![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
شرح سنن النسائي - المقدمة - ترجمة الإمام النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) (1) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم! صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.أما بعد:فنبدأ مستعينين بالله عز وجل، متوكلين عليه، سائلين منه العون والتوفيق والتسديد، بشرح (الأربعين النووية) لـأبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى.وهذه الأحاديث الأربعون أحاديث عظيمة، وهي من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أُعطي النبي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، حيث يأتي بالكلام القليل في المبنى ولكنه يكون واسع المعنى، فالكلمات قليلة، ولكن المعاني واسعة، فهي قواعد كلية، وقواعد عامة اشتملت عليها الأحاديث التي اختارها الإمام النووي رحمه الله تعالى. ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء في حفظ أربعين حديثاً، وما جاء في ذلك فهو حديث ضعيف، وقد ذكر الإمام النووي نفسه في مقدمته للأربعين أنه لم يثبت الحديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه قال إن حديث: (نضر الله امراءً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، وكذلك أيضاً: (ليبلغ الشاهد الغائب) يدعوان لذلك. وإن جمع شيء من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والاشتغال به، ولفت الأنظار إليه فيه قيام بحفظ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الاعتماد في ذلك على الحديث الضعيف المروي في ذلك. نبذة مختصرة عن حياة الإمام النسائي الكلام عن الكتب الستة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، أرسله الله تعالى بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فدل أمته على كل خير، وحذرها من كل شر.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فنحمد الله عز وجل الذي وفقنا في الأعوام الماضية لدراسة كتابين عظيمين, هما: كتاب الإمام البخاري، وكتاب الإمام مسلم، وهما أصح كتب الحديث وأفضلها والمقدم فيها. وبعد ذلك نبدأ -بحمد الله- متوكلين على الله، وسائلين منه العون والتوفيق، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل به. نبدأ بعد ذلك بكتاب عظيم من كتب السنة؛ من كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب الإمام النسائي ؛ السنن الصغرى, الذي يقال له: المجتبى، أو المجتنى. وقبل أن نبدأ بدراسة الكتاب نتكلم ببعض الكلام عن المؤلف الإمام النسائي، وعن كتابه السنن، الذي هو أحد الكتب الستة المشهورة المعروفة, التي هي من كتب الأصول.ومن المعلوم أن العلماء ذكروا أن الكتب الأصول التي هي مقدمة على غيرها، والتي هي مشتملة على أكثر الأحكام، ومستوعبة لكثير من الأحاديث، هي الكتب الستة : الصحيحين, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وجامع الترمذي, وسنن ابن ماجه، فهذه ستة كتب يقال لها: الكتب الأصول ، والسادس منها وهو: ابن ماجه مختلف في عده؛ لأن للعلماء في السادس منها ثلاثة أقوال:أحد هذه الأقوال : أن السادس هو سنن ابن ماجه.والثاني: أن السادس هو الموطأ.والثالث: أن السادس هو سنن الدارمي.لكن الذي اشتهر عند كثير من العلماء, والذي عول عليه كثير منهم أن السادس هو: ابن ماجه؛ لكثرة الأحاديث الزائدة فيه على الكتب الخمسة، وقد أفردها البوصيري في كتاب سماه: (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه)، جمع الأحاديث الزائدة في هذا الكتاب على الكتب الخمسة وتكلم عليها، وهو كتاب مشهور معروف, والبوصيري هو في زمن الإمام الحافظ ابن حجر في القرن التاسع الهجري. الإمام النسائي اسمه ونسبته نتكلم هنا على بعض الأمور المتعلقة بالإمام النسائي رحمة الله عليه. فالإمام النسائي كنيته: أبو عبد الرحمن، واسمه: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني. النسائي نسبة إلى وطن، ولكن الأولى: نسبة عامة, والثانية: نسبة خاصة، فخراسان إقليم واسع، وينسب إليها: خراساني؛ نسبة إلى ذلك الإقليم الواسع، والنسائي نسبة إلى بلدة من ذلك الإقليم يقال لها: نساء، فهو ينسب نسبة عامة, ونسبة خاصة، نسبة إلى الإقليم ونسبة إلى البلدة التي هي من ذلك الإقليم، ولكن الذي اشتهر هو نسبته إلى بلدته؛ وهي: نساء، بل إن شهرته صارت بالإضافة إليها؛ لأن أصحاب الكتب الستة منهم من اشتهر باسمه كالإمام مسلم، ومنهم من اشتهر بنسبته إلى بلده كـالبخاري، والنسائي، والترمذي، ومنهم من اشتهر بكنيته كـأبي داود، ومنهم من اشتهر بنسبه أو بنسبته وهو ابن ماجه.و النسائي -كما ذكرت- نسبته إلى بلدته التي هي قرية أو بلدة من بلاد خراسان.ومن المعلوم أن العلماء عندما يترجمون للشخص يذكرون النسبة العامة والنسبة الخاصة أحياناً، كما ذكروا بالنسبة للنسائي، حيث قالوا: الخراساني النسائي، وأحياناً إذا انتقل الإنسان من بلد إلى بلد, وكان ينسب إلى بلد ثم تحول منها إلى بلد آخر, فإنه ينسب إلى الاثنتين، ولكن بـ (ثم) فيقال: فلان كذا ثم كذا، البصري ثم المدني، أو الكوفي ثم الدمشقي، أو البغدادي ثم الواسطي، يذكرون البلدين الأول والأخير, ويأتون بـ(ثم) لتبين المتقدم من المتأخر، ولتبين النسبة المتقدمة على المتأخرة. أما إذا كانت النسبة إلى عام وإلى خاص فإنهم لا يأتون بـ(ثم)، وإنما يكتفون بأن يقولوا: الخراساني النسائي، نسبة إلى الأعم ثم نسبة إلى الأخص؛ لأنه ليست هناك مهلة ولا تفاوت، بخلاف الانتقال من بلد إلى بلد؛ فإن البلد الأول ينسب إليه على أنه المنسوب إليه أولاً، والبلد الثاني ينسب إليه آخراً، فيؤتى بـ(ثُم) التي تبين البلد المتقدم أو النسبة إلى البلد المتقدم عن البلد المتأخر. حال الإمام النسائي في طلب الحديث الإمام النسائي رحمة الله عليه نشأ في بلده, وأخذ الحديث عن أهل بلده، ثم رحل إلى البلاد المختلفة، وهذه طريقة المحدثين، وطريقة العلماء السابقين, أنهم يعنون بحديث أهل بلدهم ويتلقون عن الشيوخ في بلدهم الذي هم فيه، ثم ينتقلون إلى البلاد الأخرى ليأخذوا عن الشيوخ الآخرين، وفيهم من يروي الحديث بإسناد نازل؛ لأنه لم يتمكن من الرحلة، فيروي عن شيوخ من أهل بلده -الذين رحلوا وأخذوا- ما أخذوه عن غيرهم، فإذا رحل هو فإنه يحصل الإسناد العالي, ويحصل منه أحياناً التحديث بالإسناد العالي، وغالباً ما يحدث بالإسناد النازل في أول الأمر؛ حيث لم يرحل ولم يلتق بالشيوخ الذين هم أعلى من الشيوخ الذين لقيهم في بلده، فإذا رحل إلى بلدان أخرى والتقى بشيوخ أخذ عنهم شيوخه، فإنه في هذه الحالة يأتي بالإسناد العالي, ويحرص عليه.ومن المعلوم: أن الإسناد العالي أفضل من الإسناد النازل إذا كان الرجال ثقات وحفاظاً، أما إذا كان الإسناد العالي في رجاله شيء من الضعف, والإسناد النازل رجاله أقوى ورجاله مقدمون في الحفظ والإتقان والثقة والعدالة؛ فإن الإسناد النازل يكون عند ذلك أفضل من الإسناد العالي, كما ذكر ذلك العلماء. فالإمام النسائي رحمة الله عليه أخذ عن مشايخ بلده في خراسان, ثم انتقل بعد ذلك إلى العراق, وإلى الشام, وإلى الحجاز, وإلى مصر, وجلس في آخر حياته في مصر وعاش فيها مدة طويلة، وأخذ عنه العلماء والمحدثون فيها، وكان ينتقل في البلد, وأخذ الحديث عن عدد كبير من الشيوخ في بلده وغير بلده. ومن المعلوم: أن الرحلة عند أهل الحديث لها أهمية كبرى, ولها شأن عظيم، ويرون أن الإنسان الذي لم يرحل عن بلده, ولم يحصل إلا حديث بلده, أنه لم يحصل شيئاً يذكر، والذي يحصل إنما يكون بالتعب والنصب والكد, وقطع المسافات, وإنهاك النفس وإتعابها في سبيل الوصول إلى الحديث، وكما قال بعض العلماء وهو يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم.فكانوا يتحملون المشاق, ويتجشمون الصعوبات, ويلقون المتاعب في سبيل الحصول على الأحاديث, والرحلة إلى الشيوخ للتلقي عنهم، ومنهم من يرحل من أجل حديث واحد, يذكر له أنه عند شيخ في بلد ناءٍ, فيسافر إلى ذلك البلد النائي؛ من أجل أن يظفر به، ومن أجل أن يحصل عليه، هذا كان شأنهم، وهذا كان ديدنهم رحمة الله تعالى عليهم. مولد النسائي ووفاته ومشاركته أصحاب الكتب الخمسة من مشايخهم الإمام النسائي رحمه الله عاش في القرن الثالث الهجري، وكل حياته في القرن الثالث الهجري، وعُمِّر طويلاً حيث بلغ عمره ثمانية وثمانين سنة، أي: أنه قارب التسعين، وكانت ولادته -على ما ذكر عنه على سبيل التقريب- في سنة مائتين وخمس عشرة، ووفاته سنة ثلاث بعد الثلاثمائة، أي: في أول القرن الرابع بعد مضي ثلاث سنوات منه، فهو معمر, وقد عاش هذه المدة الطويلة, ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عن المشايخ الذين أخذ عنهم أصحاب الكتب الخمسة الآخرون, وإن كانوا أقدم منه إلا أنه كما ذكرت عمر؛ لأنه ولد في أوائل القرن الثالث, وتوفي في أول القرن الرابع الهجري.وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة؛ فأولهم البخاري ؛ لأنه توفي سن مائتين وستة وخمسين، وبعده الإمام مسلم حيث توفي سنة مائتين وإحدى وستين، يعني: بعد البخاري بخمس سنوات، ثم بعده ابن ماجه حيث توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ثم أبو داود حيث توفي سنة خمس وسبعين ومائتين، ثم الترمذي حيث توفي سنة تسع وسبعين ومائتين، ثم النسائي وهو آخرهم حيث توفي سنة ثلاث بعد الثلاثمائة. فإذاً: هو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، وهو أيضاً متقدم؛ لأنه ليس بينه وبين مسلم في الولادة إلا عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة؛ لأن مسلماً ولد سنة مائتين وست, والنسائي ولد سنة مائتين وخمسة عشر، فهو مقارب له بالولادة, ولكنه عاش بعده اثنتين وأربعين سنة، فلهذا صار إسناده عالياً، ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عنه الشيوخ، مثل الطبراني الذي عمره مائة سنة, وقد توفي سنة ثلاثمائة وستين، أي: بعد وفاة النسائي بسبع وخمسين سنة، فهذا معمر, وهذا معمر، وهكذا يكون العلو؛ حيث يلتقي الشخص بالشخص ثم يعمر بعده، ويكون شيخه لقي المشايخ في سن مبكر، وبين ولادة هذا ووفاة هذا مدة طويلة.فإذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في القرن الثالث الهجري، وهو أزهى عصور السنة من حيث التأليف؛ لأنه ألفت فيه الكتب الستة، وألف فيه غيرها من الكتب الكثيرة من المسانيد وغيرها، ومسند الإمام أحمد يعتبر أوسع كتاب، حيث تبلغ أحاديثه أربعين ألفاً كما ذكر ذلك بعض العلماء، وهو في القرن الثالث؛ لأن وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين.إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في هذا القرن، وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، فقد عُمِّر حتى بلغ ثمانية وثمانين سنة تقريباً، وقد أخذ عن بعض شيوخ الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب وشاركهم, مثل: شيخه قتيبة بن سعيد الذي أكثر عنه، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الآخرين، فهو شيخ للبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .وأخذ أيضاً عن: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار فإن هؤلاء من صغار شيوخ البخاري، ومسلم ، والذين كانت وفاتهم قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وأخذ عنهم النسائي كما أخذ عنهم أصحاب الكتب الأخرى، فهو شارك أصحاب الكتب الأخرى الخمسة في مشايخهم, وذلك -كما ذكرت- أنه وإن تأخرت وفاته فإن ولادته متقدمة؛ لأنه كان في أوائل القرن الثالث الهجري, ووفاته في أول القرن الرابع الهجري. يتبع align=right][/align] اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
|
شرح سنن النسائي
- المقدمة - ترجمة الإمام النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) (2) أشهر تلامذة النسائي الذين تلقوا عنه النسائي أخذ عنه التلاميذ الذين كانوا في زمنه وتلقوا عنه في بلده وغير بلده، وممن اشتهر بالأخذ عنه: ابن السني ، وكذلك أبو جعفر العقيلي, وأبو جعفر الطحاوي, وغيرهم كثير، والطبراني أخذ عنه وهو من أصحاب الإسناد العالي؛ لأنه ولد سنة مائتين وستين, وتوفي سنة ثلاثمائة وستين, وعاش مائة سنة، وأدرك من حياة النسائي ثلاثاً وأربعين سنة، وعاش بعده سبعاً وخمسين سنة، فأخذ عنه وعُمِّر بعده، فصار الإسناد من طريقه من الأسانيد العالية، ولهذا يقال عن الطبراني : إنه عالي الإسناد بالإطلاق؛ لأنه عُمِّر وأخذ عن المعمرين كـالنسائي وغيره. مكانة النسائي ومنزلته عند العلماء يعتبر النسائي رحمة الله عليه من الحفاظ، ومن أئمة المسلمين، والذي وصفه بعض العلماء بالإمامة، وأنه من أئمة المسلمين، ووصفوه بأنه أحد الحفاظ، وأنه أحد الأعلام، وأنه إمام في الجرح والتعديل، وأنه ممن يقبل قوله في الجرح والتعديل، وأثنى عليه العلماء ثناءً عظيماً، بل إن من العلماء من قال: إن شرطه أقوى من شرط مسلم وشرط البخاري ؛ من حيث إنه تجنب الرواية عن أشخاص, أو لين أشخاصاً روى عنهم البخاري، ومسلم ، لكن كما هو معلوم أن البخاري، ومسلم التزما الصحة وهو لم يلتزم الصحة، لكن هذا يدل على إتقانه، وعلى تحريه، وعلى أنه متمكن في علم الحديث، وعلى أنه ينتقي، فهو يدل على علو منزلته، وعلى فضله، وعلى نبله، وإن كان ما في البخاري ومسلم مقدم على ما عنده كما معروف عند العلماء، لكن مثل هذه العبارة التي جاءت عن بعض العلماء: أن له شرطاً أشد من شرط البخاري، ومسلم تدل على قيمته وعلى علو منزلته, وإن كان هذا لا يسلم به مطلقاً، وإنما قد يسلم به في الجملة، وذلك من جهة أن بعض الأشخاص الذين لينهم النسائي ولم يرو عنهم روى عنهم البخاري، ومسلم ، إلا أن هذا لا يقدح في البخاري ومسلم، أو في رجال البخاري ومسلم ، لكن يدل على قيمة منزلة النسائي وقيمة كتابه وقيمة سننه، وأنه كتاب عظيم، وأنه له شأناً كبيراً. تأليف النسائي كتاب الخصائص في فضائل علي بن أبي طالب الإمام النسائي رحمة الله عليه -كما قلت- عاش في مصر, وفي آخر الأمر ارتحل منها إلى الشام وجاء إلى دمشق، وحصل له فيها محنة كما ذكر ذلك بعض العلماء، وألف فيها كتاب (الخصائص), أي: خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجاء عنه أن سبب تأليفه إياه: أنه وجد أن أهل الشام عندهم حب شديد لبني أمية، ولم يجد عندهم ذكراً كبيراً لـعلي رضي الله عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب ليبين لهم فضل ذلك الإمام، وليبين الأحاديث التي وردت في فضله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأراد بذلك الخير، وأراد بذلك بيان فضل أهل الفضل, وميزة أهل التقدم؛ وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، فألف ذلك الكتاب.ثم ألف كتاب (فضائل الصحابة)، وبدأ بفضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع، ولكنه ألف كتاب (الخصائص) في دمشق ليبين فضل ذلك الإمام العظيم الذي شُغل كثير من الناس في تلك البلاد بغيره؛ وهم بنو أمية، وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب يريد الخير. موقف النسائي من معاوية رضي الله عنه سئل النسائي عن معاوية رضي الله عنه وأرضاه، فجاء عنه ما يدل على الثناء عليه, وما يدل على فضله، وجاء عنه عبارة فيها شيء من الحط من شأنه، وأوذي بسببها إن صح ذلك النقل، وأنه أوذي بسبب ما أجاب به لما سئل عن معاوية، وأنه طلب منه أن يؤلف في فضائل معاوية فقال: وأي فضائل له؟ أي: ما هي الفضائل التي لـمعاوية فيؤلف فيها؟ وذكر حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وإن صحت عنه هذه الرواية فقد جاءت عنه أيضاً رواية أخرى تدل على فضل معاوية ، وتدل على أنه واحد من الصحابة، وأن القدح في الصحابة قدح في الدين.بل إن هذا الحديث -أي: حديث: (لا أشبع الله بطنه)- يدل على فضل معاوية كما ذكر ذلك بعض العلماء.والإمام مسلم رحمه الله لما أورد هذا الحديث أورده بعدما أورد الأحاديث التي فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اللهم ما دعوت على إنسان, ولم يكن أهلاً لتلك الدعوة, أن يجعلها الله تعالى له طهراً وزكاءً وفضلاً). فلما أورد الإمام مسلم رحمه الله تلك الأحاديث, عقبها بهذا الحديث ليبين أن معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه لا تضيره هذه الدعوة، وإنما هي تنقلب دعاءً له, وتنقلب ثناءً عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنني اشترطت على ربي أنني ما دعوت على إنسان ليس بأهل لتلك الدعوة أن يجعل الله تعالى له ذلك طهراً ونقاءً). والحديث الذي قبل هذا الحديث هو في قصة أم سليم مع اليتيمة التي كانت عندها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف البنت أنها صغيرة, ثم أتت إليه وقال لها: (من أنتِ) وأخبرته: بأنها يتيمة أم سليم ، فقال: (كبرت لا كبرت سنك) فلما أورد مسلم هذا الحديث, أورد بعده حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث ابن عباس في قصة معاوية .ثم إن معاوية رضي الله عنه كان من كتبة الوحي، وهذا من فضائله، وهو مؤتمن ائتمنه الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابة وحي رب العالمين، فهذا من فضائله وهذا من نبله رضي الله عنه وأرضاه.إذاً: هذه الكلمة لا تضر معاوية رضي الله عنه وإنما تنقلب مدحاً عليه، وما جاء عن النسائي جاء عنه ما يقابل تلك الكلمة، ولعله قالها ليلفت الأنظار إلى عدم الغلو في الأشخاص، وأن أهل الشام لما صار له منزلة عندهم؛ ولأنهم نشأوا لا يعرفون إلا هو, وقد مكث أربعين سنة في دمشق. عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، فنشأوا وعاشوا لا يعرفون إلا معاوية بن أبي سفيان؛ فأراد أن يأتي بهذه الكلمة حتى يقلل من الإطراء, أو من التجاوز الذي حصل من بعضهم.ثم أيضاً ذلك الحديث الذي ذكره عن معاوية هو في الحقيقة ثناء عليه، ولا يعتبر قدحاً فيه؛ لأن مسلماً رحمه الله لم يورده إلا في موطن, وأورده لبيان أن هذا مما ينفع معاوية ولا يضره، ومن قبيل ما هو منقبة لـمعاوية وليس مثلبة له رضي الله تعالى عنه وأرضاه.ومن المعلوم أن الصحابة جميعاً يجب أن تمتلئ القلوب من محبتهم، وأن تنطق الألسنة بذكرهم والثناء عليهم، وألا يذكروا إلا بالجميل. مدى صحة نسبة الإمام النسائي للتشيع وأنها سبب وفاته وقد نسب النسائي إلى التشيع، وقيل عنه: إن عنده تشيعاً، ولعل هذا بسبب هذه الكلمة التي سمعت منه في حق معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم إن التشيع في بعض سلف هذه الأمة لا يؤثِّر؛ لأنه أحياناً يكون من قبيل تقديم شخص على شخص في الفضل على حسب ما يراه، كما يجري عند تفضيل عثمان وعلي رضي الله عنهما ، فإن المشهور عن العلماء تقديم عثمان على علي في الفضل، وبعض العلماء يقدم علياً على عثمان في الفضل، أما التقديم عليه في الخلافة فلا يقدم عليه, ولا يقدمه سلف هذه الأمة عليه، وقد قال بعض العلماء: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وتقديمه عليه بالخلافة هو اعتراض على ما أجمع عليه سلف هذه الأمة، وأما التقديم بالفضل فهذا هو الذي لا يبدع من قال به، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية، فإنه قال: تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع قائله، وإنما الذي يبدع تقديمه عليه بالخلافة، هذا هو الذي يبدع من قال به، أي: من قال: إن علياً أولى من عثمان بالخلافة فهو مبتدع؛ لأنه قال قولاً يخالف ما أجمع عليه الصحابة وما اتفق عليه سلف الأمة.وأما من ناحية الفضل فإن هذا لا يؤثِّر؛ لأنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل في الولاية، أي: أن الولاية قد يقدم فيها المفضول مع وجود الأفضل، وهذا لا يؤثر ولا يقدح في الفاضل كون غيره يقدم عليه. وبعض العلماء نسب إلى التشيع بسبب تقديمه علياً على عثمان، ومن هؤلاء الذين وصفوا بهذا: ابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل، وكذلك الأعمش، وابن جرير، وعبد الرزاق ، وجماعة جاء عنهم تقديم علي على عثمان في الفضل، وهذا لا يقدح، والتشيع الذي سببه هذا لا يؤثر.وبعض ما ينسب إلى بعض الأئمة الفضلاء والعلماء المحدثين الثقات المتقنين من التشيع هذا من أسبابه، أي: تقديم علي على عثمان في الفضل، رضي الله تعالى عن الجميع، وهذا لا يؤثر، ولا يعتبر صاحبه مغموزاً ولا مقدوحاً به؛ لأن جماعة من العلماء على هذا المنوال، ولا يؤثر هذا على فضلهم وعلى نبلهم، وهذه مسألة خلافية، وإن كان المعروف والمشهور عن العلماء هو تقديم عثمان على علي في الفضل، كما أنه مقدم في الخلافة، والذين قالوا بخلاف ذلك قلة، لكن قولهم لا يقدح فيهم ولا يحط من شأنهم، ولا يؤثر على نبلهم وعلى فضلهم، فهم جهابذة وحفاظ ومتقنون وعُمَد في الجرح والتعديل, ومع ذلك جاء عنهم هذا القول فنسبوا إلى التشيع بسببه، وذلك لا يقدح فيهم ولا يؤثر. والذي جاء عن النسائي من كونه تكلم بهذه الكلمة في معاوية ، فقد بين فضله في موضع آخر، وكونه ألف خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لا يؤثر فيه ولا أن ننسبه إلى التشيع؛ لأن هذا لا يدل على قدح فيه، ولا يدل على غمز فيه، وإنما هذا شأنه شأن غيره ممن نسبوا إلى التشيع, ونسبتهم إلى التشيع لا تؤثر فيهم.وقيل: إن وفاته كانت بسبب إيذائه الذي حصل له في دمشق، وأنه لما قال ما قال في حق معاوية ضرب, وأنه أوذي, وأنه مرض على إثر ذلك, وأنه انتقل بعد ذلك إلى الرملة، وقيل: إلى مكة ومات بها, وأنه توفي بسبب ذلك. وقيل: إنه توفي بسبب الإيذاء الذي حصل له من بعض الناس الذين آلمهم ولم يعجبهم ما قاله في معاوية، إن صح هذا الكلام عن الإمام النسائي رحمة الله عليه. وكانت وفاته في أوائل سنة ثلاث بعد الثلاثمائة ؛ أي: في أول القرن الرابع الهجري. تأليف الإمام النسائي للسنن الصغرى ومنهجه فيه النسائي له كتابان في السنن: أحدهما موسع, ويقال له: السنن الكبرى، والثاني مختصر ويقال له: السنن الصغرى، ويقال له: المجتبى، ويقال له: المجتنى.والكتاب الذي عول عليه العلماء واعتبروه أحد الكتب الستة هو: المجتبى الذي هو السنن الصغرى، والتي انتقاها واختارها من كتابه السنن الكبرى.وهذا الكتاب لقي - كما لقي غيره من الكتب المعتمدة الأصول- عناية فائقة من العلماء.وهذا الكتاب أي: (السنن الصغرى) -الذي هو المجتبى- أو المجتنى اختلف من الذي اجتباه أو اختصره أو انتخبه من السنن الكبرى, هل هو النسائي نفسه, أو أنه أبو بكر بن السني تلميذه وأحد رواة الكتاب عنه؟ على قولين للعلماء: القول الأول وهو المشهور:أن الذي انتخبه والذي اختاره واجتباه هو نفس المؤلف. القول الثاني: من العلماء من قال: بأن الذي اختاره أو انتخبه واستخرجه من السنن الكبرى هو تلميذه ابن السني. ولكن المشهور هو الأول. وقد جاء أنه لما ألف كتاب السنن الكبرى أهدى منه نسخة إلى ملك الرملة أو أمير الرملة فقال له: أكل ما فيه صحيح؟ فقال: لا، فاختار له منه السنن الصغرى الذي هو المجتبى. ويمكن أن يكون القول الثاني له حظ من النظر لا على سبيل الاستقلال، بل يحتمل أن يكون قام ابن السني بتوجيه من النسائي بأن يستخرج منه أحاديث عينها، فيكون ذلك الذي أضيف إلى ابن السني له وجه، لا على سبيل الاستقلال بل على سبيل التوجيه من الإمام النسائي. لكن المشهور -كما عرفنا- هو أن النسائي نفسه هو الذي اختاره، وإذا كان اختاره وانتقاه بنفسه واستخرجه بنفسه, أو علم على بعض الأحاديث وأرشد بعض تلاميذه إلى استخراجها منه فيمكن أن يكون منسوباً إلى المستخرج الذي حصل بالتوجيه، ويمكن أن يكون حصل منه بنفسه، ولكن المشهور أن الذي انتخبه والذي اختاره هو الإمام النسائي نفسه.وقد جاء مكتوباً على بعض النسخ أنه من عمل النسائي، وأنه اختصار النسائي أو انتخاب النسائي نفسه. ومهما يكن من شيء فإن الكتاب اشتهر، وسواءً قام به النسائي نفسه، أو قام به تلميذه بتوجيه منه، أو بغير توجيه منه، فهو منتخب من كتاب سنن النسائي الكبرى، لكن هناك أحاديث موجودة في الصغرى وليست في الكبرى، وهذا يؤيد أن الذي قام بوضعه النسائي نفسه؛ لأن فيه أحاديث هي للنسائي يقول فيها: أخبرنا فلان عن فلان إلى آخره، وهي ليست موجودة في سنن النسائي الكبرى؛ وهذا يؤيد ويوضح أن النسائي نفسه هو الذي وضع هذا الكتاب، وهو الذي ألف هذا الكتاب؛ لأنه لو كان مجرد اختصار وانتخاب من كتاب معين ما كان يحصل فيه الزيادة -أي: في المختصر أو المنتخب- على ما كان في الأصل؛ لأن الذي يأتي إلى كتاب مؤلف وينتخب منه لا يتعدى الكتاب الذي انتخب منه ما دام أنه مجتبى منه ومجتنى منه ومنتخب منه، فهذا يؤيد أنه عمل النسائي نفسه.وقد ذكر هذا الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب (تحفة الأشراف)، وذكر بعض الأبواب الموجودة في نفس الكتاب الذي هو السنن الصغرى: باب كذا وكذا مما لم يكن في الكبرى، وأنه في الصغرى دون الكبرى.وأما كون الكبرى يكون فيها أشياء ليست في الصغرى فهذا ليس بغريب؛ لأنه هو الأصل المنتخب منه، لكن الذي يحتاج إلى أن يعرف ويحتاج إلى التنصيص عليه هو كون الصغرى فيها أشياء لا توجد في الكبرى، وهذا ما هو موجود في نفس السنن في بعض الأبواب، أنه في الصغرى وليس في الكبرى، وقد نص عليه الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب المزي (تحفة الأشراف) الذي قام بتحقيقه وبإخراجه ونشره. الفرق بين حدثنا وأخبرنا عند النسائي الإمام النسائي رحمة الله عليه في كتابه (السنن الصغرى) يستعمل عبارة (أخبرنا)، وهي التي يستعملها في هذا الكتاب، فتعبيره (بأخبرنا) يعني: لا يأتي بحدثنا وإنما يأتي بأخبرنا، و(أخبرنا) و(حدثنا) بعض العلماء يسوي بينهما ولا يفرق بينهما. ومن العلماء من يفرق بينهما؛ فيجعل (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ، فإذا كان الشيخ يقرأ والتلاميذ يسمعون, فيعبر التلاميذ (بحدثنا)، أما إذا كان الشيخ لا يقرأ ولكنه يقرأ عليه أحد الطلاب وهو يسمع، والباقون يسمعون وهم يقرءون عليه ليأخذوا عنه؛ فإنهم يعبرون (بأخبرنا)، وهذا يسمى عرض: وهي القراءة على الشيخ، يعني: يعبرون بما قرئ على الشيخ بـ(أخبرنا)، وبما سمع من لفظ الشيخ بـ(حدثنا). وبعض العلماء لا يفرق بين (حدثنا) و(أخبرنا)، فيستعمل (حدثنا) و(أخبرنا) فيما سمع من لفظ الشيخ وفيما قرئ على الشيخ وهو يسمع، فلا يفرقون بين هذا وهذا.ومن المعلوم أن النسائي لم يكن دوماً على هذه الطريقة، أي: أنه لم يحصل منه أنه قرأ على الشيخ وهو يسمع، وأن هؤلاء الذين يروي عنهم قد قرئ عليهم وهو يسمع، ليس كذلك، بل بنى على القاعدة أو على الطريقة التي هي عدم التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وأن (أخبرنا) تستعمل فيما تستعمل فيه (حدثنا)، وأنها ليست مقصورة على ما قرئ على الشيخ وهو يسمع وهذا ما يسمى عرضاً: وهو القراءة على الشيخ. فصنيع النسائي هو ليس على طريقة التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وإنما هو على طريقة التسوية بين (حدثنا، وأخبرنا). وممن اشتهر عنه التعبير بأخبرنا: إسحاق بن راهويه الإمام المشهور المعروف، فإنه عرف عنه أنه غالباً وكثيراً ما يستعمل أخبرنا فيما يرويه عن شيوخه، ولا يستعمل حدثنا إلا قليلاً، وهذا هو المشهور عنه، ولهذا الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري عندما يأتي ذكر إسحاق في شيوخ البخاري غير منسوب، ثم يلتبس ويحتمل هل هو إسحاق بن راهويه أو إسحاق بن منصور, أو غيرهم ممن يسمى إسحاق؟ يستشهد أو يستأنس بتعبيره -أي: إسحاق - بأخبرنا، إذا جاء غير منسوب وفيه: (أخبرنا) فإنه يعتبرها قرينة تدل على أنه إسحاق بن راهويه؛ لأنه عرف من عادته أنه يأتي بأخبرنا، وإن أتى بحدثنا فهو قليل ونادر بالنسبة لتعبيره بأخبرنا.إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه يستعمل لفظ (أخبرنا) في الرواية عن شيوخه في هذا الكتاب -الذي هو السنن الصغرى- والذي يقال له: المجبتى, ويقال له: المجتنى. كيفية رواية النسائي عمن روى عنه ولم يقصده بالرواية ومن مشايخه الذين روى عنهم ولكنه ما قصده في الرواية: الحارث بن مسكين ، كان بينه وبينه وحشة، وكان لا يأذن له أن يأتي لأخذ الحديث عنه، فكان يأتي ويجلس من وراء ستار ويسمع الحارث بن مسكين وهو يحدث تلاميذه، فكان النسائي يسمع منه ويحدث عنه, ولكن لا يقول: أخبرنا، ولا يقول: حدثنا؛ لأنه ما قصده بالتحديث، ولكنه سمع منه، فيأتي فيقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا، وأحياناً يقول: أخبرنا، فيحتمل أن يكون هذا الذي عبر عنه في بعض المواضع بأخبرنا أنه حصل ذلك قبل أن يمنعه من الأخذ عنه، أو أن يكون أذن له فيما بعد، فيكون هذا التنويع الذي عند النسائي في كونه أحياناً يقول: أخبرنا الحارث بن مسكين ، وأحياناً ابن مسكين قال: أخبرنا، فلا يأتي بصيغة عنه؛ لا أخبرنا ولا حدثنا؛ فيحتمل أن يكون سماعه منه على حالين: حال فيها إذن، وحال فيها عدم إذن، فالذي فيها إذن هو الذي فيه التعبير بأخبرنا، والذي فيها عدم إذن وعدم سماح له بالأخذ عنه هو الذي يكون غفلاً من الصيغة التي هي: أخبرنا أو حدثنا، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، ويسوق الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من دقة النسائي ومن تحريه ومن تورعه؛ لأنه في الحال التي منعه من الرواية لم يكن يمتنع، بل يأخذ الحديث، ولكنه لا يعبر بحدثنا ولا أخبرنا، إلا ما جاء عنه في بعض المواضع ويحمل على ما ذكرت: من أنه قد يكون ذلك قبل المنع، ويمكن أن يكون في بعض الأحوال أذن له، وأنه روى على الحالين: مرة غفلاً لا يأتي بكلمة حدثنا، ولا يأتي بأخبرنا، وفي بعض الأحيان القليلة يأتي بأخبرنا، لكن هذا -كما ذكرت- يدل على ورعه وعلى دقته، وأنه في هذه الأحوال التي منع فيها من الرواية لم يمتنع من أخذ الحديث.والعلماء قد ذكروا من جملة مسائل المصطلح: من خص قوماً بالحديث فإن لغيرهم ممن لم يخص أن يروي إذا سمع, فإذا حصل منه السماع, فإنه يروي وإن لم يقصد؛ لأن الرواية مبنية على السماع وعلى تحقق الرواية سواءٌ حصل الإذن أو لم يحصل الإذن، ما دام الإذن قد حصل في الجملة لغيره من الطلاب بأن يأخذوا عنه, فإن لغيرهم أن يأخذ وإن منعه هو من الأخذ؛ لأن التحديث قد وجد، لكن العبارة التي يعبر بها هي التي يكون فيها التحرز، ويكون فيها الدقة، ويكون فيها التورع من الإتيان بلفظ يوهم خلاف الواقع. ثم إن النسائي رحمة الله عليه يأتي أحياناً بتعليقات بعد ذكر الحديث إما لبيان اسم، أو لبيان حال رجل، أو ما إلى غير ذلك، مما سيمر بنا إن شاء الله في هذا الكتاب، فهذا من عمله الذي يقوم به في كتابه زائداً على ما يورده من الأحاديث. إيراد كلمة: (قال) قبل (حدثنا) أثناء الإسناد في سنن النسائي أيضاً الموجود في كتاب النسائي غالباً التعبير بـ(قال) قبل (حدثنا) و(أخبرنا) في أثناء الإسناد، وهذه لا ندري هل هي من الأصل -من كتابة النسائي- أو أنها من بعض النساخ؟ لأن المعروف عند المحدثين أن كلمة (قال) تحذف قبل الصيغة في أثناء الإسناد, تحذف كتابة وينطق بها عند القراءة، كأن يقول: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، وإن لم يكن فيه قال في أثناء الإسناد، لكن كتاب النسائي فيه ذكر كلمة قال قبل الصيغة، فيحتمل أن تكون هذه من النسائي ، ويحتمل أن تكون هذه من النساخ فيأتون بكلمة (قال) ويثبتونها، والتي اشتهر عند العلماء أنها تحذف خطاً للاختصار والتخفيف من الكتابة، وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة؛ لأن هذا مما شاع في الاصطلاح عند العلماء، بحيث تحذف كلمة (قال) قبل الصيغة خطاً وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة. يتبع |
|
|
|
|
|
#3 |
|
|
شرح سنن النسائي - المقدمة - ترجمة الإمام النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) (3) الكتب التي اعتنت بسنن النسائي سنداً ومتناً إن كتاب النسائي رحمة الله عليه لم يلق عناية خاصة به، لا من حيث الرجال ولا من حيث المتون، فإنه لم يحصل له كما حصل للصحيحين، ولسنن أبي داود، ولجامع الترمذي من العناية الخاصة، ولم يحصل له عناية خاصة من حيث الشرح والاعتناء ببيان المتون وشرحها وتوضيحها، ولا كذلك فيما يتعلق بالرجال، فلم يحصل ذلك على سبيل الاستقلال، ولكنه حصل على سبيل الاشتراك مع غيره، فمن حيث المتون ومن حيث الأسانيد لقي مع غيره -لا على سبيل الاستقلال- عناية فائقة وعناية تامة.أما كونه يعتنى به بحيث يؤلف فيه مؤلفات شارحة له, أو معتنية برجاله على سبيل الاستقلال, فهذا لم يظهر شيء ولم يشتهر شيء من هذا القبيل.والسيوطي وقد كانت وفاته سنة تسعمائة وإحدى عشرة، أي: بينه وبين النسائي ما يزيد على ستمائة سنة، يقول في مقدمة كتابه (زهر الربى في شرح المجتبى): إن هذا الكتاب على عظم شأنه ما اشتهر له وما ظهر له شرح، وقد مضى على تأليفه ستمائة سنة، ويقول: إنه ما علم أنه حصل له عناية، وأنه لم يحصل له شرح يليق بهذا الكتاب -الذي هو كتاب النسائي - ومع ذلك فـالسيوطي شرحه في شرح مختصر، أيضاً لم تكن فيه العناية التامة.إذاً: فلم يحصل له من العناية ما حصل لغيره من الكتب الأخرى، اللهم إلا ابن ماجه فإنه مثله لم يحصل له عناية من حيث الشرح مثل ما حصل للكتب الأربعة الأخرى التي هي: البخاري، و مسلم، و الترمذي، و أبو داود . الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث الإسناد أما من حيث الرجال فقد اعتني به مع غيره من الكتب، وألف مؤلفات برجال الكتب الأربعة التي هي: السنن, ومؤلفات لرجال الكتب الستة، وأما كونه يعتنى بمؤلف برجاله, فهذا لا نعلم شيئاً ظهر فيه لا مخطوطاً ولا مطبوعاً، بل وحتى الذكر، اللهم إلا نادراً في ذكر الشيوخ أو في ذكر شيوخه، أما بالنسبة لرجاله فلا نعلم فيه شيئاً، ولكنه ألف فيه مع غيره.مما ألف فيه -وهو مطبوع ومشهور, وبعضها لم يطبع- وهو أصلها كتاب: ( الكمال في أسماء الرجال)، للحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى على رأس سنة ستمائة من الهجرة، ألف كتابه (الكمال في أسماء الرجال)، وهو خاص برجال الكتب الستة التي هي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وهذا الكتاب لم يطبع، ولم يوجد كاملاً، وإنما يوجد منه قطع، ولكن جاء بعده أبو الحجاج المزي ، وهو شيخ ابن كثير وصهره، أي: والد زوجته، فابن كثير زوج بنت أبي الحجاج المزي المتوفى سنة سبعمائة واثنين وأربعين، ألف كتاباً سماه: (تهذيب الكمال)، اعتنى فيه عناية فائقة برجال الكتب الستة، ورجال أصحابها في الكتب الأخرى، بمعنى: أنه لا يقتصر على الكتب الستة، وإنما على رجال أصحابها.إذاً: فرجال الكتب الستة موجودون في هذا الكتاب، وهذا الكتاب موجود مخطوط, وهو مصور على النسخ الخطية، وبدئ بطباعته من مدة، وظهر منه عدة مجلدات، وهو كتاب نفيس جامع مفيد.ومن أعجب ما فيه أن مؤلفه رحمة الله عليه مع صبره وتحمله وعدم تعبه ونصبه، فإنه عندما يأتي للراوي الذي يترجم له يذكر تلاميذه وشيوخه، ويرتب التلاميذ ويرتب الشيوخ في كل ترجمة، بحيث أن الإنسان إذا أراد أن يبحث عن رجل فلا يحتاج إلى أنه يقرأ الأسماء كلها في ترجمة الرجل: شيوخه وتلاميذه، بل ينظر أول اسمه فيبحث عنه، فإذا كان سليمان مثلاً في وسط الأسماء، وإذا كان محمد في آخر الأسماء، وإذا كان إبراهيم في أول الأسماء؛ لأنه عند كل ترجمة من التراجم هذه الألوف يرتب الشيوخ في كل ترجمة على الحروف، ويرتب التلاميذ في كل ترجمة على الحروف، بحيث لا يتعب الإنسان في الأسماء الغير المرتبة، فإذا أراد أن يبحث عن رجل مباشرة يذهب إلى مكان أول اسمه فيبحث عنه، إن وجده وإلا ترك الكتاب وبحث عنه في مصدر آخر.وهذا من شدة العناية وشدة الحرص على الدقة وعلى تذليل الصعوبات أمام المشتغلين بالعلم والمنتسبين إليه، إذ يجدون الجهود التي بذلت قد حصل فيها ذلك الترتيب, وحصل فيها تلك الدقة وتلك العناية التامة.إذاً: هو كتاب عظيم، وهو أوسع من الكمال، وإن كان يسمى (تهذيب الكمال) إلا أنه أوسع منه، وليس كما يظن البعض أنه أقل منه مثل ما في تهذيب التهذيب فهو أقل من تهذيب الكمال، بل التهذيب أوسع من الكمال، ولكنه بناه على ذلك؛ لأن ذاك خدمه من حيث الترتيب ومن حيث الجمع ومن حيث الكلام، ولكن هذا من حيث التراجم والتوسع فيها وحصر الأقوال واستيعابها أوسع وأعظم من أصله الكمال.فتهذيب الكمال للمزي في أسماء الرجال مشتمل على رجال النسائي, كما اشتمل على رجال الخمسة الآخرين وهم: البخاري,و مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .وكتاب تهذيب الكمال جاء بعده الحافظ ابن حجر فهذبه في كتاب سماه (تهذيب تهذيب الكمال)، لكنه اختصاراً يقال: (تهذيب التهذيب)، و(أل) في التهذيب عوض عن المضاف إليه؛ لأنها للعهد الذهني, يعني: التهذيب الذي هو تهذيب الكمال، وهذا كثيراً ما يستعمل على سبيل الاختصار، مثل ما يقال: الفتح، مثلاً: قال الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ، فبدل أن يقول: بلوغ المرام, أو يقول: فتح الباري؛ يحذف المضاف إليه ويأتي بـ(أل) عوضاً عن المضاف إليه من الأول، وهذا يذكرونه اختصاراً، ويأتي في كثير من أسماء الكتب المكونة من مضاف ومضاف إليه, فيحذفون المضاف إليه ويأتون بأل في الأول: قال الحافظ في الفتح، ذكره الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ.. وهكذا، قال عبد الغني في العمدة, يعني: عمدة الأحكام وهكذا، فيحذفون المضاف إليه ويأتون (بأل) في أول المضاف بعد حذف المضاف إليه اختصاراً فتكون للعهد الذهني، يعني: المعهود بالأذهان فالعمدة: هي المعهودة بالأذهان, أو البلوغ: هو المعهود بالأذهان، أو الفتح: هو المعهود بالأذهان الذي هو فتح الباري, وبلوغ المرام, وعمدة الأحكام.فسماه تهذيب التهذيب، حيث يأتي ببعض كلام المزي ويختصره, ويأتي ببعض ما فيه ولكن له زيادات، فعندما ينقل من كلام المزي ما يريد أن ينقل من الترجمة، يأتي بعد ذلك في آخرها فيقول: قلت، ثم يأتي بكلام لا يوجد في تهذيب الكمال.فإذاً: الزيادات التي عند الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وليست عند المزي هي ما بعد: (قلت)، أما ما قبلها فهو من كلام المزي, لكنه مختصر وليس كل كلامه، بل بعض كلام المزي ، وما بعد (قلت) هو كلام الحافظ ابن حجر الذي أتى به من كلام العلماء المتأخرين ومن استدراكاته هو واطلاعه هو، رحمة الله عليه.ثم قام وأتى بكتاب بعد هذا مختصر جداً وهو (تقريب التهذيب)، وتقريب التهذيب هذا على اختصاره يعطي القارئ رأي الحافظ ابن حجر في الشخص؛ لأنه في تهذيب التهذيب لا يستطيع أن يخرج بنتيجة من كلام الحافظ ابن حجر بأن يقول: هذا رأيه؛ لأنه يأتي بكلام المزي ثم بعد ذلك يأتي بكلام لغيره، يعني: ينقله بعد قلت، لكن عندما يقرأ الإنسان كتاب تهذيب التهذيب يطرح سؤالاً ويقول: ما هي النتيجة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر؟ وما هي الخلاصة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر في حال الرجل من الجرح والتعديل؟ هل هو ثقة, أو غير ثقة، أو أنه ضعيف، أو أي حالة من الأحوال التي يوصف بها الرجل جرحاً وتعديلاً؟ الجواب على هذا السؤال يوجد في تقريب التهذيب، أي: أن رأي الحافظ ابن حجر لا يوجد في تهذيب التهذيب, ولكن يوجد في تقريب التهذيب، فهو كتاب مختصر يأتي بالترجمة بسطر أو سطرين أو ثلاثة, وقد تصل إلى أربعة, بلفظ موجز مفيد يتبين منه رأي الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في الرجل الذي ترجم له في تهذيب التهذيب.وكتاب تهذيب الكمال أيضاً اعتنى به الذهبي في كتابين؛ أحدهما: تذهيب التهذيب، لأن تلخيص ابن حجر له اسمه: (تهذيب التهذيب).وأما الذهبي فـ(تذهيب التهذيب).وله كتاب آخر خاص برجال الكتب الستة، ولا يذكر رجال الكتب الأخرى, مثل: (عمل اليوم والليلة) للنسائي, والقراءة خلف الإمام للبخاري, والأدب المفرد للبخاري ، فلا يذكر إلا رجال الكتب الستة الذين في صحيح البخاري، وصحيح مسلم, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وسنن ابن ماجه, وسنن الترمذي، ورجال هذه الكتب الستة فقط، وهذا سماه: (الكاشف في رجال الكتب الستة)، فهو خاص، بخلاف التذهيب فإنه في رجال أصحاب الكتب الستة.وكتاب الذهبي (التذهيب) قام الخزرجي -وهو من علماء القرن العاشر- بتلخيصه واختصاره في كتاب سماه: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، فهو في درجة كتاب التقريب لـابن حجر؛ لأن (التذهيب) في درجة (تهذيب التهذيب)، و(الخلاصة) في درجة (تقريب التهذيب)، الخلاصة للخزرجي ، إلا أن الخزرجي ليس مثل الحافظ ابن حجر لا يأتي برأي منه, أو بكلام منه وإنما ينقل كلام العلماء، يذكر اثنين من الشيوخ واثنين من التلاميذ ويذكر قال فيه فلان كذا، وقال فيه فلان كذا، أي: أنه ينقل بعض ما قيل فيه وبعض شيوخه وتلاميذه.هذه طريقة صاحب الخلاصة الخزرجي في كتابه: خلاصة تذهيب الكمال.فهذه الكتب اعتنت برجال الكتب الستة, ومنها سنن النسائي.إذاً: فكتاب تهذيب الكمال للمزي هو كتاب عظيم ولا يستغني عنه طالب علم، وهو موسوعة في أسماء الرجال الذين هم رجال أصحاب الكتب الستة.وينبغي أن يعلم أن سادس الكتب الستة في هذه الكتب التي قامت بخدمة هذه الكتب هو: ابن ماجه وليس الموطأ، أي: أن السادس هو ابن ماجه، فالرجال في هذه الكتب هم رجال ابن ماجه ؛ لأن سادس الكتب في هذه المؤلفات هو ابن ماجه وليس الموطأ ولا الدارمي؛ لأن صاحب الكمال لما ألف كتابه ألفه في رجال الكتب الستة على أن الكتب الستة سادسها سنن ابن ماجه وقد مشى على هذا الأساس, وجمع هذه التراجم لأصحاب هذه الكتب، وجاء بعده العلماء وبنوا على كتابه تلك الكتب المطولة والمختصرة.ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الكتاب الذي ذكرت -وهو كتاب تهذيب الكمال- يعتبر موسوعة من الموسوعات في أسماء الرجال، فإذا ضم الإنسان إليه كتاب لسان الميزان لـابن حجر جاءه مجموعة من الرجال غير ما اشتملت عليه تلك الكتب؛ لأن من شرط الحافظ ابن حجر في الميزان: ألا يأتي فيه برجل ترجم له في التهذيب، إذاً: فمعناه رجال يضمون إلى الرجال وهم رجال غير الرجال، يعني: معناه أن هذا العدد الذي في اللسان يضاف إضافة جديدة ولا تكرار فيه بين اثنين، فإذا كان الإنسان عنده تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب المبني عليه, ولسان الميزان فإنه يكون عنده عدد هائل وعدد كبير من الرجال؛ لأن تهذيب التهذيب في اثني عشر مجلداً، ولسان الميزان في ثمانية مجلدات، فيكون عشرين مجلداً فيها أسماء رجال ولا تكرار في تلك الرجال. الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث المتن أما فيما يتعلق بالمتون والعناية بالمتون فأيضاً قرن النسائي مع غيره، وممن اعتنى بالمتون: رزين العبدري في كتابه: التجريد، فإنه جمع متون تلك الكتب واستوعبها، ولكن سادس الكتب عنده: الموطأ، فجاء بعده ابن الأثير أبو السعادات ، فبنى عليه كتاب: جامع الأصول، بناه على كتاب رزين التجريد، ورتبه ونظمه وأتى بكتب، والكتب رتبها على الحروف، وكما قلت: هو مبني على ذلك الكتاب فالسادس هو الموطأ، وهو لا يذكر الأسانيد وإنما يذكر المتون، يقول: عن فلان, ثم يرمز للذين رووا هذا الحديث مثلاً: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والموطأ، لا يذكر ابن ماجه ؛ لأن ابن ماجه السادس بدله الموطأ.وابن الأثير هذا هو صاحب (النهاية في غريب الحديث)، والمشهور في ابن الأثير أنه فيه ثلاثة إخوة كلهم اشتهروا بابن الأثير، وكلهم يختلف عن غيره في التخصص؛ فأحدهم محدث, وهو صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وأحدهم مؤرخ، والثالث أديب وهو صاحب كتاب (المثل السائر)، فهم ثلاثة إخوة اشتغلوا في العلم، واحد منهم برز في الحديث وعنايته في الحديث، والثاني في التاريخ، والثالث في الأدب، والمشهور عندما يأتي في النقل من كتب اللغة أو في كتب الحديث عندما يقال: قال أبو السعادات, أو يقال: قال ابن الأثير، المقصود به المحدث صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وهذا الكتاب -الذي هو جامع الأصول- كتاب واسع، جمع هذه الكتب وسادسها كما ذكرت الموطأ وليس سنن ابن ماجه.ومن الذين اعتنوا بأطراف هذه الكتب وكتابه مطبوع هو كتاب: تحفة الأشراف للمزي الذي طبع في الدار القيمة في الهند، وقام بطبعه وتحقيقه: عبد الصمد شرف الدين الذي أشرت إليه، وذكر في المقدمة أن في الصغرى ما ليس في الكبرى، أي: في السنن الصغرى ما ليس في الكبرى، وهذا الكتاب -الذي هو تحفة الأشراف- يذكر فيه طرف الحديث، أي: أوله، ولكنه يذكر الإسناد، فكتاب تحفة الأشراف في معرفة الأطراف مثل سنن النسائي، وفيه أيضاً -كما يشير إليه عبد الصمد شرف الدين- أشياء من السنن الكبرى؛ لأنه يجعله بين قوسين ويقول: في الكبرى، وليس في الصغرى.هذه من الكتب التي اعتنت بهذا الكتاب مع غيره، لكنه لم يحصل له عناية خاصة تليق به من حيث العناية بشرحه والتوسع فيه كما توسع في غيره من الكتب الأخرى كالصحيحين وسنن أبي داود وجامع الترمذي. يتبع |
|
|
|
|
|
#4 |
|
|
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) (4) وأول حديث بدأ به من الأحاديث الأربعين حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فقال:[ عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري ، و أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة ].هكذا كما أورده النووي رحمه الله، وقد كان من عادته في كتابه هذا وفي كتابه (رياض الصالحين) أنه عندما يذكر الصحابي يذكره بكنيته، وكذلك يذكر وصفه، كما قال هنا: (عن أمير المؤمنين أبي حفص ). تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة.تأويل قوله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6].أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)].هذا هو أول كتاب النسائي أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب رحمة الله عليه؛ كتاب الطهارة، وفي بعض النسخ ليس فيه ذكر كتاب الطهارة، وإنما البدء بالترجمة وهي: تأويل قول الله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] الآية.وعلى ذكر الكتاب فهذه تعتبر ترجمة عامة في أول الكتاب, والمقصود منها: أنه عند الوضوء لا يغمس الإنسان يده في الماء مباشرة، وإنما يغسلها خارج الإناء، ثم بعد ذلك يدخل يده في الإناء.وعلى أن كتاب الترجمة غير موجود فذكر هذه الترجمة العامة التي هي بمثابة كتاب الطهارة، وأورد تحتها حديثاً واحداً يتعلق بما يستحب أن يكون بين يدي الوضوء، إما استحباباً مطلقاً، كما إذا توضأ الإنسان ولم يقم من نوم، أو أنه واجب أو مستحب إذا كان قائماً من النوم, كما جاء في هذا الحديث هنا، فالحديث مقيد بالقيام من النوم، فتكون هذه الترجمة ترجمة عامة بمثابة قولنا: باب الوضوء، أو كتاب الوضوء، أو كتاب الطهارة، وأورد تحت الترجمة حديثاً واحداً يتعلق بما يكون قبل البداية بالوضوء، وهو غسل اليدين خارج الإناء قبل أن يغمس يده في الإناء الذي فيه ماء الوضوء. تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه...) قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة بن سعيد هذا هو أحد شيوخه الذين أكثر عنهم، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الخمسة الآخرين، فقد رووا عنه جميعاً، وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين، قبل وفاة الإمام أحمد بسنة واحدة؛ لأن الإمام أحمد وفاته سنة مائتين وواحد وأربعين، وهو سنة مائتين وأربعين، وهو من الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة، فهو شيخ للبخاري, ومسلم, وأبي داود, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه.ومن المعلوم أنه يعتبر من كبار شيوخ النسائي؛ لأن النسائي ولد سنة مائتين وخمس عشرة، وشيخه هذا توفي سنة مائتين وأربعين، وعاش بعده النسائي ثلاثاً وستين سنة؛ لأنه توفي سنة ثلاثمائة وثلاث، ومن هذا يكون العلو في الأسانيد؛ يعني: كون الشخص يطول عمره, ويروي في أول حياته عن شخص أدركه في آخر حياته, وعمر بعده طويلاً فمن هنا يأتي العلو في الأسانيد، من ناحية أن التلميذ يروي عن الشيخ في آخر حياته، ويعمر ويطول عمر ذلك التلميذ فيعيش كثيراً، كالذي حصل للنسائي, فإنه عاش ثلاثاً وستين سنة بعد وفاة شيخه قتيبة بن سعيد .وقتيبة هذا قيل: إنه لقب، وأن اسمه غير ذلك، قيل: اسمه يحيى, وقيل: غير ذلك، ولكنه مشهور بهذا اللقب, أو بهذا الاسم على القول بأنه اسم، وهو من الأسماء الأفراد؛ لأنه لم يسم بهذا الاسم أناس غيره هو الوحيد الذي يسمى بهذا الاسم في رجال أصحاب الكتب الستة، فهو من الأسماء القليلة في الرجال.وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي البغلاني، فاسمه واسم أبيه واسم جده على صيغة واحدة، فكلها على وزن فعيل، والبغلاني نسبة إلى قرية بغلان؛ لأنها من قرى بلخ من بلاد خراسان.وهو من الثقات الأثبات، ولهذا قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة, ثبت، وقد أكثر عنه النسائي ، وروى عنه غيره من أصحاب الكتب الستة كما ذكرت ذلك. ترجمة سفيان بن عيينة قوله: [حدثنا سفيان].كان سفيان بن عيينة أولاً كوفياً ثم صار مكياً، ولهذا يقال في نسبته: الكوفي, ثم المكي، يعني: أن أول أمره كان بالكوفة, ثم تحول منها إلى مكة، وكلمة (ثم) يؤتى بها بين البلدان عند النسبة إذا كان في أول الأمر في بلد ثم تحول إلى بلد آخر، فيؤتى بالنسبتين مفصولاً بينهما بـ (ثم)، ومنه يعرف النسبة المتقدمة والمتأخرة؛ لأن كلمة (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي؛ لأن معناها أن الثاني عقب الأول، وأما الواو فلا تقتضي الترتيب؛ لأنه قد يذكر المتقدم قبل المتأخر، أو المتأخر قبل المتقدم، لكن إذا جاءت (ثم) فمعناها أن الذي بعد (ثم) متأخر عن الذي قبلها، فإذا قيل: الكوفي ثم المكي, فمعناه أنه كان أولاً من أهل الكوفة, ثم كان بعد ذلك من أهل مكة، ونسبته الأخيرة إلى مكة، ولهذا الإمام البخاري رحمة الله عليه لما روى في صحيحه, كان أول حديث فيه عن عبد الله بن الزبير الحميدي المكي عن سفيان بن عيينة المكي ، فأول الرجال الذين روى عنهم في كتابه من أهل مكة، فـسفيان بن عيينة هذا في آخر أمره كان من أهل مكة.والطريقة التي كانوا يعولون عليها في النسبة إذا تحول الإنسان من بلد إلى بلد, كما قال النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات: إن الإنسان إذا مكث في بلد أربع سنوات صح أن ينسب إليها، وأن هذا مما يعتبرونه عند ملاحظة النسبة إذا كانت أربع سنوات فأكثر. وسفيان بن عيينة من الحفاظ، وصفه الحافظ ابن حجر في كتاب التقريب فقال: ثقة, حافظ, إمام, حجة، وفي وصف آخر: ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، خمس صفات.وهو هنا جاء غير منسوب، قال: حدثنا سفيان ولكن هو يروي عن الزهري، وهو معروف بالرواية عن الزهري، ولهذا إذا أطلق غير منسوب فإنه يراد به سفيان بن عيينة؛ لكثرة روايته عنه، وسفيان الثوري روى عن الزهري وهو أقدم منه؛ لأنه مات قبله بفترة، ولكن الذي عرف بالرواية عنه وأكثر من الرواية عنه هو سفيان بن عيينة، ولهذا من الطرق عند المحدثين: أنه إذا ذكر الشخص غير منسوب وكان محتملاً لعدة أشخاص فإنه يعرف ويعين بشيخه إذا كان مكثراً عنه، ويحمل على من كان مكثراً عن الشيخ، فمثلاً: سفيان جاء هنا غير منسوب، فلم ينسب إلى ابن عيينة, ولا إلى الثوري ، وكل منهما من تلاميذ الزهري، لكن أيهما يعرف بأنه هو الذي في الإسناد؟ الجواب: يعرف بمعرفة من كان أكثر رواية وأكثر ملازمة، ولما كان سفيان بن عيينة أكثر ملازمة للزهري وأكثر رواية عنه فإنه يحمل على أنه ابن عيينة وليس الثوري، وإن كان الثوري من تلاميذ الزهري ، لكن كما هو معلوم إذا كان الشخص المهمل يدور بين شخصين وكل منهما ثقة، حتى ولو لم يعرف أيهما, فإنه لا إشكال؛ لأنه كيفما دار دار على ثقة، وإنما المحذور لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً وكان الأمر ملتبساً؛ عند ذلك قد يكون هو الضعيف فلا يعول عليه.ثم إن أسانيد سفيان بن عيينة عن الزهري عالية جداً؛ لأن الزهري توفي سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، وسفيان بن عيينة أكثر من الرواية عن الزهري, وعاش بعده مدة طويلة حيث كانت وفاته سنة مائة وثمان وتسعين، فمن هنا يحصل العلو في الأسانيد. والزهري يعتبر من صغار التابعين من طبقة الأعمش, وطبقة يحيى بن سعيد الأنصاري، فهؤلاء يعتبرون من صغار التابعين، ومع ذلك فهذا الذي توفي سنة مائة وثمان وتسعين أكثر من الرواية عن هذا الذي توفي في سنة مائة وخمس وعشرين.وابن عيينة موصوف بالتدليس قليلاً، ولهذا قال الحافظ: ربما دلس، لكن المعروف من طريقته أنه لا يدلس إلا عن ثقة. ترجمة الزهري قوله: [عن الزهري] هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده كلاب؛ لأن الرسول نسبه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.وهو زهري ينسب إلى جده زهرة الذي هو ابن كلاب، والذي هو أخو قصي، فهو مشهور بهذه النسبة الذي يقال له: الزهري .كما أنه اشتهر بنسبته إلى أحد أجداده وهو شهاب، فيقال: ابن شهاب، ويقال: الزهري، هذا هو الذي اشتهر به.والزهري هذا هو الذي قيل: إنه أول من جمع السنة بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروالزهري عاش بعد عمر بن عبد العزيز رحمه الله ثلاثاً وعشرين سنة أو أربعاً وعشرين سنة؛ لأنه توفي -كما ذكرت- سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، وأما الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فكانت وفاته سنة مائة وواحد من الهجرة. ومن المعلوم أنه أول من بدأها بطريقة رسمية، وبتكليف من ولي الأمر، أما كون الحديث يدون فالصحابة كان منهم من يدون كـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه, فإنه كان يكتب، وأبو هريرة رضي الله عنه يقول: (ما أعلم أحداً أكثر مني حديثاً إلا ما كان مع عبد الله بن عمرو, فإنه يكتب ولا أكتب) فإنهم كانوا يدونون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الزهري هو أول من قام بجمعها بتكليف من الخليفة والوالي؛ بعدما خيف اندثارها وذهابها بذهاب أهلها وذهاب حملتها ونقلتها، فأمر عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة وتدوينها وكتابتها حتى لا تموت بموت أهلها، وحتى لا تذهب بموت أهلها.و الزهري من الحفاظ, الأثبات, المتقنين، ومن المعروفين بالجد والاجتهاد في تحصيل الحديث، ولهذا ذكروا في ترجمته أنه كان يعكف على كتبه ويشتغل بها كثيراً، وكانت زوجته تقول: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر؛ لكثرة انشغاله بها واعتنائه بالحديث, وتدوين الحديث وعكوفه على ذلك, وهو إمام, مشهور, يعتبر من طبقة صغار التابعين. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
|
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) (4) ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن قوله: [عن أبي سلمة].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من التابعين، وقيل: إن اسمه كنيته، وقيل: إنه كنية وله اسم آخر غير هذا، لكنه مشهور بهذا, وسواء قيل: إنه اسم, أو قيل: إنه كنية, فهو إنما اشتهر بهذا اللفظ الذي هو أبو سلمة .وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال, بأن الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة في زمن التابعين، وكلهم في عصر واحد، وانتشر عنهم العلم, واستفاد منهم طلبة العلم، وكانت وفاتهم في حدود المائة, إما قبلها وإما بعيدها، فاشتهر في المدينة سبعة فقهاء محدثون يرجع إليهم في الفقه والحديث، ستة منهم لا خلاف في عدهم من الفقهاء السبعة، وثلاثة اختلف في عدهم.و أبو سلمة هو أحد الفقهاء على أحد الأقوال، فليس متفقاً على عده من الفقهاء السبعة، وإنما الذين اتفق على عدهم من الفقهاء السبعة, هم كما ذكرهم ابن القيم في أول إعلام الموقعين في بيتين من الشعر:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةفهم: فـعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، هؤلاء ستة متفق عليهم، والسابع مختلف فيه، فـابن القيم ذكر أبا بكر سابع الفقهاء السبعة على أحد الأقوال؛ وهو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وهو الذي قال عنه: عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةوالقول الثاني: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا في الإسناد، فهو أحد الفقهاء السبعة على قول، لكن ليس متفقاً عليه أنه من الفقهاء السبعة.والقول الثالث: أنه سالم بن عبد الله بن عمر وابن عوف صحابي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. سبب إكثار أبي هريرة من الرواية عن النبي عليه السلام من المعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر في السنة السابعة، ولكنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم, وطالت حياته، والتقى بالصحابة، وكان في المدينة مقيماً, والناس يأتون إلى المدينة ويأخذون منها، فكان يأخذ عن الصحابة ويأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لازمه، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابي تحمل على أنه أخذها من الصحابة. والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي البحر, يعني: ابن عباس، ويصح أن يقال: البحر أو الحبر؛ لأنه يقال له: بحر ويقال له: الحبر.وقوله: ... كالخدري هو أبو سعيد الخدري. (وجابر وزوجة النبي) هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، فهؤلاء هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله، وحفظ عنهم من الحديث أكثر مما حفظ عن غيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عن الجميع. فهؤلاء هم رجال هذا الإسناد: قتيبة بن سعيد ، وسفيان بن عيينة ، والزهري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين. وفي أول الإسناد يقول النسائي : (أخبرنا)، وقد عرفنا أن هذه الطريقة هي التي يستعملها أبو عبد الرحمن النسائي في كتابه وهي: (أخبرنا)، وذكرت سابقاً أن العلماء منهم من لا يفرق بين (حدثنا) و(أخبرنا), ويستعمل الصيغتين في السماع وفي العرض الذي هو القراءة على الشيخ، وهذا هو صنيع النسائي ، ومنهم من يفرق بينهما، فيستعمل: (حدثنا) في ما سمع من الشيخ، و(أخبرنا) في ما قرئ على الشيخ والتلميذ يسمع. و النسائي يشبه البخاري في كثرة التراجم, وكثرة إيراد الحديث على تراجم مختلفة متعددة؛ ليستدل به على الترجمة، ففيه شبه من البخاري في كثرة التراجم، ولكن النسائي قليلاً ما يستعمل كلمة: (باب)، وأكثر استعماله ذكر الترجمة بدون: (باب)، فيقول: تأويل قول الله عز وجل، وغير ذلك، بدون كلمة: (باب)، وأحياناً يأتي بكلمة: (باب) ولكن كثرة هذه التراجم, وإيراد الحديث بطرق متعددة ذلك ليستدل به على موضوعات مختلفة, يعبر عنها بتلك التراجم. شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه...) والحديث يقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) هذا هو الحديث الذي أورده تحت هذه الترجمة، وقد ذكرت في أول الدرس أن سنن النسائي في بعض النسخ ليس فيها ذكر كتاب، وإنما فيه ذكر هذه الترجمة التي هي تشبه الكتاب؛ لأنه قال: تأويل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6]، فهي ترجمة عامة يدخل تحتها الطهارة، ويدخل تحتها الوضوء وما يتبع الوضوء من سنن، فهي على بعض النسخ التي ليس فيها ذكر: (كتاب) بمثابة الكتاب، والحديث الذي أورد تحتها هو مما يحصل عند الوضوء، وكذلك غير الوضوء؛ لأن المقصود إذا قام الإنسان من نومه فلا يغمس يده في الإناء، فلا إذا كان يريد أن يتوضأ, ولا إذا كان يريد ألا يتوضأ، يعني: لا يغمس يده في الإناء إذا قام من النوم حتى يغسلها ثلاثاً. قوله عليه السلام: (فلا يغمس يده في وضوئه). وفي بعض الروايات: (في الإناء) يعني: الإناء الذي يتوضأ به، الإناء المشتمل على ماء الوضوء، ومن المعلوم أن الوضوء بفتح الواو لها معنىً غير معنى الوضوء بضم الواو، وهناك صيغ أخرى تشبه هذه الصيغة، فإن ما كان بفتح الواو فهو الماء الذي يراد أن يتوضأ منه، فماء الوضوء يقال له: وَضوء، وفعل الوضوء يقال له: وُضوء، كون الإنسان يأخذ, ويتوضأ, ويغسل؛ فالعملية هذه يقال لها: وُضوء بضم الواو، وأما نفس الماء الذي خصص للوضوء فيقال له: وَضوء، (دعا بوضوء) يعني: دعا بماء يتوضأ به.وفي حديث عثمان قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) المقصود به: العمل والفعل، فإذاً: وَضوء بفتح الواو يراد به الماء الذي يتوضأ به، والوُضوء بالضم يراد به, فعل الوضوء، ولهذا اللفظ أشياء تماثله، مثل: السَّحور والسُّحور، فإن السَّحور اسم للطعام الذي يؤكل في السحر لمن يريد أن يصوم، والسُّحور هو: الأكل، حصول الأكل، وكذلك الطَّهور مثل الوَضوء, فالطَهور والوُضوء بفتح الطاء لما يتطهر به، وبضمها فعل التطهر، كما في الحديث: (الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)، وكذلك أيضاً الصَّعوط والصُّعوط لما يستصعط في الأنف، الذي هو الفعل يقال له: فعول، وكذلك الوَجور والوُجور، الوَجور وهو الذي يوضع في الفم يقال له: وَجور، والفعل يقال له: وُجور، فهذه كلمات متشابهة متماثلة، تأتي على صيغتين بالفتح وبالضم، فما كان منها بالفتح فهو اسم للشيء الذي يستعمل، وما كان بالضم فهو اسم للاستعمال.قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً) يعني: أنه يغسلها خارج الإناء، فيفرغ من الإناء على يديه فيغسلهما ثلاثاً، ثم بعد ذلك يغمس يده في الإناء ويأخذ لغسل وجهه, وغسل يديه, وغسل رجليه, ومسح رأسه؛ لأن المطلوب أن يفعل ذلك قبل أن يبدأ، وقد علل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) وهذا تعليل, يعني: احتمال أن يكون حصل لها نجاسة، والنجاسة غير متحققة، لكن هذا من الاحتياط، ولهذا اختلف العلماء في هذا الحكم, هل هو للوجوب أو للاستحباب، يعني: كونها تغسل خارج الإناء وجوباً, أو استحباباً. من العلماء من قال: إنه مستحب، وأن هذا من باب الآداب والاحتياط، ومنهم من قال: إنه واجب، وأن من لم يفعل ذلك يأثم، هذا هو معنى كونه واجباً، وأما إذا كان مستحباً فإنه إذا لم يفعل ذلك فإنه لا يأثم، ولكنه خالف الأولى، ولم يحسن الأدب الذي ينبغي أن يستعمله الإنسان، وهو الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والأحوط والأظهر: أن الإنسان لا يقدم على غمس يديه في الإناء عندما يقوم من النوم, إلا وقد غسلهما خارج الإناء، وأنه يأثم لو لم يفعل ذلك؛ لأن فيه مخالفة، لكن لا يقال: إن الماء يتنجس؛ لأنه ما تحقق النجاسة في اليد. وقيل في تعليل توجيه هذا: أن أهل الحجاز وبلادهم حارة, فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أن النجاسة قد تتجاوز موضع الخروج وقد لا تتعدى موضع الخروج، فالنجاسة إذا لم تتعد موضع الخروج فيكفي الاستجمار، وأما إن خرج وتجاوزه إلى مكان آخر من الجسد غير موضع الخروج فهذا يحتاج إلى الاستنجاء بالماء، فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أنه قد يتجاوز الخارج موضع العادة، فإذا استجمر الإنسان ونام وأصابه عرق, فإنه قد يلمس الموضع الذي أصابته النجاسة, فتعلق النجاسة بيده بسبب العرق الذي حصل. وقيل: إن هذا هو التوجيه، وأن هذا فيه احتمال النجاسة، يعني: إذا نام، أما إذا كان الإنسان مستيقظاً فإنه يتصرف في يده ويعرف أين تذهب، وإذا كان في يده عرق ولمس مكان الخروج أو الأماكن التي حول الخروج وقد تجاوزتها النجاسة فعلق بها شيء من النجاسة، فالإنسان في حال الاستيقاظ يدري أنه يحتاج إلى أنه يغسل؛ لأنه يعرف بأنه مس الشيء الذي هو مظنة النجاسة، أما إذا كان نائماً فإنه لا يدري، قد تكون يده ذهبت إلى ذلك المكان الذي به النجاسة، أو قد تكون به النجاسة، وقد لا تكون ذهبت، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده). ومن العلماء من يقول: إن الحكم بالوجوب مقيد بنوم الليل، ولهذا جاء التعبير بالبيات: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).ومنهم من يقول: إنه لا يتقيد بنوم الليل، بل يبقى على إطلاقه، وكلمة (بات) قد تستعمل لغير المبيت بالليل، يقال: بات فلان يعمل كذا وكذا, وقد يستعمل في النهار، يقال: بات، إذا كان مكثراً منه, أو مشتغلاً به. فمنهم من قال: إنه خاص بنوم الليل، ومنهم من يقول: إنه عام في النوم؛ لأن التعليل لا يخص نوم الليل، بل الإنسان إذا نام في الليل والنهار لا يدري أين باتت يده، ولا يدري أين ذهبت يده, فلا يكون ذلك خاصاً بنوم الليل، بل يشمل نوم الليل ونوم النهار.وكما قلت: الإنسان يأثم والطهارة تصح، والماء لا يقال: إنه تنجس؛ لأن النجاسة ما تحققت، ولكن القول الأولى والذي هو الأحوط هو أن الإنسان لا يقدم على غمسها في الإناء إذا استيقظ من النوم, إلا بعد أن يغسلها ثلاثاً كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. الأسئلة دفع إشكال أن أبا هريرة أكثر الرواة حديثاً مع كونه أسلم متأخراً السؤال: هناك من يتكلم في مرويات أبي هريرة رضي الله عنه بسبب تأخر إسلامه، فما قولكم في هذا؟ الجواب: ما يتكلم في مرويات أبي هريرة، لكونه تأخر إسلامه إلا أهل البدع أو أهل الهوى، وإلا فإن الصحابة رضي الله عنهم والأمة قد قبلت مروياته، بل أكثر السنة من مروياته، وأكثر الأحاديث من مرويات أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والمعروف أن الذين يقدحون به هم أهل البدع, مثل: الرافضة الذين يكرهون أبا هريرة ويكرهون غيره من الصحابة، ولهذا يأتون بمثل هذا الكلام السيئ, وهو كون أبي هريرة متأخراً إسلامه وغيره من كبار الصحابة مثل أبي بكر , وعمر , وعثمان , وعلي أقل منه حديثاً مع أنهم من أول من أسلم، ما علموا أو علموا ولكنهم تجاهلوا بقصدهم السوء والإفساد والتشويش.ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه فيه عوامل عديدة جعلت حديثه يكثر، وجعلت الناس يأخذون عنه كثيراً؛ أولاً: من ناحية تحمله، لكونه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم.أما من ناحية كثرة الرواية عنه فكونه في المدينة، وكونه عاش مدة طويلة؛ لأنه في حدود الستين كانت وفاته، يعني: عاش بعد الرسول صلى الله عليه وسلم حدود الخمسين سنة، أما أبو بكر, وعمر, وعثمان, وبعض الصحابة الذين هم أقل حديثاً منه فقد كانت وفاتهم متقدمة، ثم فيهم من كان مشغولاً بالولاية، ومشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة رضي الله عنه فما عنده إلا الأخذ والإعطاء، وعنده التحمل والتحميل، ثم كونه عاش بالمدينة، والمدينة الناس يأتون إليها، يردون ويصدرون، وإذا جاءوا يأتون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وأبو هريرة موجود في المدينة، فهذا من أسباب كثرة الرواية عنه وكثرة حديثه.والذي يتكلم فيه لا يضر أبا هريرة ، وإنما يضر المتكلم، وكما يقولون: كم من كلمة قالت لصاحبها: دعني، فالإنسان يتكلم بكلمة وكان ينبغي له ألا يتكلم بها، وكأن الكلمة تناديه وهي تقول له: دعني قبل أن ينطق بها؛ لأن النطق بها ليس بحسن، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في الحديث الصحيح: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .والحافظ ابن حجر رحمه الله لما ذكر كلام بعض الحنفية المتعصبين الذين تكلموا في حديث المصراة من أجل أنه من حديث أبي هريرة ، قال: وقائل هذا الكلام ما ضر إلا نفسه، ثم نقل عن أبي المظفر السمعاني في رده على أبي زيد الدبوسي فقال: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (6) - (باب السواك إذا قام من الليل) إلى (باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟) وأما تخريج الحديث فقد خرجه جماعة كثيرون، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة: البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، بل إن المعلق على جامع العلوم والحكم -وهو الشيخ شعيب الأرناءوط - ذكر تخريجه عن تسعة عشر إماماً، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة، وفي مقدمة الذين خرجوه البخاري و مسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.والإمام النووي رحمه الله لما ذكر الحديث عازياًَ إليهما ذكر ذلك في أول الأمر فقال: (رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي ) ، ونسبته إلى الجعفي نسبة ولاء، ونسبة الولاء تكون أحياناً بالعتق، وتكون -أيضاً- بسبب الإسلام، ونسبة البخاري إلى الجعفيين نسبة ولاء بسبب الإسلام؛ لأن أحد أجداده دخل في الإسلام على يد رجل من الجعفيين، ولهذا يقولون في ترجمته: الجفعي مولاهم. وأما مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري فهو قشيري، وهو منهم نسبة أصل وليست نسبة ولاء، ولهذا يقولون عنه: القشيري من أنفسهم، فإذا كان الشخص ينسب نسبة ولاء قالوا: مولاهم. وإذا كان فيهم أصلاً أتوا بكلمة (من أنفسهم) أي أنه ينتسب إليهم نسبة أصل، وليست نسبة ولاء، فـمسلم بن الحجاج من بني قشير، وأما البخاري فنسبته إلى الجعفيين نسبة ولاء، وليست نسبة أصل. وهذا الحديث من غرائب (صحيح البخاري )، فقد جاء من طريق واحدة، فهو فرد مطلق، فرواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي ، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي ، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم كثر الآخذون والراوون له عن يحيى بن سعيد حتى قيل: إن الذين رووه عنه يبلغون السبعين وقيل: إنهم يبلغون المائتين. وقيل: أكثر من ذلك. وهو غريب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يحيى بن سعيد . ومثله الحديث الذي ختم به البخاري (صحيحه)، وهو حديث أبي هريرة (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فإنه -أيضاً- غريب، فلم يروه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا أبو هريرة ، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير ، ولم يروه عن أبي زرعة إلا عمارة بن القعقاع ، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل بن غزوان ، ثم انتشر بعد ذلك وكثر الآخذون والراوون له عن محمد بن فضيل بن غزوان ، ففاتحة صحيح البخاري وخاتمته حديثان من غرائب الصحيح، فلم يأتيا إلا من طريق واحدة، وقد قال الترمذي عندما خرج الحديث الأخير في جامعه -وهو: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ..)- قال: حديث حسن غريب صحيح. ويعني بقوله: (غريب) أنه جاء من طريق واحدة.وقد افتتح البخاري -رحمه الله- صحيحه بحديث عمر السابق، وكذلك الإمام النووي رحمه الله بدأ به الأربعين إشارة إلى تصحيح النية، وأن الإنسان إذا عمل عملاً فإنه يستحضر الإخلاص، ويستحضر حسن القصد، وأن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله، وابتغاء مرضاته سبحانه.فقد بدأ الأربعين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث عمر في قصة جبريل، فبدأ بأول حديث في البخاري ، وثنى بأول حديث في صحيح مسلم ، فحديث عمر الذي في قصة جبريل هو أول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، وأول حديث في صحيح البخاري هو حديث (إنما الأعمال بالنيات). وقد سبق المؤلف إلى هذا الصنيع الإمام البغوي في كتابيه (شرح السنة) و(مصابيح السنة)، فإنه بدأ كلا الكتابين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث جبريل في تعليم الدين.وكذلك -أيضاً- بدأ المؤلف كتابه (المجموع شرح المهذب) بهذا الحديث؛ لأنه بعدما انتهى من المقدمة عقد فصلاً في إخلاص النية وحسن القصد، وأن يكون ذلك في الأمور الواضحة والجلية، ثم ذكر ثلاث آيات من كتاب الله، ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب (إنما الأعمال بالنيات).وقد فعل ذلك -أيضاً- بعض المؤلفين فبدءوا بما بدأ البخاري به صحيحه، ومنهم: السيوطي ، فقد بدأ كتابه (الجامع الصغير) بهذا الحديث، وكذلك: عبد الغني المقدسي في كتابه (عمدة الأحكام)، فإنه بدأ بهذا الحديث، وكل هذا إشارة منهم إلى هذا الغرض النبيل الذي هو حسن القصد، والبدء بشيء يذكر الإنسان وهو يعمل عملاً ما بضرورة الإخلاص وحسن النية، وأن يريد الإنسان بعمله ذلك وجه الله عز وجل والتقرب إليه سبحانه وتعالى. السواك إذا قام من الليل شرح حديث: (كان رسول الله إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السواك إذا قام من الليل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وقتيبة بن سعيد عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) ].هنا أورد النسائي رحمة الله عليه عدة أبواب تتعلق بالسواك، وأولها: باب السواك إذا قام من الليل.أي: أنه يُستحب السواك إذا قام الإنسان من نوم الليل؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ومن المعلوم أن السواك فيه تطهير وفيه تنظيف، ومن المعلوم أن الطهارة منها ما هو مستحب، ومنها ما هو متعين والسواك من الأمور المستحبة للصلاة ولغير الصلاة.وهذه الترجمة تتعلق بما إذا قام من الليل فإنه يستاك؛ وذلك لأن الإنسان إذا نام هذه المدة الطويلة فإنه يمسك فيها عن الحركة وعن الكلام, فيحصل شيء من الروائح التي تتصاعد من الجوف، فإذا أتى بعد النوم بالسواك يكون في ذلك تنظيف وتطهير وحصول رائحة طيبة بدل الرائحة الكريهة التي جاءت بعد طول المكث، فشرع الاستياك عند القيام من النوم؛ لتحقيق هذه المصلحة, وتحصيل هذه الفائدة.وكما جاء في الحديث الذي سيأتي: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) يعني: فيه تطهير للفم وتنظيف له, وإبقاء على الأسنان نظيفة وحصول الرائحة الطيبة بسبب الاستياك، فمشروعية السواك في هذا الوقت تحقق هذه المصلحة, وتحقق هذه الفائدة التي يستفاد حكمها من فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وقوله: (يشوص فاه بالسواك) يعني: يدلك فاه بالسواك؛ ويدلك أسنانه بالسواك؛ حتى تذهب الرائحة الغير الحسنة, ويحل محلها الرائحة الطيبة.وكلمة (كان) تستعمل غالباً لما حصلت المداومة عليه، وكان يفعل كذا؛ معناه: أنه يداوم عليه؛ لكن هذا ليس بمطرد، فقد تأتي (كان) ولا تفيد المداومة، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما حج إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع، فقولها: (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) تعني: مرة واحدة، وليست مرات كثيرة؛ لأن الرسول ما حج حجات كثيرة حتى يقال: إنه في كل حجة من الحجات عندما يريد أن يطوف بالبيت بعدما يتحلل التحلل الأول أنها كانت تطيبه.فهذا يدل على أن (كان) قد تأتي أحياناً ولا يراد بها المداومة، مثل هذا الموضع الذي لا يقبل المداومة، ولا مجال للمداومة فيه؛ لأنه ما حصل إلا مرة واحدة منها.أما بالنسبة للعمرة أو للإحرام فالرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر مرات، لكنه ما حج إلا مرة واحدة، فقولها: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت) أي: أنها ما طيبته إلا مرة واحدة، لكن الغالب على (كان) هو استعمالها فيما يفيد المداومة. تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وقتيبة بن سعيد].وقتيبة بن سعيد هو شيخه في الإسناد الأول، وهنا ذكر الحديث عن شيخين هما: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه الإمام المعروف, وقتيبة بن سعيد ، ولا أعرف طريقة النسائي عندما يروي الحديث عن شيخين؟ ولا اللفظ لأيهما؟ أما البخاري فقد عرف أن طريقته إذا أورد الحديث عن شيخين فاللفظ الذي يذكره للثاني منهما وليس للأول، أما النسائي فأورد الحديث عن شيخين, ولكن حتى الآن لا ندري ما هي طريقة النسائي في صاحب المتن من شيوخه الذين يذكرهم ويقرن بينهم؟ ولا ندري لأيهم اللفظ؟ وإسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي , وهو: ابن راهويه ، وهو إمام من الأئمة الحفاظ المتقنين، وله مسند فيه أحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف من طريقته أنه يستعمل (أخبرنا)، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أنه عندما يأتي إسحاق غير منسوب يحتمل ابن راهويه ويحتمل غيره، فإذا كان الحديث أو الإسناد فيه تعبير بأخبرنا, فإنه غالباً ما يكون ابن راهويه؛ لأنه معروف من عادته أنه يعبر بأخبرنا، وقد يستعمل (حدثنا)، لكن هذا هو الغالب على عادته.[عن جرير].وجرير هنا غير منسوب، وهو جرير بن عبد الحميد وهو من الثقات, الحفاظ.[ عن منصور].هو ابن المعتمر وهو من الثقات, الحفاظ.[عن أبي وائل].هو شقيق، وهو معروف, مشهور بكنيته , ومشهور باسمه، ولهذا أحياناً يأتي ذكره أبو وائل بالكنية، وأحياناً يأتي باسمه فيقال: شقيق، وهو هو، إلا أنه أحياناً يذكر باسمه وأحياناً بكنيته، وهذه من الأمور المهمة كون الإنسان الذي عرف بكنيته يعرف باسمه أو العكس؛ حتى إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته لا يقال: هذا غير هذا، بل يعلم أن هذا هو هذا، ولكنه مرة جاء في الإسناد مذكوراً بالاسم، ومرة جاء في الإسناد مذكوراً بالكنية.[ عن حذيفة ].هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان عنده علم عن المنافقين، وهو الذي كان يقال له: صاحب السر أي: الذي أسر له بالمنافقين، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه. كيف يستاك شرح حديث أبي موسى الأشعري: (دخلت على رسول الله وهو يستن وطرف السواك على لسانه...) قال المصنف رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن عبدة عن حماد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستن، وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: عأ عأ).هنا أورد النسائي رحمة الله عليه: باب كيف يستاك.أورد فيه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وهو (أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستن, وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: عأ عأ) والمقصود بـ(يستن) أي: من الاستنان, وهو افتعال من الأسنان؛ يعني: أنه يحرك أو يدير السواك على أسنانه؛ لتحصل النظافة والنقاء، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه يخبر بأنه دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعمل هذا العمل, الذي هو الاستياك.قال: (وطرف السواك على لسانه وهو يقول: عأ عأ) ، وفي رواية للبخاري: (أع أع) ، وهناك أيضاً روايات أخرى, وكلها تحكي الصوت الذي يخرج من الفم؛ بسبب دخول السواك فيه.والحديث جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري: (دخلت على رسول الله وهو يستن وطرف السواك على لسانه...) قوله: [حدثنا أحمد بن عبدة عن حماد].هو شيخ النسائي، أحد الثقات، وحماد بن زيد شيخ شيخه، وهو أيضاً من الحفاظ، الثقات، المتقنين، وهو أحد الحمادين المشهورين بالحديث، وهما: حماد بن زيد, وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد هو الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، وروى عنه البخاري كثيراً، وأما حماد بن سلمة فقد روى له البخاري في التعاليق، وروى عنه الباقون.وبعض العلماء يفضل حماد بن سلمة على حماد بن زيد؛ وذلك لأن نسب حماد بن زيد بن درهم، وحماد بن سلمة بن دينار؛ أي: أن أحدهما وهو حماد بن سلمة جده دينار ، وحماد بن زيد جده درهم ، فبعض العلماء يقول في ترجيح أو تقديم حماد بن سلمة على حماد بن زيد : الفرق بينهما كالفرق بين الدينار والدرهم، فكلهم من الثقات الأثبات، إلا أن الإمام البخاري لم يرو عن حماد بن سلمة إلا في التعليقات, ولم يرو عنه في الأصول.وأما حماد بن زيد فقد روى عنه الجميع، فقد روى عنه البخاري في الأصول وأكثر عنه، وجاء في صحيح البخاري عنه أحاديث كثيرة.[عن غيلان بن جرير].هو غيلان بن جرير الضبي وهو أيضاً من الثقات.[عن أبي بردة].هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو مشهور بكنيته، ويقال: إن اسمه عامر، وقيل: الحارث، ولكنه مشهور بكنيته وهي: أبو بردة، ولم يشتهر باسمه, ويأتي كثيراً يروي عن أبيه أبي موسى الأشعري.[عن أبي موسى الأشعري].هو أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أحد الصحابة الأجلاء المشهورين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وقد علم من طريقة المحدثين أنه إذا كان الرجل ممن تشرف بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم, فإنهم لا يضيفون إليه شيئاً أكثر من كونه صحابياً، إلا إذا أرادوا أن يبينوا كونه مكثراً, أو كونه بدرياً، أو كونه من أهل بيعة الرضوان، أو ما إلى ذلك من الصفات، أما من حيث التعديل والتوثيق فلا يحتاجون إلى تعديل أو توثيق؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد عدلهم وأثنى عليهم في كتابه, وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فليسوا بحاجة إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين بعد أن حصل لهم التعديل, وحصل لهم الثناء من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.ولهذا يكفي عن الصحابي أن يقال: إنه صحابي، وإذا كان مجهولاً ولا يعرف شخصه، ولكن عرف بأنه صحابي، فإن ذلك أيضاً لا يؤثر، بخلاف الجهالة في غير الصحابة فإنها تؤثر، ولا يعول على الإسناد، أما بالنسبة للصحابة فالمجهول فيهم لا تؤثر فيه الجهالة، ويكفي أن يقول التابعي: عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما الذين يحتاجون إلى معرفة, ويحتاجون إلى تعديل وتوثيق فهم من دون الصحابة، أما الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهم لا يحتاجون إلى هذا، بل يكفي الواحد منهم أن يقال: إنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا عند التراجم يقال عنه: صحابي، ولا يضاف إليه شيء آخر بأن يقال: ثقة, أو أن يقال: متقن, أو أن يقال: حافظ, أو أن يقال: كذا، فهؤلاء أبداً لا يحتاجون إلى شيء منه بعد تعديل الله عز وجل لهم وثنائه سبحانه وتعالى، وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| شرح أسماء الله الحسنى للشيخ سعيد بن وهف القحطاني رحمه الله ... | السليماني | ملتقى الكتب الإسلامية | 5 | 01-05-2026 02:52 PM |
| من سنن العدل الإلهي في معاملة العباد | امانى يسرى محمد | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 2 | 09-15-2025 06:58 AM |
| شرح كتاب تطهير الإعتقاد عن أدران الإلحاد – الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر | أبو طلحة | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 2 | 07-31-2023 11:53 AM |
| شرح كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد – الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله | أبو طلحة | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 1 | 06-06-2022 05:39 PM |
| تسجيلات شرح كتاب فقه السنة للسيد سابق رحمه الله مع الشيخ // أحمد رزوق حفظة الله | ابو عبد الله | قسم غرفة أحبة القرآن الصوتية | 2 | 04-02-2012 06:44 AM |
|
|