القول السديد في فضل الصلاة في الفلاة
د. فهد بن ابراهيم الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد:
فقد استمعتُ إلى مقطعٍ لأحد الدعاة يتحدث فيه عن فضل الصلاة في الفلاة، ومما ذكر:
• قوله: "إذا خرج أحدكم للبر فليحرص أن يصلي في البر".
وأقول: ذكر العلماء أن هذا الفضل الوارد في الصلاة في الفلاة إذا كانت الصلاة جماعة، وفي سفر، ولا يسمعون النداء للصلاة، أما المنفرد فلا ينطبق عليه الفضل الوارد في الحديث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الصَّلاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلاةً"؛ رواه أبو داود. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عَبْدُالْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ فِي الْحَدِيثِ: "صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الْفَلاةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ".
قال العيني في عمدة القاري (5 /166): "والمعنى يحصل له في الصلاة مع الجماعة؛ لأن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، فإذا صلاها منفردًا لا يحصل له هذا التضعيف، وإنما يحصل له إذا صلاها مع الجماعة خمسة وعشرون لأجل أنه صلاها مع الجماعة، وخمسة وعشرون أخرى للتي هي ضعف تلك لأجل أنه أتم ركوع صلاته وسجودها وهو في السفر الذي هو مظنة التخفيف".
وقال المناوي في فيض القدير (4 /245): "الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة؛ أي: بلغ ثوابها ثواب خمسين صلاة صلاها بدون ذلك، وظاهره أن الصلاة مع الانفراد في الفلاة مع الإتيان بكمالاتها يضاعف ثوابها على ثواب صلاة الجماعة ضعفين، وكان وجهه أنه إذا كان في الفلاة منفردًا مع إتمام الأركان وتوفر الخشوع وغير ذلك من المكملات يحضره من الملائكة ومؤمني الجن ما لا يحصى، ولم أرَ مَن قال بذلك".
وقال الشوكاني في النيل (3 /158): "والحديث يدل على أفضلية الصلاة في الفلاة مع تمام الركوع والسجود وأنها تعدل خمسين صلاة في جماعة كما في رواية عبدالواحد، وعلى هذا الصلاة في الفلاة تعدل ألف صلاة ومائتين وخمسين صلاة جماعة، وهذا إن كانت صلاة الجماعة تتضاعف إلى خمسة وعشرين ضعفًا فقط، فإن كانت تتضاعف إلى سبعة وعشرين كما تقدم، فالصلاة في الفلاة تعدل ألفًا وثلاثمائة وخمسين صلاة، وهذا على فرض أن المصلي في الفلاة صلى منفردًا، فإن صلى في جماعة تضاعف العدد المذكور بحسب تضاعف صلاة الجماعة على الانفراد وفضل الله واسع".
• قوله: "لأن الصلاة في البر وفي الصحراء وفي الفلاة وفي القفار أحبُّ إلى الله عز وجل من الصلاة في الحضر".
وأقول: وهذا لا دليل عليه- فيما أعلم-؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصَّلاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلاةً"؛ رواه أبو داود. ولم يقل: "أحب إلى الله"، بل قال: "بلغت خمسين صلاة"، ولو كانت أحب إلى الله لذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فقد وردت عدة أحاديث ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم لفظة "أحب إلى الله"، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله"؛ [متفق عليه]، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: "أحب الأديان إلى الله تعالى: الحنيفية السَّمْحَة"؛ رواه أحمد وحسَّنه الألباني.
• قوله: "والسبب في ذلك أن الإنسان يكون بعيدًا عن الرياء، وأنه يذكر الله في مكان لا يذكر الله عز وجل فيه".
وأقول: إن الأشجار والأحجار والطيور والحيوانات كلها تسبح الله وتذكره، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، وقد ذكر العلماء أن الحكمة في ذلك هي أن السفر مظنة التعب والمشقة، وكذلك مظنة الخوف، قال الشوكاني في النيل (٣/١٥٨): "الحكمة في اختصاص صلاة الفلاة بهذه المزية، ميزمنها:
الأولى: أن المصلي فيها يكون في الغالب مسافرًا، والسفر مظنة المشقة، فإذا صلاها المسافر مع حصول المشقة تضاعفت إلى ذلك المقدار.
الثانية: الفلاة في الغالب من مواطن الخوف والفزع لما جُبِلت عليه الطباع البشرية من التوحش، ثم مفارقة النوع مع ذلك على الصلاة أمر لا يناله إلا مَن بلغ في التقوى إلى حد يقصر عنه كثير من أهل الإقبال والقبول.
الثالثة: في مثل هذا الموطن تنقطع الوساوس التي تقود إلى الرياء، فإيقاع الصلاة فيها شأن أهل الإخلاص، ومن ههنا كانت صلاة الرجل في البيت المظلم الذي لا يراه فيه أحد إلا الله- عز وجل- أفضل الصلوات على الإطلاق، وليس ذلك إلا لانقطاع حبائل الرياء الشيطانية التي يقتنص بها كثيرًا من المتعبدين، فكيف لا تكون صلاة الفلاة مع انقطاع تلك الحبائل وانضمام ما سلف إلى ذلك بهذه المنزلة"؛ اهـ.
هذا ما تيسَّر لي ذكره في هذه المسألة، وبيان معنى الحديث الوارد في فضل الصلاة في الفلاة، بعون الله تعالى وتوفيقه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.