المسح على الخفين

جواز المسح على الخفين ثابت بإجماع أهل السنة والجماعة، وفيه مخالفة لأهل البدع الذين ردُّوا ذلك، ومن أجل ذلك فقد أورده بعض أئمة السلف في كتب العقائد وذكروا مشروعيته؛ لكونه من المسائل التي خالف بها أهل السنة طوائف من أهل البدع الزائغين عن الهدى، الرادِّين للحق من غير حجة واضحة ولا دليل بيِّنٍ.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ قال الإمام أحمد: "ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم"، وقال الحسن: "حدثني سبعون من أصحاب النبي أنه مسح على الخفين".
والخُفَّان هما ما صُنع من جلد ونحوه ليُلبس في القدم، وأما الجوربان فهما ما صُنع من قطن وقماش ونحوهما.
إخوة الإيمان، ذكر الفقهاء للمسح على الخفين والجوربين شروطًا استنبطوها مما ورد في الأحاديث؛ وهذه الشروط هي:
أولًا: أن يكون لبسُهما على طهارة؛ والدليل على هذا حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حيث قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويتُ لأنزِعَ خفَّيه فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين))؛ [صحيح البخاري: 5799]، فمسح صلى الله عليه وسلم عليهما.
ثانيًا: أن يكون الممسوح عليه طاهرًا مباحًا، فإن كان نجِسًا أو مغصوبًا فلا مسح.
ثالثًا: أن يكون المسح من الحدث الأصغر؛ فعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْرًا ألَّا ننزعَ خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم))؛ [رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، الإرواء (1/ 140)]، والشاهد من الحديث: ((إلا من جنابة)).
رابعًا: أن يكون المسح في المدة المشروعة: للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها؛ فعن شريح بن هانئ قال: ((أتيت عائشةَ أسألها عن المسح على الخفين، فقالت عليك بابن أبي طالب فسَلْهُ؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم)).

متى تبدأ مدة المسح؟ ومتى تنتهي؟ بداية المسح تكون من أول مسح بعد حَدَثٍ، فلو لبستَ الجوربين على طهارة بعد صلاة العشاء - مثلًا - ثم لما استيقظت لصلاة الفجر توضأت ومسحت عليهما، فاعلم أن بداية المسح تكون من وقت هذه المسحة، ولك أن تمسح إلى مثل هذا الوقت من الفجر لليوم التالي إن كنت مقيمًا، ومن المشهور عند البعض أن المسح يوم وليلة يعني خمس صلوات، وهذا ليس بصحيح؛ لأن التوقيت بيوم وليلة يعني أن له أن يمسح يومًا وليلة، سواء صلى خمس صلوات أو أكثر، فليس لعدد الصلوات تأثير في الحكم.

أما عن كيفية المسح: فهي أن يبلَّ المتوضئ يديه بالماء ثم يمررهما على ظاهر قدميه فقط: اليد اليمنى على القدم اليمنى، واليسرى على اليسرى مرة واحدة، من أطراف أصابع القدمين إلى بداية الساق؛ قال علي رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه))؛ [رواه أبو داود، صحيح الإرواء (1/ 140)].

فهذه بعض المسائل المتعلقة بالمسح على الخفين مأخوذة من فتاوى العلم اء:
1- من شرط المسح على الجوارب: أن يكون صفيقًا ساترًا، فإن كان شفافًا لم يجُزِ المسح عليه؛ لأن القدم والحال ما ذُكر في حكم المكشوفة.
2- إنْ خَلَعَ الجورب وظهر جزءٌ يسير من القدم فلا يضر، وإن خلع وظهر شيء كثير بحيث بانَ أكثرُ القدم، فإن المسح يبطل.
3- إذا انتهت مدة المسح بطل الوضوء.
4- حكم الخف المخرق: إن كانت الخروق يسيرة جاز المسح عليه، وإن كانت كثيرة وكبيرة فالأحوط ألَّا يمسح عليه.
5- إذا لبس خفًّا على خفٍّ فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون بعد الحدث فالحكم للأسفل، ولا يمسح الأعلى.
الثاني: أن يكون قبل الحدث فهو بالخيار، فإن مسح الأسفل تعلق الحكم به ولا يضره نزع الأعلى، وإن مسح الأعلى تعلق الحكم به.
أيها المؤمنون، من أُشكل عليه شيء، فليسأل أهل العلم ولا يتساهل في عبادته؛ فالله أمرنا بذلك فقال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].
عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى.
رافع العنزي
شبكة الألوكة

اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|