكفر بالطاغوت، فنص الله نصًا قاطعا على الكفر به، فقال: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ [البقرة: 256]، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36][1]. والطاغوت اسم جنس يعم كل ما يُطغي البشر عن الحق من أي مبدأ كان وأي طريقة وأي شخص يرتكز نفسه بفلسفات أو شعارات مناقضة لملة إبراهيم، ومخالفة لحكم الله ورسوله في أي نوع من الأنواع، وسُمي طاغوتاً لإطغائه البشر عن طريق العبودية الصحيحة لله، وتعلقهم بشخصيته هو، وإخضاعهم لإرادته دون هدى الله قهرا، أو دجلًا وتضليلًا كما هو المشاهد في هذا الزمان الذي تفنن فيه تلاميذ الإفرنج ببلورة الأفكار والجناية على العقول، والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد، فكل من جاوز حده في المعصية والضلال فهو طاغٍ، يقال: ((طغى السيل وطغى الماء)) فالرجل الذي يطغي الناس عن هدي رب العالمين بما يلقيه عليهم من فتنة الشبهات والشهوات، باسم جنس أو وطن أو مبدأ أو تقدم أو حضارة أو تحرر وما إلى ذلك من الأسماء الفاتنة الخلابة، فهو طاغوت، وإنما قرن الكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله، لأن الطاغية بمكره وعظيم دجله يسترق القلب الذي هو الملك في الإنسان، فيجعله مستعبداً متيماً لغير الله، بخلاف الظالم الغشوم الذي يسترق البدن ولا يؤثر في القلب إلا بالامتعاض الجالب للأنقاض، فعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، ولا نجاة اليوم من همزات شياطين الإنس وطواغيتهم إلا بتحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بجميع معانيها ومبانيها، لاسيما في هذا العصر، عصر التهريج والتلبيس والمغالطات التي تحملها أمواج الأثير في الإذاعات وتبثها دور الطبع والنشر من كل حدب وصوب، ممن غايتهم العلو في الأرض واللعب بمقدرات الشعوب تحت ستار الأوهام والأباطيل، إذ مهمة الطاغوت في كل زمان ومكان الجناية على عقولهم حتى يسخرهم لأغراضه، وقد وصفه الله بأبشع وصف وأخبثه على جهة العموم، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ [البقرة: 257]. فالطاغوت بجميع أنواعه إذا رأى أتباعه ومقلديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق يفهمهم فساد ما هم عليه، بادر إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونهم من حجب الشبهات وزخارف الأقاويل، التي يلبس بها الحق بالباطل، ويرمي ورثة الأنبياء والدعاة إلى الله بدائه، هو من عمالة الاستعمار ومهادنة الصهاينة مثلاً، وبالرجعية والانتهازية وأصحاب المؤامرات وما إلى ذلك من الألقاب التي تنفر عنهم العوام والمضبوعين إيغالاً بالصد عن سبيل الله بفلسفته الزائفة، فهنا تُشَان طواغيت الأرض في كل زمان ومكان، فقد حكى الله عن فرعون أنه قال لمن آمن بموسى من السحرة: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ [الأعراف:123] فسمى انقيادهم للحق مؤامرة على البلاد، وانطلت هذه الفرية على أتباعه ومقلديه مع بعدها عن الواقع بعداً عظيماً، وما ذاك إلا لاسترقاق الطاغية قلوب الناس وتخنيثه أدمغتهم، وهاهو التاريخ يعيد نفسه، ولشدة تأثير الطاغية على العقول، نص الله في كتابه على أن الفتنة أشد من القتل وأكبر. الثلاثون والحادي والثلاثون: بتحقيق عبودية الله يهون على الإنسان نفسه وماله في سبيل الله، فينجو من الجبن والبخل اللذين استعاذ منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما مصدر الذل والانحطاط الذي وقع فيه المسلمون اليوم لما تلبسوا بهاتين الخلصتين الذميمتين، فلم يحققوا العبودية كما أمرهم الله، إذ بتحقيقها يرتفعون عن البخل والجبن فيقدرون على الوفاء بمبايعة الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فيتحقق عزهم ويشمل حكمهم بالله جميع الأرض، وما أروع تصوير نبينا صلى الله عليه وسلم لهاتين الخصلتين الممقوتتين بقوله: (( شر ما أوتي العبد شح هالع أو جبن خالع))[2]. فالشح يزرع الهلع والنهمة في القلب بحيث يزداد بخله عند زيادة خيره وغناه ويزداد جزعه بأدنى مصيبة، والجبن يزرع فيه الذلة والاستكانة لأي شيء، ويخلع منه العزة والطموح إلى المعالي، وقد أثبتت جميع الوقائع التاريخية أن المقاتل ديناً طلباً للجنة لايهزمه أحد، فلا يصد عن وجه طلبه كما هو موقف المسلمين أمام الفرس والروم الذين كانوا يهزءون من عددهم وعدتهم؛ لأن المحقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، لا يغلبه أحد بإذن الله، إذ يقاتل وفاء بعهد الله يبغي جنته ورضوانه، ناجياً من الشح والجبن وسواه، غير مدفوع بأجرة أو عصبية - فالفرق عظيم -أما الذي يجتمع فيه الشح والجبن معاً فليس محققاً عبودية الله، وكيف يحققها من بخل بماله ولم يُجد بنفسه، إذ من لم ترخص عليه نفسه في مرضاة محبوبه، لابد أن يرخص عليه ماله، فلم يتأخر المسلمون ولم يغلبهم عدوهم إلا باجتماع هاتين الخصلتين اللتين لا ينجي منهما إلا تحقيق العبودية. الثاني والثلاثون: عبودية الله توجب على صاحبها القيام بجميع أنواع الصلاح والإصلاح، في كافة المرافق والشئون الفردية والجماعية دون أنانية أو محاباة أو مداهنة، مراعياً حدود الله في التطوير والتنظيم بدون إفراط ولا تفريط، بحيث لا يخرجه ذلك عن اتباع ما أُنزل إليه من ربه إلى إلى اتباع الملاحدة المتحللين أو الطغاة الماكرين. الثالث والثلاثون: عبودية الله توجب على صاحبها الصدق في القول والعمل بحيث لا يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه أو يأمرهم بما هو منسلخ منه، فيكون أضحوكة ومثلاً سيئاً لعدوه وصديقه. الرابع والثلاثون: عبودية الله الحقة تخلق وعياً جماهيرياً صادقاً لجميع أمم الأرض، تعي به واجبها نحو خالقها وبارئها ومصورها، المنعم عليها بكل شيء، المسخر لها كل شيء، المنمي إحساسها إلى كل شي، فبهذا الوعي الصحيح تتكاثف قواها، ويجتمع شملها على تقوى من الله ورضوان، فيعيشون في إخاء ورخاء لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد، بل يؤثر أحدهم أخاه على نفسه ويتألم لألمه فينصره ولو مع بعد داره؛ لأن عباد الله المؤمنين حقاً في مشارق الأرض ومغاربها كالجسد الواحد، خلاف ما هم عليه الآن من تفكك لا تقبله عبودية رب العالمين. الخامس والثلاثون: عبودية الله الحقة توجب العمل على بناء مجتمع إنساني على أساس دين الله ونظمه وفق الدستور الذي شرعه في سورة (الحجرات) خاصة وغيرها مما أوحاه إلى نبيه عامة ليكفل للإنسانية حقوقها، ولا يلعب بمقدراتها وعقولها، إذ من لم يعمل للإنسانية على أساس ما أُنزل إليه من ربه فهو مفترٍ يلعب عليها حتى يسخرها كأنعام أو يمزق وحدتها ويغريها على التناحر كما هو شأن طواغيت الأرض في هذا الزمان: من هدم الأخلاق، والقضاء على الفضيلة وكبت الحريات وشل حركة التجارة والتحجير على الأعمال باسم بناء الوطن والاشتراكية وما إلى ذلك من تسخير الإنسانية والجناية على عقولها. السادس والثلاثون: القيام بحق العبودية يوجب العمل المتواصل بكل جد ونشاط على تحقيق الوحدة الإنسانية جمعاء تحت إطار الدين وفق قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92] إذ بتحقيق العبودية لا تنشأ العصبيات والقوميات المفرقة بين الأجناس والأقاليم، ولا الحدود المصطنعة، لأن كلمة التوحيد المستكملة لمعانيها يجب أن تشمل جميع الأرض ولا يعلوها أحد ولا تعترف بحدود ولا تجزئة، فلا تحقق أمة القرآن معنى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ حتى يعملوا العمل المتواصل لتكون كلمة الله هي العليا في سائر المعمورة، لا يحول بينها حدود ولا سدود، فأهل القرآن هم المسئولون عن التقصير في ذلك، إذ لو ألهبوا حماس الشعوب بواجبهم الديني ودفعوهم إلى الاستعداد بكل قوة وتسخير كل شيء فيها؛ لما استطاع أن يصدهم عن ذلك شيء. السابع والثلاثون: على كل من أراد تحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ أن يعتبر الحرية حقاً من حقوق الله لا يجوز له التفريط فيها، فضلا عن التخلي عنها أو السماح لأحد باستلابها منه؛ لأنه بفقد حريته لا يستطيع عبادة الله على الوجه الأكمل، فكان مفرطاً في جنب الله، ومن هنا وجب عليه أن يكون قوياً آخذاً بجميع وسائل القوة مستعداً للجهاد ومكافحة الأشرار، فإن لم تساعده البيئة على ذلك وجب عليه الهجرة إلى بلد يتمتع فيها بالحرية التي يستطيع معها القيام بحق الله، كما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من أشرف البقاع وأحبها إليه بأمر ربه إلى البلد التي استطاع فيها تحقيق دينه وإظهاره حسبما تقتضيه هذه الآية، ومن لم يتأس بنبيه صلى الله عليه وسلم لم يصدق انتماؤه إليه حقيقة، كالذين ارتبطوا بعجلة أعداء الله، وتقبلوا أفكارهم، واستحسنوا نظمهم، فقعدوا عن واجبهم وهو: الثامن والثلاثون: الذي هو القيادة العالمية التي هيأتها البعثة المحمدية ونقلتها من بني إسرائيل إلى أمة محمد، فمن تقاعس عن حمل أعبائها وعن السعي الحثيث لنيلها فهو مقصر في عبودية رب العالمين، فجميع الأمة مسئولة عن تفريطها بتلك القيادة التي خسر العالم كله بفقدانها العدل والإحسان، وتورط في جحيم المبادئ والنظريات الكافرة، وتخبط في ظلمات الدجل والتضليل التي يبثها طواغيت الأمم من إذاعاتهم وصحفهم وكان له أكبر نصيب من السوء والفرقة والتجزئة. التاسع والثلاثون: عبودية الله - تعالى- لا تسمح أبداً لأي مسلم أن يغير شيئاً عن أنظمة الفطرة التي فطر الله الخلق عليها في سائر الميادين، ولا يقر أحداً على ذلك، فضلاً من أن يستحسن اتجاهه، ذلك أن الإنسانية من أقدم العصور إلى أحدثها تتقلب بين نظامين تعتبرهما أساساً للحياة: أولها: نظام الفترة النابض بحيوية الحق والخير،وهو الذي تؤيده التشريعات السماوية، وتقبله العقول المستقيمة التي لم تتبلور بالأوهام والأضاليل من العبادات القلبية والبدنية والمالية المقومة لروح المجتمع والجالبة له رضا الله، ومن الأخلاق الحسنة الفردية والعمومية الجالبة للصلاح والفلاح، ومن الروابط الأدبية والاجتماعية الماحقة للأثرة والأنانية، ومن حسن المعاملة والتعاون على البر والتقوى في المنازل والأسواق والأندية والمصانع وسائر الميادين، وتشكيل المحاكم والأحكام ونظم السلم والحرب، وفق ما شرعه الله، مما يلائم تلك الفطرة، ولا يجلب ضرراً ولا ضراراً بأحد في سائر التشريعات الاجتماعية والاقتصادية. ثانيها: ما يعارض هذه الأنظمة من نظم الجاهلية أو مبتكرات أهل هذا الزمان التي هي شر منها بكثير من التفسخ والانحلال الخلقي باسم التقدم والتخنث، والميوعة باسم الحضارة، وكبت الحريات بدعوى صالح الدولة، أو الثورة وتقديس الأشخاص والتماثيل باسم الفكرة أو المبدأ المنتحل، وتعطيل ما أباحه الله من الاكتساب ومحاربة الأغنياء، وتأميم أعمالهم بدعوى محاربة الاستغلال، وتربية الناس على الإيمان بالمادة واستحلال ما لذ وطاب، فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فمن استحسن هذا النظام الحيواني المرتكز على المادة بجميع أنواعها فهو مجانب لعبودية الله وعابد لشيطانه وهواه، ومن حمل الأمة على ذلك ودعا إليه فهو محاد لله ورسوله يجب على عباد الله بغضه ومنابذته؛ لأنه يريد أن يركس الناس في جاهلية أفظع من الجاهلية الأولى. الأربعون: عبودية الله توجب على صاحبها الاستجابة لجميع نداءات الله في كتابه العزيز، على اختلاف أنواعها وأساليبها دون إهمال شي منها أو التراخي فيه، وهي تقرب من مائة وثلاثة وعشرين نداءً، بعضها بـ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾، وبعضها ﴿ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ وبعضها ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فمن لم يستجب لكل نداء يناديه به ربه فليس محققاً للعبودية المطلوبة في هذه الآية، وكيف يكون عابداً لله من لا يستجيب له وهو يدعوه لما يحييه حياة طيبة في الدنيا، وينجيه في الآخرة من العذاب، لاشك أن من لم يستجب لنداءات ربه عاص له مناقض في سيرته لجميع مدلول سورة الفاتحة من: حبه، وتعظيم أسمائه، والتعلق به، والقيام بشكره وحمده، والإيمان ببعثه وحسابه، ورجاء رحمته، والخوف من عذابه، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، فأصبح غير محقق لعبوديته المطلوبة فيها، وهذه أكبر بلية المسلمين ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [الحشر: 19] فانصاعوا لنداء من يهلكهم كالشاء تنصاع للجزار. الحادي والثاني والأربعون: عبودية الله توجب على العابد أن يجعل لقلبه هجرتين: هجرة إلى الله: بهجر جميع ما نهى الله عنه، والإقدام على ما أمر الله به، رغبة في وعده، ورهبة من وعيده، وتعظيماً لشأنه، وحباً للقائه بإخلاص وصدق غير مشوبين بحاجة صدر أو تحرج أو توجع، وأن يتمسك بكتابه عملاً كاملاً وتبليغاً؛ لأن من لم يعمل بالكتاب لا يكون مقدراً لرسل الكتاب، وأن يغضب لانتهاك محارمه أزيد مما يغضب لنفسه لو أهينت كرامته؛ فيستعد بكل مقدوره لنصرة ربه جل وعلا، والله لا يخذله. والهجرة الأخرى: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالتأسي به في كل شي وتقديم سنته على كل شيء، وتحكيمها في كل شيء، وعدم الحكم عليها من أي شيء، فيدور مع قول الله ورسوله نفياً وإثباتاً، ولا يقدم على أمر من الأمور دون التقيد بها، ولا يرضى عن أي نحلة ورائدها أو عقيدة وواضعها، أو مبادئ ومؤسسها، حتى ينظر إلى موافقتها ملة إبراهيم عليه السلام المأمور باتباعها في القرآن، ومطابقتها حكم الإسلام أصلاً وفرعاً، فينبذ ما خالف الملة الإبراهيمية، والشريعة المحمدية، وينابذ من تصدى لمخالفتها من أرباب تلك المبادئ والعقائد العصرية، ويعتبر الداعية إليها والمناصر لها طاغوتاً، لتجاوزه أمر الله وحدوده، لاسيما إذا صد عن سبيل الله بإلقاء الشبهات والأضاليل، أو أخرس الدعاة إلى الله بأي وجه من وجوه، فيكفر به الكفر الذي تستلزمه عبودية رب العالمين، ويتبرأ منه ومن أحبابه ومناصريه، ليكون مهاجراً إلى ربه،متمسكا بالعروة الوثقى، فالهجرة القلبية إلى الله ورسوله بالإخلاص والمتابعة فرض عين على كل شخص وفي كل زمان ومكان، وهي روح الدين وحقيقة الإيمان. أما الهجرة البدنية: فهي: الثالث والأربعون: وهذه قد تجب مطلقاً، وقد تجب على شخص دون شخص، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، بحسب ما يترتب على الانتقال من الفائدة وعلى عدمه من الفتنة، وفي وجوبها على التحتيم ثلاث حالات: أحدها: أن يكون المسلم في مكان يفتتن فيه عن دينه، أو لا يتمكن فيه من إقامته، كما يعتقد، فيجب عليه الهجرة إلى البلد الذي يعلم أنه يكون فيه أقوم بحق الله وأدوم على عبادته، ويكون حراً في تصرفه وإقامة دينه؛لأن عدم الهجرة يترتب عليها ما لا يحصى من المعاصي، بحيث يكون غير محقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. ثانيها: احتياج المسلم إلى معرفة الدين والفقه فيه، حيث عدم المرشد في مكانه، فيجب عليه الهجرة ليتلقى ويتعلم ما جهله. ثالثها: إذا كان هناك جماعة أو دولة للمسلمين ضعيفة يخشى عليها من الانصهار في الكتل والمبادئ المخالفة لما أنزل الله، والانجراف في تيار الفسوق والإلحاد، وجب على عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يساعدوها مادياً وأدبياً ومعنوياً، ويشدوا أزرها بكل وسيلة، فإذا توقفت نصرتها على الهجرة وجبت الهجرة إليها حتى على البعيد عنها وجوباً قطعياً لا هوادة فيه، وإلا كان راضياً بضعفها، ومعينًا لأعداء الإسلام على إبطال دعوته، وخفض كلمة الله، لأنه يجب على مجموع المسلمين السعي بكل مجهود لتكوين جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الإسلام، وتقيم أحكامه وحدوده وتحفظ بيضته، وتكون مأوى لأهله ودعاته، يجتمعون بها من البغي والظلم. فمناصرتها والتهافت إليها بالهجرة من أوجب واجبات الدين؛ لأنها بصدق عزيمتهم وقوة إيمانهم تكون لهم مركزاً ونقطة انطلاق إلى العز والسؤدد وإعلاء كلمة الله، وبدونها يذوبون وينصهرون في المجتمعات الفاسدة، ويكون أولادهم عوناً لأعدائهم عليهم، لما يتلقونه في المدارس من الثقافة الاستعمارية. الرابع والأربعون: العابد لله لا يقدم على أي عمل يُنَحّى به الإسلام عن واقع الحياة، معتقداً أنه عائق للحضارة والتقدم كما يسميه تلامذة الإفرنج من أولاد المسلمين؛ لأن في ذلك استدراكا على الله ورسوله واعتقاداً بعدم كفاية النصين، وتنديداً بحكمة الله وانتقاداً لشريعته، ولا يجوز له - أيضاً - إقرار أحد من الملاحدة العصريين على ذلك، ممن شاقوا الله ورسوله باطراح وحيه وهداه، واتباع أساتذتهم من ملاحدة الشرق والغرب، فكانوا ورثة لمن قال الله فيهم: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ﴾ [النساء:51] بل يبذل غاية جهده لصدهم وتحطيم آرائهم وتطهير أدمغة الناشئة من سمومهم. الخامس والأربعون: عبودية الله تحتم على أهلها إسلامية الحكم لا قوميته وفق قوله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 40]، ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ [الأنعام: 114]، ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50] فالعابد حقاً تهديه بصيرته المستنيرة بالله إلى أن انتحال القوميات فكرة استعمارية كافرة، ركزها الطواغيت والمخدوعون بهم لفصل الدين عن الدولة وإبعاد الإسلام عن ميادين التشريع والتنفيذ ودفعه إلى الوراء لينزوي في مسجد يُقّلُ داخله، ويسمي أهله (ذوو[3] الأفكار المتخلفة) ويقصر تذكاره قراءة كتابه على المآتم، كما عملوا ذلك وساعدهم المتكلمون باسم الإسلام، وهم عبدة المادة والشيطان وليسوا من عبادة الرحمن في شيء. إن من يريد أو يعمل على إقصاء الإسلام وعزل القرآن عن الحكم ليس عابدا لله ولا مستعيناً به وفق هذه الآية، بل هو معين على نفسه أعداء الإسلام الذين هم أعداؤه، فيكون خادماً لأغراضهم المضادة للوحي من حيث يشعر أو لا يشعر، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130]، ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ [التوبة: 67] والعجب أن تلاميذ الإفرنج من أولاد المسلمين أصحاب هذه النزعة لا يبصرون نشاطاً لدول المسيحية التي أغرتهم بإبعاد دينهم عن الحياة في نشر دينها، بل لا يبصرون احتضانها (لإسرائيل) التي هي دين ودولة، ولكنهم لما نسوا الله أنساهم أنفسهم فلا يُعتبرون. السادس والأربعون: عبودية الله تقضي على العابد ألا يقف بغير معرفة أحاديث المفترين، ولا يخضع لما سطروا في المذكرات أو في التاريخ فيبني عليه حكماً على فرد أو جماعة أو أسرة من الناس؛ لأن التاريخ في كل الأزمان والعصور يسيطر عليه ذوو السلطان والجاه والنفوذ، فيسخرون الأقلام لما يناسبهم، ويشترون الضمائر المقفرة من تقوى الله لصب الشتائم والقذف بكل تهمة على من يعادونه، ولو كان صحابياً، ويسبغون المدح لسيدهم ومحبوبهم مهما كان، فالعابد لله لا يأخذ ما يسمعه أو يجده كقضية مسلمة،بل يمنعه دينه وعقله من قبول الأخبار عن أي شخص من عدوه، فيسلط عليها الأضواء من كل ناحية، ويكون منها في شك مريب، ولا يضفي ثوب القدسية على أحد خوفاً أو طمعاً، بل يحقق عبودية الله فلا يخاف في الله لومة لائم. السابع والأربعون: العابد لله حقاً يكون معظماً لشعائر دينه، مقدساً لنظمه وتعاليمه، لا يصرفه عنها أو ينفره منها عبث العابثين من حكماء وعلماء يتلاعبون بالنصوص أو يتهاونون في تطبيقها، فيحمل الدين آثامهم، والدين موتور بهم كما وترت بهم شعوب الأرض. الثامن والأربعون: عبودية الله لا تسمح للعابد بموالاة أي عدو لله، ولو كان أقرب قريب، فضلاً عن موالاة المحادين لله ورسوله، من دول الكفر أو معتنقي المبادئ الإلحادية باسم التقدم في الحضارة أو الاقتصاد، فكل من يلقي إليهم بالمودة أو يتفق معهم في ثقافتهم أو تشريعاتهم فهو خارج من عبودية الله إلى عبودية الطاغوت. التاسع والأربعون: العابد لله لا يعمل على إذابة شخصية الأمة ومحوها بسبب مشيه في ركاب من أغروه أو غرروا به في دعاياتهم ودجلهم بالشغف بهم وتركيز محبتهم وتحبيب خططهم وأفعالهم دون عرضها على ما جاء من عند الله، فيكون عابداً للمادة وشياطين الإنس الذين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب. الخمسون: عبودية الله تقضي على أهلها ببغض الذين شرعوا ما لم يأذن به الله في سائر النواحي، ممن يترسم خطط الملاحدة والمستعمرين ولا يتلفت إلى هدي الله ورسوله، وكذلك بغض من يعتقد أو يدعو لحصر الدين في نفوس المؤمنين كأفراد دون تدخله في مشاكل الحياة من حرب وسلم وتحرر واستعمار، فبغض هؤلاء من لوازم عبودية رب العالمين، ومنابذتهم وهتك أستارهم وكشف حقيقتهم للناس من الجهاد في سبيل الله، أما موالاتهم وتحبيذ أفعالهم فهي محادة لله ورسوله، صاحبها متجرد من ولاء الله ورسوله، غير محقق للأمر. الحادي والخمسون: الذي هو أن يجعل العابد غايته لله، وأمره كله لله أولا وآخراً، كما أنه من الله وإلى الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق: 6]. فمن لم يكرس جميع أوقاته في عبودية الله بشتي أنواعها فهو معاكس لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] ولقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ [المؤمنون: 115 ]. وهو إذا لم يقدر الله حق قدره فكيف إذا انضم إلى تفريطه اعتقاد شيء من المبادئ العصرية السالفة الذكر، أو اعتقاد عدم جدوى الشريعة في حل المشاكل، ونحو ذلك من الكلمات التي يطلقها تلامذة الإفرنج في وصية دين الله - تعالى -، فإنه خارج عن عبودية ربه إلى عبودية من انصاع إليه وتقبل أفكاره؛ لأن أول فرض على عباد الله كفر بالطاغوت الذي يطغيهم عن أي نوع من أنواع العبادة، ومن هنا استلزمت عبادة الله أموراً كثيرة سبق ذكر بعضها، ونذكر باقيها - إن شاء الله - بإجمال واختصار، فمنها: الثاني والخمسون: وهو أن عبودية الله لا تسمح لأحد ما بإيمان عقائدي جديد مما ينادي به قوم من أبناء جلدتنا، تربوا في أحضان الاستعمار، وتتلمذوا على طغاته وملاحدته، فانطبعوا بثقافته، وشغفوا بمدنيته، وتنكروا لدينهم وكتاب ربهم، الذي أنزله ذكراً لهم وشرفاً أيما شرف، فعموا وصموا عن ذكرهم وشرفهم وهداهم، وأخذوا يطالبون الأمة بإلحاح أن تسير سير الأوربين، وتسلك طريقهم في الحضارة، خيرها وشرها، دون استثناء لما يكره منها أو يعاب، وأن تهجر إلى غير رجعة شعائر دينها وإيمانها بالغيب، فلا تؤمن إلا بالمادة والعلم التجريبي الذي فضحه مهرة أهله باعترافهم بعجزه عن كشف كثير من الأسرار المحجوبة، وتفاهم الخلاف بين أهله في الماديات، بحيث اعترف بعض أساطينهم أن بعض ما قرروه أصولاً غداً افتراضاً واتفاقاً أو خيالاً، ونادى منهم عدد غير قليل بإيجاب الإيمان بالغيب، والمضبوعون من أبنائنا لا يزالون في طغيانهم يعمهون، وكل مناداة بإيمان بأي فكرة مادية أو عقائدية مخالفة لوحي الله، فهي غي وضلال وظلم وظلمة، لا يسلكها عباد الله الذين يرجون لقاءه. الثالث والخمسون: إن عباد الله لا يتبعون ما تتلوه شياطين الإنس وطواغيتهم من الولوع بالماديات، وقصر النظر عليها وتجنيد القوى في سبيلها وإشباع الرغبات من نيل الملذات الدنيوية كالأنعام، مما يبعد الإنسان عن رسالته الحقيقية في الحياة، ويجعله في أخس حالة، ويعرضه للاضطرابات وويلات الحروب، لانحطاط أخلاقه بالتسفل إلى المادة، وخراب ضميره بإضاعة ما لله من واجب العبادة. الرابع والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها في مشارق الأرض ومغاربها محاربة المكذبين لله، ومقاطعتهم بكل ما أمكن، والتفريق بينهم وبين الصالح من أهليهم والمسلم من أزواجهم، وأعظم أنواع المكذبين ممن يصرح بأن القرآن كتاب بالٍ رجعي لا يتمشى مع حال العصر، أو أن التمسك به مدعاة للتأخر والرجوع إلى الوراء، أو أنه من تلفيق محمد، كما يقوله الموسومون بالألقاب العظيمة في هذا الزمان، وكذلك القائلون بأن الإسلام دين طائفي لا يجوز بناء الحكم عليه، أو سن الدستور والنظم على أساسه، ونحو ذلك مما يعتقده تلاميذ الإفرنج الذين تبوءوا المناصب وهم من أولاد المسلمين، فجروا على الإسلام وأهله وبالاً لم يذوقوه من الاستعمار، ووصمات فاجرة لم يجرؤ طغاة الاستعمار على التفوه بها، فعبودية الله توجب على أهلها بغض هؤلاء ومعاملتهم بما تقدم ذكره، باعتبارهم محادين لله ورسوله، ومن يحبهم وينشرح صدره لما يصدر منهم أو يمشي في ركابهم ويخدم أغراضهم، فهو خارج من عبودية الرحمن إلى عبودية الطاغوت، منسلخ من ولاية الله إلى ولايته؛ لأن الله وصف كتابه ودينه بالهدى والنور والشفاء والحق والرحمة والعصمة من الضلال والشقاء، وأنه يهدي للتي هي أقوم، وأن ليس بعده إلا الضلال،فأي محادة لله ورسوله أعظم من عكس هذه الأوصاف الجليلة، والانحراف عن دين الله ونبذ كتابه، والتصريح بعدم صلاحيتهما، بل بضررهما في الحكم والسياسة، كما يتبجح به المثقفون بثقافة استعمارية، فالإسلام وأهله منكوبون بهم نكبة لم يشهدها التاريخ من قبل أبداً، فمن لم يتبرأ منهم ويسعَ لقمعهم وكشف حقائقهم فليس من عبودية الله في شيء فكيف من يركن إليهم ويتقبل ما يصدر عنهم. الخامس والخمسون: عبودية الله وفق شرعه لا تسمح لأي فرد أو هيئة أو حكومة ما، أن تعمل عملاً مخالفاً لشريعة الله، يبهرج فيه على الناس باسم وطن أو شعب أو قومية أو كيان، أو محاربة استغلال وما إلى ذلك، سواء في التطوير الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي ممايخرج فيه عن حدود الله التي حدها لعباده، فالمعتدي على الله بشيء من ذلك نابذ لهذه الآية وغيرها، وراء ظهره، متأسٍ باليهود والنصارى، الذين هم رؤساء هذه المذاهب، والتصاقه بالعروبة مع مخالفته ما جاء به النبي العربي جناية على العروبة ونزول بها إلى مكان سحيق. السادس والخمسون: بتحقيق عبودية الله تتحقق المساواة الصحيحة بين أفراد الإنسانية، فيحصل التمييز بين الخبيث والطيب، والمفسد والمصلح، والأمين والخائن، بحيث لا يرقى هذا إلى درجة هذا، ولا ينزل بهذا إلى ذاك، بل يسوي بين الأمين والأمين، وبين الخائن والخائن وبين المصلح والمصلح وبين المفسد والمفسد،وبين المجرم والمجرم،كلٌّ على حسب ما اقترفه وجناه من خير وشر، ومساواة لا تمنع أن يكون فيها صغير وكبير أو فاضل ومفضول في سيرته وعمله، وإنما تمنع انقلاب أوضاع الناس بأن يكون هذا سيداً وهذا عبداً، أو هذا رباً وهذا مربوباً، أو أن تسخر الفوارق المادية لمسخ الطبيعة والقيم الإنسانية، تلك الفوارق التي نقلت الأوغاد أمجاداً، وتهزأ بذوي السؤدد، وتملأ الأرض فسادًا بارتقاء المفسد إلى درجة المصلح والمجرم إلى درجة المحسن، والخبيث إلى رتبة الطيب، كما هي حال من لم يحققوا عبودية الله في هذا الزمان. السابع والخمسون: بتحقيق عبودية الله يتيسر تحقيق الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في جميع الأحوال والميادين، ويعين على ذلك جريان الأمور على وفق ما ذكرناه سابقاً من المساواة التي لا تتحقق إلا بتقوى الله وانعدام الأنانية والمحسوبية اللتين تفاقم شرهما في هذا الزمان، بحيث لا تحصر الانتخابات للمشورة في أهل الثراء، ولا يفسح المجال في الوظائف والدواوين لأبنائهم من دون أبناء الفقراء، ولا تقتل معلومات قوم ومواهبهم على حساب قوم آخرين، بل تقدر الوجاهات والمناصب بحسب الأعمال والمواهب، ويقمع الجشع وتمحى الأنانية، فتتساوى أقدام الأمة في الأعمال والواجبات، وتتهيأ جميع الوسائل والمعونات لاحتراف العاطلين في طلب الرزق من الأمة فيما بينهما بدافع ديني ابتغاء وجه الله، دون الارتكان على الولاة الذين لو صلحوا لما استطاعوا على الإحاطة بكل شيء والاضطلاع بكل واجب، فالشعور بالمسئولية أمام الله يجب أن يشمل كل أحد تجاه الآخر؛ ليتحقق الضمان الاجتماعي ويكونوا عباد الله إخواناً. الثامن والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يعيشوا بإيمان أعزل أمام إلحاد مسلح، بل يسعون غاية السعي بكل مجهود؛ ليكونوا أقوياء مسلحين بجميع أنواع الأسلحة الأدبية والمادية والمعنوية؛ ذوي خبرة بفنون الحرب الباردة والكاوية؛ ليدفعوا الإلحاد في أي ثوب ظهر، ويقمعوا أهله باللسان والسنان، ويكسروا أسلحتهم ويفضحوا فريقهم، وإذا برد سلاحهم لسبب من الأسباب وجب ألا تبرد ألسنتهم ولا تجف أقلامهم، وإلا لم يحققوا عبودية الله المنجية لهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وسقطوا وانهزموا أمام كل مبطل. التاسع والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يتخلفوا عن خوض معركة الدين ضد المنادين بانتهاء عصره، والراغبين في حصره داخل إطار ضيق منعزل عن الحياة، وجعله روحانياً صورياً كما فعله أهل الحل والعقد في بعض الدول التي أغفلت في دستورها التنصيص على دينها الرسمي، والذين تخلفوا عن خوض المعركة معهم وتخاذلوا عن مواجهتهم والاستعداد لقهرهم، لم يحققوا عبودية الله كما أمر،لفساد ضمائرهم بالمادة وركونهم إلى الحياة الدنيا واستحبابهم لها على الآخرة، وتلاشي يقينهم بالله بحيث تركوا الاستعانة به والتوكل عليه المشجعين على العمل، والاستعداد بكل قوة للجهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه القائلين ما قالوا، والله - جل وعلا- شرع قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة ليعملوا بمدلولها، فيحققوا ابتهالهم إليه. ومخاطبتهم له بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولو حققوا ذلك لما نبت هذا الإلحاد، فضلاً عن انتصاره، فجهل العامة بمدلولها، واستكانة علمائهم إلى الدعة ولذة العيش عن نيل وعد الله في الآخرة، هو الذي أنبت في الدنيا كل إلحاد ومكر ورذيلة، فيا ويل من وقف أمام الله كل يوم عشرات الركعات يردد فيها هذه الآية الكريمة دون عمل بمدلولها؛ لأنه بعيد عن الصدق مع الله، ومن لم يصدق مع مولاه فلا خير فيه وكان عرضة للغضب وكل عقوبة. ومن هنا يدرك القارئ السر في سوء حظ المسلمين الذين يقولون ما لا يفعلون بعدم تنفيذهم لقول الله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 40]، ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10]، ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ [النساء: 59] أليس تخلفهم وتخاذلهم أمام تلاميذ الإفرنج الذين عزلوا الإسلام عن الحكم دليلاً على ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر؟ إلا أن المؤمن الذي يرجو لقاء ربه لا يرضى بإقصاء دينه وتحكيم غيره، بل يثور على كل نحلة فاجرة حتى يحيا سعيداً ويموت شهيداً، ولا يترك تلاميذ الإفرنج يستوردون قوانين الدخلاء ويبثون عاداتهم وتقاليدهم، فيرتفع رصيدهم على حساب دين الله، هذا شيء لا يقبله من أسلم وجهه لله وأخلص دينه لله ولم يخش أحدا إلا الله، وإنما يقبل ضعيف الإيمان، عديم الإخلاص، من يخشى الناس من دون الله، ويتزلف إلى طواغيتهم الذين شرعوا لهم ما لم يأذن به الله، وهذا غير محقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بل هو مناقض لقوله، ومسلم وجهه لمن تزلف إليه من الحكام، وانشرح صدره لتشريعاته، ولذا خذل الله المنتسبين للإسلام من ذلك الصنف وجعلهم يوصمون بالرجعية وكل منقصة ممن عبدوه وأسلموا وجوههم إليه، ولم يشفع لهم خدماتهم لسياسته وإفتاؤهم العوام ببذل زكاتهم لنصرته تمشياً لرغباته، فها هي الأقلام تجري والإذاعات تعوي من أولئك النابذين للدين بسبب المنتسبين إليه مع مهادنتهم إياهم والمشي في ركابهم؛ لأنهم فرطوا في جنب الله فأذلهم، ولو عبدوه حقاً ونصروه لحقق لهم وعده الذي كتبه على نفسه بقوله: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]، ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، ولكنهم ركنوا إلى الذين ظلموا بتبديلهم قولاً غير الذي قيل لهم، أو جبنوا فانخذلوا أمامهم خشية لهم من دون الله، فسلطهم الله عليهم فزادوهم رهقاً واتخذوهم سخرياً. [1] بسطنا الكلام على أنواع الطاغوت في تفسير هذه الآية أكثر مما هنا؛ لأن لكل مقام مقالاً. [2] أخرجه أبو داود (2511)، وأحمد (2/302) والبيهقي في سننه (9/170)، وابن حبان في صحيحه(8/42) رقم (3250) كلهم من طرق عن عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة مرفوعاً به. [3] مبني على الحكاية في محل نصب مفعول به ثانٍ ليسمى. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (3) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري أكذوبة (الدين لله والوطن للجميع): الستون: عبودية الله المرضية لا تتمشى معها أكذوبة (الدين لله والوطن للجميع)، فلا تنطلي هذه الفرية على عباد الله المخلصين ولا يقبلون من أهلها صرفاً ولا عدلاً، إذ هي خطة ركزها طغاة الاستعمار، وملاحدته لاطِّراح دين الله الإسلام، وعبادة الأرض والجنس، والرجوع بالأمة إلى أفظع من الجاهلية الأولى بهذه الفكرة التي ألهبوا بها حماس الناس باسم الوطن، واستوردوا من أجله كل مبدأ غريب، واستطابوا كل عمل وتشريع خبيث؛ لأنهم لم يقيموا للدين وزناً، فالعابد لله حقاً يرى أصحاب هذه النحلة من زعماء القوميين ومخدوعيهم يبنون الوطن على أوضاع طغاة الشيوعية مخالفين هدي الله ولا يعمرونه بتقوى الله، فيصرف مكرهم وخداعهم ونفاقهم الذي طلبوه بقولهم (الدين لله والوطن للجميع)؛ لأنهم لم يلتفتوا إلى دين الله فيما يفعلونه وما يذرونه ولم يعملوا على تأييده، بل ناصبوه العداء ورموا أتباعه ودعاته بكل نقيصة، ولو قدروا الله حق قدره لحملوا دين الله على رؤوسهم وطهروا العالم بنوره، فالمحقق لعبودية الله يتساءل معهم هذه الأسئلة: 1- كيف لم تعملوا بالدين الذي اعترفتم أنه لله وتقيموه كما أمر الله لتحققوا عروبتكم التي عرفها الله به؟ 2- هل جعلتم دين الله هو الأصل والدستور والحكم، فبنيتم الوطن على ضوئه، وأجريتم الأحكام من ينبوعه؟ 3- لأي شيء تستوردون الظلم والقوانين من أعداء الله وتُعرضون عن كتابه الذي هو ذكر لكم؟ أتعتقدون أنهم أهدى سبيلاً وأنهم أصدق من الله قيلاً؟ 4- هل الوطن أحب إليكم من الله ورسوله حتى تتعلقوا بمذاهب الكفر من أجله؟ اصدقوا صدق الأبطال ولا تراوغوا مراوغة الثعالب. 5- لأي شيء تكذبون الله وتناقضون قوله: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران:19]. وقوله: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] بتبنيكم هذه الفكرة وجعل شعاركم هذه الكلمات المفتريات على الله (المسلم والمسيحي، كل دينه مليح، كل المذاهب لله أما الوطن للجميع) فتنسبون إلى الله ما تبرأ منه، وقد أخبركم عن المسيح أنه جاء للنصارى مبشراً برسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم. 6- هل الواجب عليكم السعي لتحقيق وحدة دين الله وإعلاء كلمته أو إعلان تفريق دين الله بحجة الوطن؟ 7- إذا كنتم صادقين بقولكم (الدين لله) فما لكم تبتغون غير الله حكماً ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾[الأنعام: 114]، ﴿ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ [الأنبياء:10] فكيف تنبذونه وراء ظهوركم وتقبلون على كتب أعدائه وأعدائكم. 8- هل تعتقدون أن دين الله دين واحد أو أديان متفرقة؟ فإن كنتم تعتقدون أنه أديان شتى، وأن لكل إنسان الحق في سلوك ما شاء منها – كما يصرح به فلاسفة قوميتكم ورؤساؤكم ومديرو جامعاتكم – فهذا قول مصادم لمقصود الله من إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى أقوام لا يقصدون بعبادتهم إلا التقرب إليه زلفى، كما حُكي ذلك عنهم في القرآن، وأوجب على المسلمين جهادهم مع اعتقادهم لذلك، بل قولكم هذا مناقض لرسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وحصرها بأنها رحمة للعالمين، فبئس ما خلفتموه في رسالته، وإن زعمتم أنكم تعتقدون بأن الدين دين واحد طالبناكم بإقامته وإرشاد الناس إليه وبناء الحكم والوطن على ضوئه وأساسه . وإن لم تفعلوا كنتم ممن قال الله فيه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ [البقرة: 9-8]، ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا ﴾ [البقرة: 14]. لماذا تعيبون الدعوة إلى الدين، وتقذفونه بالنعوت الشائنة، لتنفير النشء الجديد عنه، فتقعدون بكل صراط من المؤسسات والنوادي توعدون وتصدون عن سبيل الله، هل لأن (الدين لله) تعاملونه بذلك؟ 9- هلا أخضعتم المبتكرات العصرية لدين الله واستعملتموها في طاعته، وغرستم في الناس الفضيلة والإيمان بالغيب بدلاً من المادية والتفسخ أم أنتم في قولكم: (الدين لله والوطن للجميع) كالمشركين الذين أخبرنا عنهم بقوله: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الأنعام:136]. 10- كيف تجعلون الأولوية والغاية لمحبة الجنس وتقديس الأرض باسم الوطن، والله أوجب عليكم تقديم محبته والجهاد لإعلاء كلمته على أقرب قريب وأحب حبيب من ولد ومال ووطن، فتضربون بنص كتابكم عُرض الحائط، أهذا ثمرة قولكم: (الدين لله والوطن للجميع) ﴿ قُلْ بِئْسَ مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 93]. 13،12،11- ما موقفكم من سورة (العصر)؟ وما موقفكم من قول ربكم – تعالى -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران:110]؟ مادمتم ترون ترك الناس يسلكون ما شاءوا من خلق ودين؟ وما موقفكم من قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة:143] كيف تكونون شهداء على الناس وأنتم لم تبلغوهم الرسالة التي أورثكم الله إياها وجعلكم خلفاً لنبيه في حملها؟ ثم بماذا يشهد عليكم الرسول؟ أيشهد عليكم بنبذها واتباع ما رسمه طغاة الشيوعية والملاحدة تقديماً له على الله ورسوله؟ ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102]. 14- كي تعتزون بعروبة فصلتموها عن روحها وهي الدين، وعزلتموها عن رسالتها السماوية، إذ بدلتم قولاً غير الذي قيل لكم، فهل يكون اعتزازكم صحيحاً أو ممسوخاً؟ 15- لو فرضنا صحة اعتزازكم بعروبة مجردة عن دينها ورسالتها السماوية فإن العروبة الأصيلة مجبولة على سجايا شريفة وأخلاق كريمة مشتهرة بالغيرة والحفاظ على الأعراض والصدق والوفاء والنفرة من التقاليد الأجنبية النابية عنها، وعروبتكم التي تتبجحون بها راكسة في حضارة أعداء الله وأعدائها، بل مكتوبة بنارها قد سقطت فيها الأخلاق إلى الحضيض، وماتت منها العاطفة الإنسانية الصحيحة،، وأهدرت الكرامة، ورخصت في عينها قيمة الأعراض، وفشت الجنايات والسفالات فشواً مريعاً حيث صار المنكر المذموم هو المعروف المحبوب، والمعروف المحمود عند الله وعباده الصالحين هو المنكر الرجعي الوحشي، فكيف تدعون العروبة الأصيلة وأنتم لم تسلكوا طريقة نبيكم العربي حتى في التربية والتعليم، بل سلكتم طريقة (فرويد) وغيره من ملاحدة علم النفس، وكيف يصح اعتزازكم بعروبة من هذا النوع قد أضاعت المشيتين؟ فلا حملت رسالة نبيها ولا تعلقت بأخلاق أجدادها، بل تعلقت بالكفر ومفاسد الغرب وخبائث الشيوعية؟ هذه أسئلة وأمور يستدركها العابد لله حقاً فيوجهها بكل حرارة وإنكار إلى المبتدعين أكذوبة (الدين لله والوطن للجميع) يستظهر بها باطلهم ويكشفهم على حقيقتهم للأغرار والمضبوعين الذين لعبوا على عواطفهم بهذه الأكذوبة، ولا يسمح لهم بالاسترسال في غش الناس وتضليلهم وتكييف أبنائهم بصبغة وثنية لا تعرف إلا المادة وتقديس الأرض والأشخاص، فالعابد لله لا يسمح لهم بذلك، فضلاً عن أن يسلكهم عليه أو يكون لهم صنيعة يحبذ ما أرادوا، بل يصرخ في وجوههم صادعاً بملة إبراهيم عليه السلام ناصحاً لله ورسوله وعباده من الانزلاق في إفك هؤلاء الصادين عن سبيل الله، الفاتنين الأمة عن دينها وعبادة ربها ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة:191] ومن لم يقم بواجبه في دحض فرية هؤلاء وتفنيد مزاعمهم وقمعهم بالمستطاع فليس محققا لـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؛ لأن جميع خططهم تهدف إلى هدم الدين الإسلامي والقضاء على مقوماته وأخلاقه، وإسقاط حقوق رب العالمين في جميع الميادين مع ما فيه من الطعنة النجلاء إلى صميم العروبة الأصيلة بإبعادها عن رسالتها التي اختارها الله لها وكلفها بحملها، وضمن لها السؤدد الكامل في جميع الأرض إن هي قامت بواجبها، وحصر لها الشقاق والضلال إن هي حادت عنه، فأعداء الله وأعداؤها رسموا لها هذه الخطة الأثيمة ليوقعوها في وعيد الله وغضبه، والعابد لله حقاً لا يرضى بذلك أبداً يبذل النفس والنفيس في دفعه ومقاومته، وكيف يرضى بما هو خيانة لله ورسول من مضادة ملة إبراهيم عليه السلام بهذه النحلة وترك التواصي بالحق والأمر بالمعروف وحماية المبلغين رسالة الله بقمع من يقف لصدهم بأي وسيلة، إذ هذه الأكذوبة تناقض أعظم مهمات العبادة وتشجع حزب الشيطان على حزب الرحمن، فلا يحقق المسلم عبودية الله إلا بمقاومة أهلها كما تقدم. الحادي والستون: العابد لله يتخذ الله هادياً ونصيراً وحاكماً وولياً، فلا يطلب الهداية من غير وحي الله، بل يعتبر جميع الأوضاع التي لم تركز على وحيه بدعة وفرية وأملاً وتشكيكاً من وحي شياطين الإنس والجن وطواغيتهم، فلا يطلب النصرة إلا من الله، ويجتهد في الاستعداد وتسخير القوى معتمداً على الله، ولا يبتغي غيره حكماً، ولا يرجو من سواه نصراً ولا يسمح بفراغ، أو يضيع لحظة بدون عمل لنصرة رب العالمين. الثاني والستون: عبودية الله تقضي على الضعف النفسي، فلا يكون معها مكان للهلع والخور؛ لأنها ناشئة عن قوة عقيدة وإيمان وكمال ثقة وإيقان فيما عند رب العالمين فتجد العابد الحقيقي يثق بما عند الله أكثر من ثقته فيما بين يديه، ويعرف أن الأمر كله لله، وأن تصريف الكائنات كلها بيديه، فيزداد نشاطه على الأخذ بالأسباب التي رتب الله عليها مسبباتها بمقتضى حكمته، والإقدام في سبيل الله لتطهير الأرض من الظلم والفساد، موقنا أن النصر حليفه إذا مشى في ذات الله وفي نصرة دينه، نصحاً له وصدقاً معه وإخلاصاً. الثالث والستون: بعبودية الله يتمايز قلب المؤمن بالثبات على الحق حيثما كان، والدأب في نصرته بهمة عالية وعزم قوي، لا يثنيه عنه كثرة خصومه مهما تكالبت عليه قوى الشر، إذ لا يعتبرها في جنب الله إلا كالفراش مقتدياً بعباد الله الصالحين، كموسى مع فرعون وملئه، وإبراهيم مع النمرود وأشراره، ومحمد صلى الله عليه وسلم مع صناديد قريش. الرابع والستون: عبودية الله بعزيمة صادقة تحقق لأهلها التوكل على الله الذي هو لب الإيمان وجوهر العقيدة، وبتحقيقه قويت الصحابة الكرام على غزو فارس والروم دون الانتصار بأحدهما على الآخر، الذي هو شأن الساسة المكَرَة من خلف السوء إلى اليوم؛ لأن حقيقة التوكل هو الاعتماد على الله باعتقاد جازم أنه هو الحسيب على عباده، الكافي لهم شر أعدائهم، وكلما قوي التوكل قويت العزيمة على الإقدام والأخذ بالأسباب في غاية المستطاع، فهو خير حافز على القوة بخلاف التواكل الذي هو مجرد عجز وجبن يئول إلى زعزعة العقيدة وضعف النفس، فشتان ما بينه وبين التوكل الصحيح، ومن أراد الاعتبار بالفرق العظيم بين التوكل والتواكل، فلينظر إلى موقف قوم موسى لما أمرهم بدخول الأرض المقدسة، وموقف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ويكفيه عبرة. الخامس والستون: عباد الله لا يستحبون الدنيا على الآخرة، فذلك من صفات الكافرين، بل يعتبرونها مزرعة للآخرة، فيبذلون أقصى مجهودهم بجلائل الأعمال والمسابقة إلى الخيرات وإصلاح الدنيا على وفق شرع الله، فسيرهم فيها وسط بلا إفراط ولا تفريط لم يجعلوها أكبر همهم ولم يتعلقوا بالمادة هذا التعلق المشين ولم يسلكوا الزهد الهندي الذي لم يشرعه الله فيعيشوا في بؤس وذلة ويضيعوا حق الله مما تقدم ذكره وما سيأتي له مزيد، فإنه بسبب هذا الزهد المذموم وما قذف به على الشرق من خرافات حصل تفريط كبير في نواحي الحياة فأطاحت بحرية أهله؛ حيث ماتت فكرة الجهاد وما يستلزمه من إعداد القوة، فمسخوا دين العزة والفتح والكرامة إلى دروشة وخنوع لكل مستعبد، وتفريط في جنب الله ضاعت معه جميع المقومات. السادس والستون: عباد الله لا يتجردون من ولاء الله ورسوله وموالاة أوليائهما السالكين هديهما، بل يتجردون من ولاء من سلك غير هديهما في نواحي الحكم والحياة، واتبع غير سبيل المؤمنين مما تمليه المذاهب والمبادئ العصرية التي ركزها أعداء الله ورسله من أئمة الكفر وطواغيت البشر؛ لأن الموالي لهؤلاء والمحبذ لأفكارهم ليس من الله في شيء، فموالاة الله تستلزم التجرد من ولاء المتبعين غير سبيله، كما أن موالاتهم والسير في ركابهم يستلزم التجرد من ولاء الله ورسله وأوليائه، والخروج من عبوديته الشرعية. السابع والستون: العابد لله لا يضعف ولا يهن ولا يحزن، ولا يعتبر النكوص عن الجهاد في الصبر على البأساء والضراء تطوعاً؛ لأنه انهزام سياسي يؤاخذ الله به المسلمين ويعاقبهم عليه في الدنيا والآخرة؛ لأن الصبر الممدوح في (آية البر) ليس معناه الاستسلام والخنوع، بل معناه المصابرة على جهاد أعداء الله والمرابطة في الثغور لإعلاء كلمته، خلاف ما فهمه المتأخرون من أصحاب الطرق والتصوف الذين يرجون الثواب بالصبر على عسف الكفار؛ استخفافاً منهم بعيشة الذل في الدنيا السريعة الزوال، وطمعاً في الانتقام منهم في الدار الآخرة، ناسين أن تفريطهم في الجهاد في ذات الله ورضاهم باستضعاف أعدائه لهم خطيئة يصليهم بها جهنم وساءت مصيراً، إلا من استثنى في سورة (النساء) ممن ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 98] فالمحقق لعبودية الله الشرعية لا يرضى بذلك أبداً. الثامن والستون: بتحقيق عبودية الله تنجو الأمة جماعة ووحداناً من الجهل المركب المؤدي بصاحبه إلى كل شر وضلال وهوان، ومن أنواعه ما قدمنا في الوجه السابق، وأنواعه كثيرة كلها تستند إلى الاعتقاد الفاسد الذي هو تصور الشيء على غير هيئته وخلاف حقيقته، فلذا سمي جهلاً مركباً؛ لأنه مركب من عدم العلم بالحكم الحقيقي، وتصور الحكم الفاسد بدله مع التعصب، وعبودية الله تعصم صاحبها من ذلك لاستنارة قلبه بوحي الله وهداه، وعدم التعصب لما يتخيله أو يقذف الناس عليه. التاسع والستون: تحقيق عبودية الله وفق شرعه هو القيم على الروحانية في العالم، وبدونها تنبعث الأزمات النفسية، ويستحكم طغيان المادية، فتسخر الناس لأغراضها بأي نحلة ينتحلها طغاتها، وتنتشر الفوضى الجنسية بسبب انحلال الأخلاق لضياع الإيمان بالله والحرمان من عصمة عبوديته، حتى تصبح العفة النفسية شذوذاً جنسياً، كما هي الآن في بعض الأقطار، ويكون الربا الماحق روحاً للمعاملات وشرايين لحياة أولئك الذين فقدوا عبودية الله حتى ينزلقوا إلى الجحيم الحمراء، فالمادية القائمة على نوازع الأثرة وقوانين المنفعة وانتهاز اللذائذ واشترائها بأي ثمن، لا ينقذ الناس من جحيمها المستعرة بكل لون إلا تحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؛ لأنها تعمر القلوب وتشغلها عن أن يغزوها شيء من الثقافات والمبادئ المادية، وتطهرها بالعقيدة الصحيحة التي توجب عليها العدل والرحمة والإحسان، من إطعام المحروم وتشغيل العاطل وتسخير جميع القوى والإمكانيات، وعدم الاعتراف بمال حرام أو كسب، ولا تجيز معاوضة الجهد الشاق بأجر بخس، ولا مكافأة العمل التافه بأجر كبير، ولا تبيح التعطل والتسول والفوضى والاتكال على الغير في القوى والإنتاج، وتعد الدولة مسئولة عن جميع ذلك، ولا تبيح لأحد ممالأة الظالم فضلاً عن موالاته وحبه، وامتداحه وإسباغ صيغة حسنة على ظلمه، شأن أهل هذا الزمان الذين أضاعوا عبودية الله، فكانوا عبيداً لشياطين الجن وطواغيت الإنس، ومولعين بكل نقيصة ورذيلة. السبعون: بعدم تحقيق عبودية الله المطلوبة يتكون بين ظهراني المسلمين، بل من أولادهم أقوام ينبذون القرآن ويستهترون به، ويضيقون بحكم الله – تعالى – ويحتكمون إلى الطاغوت، فينبعث منهم طواغيت يجلبون على الناس كل طامة وبلية من إلحاد الشرق والغرب، وكافة مبادئهما وتقاليدهما الساحقة الماحقة للمال والحرية والشرف، وها نحن نرى أكثر الناس اليوم قد أثبتوا بذلك ووقعوا فيما وقع فيه المشركون الأوائل من ائتمارهم بأوامر متبوعيهم ومحبوبيهم وانتهائهم عما نهوهم عنه، وتحريمهم ما حرموه واستحلالهم ما حللوه كيفما كان، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا شركاً، والقوم في غفلة أو إعراض عن العقيدة الموجبة عليهم والمحررة لنفوسهم من استرقاق الطواغيت؛ لأن تحقيق عبودية الله يضمن إشراق العقيدة، وعمق الإخلاص لله في النفوس يعصم صاحبه من احتيال شياطين الإنس له، وصدق الجهاد في سبيله ابتغاء مرضاته يحول دون ظهورهم لفتنة الناس، فإذا لم تتحقق العبودية بذلك حصل نقيضها من تلك الظلمات الوثنية التي ذكرناها والتي قاسيناها وافتتن بها أولادنا اغتراراً بالأسماء الكاذبة المحببة لها إليهم، وهي سراب، أو علقم وخراب، بجميع ما فيهما من معنى. الحادي والسبعون: عبودية الله الحقة أساس النهضات الصالحة، لأن حياة أصحابها تكون إشعاعاً من القران يتحقق منها جميع أساليب الحرية والعدالة والقوة المادية والمعنوية ونفاذ البصيرة وانطلاق التفكير والاستعانة بالشورى وإيجاد التعاون الذي يثبت عرى الروابط الأخوية ويزيل الفوارق الطبيعية: فوارق اللون والبلد والعصبية، التي تفاقم شرها في هذا الزمان، ولها الأثر السيئ في كل زمان ومكان، الذي لا يزيله إلا تحقيق عبودية الرحمن على ما أسلفنا. الثاني والسبعون: العابد لله يجند نفسه لمقاومة كل ثورة على الإسلام وتعاليمه، وحملته المخلصين، مهما اتسمت هذه الثورة بأي اسم قومي أو وطني أو اشتراكي وما إلى ذلك، ويعاهد ربه بتكريس جميع قواه لدحض المفترين عليه،المفتئتين على شريعته، حتى يقمعهم ويفضح باطلهم، ويكون جريئاً مقداماً، لا يخرسه خوف بأسهم ولا رجاء مودتهم ولا حب الحياة بمكان يهان فيه شرع الله وتهتك حرماته؛ لأنه إن لم يتصف بذلك ونكص عن مجابهة أولئك؛ كان جرمه أشد من جرم المتولي يوم الزحف، فكان غير محقق لعبودية الرحمن؛ لأن الغزو الثقافي والصراع الفكري أشد خطراً من الغزو العسكري، وأسوأ غلبة في التأثير، إذ فيه تسميم العقول وإذابة الأرواح، وإذا كان قاتل الجسم يقتل قصاصاً وتتخذ وسائل الدفاع لاتقاء شره، فقاتل الأرواح ينبغي الاستعداد له والعمل على قمعه أزود من ذلك بكثير. الثالث والسبعون: وهو أن عبودية الله توجب على أهلها معاونة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بجميع الوسائل والأساليب، والعمل الدائب على حفظ عقائد أولادهم بتجديد طبع الكتب الإسلامية وترجمتها، وبث النشرات التي فيها تفهيم فلسفة الإسلام الصحيحة في سائر تشريعاته، وصياغة الألفاظ حسب الأساليب الرائقة المفهومة في هذا العصر، وإرسال البعوث تلو البعوث لتقوية عقيدتهم وإمدادهم بما يلائم تقوية معنوياتهم أو العمل على ترحيلهم إن لم يتسن ذلك، لئلا تقطع أوصال المسلمين إرباً إرباً في كل ناحية، فتزول هيبتهم وتهدر كرامتهم، فإن الله سائلهم جميعاً عن ذلك، ولو حققوا التساند الواجب عليهم بكل معانيه لما انتقصوا من أطرافهم وغزوا في عقر دارهم، وإذا حققوا مدلول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تحققت لهم العزة بإذن الله. الرابع والسبعون: عبودية الله توجب على صاحبها ألا يضيع شيئا من أوقاته سدى، بل يشغل جميع أوقاته وثواني ساعاته بكل عمل يعود نفعه على الإسلام وأهله في شتي المرافق والميادين، بحيث لا يؤخر عمل اليوم لغد أبداً، بل يؤخر عمل الصباح إلى المساء، ويغتنم كل فرصة سانحة، ولا يفوتها ويتحسر لو فاتت أعظم مما يتحسر لخطب فادح اختص فيه بحيث لو علم أنه سيموت غداً ما استطاع أن يعمل أكثر مما عمل، فبذلك تتحقق عبودية الله ويكون من حزبه المفلحين العاملين لإعلاء كلمته في الأرض. الخامس والسبعون: عبودية الله تفرض على أهلها المواساة والإيثار والجود بالمال في جميع نوائب المسلمين، وتشطيره حسب حاجات الثغور من تأمين حاجة الدعاة وأرامل المجاهدين وعوائلهم، ورفد كل من يستحق الرفد من عباد الله، والعمل على جعلهم في بحبوحة من العيش. السادس والسبعون: عبودية الله تقضي على عباده باستعمال الإحسان في كل شيء وعدم الخروج عنه مهما اشتدت العداوة، ما لم يخرج عن الحدود، فلا تجد في تاريخهم التعذيب والتنكيل وسوء القتلة والذبحة من رضخ الرأس، والتمثيل، والسحل، والإحراق، دفن الأحباء كما يفعله أصحاب المبادئ الأرضية المادية والإلحادية. قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله كتب الإحسان على كل شي..))[1]. الحديث. السابع والسبعون: بعبودية الله يحقق العابد شخصيته الأصيلة وإنسانيته الكاملة التي يتميز بها بين أقرانه بالاستقامة في سيرته، وسلامة عقله وضميره من المؤثرات التي تظهره بمظهر عدم التوازن أو بمظهر الازدواجية. الثامن والسبعون: عبودية الله تصحح ضمير العابد وتطهر قلبه وتجعله سليماً مستقيماً؛ ليس في قلبه سوى محبة الله ورسوله ومحبة من يحبهما وبغض من يبغضهما كائناً من كان، فلا تميل به العاطفة عن تلك القاعدة الحنيفية أبداً. أما من لم يحقق عبودية الله فلا بد أن يصاب بأزمة الضمير وتذهب نفسه حسرات على من تعلق به من أشخاص ومبادئ كما هي الحال المشاهدة في أهل هذا الزمان. التاسع والسبعون: عبودية الله توجب على أهلها أن يصلوا ما أمر الله به أن يوصل، فمع قيامهم بحق الله فإنهم يقومون ويؤدون حقوق الوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين. الثمانون: وهو صلة ما أمر الله به أن يوصل من قرابة الدين في سائر بقاع الأرض، إذ إن أخوة الدين وأواصره أعلى وأغلى من كل شيء، فبالدين يقرب البعيد، وبالنكوص عنه يبعد القريب، كما عزل الله كافر من أولاد نوح عليه السلام عن أهله وأبعده عنهم، وجعل أبعد المسلمين أقرب منه، وجعل الموالي من الأعاجم والأحباش أقرب إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عمه أبي لهب وأحزابه. الحادي والثمانون: عبودية الله توجب على أهلها الوفاء بالميثاق الإسلامي، الذي يربط المشرقي بالمغربي، والعربي بالأعجمي، والمغربي بالمشرقي، برباط العبودية ضمن الشهادتين، كما شرع الحج لأجل ذلك، فخارق هذا الميثاق بالرجوع إلى العصبية وتبني القوميات المبعدة لبعضهم عن بعض والمقربة لأعداء الإسلام تحت اسمها، مخلُّ بعبودية رب العالمين ومناقض لمدلول سورة (الفاتحة)، وقد ظهر التأثير السيئ لذلك في هذا الزمان الذي رجع غالب أهله إلى الجاهلية الأولى، وركسوا في الوثنية من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون. [1] أخرجه مسلم (3/1548) رقم (1955) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (4) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الثاني والثمانون: بتحقيق عبودية الله يبيع المؤمن نفسه وماله لله رب العالمين، موقناً بالثمن الغالي النفيس لهما، فيتكرم الله بشراء ذلك منه ويعد الفصل بين كلمتين: يعد له في جنات عدن ما أعده لأوليائه الصالحين مما لا عين رأت و لا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، خلود و أمن في غرف من فوقها غرف، من دخلها ينعم لا يبأس و لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ [الروم: 6]، ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 111]، فالمؤمن بتحقيق عبوديته يصدق بيعه مع الله؛ فيعتبر نفسه وماله وديعة لربه يسارع بدفعها إليه، ومعنى ذلك ألا يرى أنه مالك لشيء من المال، بل يرى أنه وكيل مؤتمن عليه، يضعه حيث أمره الله و لا ينفق منه شيئاً في غير مرضاته أبدًا، وباعتبار روحه وديعة لربه يرى نفسه جندياً مطيعاً لله يضعها في أي ميدان يأمره؛ فيقف موقف الموت لإعلاء كلمة الله، لا يخاف بأساً و لا رهقاً، ولذا نجد الصحابة الكرام الذين صدقوا البيعة مع الله وقفوا موقف الموت أمام أعدائه، غير مبالين بكثرة عددهم أو قوة شوكتهم، فعجل الله لهم أول التجارة في الدنيا بنصر عزيز و فتح مبين، علاوة على الثمن الحقيقي الآخر الذي يتنافس فيه المتنافسون في الدار الآخرة، وسيحقق الله نصره ويصدق وعده مع كل من خلف أولئك، فقام بتحقيق عبوديته وصدق بيعته. الثالت والثمانون: عبودية الله توجب على أهلها مع ذلك ألا يفرطوا بنصيبهم من مقومات الحياة الدنيا كشأن أهل التصوف والدروشة، بل لابد له من خوض معركة الحياة وتسخير جميع الماديات واكتساب ما أمكن منها بالطرق المباحة، ليتمكن من أداء رسالته في الحياة بالإنفاق في سبيل الله من كافة الوجوه، ويتماسك كيانه مع إخوته المؤمنين، فتكون لهم اليد الطولى التي يقدرون بها على الصلاح والإصلاح في الأرض؛ لأن ما في الدنيا من المقومات المادية الهائلة سلاح خطير إذا سبق إليه أهل الضلال وظفروا به؛ كان وسيلة فعالة للتحكم في الناس وإفساد دينهم ودنياهم، كما جرى على المسلمين بسبب الأفكار الدخيلة التي أقعدتنا عن الأخذ بأسباب القوة والهيمنة على الدنيا والتفوق على أهلها، وأفسحت المجال لأهل الضلال، وجعلت المخدوعين المنزلقين في غيهم يتهمون الدين بأنه مخدر ومبلد، يصرف الناس عن التفوق في شئون الحياة، ولو كانت أفكار أكثر الصوفية ومن على شاكلتهم حقاً لما كان لمشروعية الإرث فائدة، ولا لفرضية الزكاة والإنفاق في سبيل الله فائدة، بل ولا كان للهجرة والجهاد فائدة، لأن الدراويش من أين لهم: يورثون أو ينفقون وبأي سبب يجاهدون؟! وقد فقدوا الأسلحة المادية التي هي مقومات الحياة ووسيلة للعزة فيها بإذن الله، وإنما الحق الصحيح الواجب هو ألا يفرط المسلمون بنصيبهم من مقومات الحياة الدنيا. الرابع والثمانون: وذلك أن عبودية الله توجب على صاحبها ألا يجعل الدنيا غاية الغايات، ولكن يخوض معاركها، ويكدح فيها؛ ليتخذها وسيلة للغايات الكريمة التي جعلها الله من شعب الإيمان، وأوجب عليه أن يعمر بها أرضه، ويطهر أهلها من الظلم والفساد وينجيهم من كل فتنة، ويرفع مستواهم عن الفقر والمسكنة، ويغذيهم بالعلم النافع المصلح لأخلاقهم وعقائدهم، المقوي لعزائمهم، وألا يبخل في الدفاع عن معتقداته ومقدساته بنفس و لا مال؛ ليحقق الرجولة والمروءة والدين والإخلاص، وأما من استمسك بالحياة وحرص على المادة لغير ذلك فهو نذل طبعاً كافر شرعًا، ومن ثَمّ أكثر الله في كتابه الكريم وصف الدنيا بأنها متاع ليجعل قيمة المال تنزل من مقام السيطرة والتسلط على النفوس والاستحواذ على الأفئدة إلى مقام آخر وهو مقام الوسيلة التي يجتهد الإنسان في الحصول عليها لتكون ذريعة إلى المقصد الأسمى من إعزاز الحق، وتقوية المجتمع المؤمن، واصطناع المعروف، والإعانة على نوائب الحق. إن موكب الإيمان يجب أن يكون حافلاً بألوان القوة المادية جميعها وبألوان القوة الروحية و الأخلاقية، ولكن يجب عليه ألا يُسخّر الثانية للأولى، بل يُسخّر الأولى للثانية، ولا يكون الحق عنده للقوة أبداً، بل يجعل جميع القوى أداة لنصرة الحق، إذ في الوقت الذي تغلب فيه المادة على الروح يكون الأمن في الدنيا مهدداً بالخطر، إذ يتعذر الاتفاق على المطامع، وتكثر أسباب التخاذل التي تتطرق إلى النفوس بما تحمله من الأنانية التي حذرنا الله منها، وأكثر من الترغيب في الآخرة لتجعل الدنيا مزرعة لها، ولهذا تعين على عباد الله الأمر. الخامس والثمانون: وهو أن عبودية الله تجعل المرء دائماً يتذكر الآخرة ولا يذهل عنها لحظة؛ ليعد لها عدتها كيلا يقسو قلبه ويرضى بالحياة الدنيا ويطمئن إليها، فلا يقوم بحقوق الخالق والمخلوق التي تتطلبها العبودية الشرعية، وليس معنى ذلك الانعزال عن خوض معركة الحياة والقنوع بالفقر والذلة مع التقاعس عن جلائل الأعمال، بل لتحفزه قوة شعور بأهوال الآخرة للقيام بما أوجب الله عليه وربط به مصيره، فيكون في هذه الدنيا من خيرة العاملين لإعلاء كلمة الله والإصلاح في أرضه ومنفعة خلقه ورفعة شرعه على كل تشريع، ألا ترى إلى معرضين عن الآخرة كيف كانت قوة بعضهم على بعض، بحيث لا يعامل أحدهم أخاه بعشر معشار معاملته لكلبه، تالله إن العالم دفع ثمناً غالياً جداً لإعراضه عن عبودية الله وإضاعته رسالته. السادس والثمانون: بتحقيق عبودية الله تكون الدنيا سجناً لكل رجل شريف من جهة، ومركز انطلاق عظيم للأعمال النافعة والكفاح من جهة أخرى، إذ هي بلا ريب سجن للمؤمن حيث يضع عليه إيمانه قيوداً من حديد تكبل غرائزه وشهواته الطائشة، فهو حبيس التقوى عن الانطلاق في إشباع غرائزه وشهواته وركوب رأسه بالتسلط والتكبر على الناس، وليس معنى كونها سجن المؤمن أنه يعيش فيها صعلوكاً ذليلاً هين الشأن، منقطعًا عن العلوم والفنون، مقطوع الصلة عن معترك الحياة، بل على العكس يجب عليه أن يسعى ليعيش عيشة الأقوياء الأحرار، فيكون مثرياً وجيهاً واسع الأفق، نشيطاً جوالاً في الأرض، لايرضى بالدنية لدينه وكيانه، بل ينطلق نحو العزة والكرامة ويكون يداً عليا وفق أمر الله، ولكنه يكون في سجن عن الشهوات الذميمة والدنايا وابتغاء العلو والفساد في الأرض، فلا ينطلق في الدنيا انطلاقة الحيوان، فاقد العقل والضمير، شأن أغلب الذين انطلقوا في هذه الأزمنة؛ فكانوا وبالًا على الناس في دينهم ودنياهم. السابع والثمانون: العابد لله يعتبر المال فتنة يختبر الله به قوة إيمانه ومتاع أخلاقه وشرف نفسه بوفائه مع ربه فيما أوجبه عليه من الحقوق وما يلتزمه مقتضى الشهادتين وما تستوجبه مبايعة الله عليه، ويحرص على القيام بشكره والإحسان إلى خلقه كما أحسن الله إليه، ولا يعتبر المال دليلاً على امتيازه الذاتي، كقول قارون: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78]. فإن هذا من الإعجاب وتزكية النفس الذي هو من أنواع افتراء الكذب على الله. الثامن والثمانون: العابد لله لا يسلك في اكتساب المال طرقًا غير مشروعة من الاحتكار المحرم أو أكل الربا أضعافًا مضاعفة، وبخس الناس أشياءهم بأي نوع من أنواع البخس، التي أعظمها ظلم الأجير واستغلال الكادحين في الحقول بنقص أسعارهم وغمط حقهم باسم الحرية الكاذبة أو الاشتراكية الظالمة وغيرها، مما يكون مغرياً للناس على الانزلاق في جحيم المبادئ الهدامة الكافرة، ناقمين من الدين بما فعله أدعياؤه المضللون. التاسع والثمانون: العابد لله يعتبر ما لديه من المال وديعة وعارية معارة لرب العالمين، وهو وكيل ومؤتمن عليه، فيسلك طرق القصد والتوفير، متجنباً الإسراف والتبذير؛ لأنه مسئول عن المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه. فلا يسارع في إنفاقه إلا في سبيل الله وابتغاء مرضاته من نصرة دينه ونشر الدعوة إليه بشتى الوسائل، وجهاد الصادّ عن سبيله والمفتري عليه. ممن شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، أو أعاد العصبية الجاهلية أو غيرها من طرق الكفر المخالفة لهدي محمد - صلى الله عليه وسلم - بأي اسم ظهرت، وبأي قومية اتسمت من أي رسالة شيطانية مخالفة لرسالات الله، وأن يُسخّر ماله فيما يسعده في الدارين، من إصلاح أحوال المسلمين وإعزاز دين رب العالمين. التسعون: عبودية الله في الوقت الذي نطلب من العابد أن ينظر إلى من دونه في الأشياء المادية ولا ينظر إلى من فوقه لئلا يزدري نعمة الله عليه، فإنها لا تحب لأهلها الفقر والفاقة، ولا تحذرهم و لا تبلدهم فيرضون بالدون أو يقتنعون بالهون من الحياة، ولكن توجب عليهم العمل وبذل أقصى المجهود لابتغاء المزيد من فضل الله؛ ليتسنى لهم السؤدد والتقدم على أعداء الله وأعدائهم، وكل دعوة تخالف هذا فهي مجافية للدين. ومن هنا يعلم أن الطرائق الصوفية ليست مطابقة لعبودية الله الصحيحة التي كان عليها سلفنا الصالح. الحادي والتسعون: عبودية الله تحقق التكافؤ الاجتماعي الصحيح، ليس بالمعنى الذي يريده الملاحدة والمنصبغون بآراء الشيوعية ونحوها في هذا الزمان من الأفكار التي غايتها أن تنتهي بالظلم إلى ظلم من لون آخر، ليأكل الناس أموالهم بينهم بالباطل، أو تضيق عليهم المسالك وتسد فيما بينهم أبواب المنافسة. ولكن الذي تمليه عبودية الله هو التكافؤ الناشئ عن شعور الإنسان بواجبه نحو أخيه من: حفظ كرامته، والتواضع معه، والعطف عليه، والإحسان إليه ومساندته ومؤازرته حتى بالايثار على النفس. الثاني والتسعون: عبودية الله ترتفع بصاحبها عن الضعف النفسي المؤدي إلى سقوط الضمائر والتفاف الطباع حول المرائع الخصبة، والتذلل والملق للجبابرة والطواغيت؛ لأن هذا من الشرك الذي نصه الله بقوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]. وبقدر ما تنقص عبودية الله أو تتضاءل يتفشى الضعف النفسي ويبدو سقوط الضمائر بأبشع صورة. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (5) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الثالث والتسعون: عبودية الله توجب رعاية الأمانة وحفظها، بجميع أنواعها، فيرعاها فيما كلفه الله من العبادات والشرائع بأدائها على الوجه الأكمل بدون تقص ولا استهانة، وإقامة وجهه لله فيها حنيفاً مخلصاً، وفي المعاملات يؤدي ما وجب عليه من حقيقة الوفاء بالعقود بدون بخس ولا مماطلة، وفي رعايته لأهله وأولاده يقوم بواجب الأمانة نحو الله بحسن تربيتهم على دينه وتوجيههم إليه، وإعدادهم للجهاد في سبيله، ثم رعاية الأمانات الواجب أداؤها إلى أهلها على كل قادر من المسلمين، أئمتهم وعامتهم، وذلك بإناطة كل شيء إلى أهله، فلا تسند وظيفة إلى غير كفئها، ولا يوكل عمل إلى غير أهله، فإن المحاباة في الأعمال والمناصب خيانة للأمانة، وفتح لأبواب الفساد والفوضى، وتعريض لكيان الأمة للخطر، وأي خيانة أعظم من غمط الحق بإبعاد أصحاب الكفايات ونسيانهم، واحتضان كل شرير ماجن أو حاقد أو خائن، أو تقريب بليد أو أرعن بسبب الرشوة أو الواسطة، وقد كشفت الأيام صدق التمثيل النبوي: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة)). قيل: يا رسول الله وكيف تضيع الأمانة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله))[1]. ولا شك أن هذا الإخبار منه معجزة له ومن دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. وقد جنى الناس أسوأ الثمرات؛ لتضييعهم الأمانة بهذا المعنى. الرابع والتسعون: العابد للرحمن إذا خوفه خصمه بالله وذكره بآياته، وجل قلبه فأذعن للحق، ولم يجرؤ على التمادي في الباطل ليكون ممن قال الله فيه: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ﴾ [لقمان: 7] بل يطهر عقله من كل سلطان سوى سلطان الحق – تبارك وتعالى-،كي تستقيم فطرته على ما خلقها الله طاهرة نقية لا تكدرها الضغائن ولا يستفزها طعن، فيلتزم كلمة الحق في الغضب والرضا، كما أرشده نبيه صلى الله عليه وسلم ويكون ممن وصفهم الله بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان: 73]. الخامس والتسعون: العابد لله لا يجعل الدنيا أكبر همه والمال غاية مقصودة يستذل به العباد، ويجعله أداة للحسد والبغضاء والضعة، ينهش به كرامة المستضعفين . ويحط من أقدارهم، أو يجعله وسيلة للتسلط وكسب الجاه والترشيات للحكم والمناصب، شأن المفتونين بعبادة الهوى، الساعين للعلو في الأرض، إذ الواجب الذي تقضي به العبودية المرضية هو ما ذكرناه في الوجه الرابع والثمانين وما بعده، فارجع البصر بتلك الوجوه بقوة الإمعان. السادس والتسعون: عبودية الله توجب على أهلها تربية أولادهم تربية دينية ينشئون بها على طاعة الله ومعرفة حدوده فيما أنزل، وإعدادهم للجهاد في سبيله، بتربية خشنة بعيدة عن أزياء الأعاجم والتخنث والميوعة، فلا يسمحون لهم أن يعيشوا بين أحضان الإغراء والفتنة التي تبثها أمواج الأثير والصحف الخليعة، وما إلى ذلك مما لا يجوز للمسلمين السكوت عليه، بل يجب عليهم الأخذ بيد ولاة الأمور، لإصلاح هذه البرامج؛ ليتسنى لهم تربية أولادهم وذراريهم تربية يعلنون بها واجبهم أمام الله ورسوله وكتابه، ويعتبرون أنفسهم حملة رسالة، لا يجوز لهم التقاعس في نشرها وتركيزها، مهما أقيم أمامهم من العقبات والمتاعب، ليكون بذلك ممن عمل على وقاية نفسه وأهله من نار وقودها الناس والحجارة، كما تستلزم عبودية الله. السابع والتسعون: وهو عدم السماح لعباد الله بوجود أي فراغ في جميع الأزمنة والأمكنة بين شيبهم وشبابهم؛ لأنهم بكمال إحساسهم نحو واجب ربهم ورسالته، يستغلون جميع أوقاتهم، ولا يفرطون في لحظة منها، بل يستغلون كل فراغ في العالم فيستبقون إلى إشغاله في ذات الله خشية أن يسبقهم المبطلون فيملئوه بالغي والضلال، ويكونوا مفرطين في جنب الله على فسح المجال لأعدائه بذلك، إذ واجبهم يقضي باغتنام كل فرصة واستغلال كل فراغ استغلالا صالحاً مرضياً لرب العالمين، بدلاً من أن يقتلوا الفراغ باللَّهو واللعب، والفسق والفجور، والمجون وقراءة الأساطير الحديثة التي تصد عن ذكر الله، وتشغلهم عن واجبهم نحو كتابهم، شأن المفرطين، الذين يحسبون أنهم يقتلون الوقت والوقت يقتلهم ،بل هم خلاف هؤلاء المفرطين ، يستغلون جميع طاقاتهم ولا يضيعون شيئاً من أوقاتهم، عالمين أن كل لحظة تمر بهم ليس لها عوض ولا قيمة سوى العمل المثمر بها، فيتحسرون عليها لو ضاعت سدى بلا منفعة تقربهم من ربهم، وبهذا الإحساس واصل السلف الصالح أعمالهم؛ ففازوا فوزاً عظيماً. الثامن والتسعون: عبودية الله لا تستقيم مع خيانة الله ورسوله في الإخلال بأوامره وعدم الانتهاء عن زواجره وتضييع حدوده، وضرب سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بعرض الحائط، ذلك أن الله حمل عباده الأمانة فيما كلفهم به من إقامة شرائع دينه وإيجاب نصرته وحمل رايته، فمن لم يقم بذلك خير قيام، ولم يجعله غاية اهتمامه، بحيث لا يشغله عنه مال ولا ولد، فقد خان الله ورسوله، قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الانفال28،27 ]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9 ]فعبادة الله لا يحققها من اشتغل بأمواله وأولاده ومتعه وشهواته عن واجب الله ورسوله أبداً. التاسع والتسعون: عباد الله لا يزكون أنفسهم عن إعجاب بما فعلوه، فيتردون في الهاوية، بل يؤتون ما آتوا من صالح الأعمال وقلوبهم وجلة يخافون ألا تقبل منهم فيسارعون في الخيرات خشية ورجاء، أما الذين يزكون أنفسهم فقد افتروا على الله الكذب بدعوى ما لم يعلموا قبوله، تجرهم هذه النحلة إلى الإعجاب،الذي يجعلهم يتكلمون على ما عملوه ويفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، والذنوب يجر بعضها بعضاً، فلذا حق عليهم الوعيد لعدم استقامتهم على عبودية الله وشكره، والاستعانة به على ذلك. المائة: عباد الله هم الذين يمشون على الأرض هوناً، بتواضع وإشفاق من خشية الله، عارفين قدرهم ومهمتهم الثقيلة على وجه الأرض، ناظرين إلى الناس بعيني الحكمة والرحمة، ولاشك أن مشية الإنسان تنبئ عن صفاته أو بعضها، فالنفس الوقورة المطمئنة الجادة في الإحسان، القاصدة للخير، الراجية للثواب، المشفقة من العقاب، تؤثر صفاتها هذه على مشية صاحبها، فيمشي مشية مطمئنة معتدلة ، فيها وقار وسكينة ممتزجان بجد وقوة، لا بتكبر وخيلاء وتبختر، وليس معنى ذلك أنهم يمشون مشية الذلة والمسكنة التي ابتدعها بعض الصوفية والزهاد، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب لسرعته وقوته، ولكنهم يمشون مشية تتلاءم مع صفاتهم الطيبة المنبثقة من تقوى الله، فلا يشوبها شيء من مشية الجبارين المتغطرسين، تلك المشية الموسومة في الحديث النبوي بأنها مشية: المطيطاء. وفي تلك السمة التي مدح الله بها عباده إعلام بحسن سيرتهم ومعاملتهم لأهل الأرض بما رسمه من قوام الإنسانية، التي زخر بها القرآن من الآداب الاجتماعية التي بها يتكون الإنسان الاجتماعي، لا الصور الإنسانية الممتلئة بالغش والافتراء والأنانية، تلك الصورة المشاهدة التي قرر فلاسفة بني جنسها أنهم مهما أبدعوا في المخترعات ومخروا المحيطات وطاروا إلى السموات فإنهم لايعرفون كيف يمشون على الأرض، بل الإنسانية المثلى تلك التي هي القدوة الوحيدة بالتقى والصلاح لما التزمت من آداب القرآن وأوامره التي يحصل بها ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بَيّن، لولاه ما كانت زمنية تحيا روح الزمن كله، تلك الآداب والشرائع التي لا يراد بها إلا حرية المنفعة للنوع الإنساني كله، ثم الموازنة بين مقدارها وبين مقدار الحرية التي تنال بها؛ ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي دون طغيان، لأن إطلاق الحرية عبث وإفساد وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار كما هو المشاهد المحسوس اليوم من أعمال الذين ابتغوا غير الله حكماً، وأعرضوا عن هديه، وستكون مشيتهم وبالاعلى قومهم. الحادي بعد المائة: عبودية الله على هدى وبصيرة تقي أهلها من ضلالة الاحتجاج بالقدر على مايحدث في المجتمع من نزوات الأنانية وفساد الأوضاع وتفاقم الجشع وغلبة الشح؛ لأن الاحتجاج بالقدر وإقحامه في هذه النواحي لا يجوز، إذ هو تخرص على القدر كإقحامه في شئون الطاعة والمعاصي والإيمان والكفر، قال الله تعالى- ردًّا على من يحتج بالقدر-: ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾[الأنعام: 148 ]. فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعائب، وما قُدّر من المصائب يجب الاستسلام له؛ لأنه من الرضا بالله، وأما الذنب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب وجب عليه الاستغفار والتوبة من المعائب التي ارتكبها، أو قصر في إنكارها ودفعها، والصبر على المصائب هو من باب الرضاء بقضاء الله وقدره، بخلاف المقضي الذي هو صنعة الإنسان، فلا يجوز تحمل شيء منه أو الرضاء به إلا حسب موافقة الشرع من العدل والحكمة، وما جرى على خلاف ذلك يجب مقاومته ودفعه حسب الاستطاعة، فعبودية الله تهدي أهلها إلى المسارعة في الخيرات، والتنافس على إقامة العدل يجميع صنوفه بالمبادرة إلى إصلاح المعائب، وتقويم الاعوجاج في أي ناحية، محتسبين ذلك من التواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، وليعلموا أن الله سبحانه وتعالى قدر الأشياء بأسبابها، فيأخذوا بالأسباب متبعين كل سبب سبباً، مستعينين بالله جادين في العمل والإبداع وتسخير كل شيء واستثماره، طامحين إلى العزة والقوة والكرامة، لا يستكنيون إلى الذلة والفاقة احتجاجاً بالقدر وتأسياً بالضالين من خلقه الذين أنكر عليهم القرآن ذلك. فبسلوكهم هذا مع استعانتهم بالله وتوكلهم عليه وعدم خشيتهم الأصنام البشرية أوتقديسها تصلح أحوالهم ويرتفع مستواهم ويعيشون عيشة الأحرار الأكرمين، لا عيشة الجبناء الأذلاء المحتقرين. الثاني بعد المائة: عباد الله يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، فلا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا ينتهبون الأموال أو يأكلونها بتسويل الحاكم أو إغرائه، ولاينتهكون الأعراض بمقاربة الزنا أو القذف؛ لأن هذه الأشياء مجانبة للعبودية، خارقة لحدود الله، مخرجة من طواعية الله ورسوله، كما أن إقرارها وعدم الغضب لله امتعاضاً منها مجلبة للخسران وخروج من الإيمان، فكيف بترويجها والإغراء على فعلها شأن أهل المدنية العصرية الناتجة من التلمذة على الإفرنج، الذي جرَّ إلى استحباب العمى على الهدى، والغواية على الرشد، والخبث على الحب، وإحلال الرذيلة محل الفضيلة، فأولئك من عباد الهوى والشيطان، لا من عباد الرحمن. الثالث بعد المائة: عبودية الله تحقق لأهلها الأمن في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ لأن جميع حركاتهم وسكناتهم منوطة بمراقبة رب العالمين، والوقوف عند حدوده بإعطاء كل ذي حق حقه دون غش ولا بخس ولا مماطلة، وذلك باتباع ما رسمه الله ورسوله من العدل والإحسان والصدق والوفاء والاحترام المتبادل حيث قال تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة:195]. وقال: ﴿ و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ [البقرة:87]. وقال ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [الشعراء:183]. وقال: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ [النساء: 135]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به تكن مسلماً، وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمناً))[2]. وقال – أيضاً-: (( والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))[3]. فالقائمون بعبودية الله هم أهل المدنية الصحيحة والحضارة النافعة، إذ هم الساعون للخير والصلاح والإصلاح. الرابع بعد المائة: عبودية الله توجب على أهلها رقابة الرأي العام والسلوك العام فيما بينهم، وهذا له قوة التأثير في المحافظة على الأخلاق، واختلاج الحياء لكل نفس (والحياء شعبة من الإيمان)[4] ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خير كله. وكلما ازدادت هذه الرقابة ازداد الحياء في النفوس، وتغلغلت الفضيلة إلى كل بيت، وتضاءلت الجنايات والجنح أو انعدمت، ولهذا وصف الله عباده الصادقين بقوله: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ الآية [التوبة: 71]. الخامس بعد المائة: عبودية الله تقتضي التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شي وفي كل ناحية من نواحي الحياة، وأن يتبع المسلم سننه، ولا يتعلل بقصر العمل والحجة على القرآن وحده، فإن هذا عمل الزنادقة الذين يريدون مسخ الإسلام، والإحاطة بشطره الثاني (السنة). والسنة كالقرآن تماماً من حيث التشريع والعمل بها وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه))[5]. السادس بعد المائة: يتضح في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ تحقيق لتوحيد الألوهية بجميع معانيه، والقيام بواجب العبودية من جميع صنوف العبادات التي تنتزع النفس من التعلق بماديات الحياة، وتوجهها إلى خالقها وفاطرها، لتستمد منه النور، وتستعين به على تسخير الماديات من أجل نصرة دينه، وعلى الوجه الذي يرضيه. السابع بعد المائة: يتضح في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قوة الإيمان بالغيب بحيث يكون كالمشاهدة، وذلك لأن المسلم المصدق بوحي الله يستعمل عقله أولاً بالاستبصار في نفسه وبني جنسه،كيف خلق؟ هل خلق من غير شيء؟ أو خلق نفسه؟ أو لابد له من خالق؟ فيتيقن أنه مخلوق من رب قادر مبدع لطيف حكيم أمده بالحياة، ورعاه رعاية تامة شاملة من البداية حتى النهاية. وهو إن فكر في أرجاء السموات والأرض قادة تفكيره إلى هذه النتيجة أيضاً، وبهذا يقوى إيمانه بالخالق المبدع الذي يحس وجود وحدانيته ينطق بها كل مخلوق من مخلوقاته، فيراه بعين بصيرته لا بعين بصره. الثامن بعد المائة: من حصر الاستعانة بالله – تعالى- ينبعث التجرد عن السطحية ويتولد الفهم العميق لدور المسلم في هذه الحياة على أنه خليفة الله في أرضه، وأن الله سبحانه هيأه لهذه الخلافة والقيام بها، فعليه أن يخلف كما أمره الله، وأن يقوم بهذه المهمة دون تقصير أو تخاذل. التاسع بعد المائة: عبودية الله-سبحانه- تستلزم العلم النافع الذي يستيقن به العبد صحة ما أنزل إليه من ربه. ذلك العلم الروحي الذي يعرف به أنه عبد مربوب تجب عليه طاعة ربه، وأنه مقيد بحدود وأحكام يحرم عليه تجاوزها، وأنه خاضع لهذه السلطة الربانية في كل حركة وسكنة من حركاته، وأنه لا يجوز أن يخضع لغير هذه السلطة أبداً، ولايسمح لأي فكرة مناهضة للإسلام بالظهور على وجه هذه الأرض. وهذا العلم ضروري لصحة الأقوال والأفعال، وهو مقدم عليها، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد:19] وهذا الذي يورث خشية الله والقيام بواجبه. العاشر بعد المائة: في حصر الاستعانة بالله قوة معنوية تكسب العابد لله رباطة جأش وعظيم صراحة وجرأة، فلا يداهن ولايتصنع للناس في أي حال من الأحوال، بل يصدع بعقيدته ويجهر بدينه بحدود ما فرض الله دون الخروج إلى حد التهور، أو يخرجه من المقابلة بالحكمة إلى نقمة الهجوم ومرارة التحدي الذي يحل به الفساد بدل الإصلاح. وليس معنى ذلك أن يكون كضعفاء الأنفس والإيمان ممن يسمون الجبن عن إظهار الحق حكمة، في حين هو خور وقلة إيمان. الحادي عشر بعد المائة: العابد لله والمحقق للاستعانة به والتوكل عليه لا يتصنع للناس بما يغضب الله، بل ولايتصنع خُلقاً ليس من سجيته. فالمتصنع بما ليس من خلقه ولا دينه لا يدع فرصة لإظهار سخيمة نفسه إلا اغتنمها، وهذه عقوبة من الله يكشف بها سريرة كل مخادع. فمتصنع المحبة والإنفاق سرعان ما يظهر حقده وبخله، وكذا متصنع الرفق والتواضع سرعان ما تظهر عظمته وغطرسته إذا سنحت له الفرصة. في حين أن العابد لله تحصل له الاستقامة على مكارم الأخلاق، وكلما ازداد توكله على الله واستعانته به قويت شهامته وعزة نفسه فلا تزلزلها الأحداث، ولا تصرفها كثرة المال عما تدرعت به من الحق. الثاني عشر بعد المائة: كما أن الضراعة إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مؤذنة بحب الله، والتعلق به، والرغبة إليه، وحسن الظن به. ومنها: إخلاص الاعتقاد، وبراءة من الشرك بجميع أنواعه، والابتداع بشتى أصنافه، والالتزام الكامل بوحي الله قرآنًا وسنة، فهذا هو الحق وغيره هو الضلال، وهل بعد الحق إلا الضلال؟!! الثالث عشر بعد المائة: الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يجب أن يكون صادراً عن محبة صادقة لله، الذي يجب أن يكون أعلى وأغلى محبوب، وذلك بداعي الفطرة والشرع والعقل الصحيح، فإذا صدر ذلك عن محبة صادقة حصل مفعوله الذي لا يقاومه شيء في الدنيا مهما كان ذلك. إن كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب، والله – جل وعلا –له الكمال المطلق من كل وجه. الرابع عشر بعد المائة: بحصر العبودية والاستعانة بالله براءة مما سوى الله، مهما كان هذا الشيء ومهما كانت هذه القوة. كما أن فيها إعلان العزيمة الصادقة بالإقبال على الله وجعل أوقاته كلها في طاعته، وتكريسها في العمل المثمر الجاد الذي يعود على العبد ومجتمعه بالنفع العميم. الخامس عشر بعد المائة: في حصر العبودية والاستعانة بالله نجاة من اليأس والقنوط وتحصيل أضدادها التي هي خير وهداية والتي هي قوة الثقة واليقين بالله، فتحصل للمسلم صفات الفتوة المحمدية المطلوبة منه شرعاً وعقلاً. السادس عشر بعد المائة: في حصر استعانة العبد بربه تأكيده الإقدام على كل عمل مُرْضٍ لله بنشاط، وأن يقاوم المصاعب والمتاعب في سبيل ذلك، فلا تضعف همته، ولا تلين عريكته؛ لأنه يشعر أن الله معه ينور بصيرته ويسدد خطاه ويصوب رميته. السابع عشر بعد المائة: الضراعة الصادقة من المؤمن الصادق بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ منبثقة من أصلين ينبني عليهما جميع ما قدمناه وما سنذكره أيضاً: أحدهما: أن الإيمان بالله وتحقيق عبوديته بصدق وإخلاص هو غذاء الإنسان الروحي وقوته وصلاحه وقوامه وفلاحه، وهذا يخالف قول المبطلين: إن العبادة تكليف ومشقة تخالف مقصود القلب ولذته، وما هي إلا مجرد ابتلاء. ثانيهما: أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا زاد على قدر حاجته المعينة له، فإن من نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضرّه أو أهلكه، وكذلك من النكاح وغيره حتى الدواء والعسل، ومن أحب شيئاً وتتيم به، فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، فالضرر حاصل إن وجد وإن فقد، بل قد يحصل له من الضرر بالفراق أكثر مما حصل له من اللذة قبل ذلك، وكل من أحب شيئاً دون الله لغير الله، فإن مضرته أعظم من نفعه، وعذابه أعظم من نعيمه، بل في الغالب يعاقبه الله به، فالعبد لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله ودفعه وتسخيره، فالأمر كله لله أولاً وآجرا وظاهراً وباطناً ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ [هود:56]. الثامن عشر بعد المائة: بتحقيق عبودية الله تتوافر الشجاعة بصفة كاملة شاملة، وذلك بمخالطة الإيمان بشاشة القلوب، وإشرابها حب الجليل الجميل المنعم المتفضل، واطمئنانها لوعده، وتلذذها بالمسارعة لما يرضيه والشوق للقائه، وكون عبد الله يعلم ويجزم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه. التاسع عشر بعد المائة: بتحقيق عبودية الله يحصل للعابد الاعتدال في جميع أحواله وسلوكه، فلا يطغى بالثراء والمنصب؛ لأن عباد الله وسط بين الإفراط والتفريط. العشرون بعد المائة: العابد لله لا يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة أعين دخيلة، أو بطانة من غير المؤمنين يُسرون إليهم بالمودة، ويطلعونهم على عورات المسلمين، ويتخذون منهم وسيلة للصد عن سبيل الله بما ينشرونه أو يذيعونه ضد المؤمنين، وضد الإسلام وأحكامه، واللمز بالدعاة والإغراء بتعذيبهم وقتلهم. فالعابد لله حقًّا لا يتخذ أحداً من هؤلاء وليجة يلج بها إلى مصالحه وشهواته النفسية بأي حجة وأي علاقة، ولا يدور من خلف جماعة المسلمين ويتصل بخصومهم، كما هو شأن كثير من المنتسبين للإسلام في زماننا، فهذا يخرج المسلم من عبودية الله إلى عبودية من يهواه. الحادي والعشرون بعد المائة: تحقيق العبودية يتطلب احتمال الأذى في سبيل الله والجرأة في الحق، وقوله كلمة الحق دون خوف من ظلم أو رهبة من سلطان، ولذا قال صلى الله عليه وسلم )): أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر))[6]. الثاني والعشرون بعد المائة: تحقيق العبودية الصادقة يستلزم محاسبة النفس بشكل دائم ومستمر، محاسبتها على الأقوال والأفعال والنيات، ليبقى العبد في ذلك كله متفقاً مع وحي الله – سبحانه -، ومحاسبة النفس دليل على الشعور بالرقابة الإلهية، وبلوغ العبد مرتبة الإحسان ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))[7]. الثالث والعشرون بعد المائة: في حصر الضراعة الصادقة بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تخليص للنفس من عبادة آلهة شتى، وتحرير لها من رق الهوى والشهوات وارتفاع بها من الأنانية والانتهازية إلى شرف الصدق والإخلاص، المكون للإنسانية الحقة، وإذا حصر العبد اتجاهه إلى الله في سائر نواحي حياته وجميع أموره فقد خلص نفسه من كل رق وأسر، وكان قلبه خالياً مما سوى الله ومنشغلاً بحب الله ورسوله وتعظيمهما، فلا يكون لشياطين الجن والإنس عليه سبيل، فيتحرك حيث أمره الله مستجيباً، لله لا يحركه أحدا من شياطين الإنس، ولا يستجيب لأحد من طواغيت البشر المضللين، الذين يلعبون على العواطف بشتى أنواع الدجل والتلبيس، ويوجهون الناس إلى ضروب من الجاهلية الجديدة، باسم القومية الفلانية تارة، والمذهب المادي الفلاني تارة، والحركة الثورية تارة، والمبدأ الفلاني تارة، وغيرها مما زادت به فتنتهم، وفي كل مجتمع لا يحقق أهله القيام بمدلول هذه الآية التي هي محض معنى (لا إله إلا الله). وقد أخبر الله بأن الفتنة عن الدين أشد جريمة من القتل وأكبر، كما أخبر في الآية [37،36] من سورة (الزخرف) أنه يقيض للمنحرف عن عبادته شيطاناً يكون قريناً له، يصده عن سبيل الحق ويصرفه إلى كل باطل، ومن هنا يأتي: الرابع والعشرون بعد المائة: وهو أن عبادة الله ضرورة اجتماعية كما هي فطرة أساسية في الإنسان ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30] لأنه لابد للإنسان منها ، فإن سلك منهجها الصحيح كملت إنسانيته، وقويت شخصيته، وتحرر التحرر الصحيح الذي يرتفع به عن مستوى البهائم، وإن لم يسلك ما رسمه الله لعبادته في سائر نواحي حياته؛ فإن أمره سينعكس مهما حاول خلافه، فإنه إذا لم يحقق عبادة الله ويحصر اتجاهه إليه في كل شيء؛ استعبده الهوى والمادة، واستحوذ عليه شياطين الإنس بشتى أنواع المبادئ والمذاهب المادية والعصبية والنفعية، فتستعبده طواغيت الهوى وشياطين الإنس من اليهود وأذنابهم، كما حصل فعلاً لمن ينقاد لـ (كارل ماركس، وتروتكسي) اليهوديين اللذين نبشا مذهب (مزدك) اليهودي القديم، أو من يقدس (نيتشه، وداروين، وفرويد) وغيرهم من طغاة اليهود وملاحدة النصارى، ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير دين يدين به، وشيء يتألهه، إلا إن استطاع أن ينخلع من كيانه ودوافعه أو ينتزع نفسه من الحياة الكونية، ولن يستطيع ذلك كما سنفصله في سورة الأنعام آية (71) ويونس(66) والرحمن (33)-إن شاء الله-. والإنسان إذا لم يتجه إلى الله ولم يخضع لسلطانه فقد كفر به وآمن بما سواه من طواغيت المادة والشهوات، فإما أن يؤلُه نفسه أو يؤلُه إنساناً مثله من رواد المذاهب والمبادئ كما أسلفنا، وماذا وفر الناس على أنفسهم حين كفروا بربهم؟ آمنوا بأنفسهم وكانوا عبيدا لأهوائهم فكلفهم أعظم مما يكلفهم دين الله به أضعافاً مضاعفة، وتسلطت عليهم الأنانية المسعورة، التي زادت بؤسهم وشقاءهم، وجعلتهم يتقلبون من حرب إلى حرب أفظع، ومن ظلمة إلى ظلمة، مهما غالطوا أنفسهم وزعموا أنهم في عصر العلم والنور، فهم في عصر الجهل المركب، والمفاهيم المعكوسة التي جلبت عليهم الصراع والحروب الباردة والكاوية بين آلهة تلك المبادئ والمذاهب، التي آمن بها من رفض الإيمان بالله، واستجاب لأربابها من أعرض عن حكم الله، فالفرد الذي يعيش لنفسه، إنما يؤله ذاته في سلوك ما يريد، فإنه يزن الأمور وفق مصلحته الشخصية وآرائه السطحية، وقد يتسع أفقه فيهتم بأسرته أو يزداد اهتمامه إلى شعبه، بل إلى محسوبيه من شعبه، ومن هنا حصلت البلايا والفتن والمحن، وازداد الشقاق الذي لا نجاة منه أبداً إلا بالرجوع إلى الله، في كل ورد وصدر. والناس الآن على هذا النحو لم يتحرروا من الانقياد لإله ومن التقيد بدين كما يزعمون، بل وقعوا في عبادة آلهة شتى، ودانوا بباطل الهوى المتنوع الذي يطالبهم به الله أرحم الراحمين، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء:122]، ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان:44،43]، والأنانيون يقيدون أنفسهم بوجوب إرضاء مطالبها وتنفيذ رغباتها فوراً على أي حساب كانا دون اعتراف بحواجز أو اعتراف بأي حق لغيرهم؛ لأنهم أمام إلحاح من ضغوط مزاجهم السقيم، لا يستطيعون تأجيله، أو إلغاء بعضه، ولا يبالون بما يكلفهم من أثمان، ولا بما يجرون على البشرية من المجازر وإهدار الكرامة. ذلك أن النظرة المادية للحياة نظرة من شأنها أن تباعد بين الإنسان وبين ما فيه من خصال الخير المفطور عليها، وتسلخه من كل طيب حتى تمسخه شيطاناً أثيماً، وتجعله عدواً لبني جنسه، بل عدواً لنفسه من حيث لا يشعر - والعياذ بالله -فيكون من شر البرية، بل من شر الدواب، كما وصفه الله في عدة سور من القرآن، وكل هذا نتيجة الانفلات من عبادة الحق رب الخلق إلى عبادة الباطل من الهوى والشياطين المختلفة. فالعالم المعرض عن الله في هذا الزمان والمتخلف عن تحقيق عبادته يسيره في كل موقع أناس مسعورون تؤرقهم رغباتهم وشهواتهم، ويفرضون على الناس حبهم وتعظيمهم بشتى أنواع الدجل والتضليل، بحيث أصبح أغلب العالم أو كله مابين إله مشرع متسلط، وبين عبيد منفذين يساقون كالأنعام، فالله – جل وعلا – عاقب من لم يخضع لألوهيته بآلهة لا تقبل معذرة ولا ترضى بتسويف، وسلط على الملاحدة أهواءهم الضخمة ومحبوبيهم من دونه، فحملوهم ما لم يحملهم الله الذي لا يكلف نفساً إلا وسعها، وجعلهم يتحملون كثيراً من الأهواء والمخاطر في سبيل عبادة هواهم، ويتنازلون عن كثير من حقوقهم، وينحدرون بأنفسهم إلى ما يترفع عنه أولو الألباب الذين وصفهم الله، ويعيشون في جحيم من الاضطراب والتخليط في سبيل عبادة الهوى، ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:117]. إنهم صم عن الحق فلا ينفذ إلى مسامعهم، وبكم لا ينطقون به، وقلوبهم في عمى عن نور الله، إنهم هربوا من العبادة الصحيحة والدين القيم إلى أديان باطلة بأسماء مزخرفة يسيرها أرباب متفرقون مشيطنون بالدجل والتسلط، وتملكوا على مشاعر أتباعهم، وصادروا منهم كل عقل وتفكير ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾. وإنما قلنا: إن عبادة الله ضرورة اجتماعية، وفطرة أساسية؛ لأن الإنسان في هذه الحياة محتاج إلى عقيدة ونظرية يسعى على ضوئها، كما أنه لابد له من الخضوع لشيء ما والتعلق به، وإن الإنسان ساعٍ كادح، فإما أن يسعى فيما يسعده ويكدح إلى ما ينفعه أو يسعى فيما يشقيه ويخزيه، ويكدح لمن يستغله ويضنيه. وقد أثبت التاريخ أن لكل جماعة من البشر نظريات في تعليل هذا الكون وفلسفات يتمذهبون بها، وقوة تهيمن عليهم في سلوكهم، فإما أن يكون ذلك مرتكزاً على الحدس والتخمين، وتكون القوة ظاهرة عليهم وقاهرة لهم، من تسلط بعضهم على بعض، فهؤلاء يدورون من نظرياتهم في حلقة مفرغة، ينتابهم فيها التغيير والتحريف، ويشقون تحت سلطة من خضعوا له من الدجاجلة والطواغيت، ومثل هؤلاء، تتجارى بهم الأهواء وينتقلون من سيئ إلى أسوأ لما تجرهم نظرياتهم ودجاجلتهم إلى عبادة الهوى والمادة، فيكونون على الحال التي وصفناها، والتي تفاقم شرها في هذا الزمان. وإما أن تكون نظرياتهم منبثقة من مشكاة النبوة ووحي رب العالمين، وخضوعهم للقوة القاهرة العليا الناشئة من الإيمان بالغيب، فهؤلاء هم الموفقون لعبادة الله والذين يحييهم الله حياة طيبة، كما وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومن هنا كانت عبادة الله ضرورة اجتماعية حتمية وفطرة أساسية، من تنكب عنها فقد ضل سعيه في الحياة الدنيا، وشقي بنفسه وشقي معه من يدور في فلكه، إذ لا صلاح لأهل الأرض إلا بتحقيق عبودية الله على الوجه الصحيح؛ لينالوا الخير في الدارين. [1] أخرجه البخاري في صحيحه برقم(59)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [2] لم أجده بهذا اللفظ. [3] أخرجه البخاري (13), ومسلم رقم (45). كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه. [4]أخرجه البخاري(9), ومسلم في صحيحه رقم (9) كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [5] أخرجه أحمد (4/130) من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. [6] هذه الفقرة رويت من حديث أبي أمامة , وطارق بن شهاب, وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم . فأما حديث أبي أمامة فأخرجه ابن ماجه(4012) وأحمد(5/251) وغيرهما , ومداره على أبي غالب عن أبي أمامة وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي غالب, ضعفه البوصيري في الزوائد وابن عدي في الكامل(6/369). وأما حديث طارق بن شهاب , فأخرجه النسائي (7/161), وأحمد (4/314) ومداره على سفيان الثوري عن علقمة عن طارق به. وطارق بن شهاب له رؤية فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست له رواية , وعلى هذا فقد قال العلائي وأبو حاتم وغيرهما : أ ن هذا الحديث مرسل, انظر جامع التحصيل (1/200), والمراسيل لابن أبي حاتم(1/98). وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد (3/19) , وأبو يعلى (2/353) رقم (1101)من طريق علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري به, وفي إسناده علي بن زيد وهو ضعيف. [7]متفق عليه : أخرجه البخاري(50), ومسلم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (6) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الوجود الحسي والروحي للمؤمن: الخامس والعشرون بعد المائة: أهل عبادة الله وجودهم غير محدود ولا يعرف الحدود؛ لأن وجودهم الحسي ممتزج بالوجود الروحي الضارب المحلق في أجواء الزمان والمكان جميعاً، والهادف لنيل الدنيا والآخرة، فهم على مستوى رفيع، مناقض لمستوى الماديين في الفهم والشعور والسلوك أجمعه؛ لأنهم يؤمنون بوجود لا ينحصر في العمر المحدود، وموقنون بتحصيل وعد غير مكذوب ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7-6] فوطنهم العاجل كل الأرض بحذافيرها، يسعون بكل جهودهم لاسترجاعها من الغاصبين المتمردين على حكم الله فيها، وينتشلونها من الظَّلَمة المتحكمين؛ لينفسح لهم المجال لحمل رسالة الله وتوزيع أنوار هدايته والقيام بإصلاح ما أفسده المبطلون؛ لينقذوا أهلها من ظلمات شرك الدجاجلة وعبث العابثين، ووطنهم الآجل الأكبر ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [آل عمران: 133] قد علمهم مولاهم – تبارك وتعالى- أن يقولوا لأعدائهم وأذناب أعدائهم : ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ [التوبة:52]. فهم لا يحزنون و لايحقدون و لايهنون ولا تلين لهم قناة، ثقةً بوعد ربهم القائل ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران : 139]، ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ ﴾ [ آل عمران : 160]، ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]، ﴿ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [الفتح:22]، ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} ﴾ [الفتح:23]، ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [ آل عمران : 111]. وهدفهم – دائماً- الانتصار لله وحمل رسالته وتنفيذ وصاياه في كتابه، ليس لهم هدف شخصي أو غاية نفعية، فينتابهم ماينتاب غيرهم من الماديين، فأما الماديون فوجودهم قصير محدود، ونظرهم كليل، وأبصارهم محجوبة عن رؤية الحق، واعتمادهم على أنفسهم القاصرة، لم يقدروا الله حق قدره ولم يلتفتوا إليه، ولم يعتمدوا عليه، قد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وأعرضوا عن آيات الله، وكذبوا بوعده ووعيده وأخلدوا إلى الأرض والطين وأعرضوا عن الدين، فباسم خدمة الوطن كانوا عبيداً للأوطان بوحي الشيطان لا عبيداً للرحمن وفق أمره في القرآن بل عبيداً للمبادئ والمذاهب التي ابتكرتها اليهودية العالمية، فكانوا باتباعها خَدماً للصهيونية وقرة لعيونهم، ولو ادعوا خلاف ذلك أو أظهروا المعاداة لها، صادقين أو غير صادقين. فإن انتهاج خططهم هو خدمة لهم في الأمر نفسه وباطنه، ولكن الذي يعرض عن وحي الله تستهويه الشياطين، فيسلك سبل الغواية من حيث يطلب السؤدد والهداية ويخدم أعداءه، ويضيع طاقاته لمصلحتهم، وهو يريد حربهم وقهرهم؛ لأن الله أنساه نفسه كما نسيه وأعماه عن مصلحته ورشده، كما تنكب عن هديه ورغب في سواه. فهم قد انهزموا هزيمة عقلية انصاعوا بها إلى تقليد الماسونية اليهودية العالمية في كل شيء، وكانوا عولاً عليها في التثقيف وسلوك كل منهج تخطه في أي ميدان، فكأنهم انخرطوا في سلكها، بل بعضهم منخرط في سلكها باسم الإنسانية، لأنه لا يعرف منشأها ولا من يغذيها، فلذا كان هدفهم محدوداً وأملهم محدوداً وعمرهم محدوداً، يرجع عليهم بالخيبة والنكال، حسبما قضاه الله في سنته؛ لأن الشيطان يعدهم ويمنيهم ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [النساء: 120] وقد قدمنا توضيح معنى (الشيطان) في باب الاستعاذة أول التفسير، فليرجع إليه. وعلى الحقيقة فهم كلاب الدنيا يتجاذبون جيفها، ويتحاربون عليها، ويتناحرون في سبيلها، لهذا فهم يلهثون دائماً، كما وصف الله المنسلخ عن آياته، المقدّس للأرض، المتبع لشهواته بأنه (كالكلب)في سورة الأعراف، هدفهم الطمع والبغي والاستعلاء والإفساد في الأرض ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77]، ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81] فعالمهم الذي فيه لذتهم ونكدهم وسعادتهم وشقاؤهم ودوافعهم وفق أهدافهم الرخيصة، متحدد بتحدد حواسهم البهيمية وحاجاتهم المادية وأغراضهم النفعية، فإذا ضاعت عليهم أو انتكست مقاصدهم بما يجري الله من سنته الكونية ضاع عليهم وجودهم كله؛لضيقه وسرعة اضمحلاله. ذلك أن فريقاً منهم يقول: (أعمل لوطني )، والآخر يقول: (أعمل لشعبي)، والآخر يقول: (أعمل لأمتي) والآخر يقول: ( أعمل لمبدئي أو لمذهبي )، والصادق منهم يقول: (أعمل لمعيشتي وتأمين مستقبل عيالي). وليس لهم تفكير فيما وراء ذلك من حمل رسالة الله ونصرة دينه، فضلاً عن العمل، ولذا قامت الفوارق العظيمة بينهم وبين عباد الله الروحانيين الربانيين الذين همهم تنفيذ وصايا الله فيما استخلفهم في الأرض، ومن تطهير الضمائر وإخراج أهل الأرض عامة من الظلمات إلى النور، من ظلمات المادية والأنانية التي يتمثل بها كل نوع من أنواع الشرك بالله إلى نور وحي الله الهادي إلى الصدق معه والإخلاص له بحمل رسالته، والجهاد في سبيله لنصرة دينه وإعلاء كلمته، وقمع المفتري عليه. فحياة هؤلاء غير محدودة؛ لأن عملهم خالد صحيح، وعمرهم موصول بالخلد الدائم والعقبى الحسنة في دار القرار ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169-171]. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير سورة الفاتحة | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 02-10-2026 11:44 AM |
| د.محمد راتب النابلسي - تفسير سورة الفاتحة | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 6 | 09-20-2025 06:53 PM |
| تفسير سورة الفاتحة لإبن عثيمين | أبو طلحة | قسم تفسير القرآن الكريم | 4 | 10-02-2023 05:56 AM |
| تفسير (الصراط المستقيم) في سورة الفاتحة. | أبو طلحة | قسم تفسير القرآن الكريم | 1 | 06-06-2022 07:16 PM |
|
|