استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية
ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية فتاوى وأحكام و تشريعات وفقاً لمنهج أهل السنة والجماعة
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-26-2025, 09:43 PM   #1
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 96

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي الخوف والرجاء

      

الخوف من الله عز وجل ورجاؤه سبحانه مبني على محبته تعالى؛ ولهذا حَثَّنا الله عز وجل على فعل الطاعات، وبَيَّن لنا فضلها وثوابها وثمراتها لنكثر منها، حتى إن العبد يسمو بها إلى الدرجات العالية والمنزلة الرفيعة عند الله عز وجل.


ووصف لنا ربنا عز وجل الجنة وما فيها من أنواع النعيم والكرامة:

• عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين"[1].



وفي القرآن الكريم من وصف الجنة ما لا مزيد عليه، وقد حذرنا الله عز وجل من معصيته، وبَيَّن لنا عاقبة مَنْ عصاه وتمرَّد عليه، وإثم من عصى، وأثر تلك المعاصي في قلب العبد وعمله حتى نبتعد عن كل ما فيه مضرة لنا في الدنيا والآخرة.



كل هذا حتى يكون العبد دائمًا بين الخوف والرجاء، لا يأمن عذاب، ولا ييأس من رحمة الله عز وجل.



﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ [المعارج: 27].


﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [فصلت: 43].


﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الرعد: 6].


﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40].


﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ [البروج: 12].


﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [آل عمران: 28].


﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34 - 37].



﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1، 2]. ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [الرحمن: 46].


وقد جاء من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يثمر في قلب المرء الخوف من الله عز وجل وخشيته لله تعالى حق خشيته:

• عن شقيق، عن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها"[2].


• عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا"[3].


• عن أنس رضي الله عنه، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبةً ما سمعت مثلها قط، قال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا"[4].


• عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحق لها أن تئطَّ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله"[5].


• عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحشرون حُفاةً عُراةً غُرْلًا" قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضُهم إلى بعض؟ فقال: "الأمر أشدُّ من أن يهمهم ذاك"[6].


• عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه؛ ينتظر أن يؤمر فينفخ؟!"، فكأن ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟! أو نقول؟! قال: "قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل"[7].



عباد الله، عن عدي بن حاتم، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة، ليس بين الله وبينه ترجمان، ثم ينظر فلا يرى شيئًا قدامه، ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة"[8].


• عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"[9].


عباد الله، إن العبد إذا علم أن الله شديد العقاب.. شديد العذاب.. ذو انتقام.. حمله على أن يخاف من الله عز وجل، فيسارع إلى العمل الذي ينجيه من عذاب الله تعالى من الإيمان والعمل الصالح، والذي ينتفع بهذه الآيات والأحاديث هم أهل الإيمان الذين:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان: 73].



﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2].


عباد الله، من أعظم الآيات رجاءً في الله عز وجل وفي دار كرامته: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].



﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110].



﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22].



فالمرء عباد الله يملأ قلبه رجاءً في الله عز وجل، وفي دار كرامته، يطمع أن يكون من أهل الجنة مع العمل الصالح، وذلك بأن الله تعالى يقبل توبة من تاب، ويقرب عبده الصالح إليه، وأن الله سبحانه وتعالى واسع الرحمة، واسع المغفرة، سبقت رحمته غضبه، أعَدَّ لأهل طاعته جنات النعيم، فيها من صنوف النعم ما فيها، ليس ذلك إلا للمتقين، واستمع- رعاك الله- لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الرجاء:

• عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي"[10].



• عن أبي صرمة، عن أبي أيوب، أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "لولا أنكم تذنبون لخَلَق اللهُ خلقًا يذنبون يغفر لهم"[11].



• عن صفوان بن محرز، قال: بينا ابن عمر يطوف إذ عرض رجل، فقال: يا أبا عبدالرحمن - أو قال: يا ابن عمر • سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يدنى المؤمن من ربه • وقال هشام: يدنو المؤمن - حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، يقول: رب أعرف مرتين، فيقول: سترتها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته"[12].



• عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة"[13].



عباد الله، عن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك"[14].



فاتقوا الله واعملوا صالحًا، وأقيموا أمر ربكم، واجتنبوا ما نهاكم عنه.



نسأل الله عز وجل أن يمنَّ علينا هدايةً من عنده، وأن يملأ قلوبنا خوفًا ورجاءً ومحبةً له.



[1] صحيح البخاري (3244).

[2] مسلم (2842).

[3] مسلم (213).

[4] البخاري (4621).

[5] ابن ماجه (4190)، وحسَّنه الألباني.

[6] البخاري (6527).

[7] الترمذي (3243)، وصححه الألباني.

[8] البخاري (6539).

[9] الترمذي (2450).

[10] البخاري (7422).

[11] مسلم (2748).

[12] البخاري (4685).

[13] الترمذي (3540)، وحسنه الألباني.

[14] البخاري (6488).




سعد محسن الشمري

شبكة الالوكة


اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع

امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2025, 08:09 PM   #2
مشرفة ملتقى الأسرة المسلمة


الصورة الرمزية ام هُمام
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 638

ام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond reputeام هُمام has a reputation beyond repute

افتراضي

      

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا
التوقيع:
بسم الله الرحمن الرحيم
  1. وَالْعَصْرِ
  2. إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ
  3. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ )

من مواضيعي في الملتقى

* التخلص من آفة الكذب
* يا قوارير..رفقا برفيق العمر
* رفقا بالقوارير أيها الرجال
* آداب النصيحة
* استعمال الصائم للسواك ومعجون الأسنان
* فضائل شهر شعبان
* آداب الدعاء

ام هُمام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-23-2026, 06:57 AM   #3
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 96

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

تفسير ابن القيم



﴿أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ یَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِیلَةَ أَیُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَیَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَیَخَافُونَ عَذَابَهُۥۤۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورࣰا﴾ [الإسراء ٥٧]


* (فائدة)

الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها وهي: الخوف، والرجاءُ، والمحبة

وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكم ولا تحويلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧]
فجمع بين المقامات الثلاثة، فإن ابتغاءَ الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه. ثم يقول: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُون عَذابَهُ)، فذكر الحب والخوف والرجاءَ، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه وأنتم وهم عبيد له؟


* (فصل)


وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الرَّجاءِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فابْتِغاءُ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ: طَلَبُ القُرْبِ مِنهُ بِالعُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ. فَذَكَرَ مَقاماتِ الإيمانِ الثَّلاثَةَ الَّتِي عَلَيْها بِناؤُهُ: الحُبَّ، والخَوْفَ، والرَّجاءَ. قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، وقالَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ».
" الرَّجاءُ " حادٍ يَحْدُو القُلُوبَ إلى بِلادِ المَحْبُوبِ. وهو اللَّهُ والدّارُ الآخِرَةُ. ويَطِيبُ لَها السَّيْرُ.
وَقِيلَ: هو الِاسْتِبْشارُ بِجُودِ وفَضْلِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى. والِارْتِياحُ لِمُطالَعَةِ كَرَمِهِ سُبْحانَهُ.
وَقِيلَ: هو الثِّقَةُ بِجُودِ الرَّبِّ تَعالى.


والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّمَنِّي أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ مَعَ الكَسَلِ. ولا يَسْلُكُ بِصاحِبِهِ طَرِيقَ الجِدِّ والِاجْتِهادِ. و" الرَّجاءُ " يَكُونُ مَعَ بَذْلِ الجُهْدِ وحُسْنِ التَّوَكُّلِ.
فالأوَّلُ كَحالِ مَن يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ أرْضٌ يَبْذُرُها ويَأْخُذُ زَرْعَها.


والثّانِي كَحالِ مَن يَشُقُّ أرْضَهُ ويَفْلَحُها ويَبْذُرُها. ويَرْجُو طُلُوعَ الزَّرْعِ.
وَلِهَذا أجْمَعَ العارِفُونَ عَلى أنَّ الرَّجاءَ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ العَمَلِ.
قالَ شاهٌ الكَرْمانِيُّ: عَلامَةُ صِحَّةِ الرَّجاءِ حُسْنُ الطّاعَةِ.
والرَّجاءُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعانِ مَحْمُودانِ، ونَوْعٌ غَرُورٌ مَذْمُومٌ.
فالأوَّلانِ رَجاءُ رَجُلٍ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ. فَهو راجٍ لِثَوابِهِ. ورَجُلٌ أذْنَبَ ذُنُوبًا ثُمَّ تابَ مِنها. فَهو راجٍ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَفْوِهِ وإحْسانِهِ وجُودِهِ وحِلْمِهِ وكَرَمِهِ.


والثّالِثُ: رَجُلٌ مُتَمادٍ في التَّفْرِيطِ والخَطايا. يَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ بِلا عَمَلٍ. فَهَذا هو الغُرُورُ والتَّمَنِّي والرَّجاءُ الكاذِبُ.


وَلِلسّالِكِ نَظَرانِ: نَظَرٌ إلى نَفْسِهِ وعُيُوبِهِ وآفاتِ عَمَلِهِ، يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الخَوْفِ إلى سِعَةِ فَضْلِ رَبِّهِ وكَرْمِهِ وبَرِّهِ. ونَظَرٌ يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الرَّجاءِ.
وَلِهَذا قِيلَ في حَدِّ الرَّجاءِ: هو النَّظَرُ إلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ: الخَوْفُ والرَّجاءُ كَجَناحَيِ الطّائِرِ إذا اسْتَوَيا اسْتَوى الطَّيْرُ وتَمَّ طَيَرانُهُ. وإذا نَقَصَ أحَدَهُما وقَعَ فِيهِ النَّقْصُ. وإذا ذَهَبا صارَ الطّائِرُ في حَدِّ المَوْتِ.


وَسُئِلَ أحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ: ما عَلامَةُ الرَّجاءِ في العَبْدِ؟ فَقالَ: أنْ يَكُونَ إذا أحاطَ بِهِ الإحْسانُ أُلْهِمَ الشُّكْرَ، راجِيًا لِتَمامِ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَمامِ عَفْوِهِ عَنْهُ في الآخِرَةِ.


واخْتَلَفُوا، أيُّ الرَّجائَيْنِ أكْمَلُ: رَجاءُ المُحْسِنِ ثَوابَ إحْسانِهِ. أوْ رَجاءُ المُسِيءِ التّائِبِ مَغْفِرَةَ رَبِّهِ وعَفْوِهِ؟
فَطائِفَةٌ رَجَّحَتْ رَجاءَ المُحْسِنِ. لِقُوَّةِ أسْبابِ الرَّجاءِ مَعَهُ. وطائِفَةٌ رَجَّحَتْ رَجاءَ المُذْنِبِ؛ لِأنَّ رَجاءَهُ مُجَرَّدٌ عَنْ عِلَّةِ رُؤْيَةِ العَمَلِ، مَقْرُونٌ بِذِلَّةِ رُؤْيَةِ الذَّنْبِ.
قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: يَكادُ رَجائِي لَكَ مَعَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجائِي لَكَ مَعَ الأعْمالِ؛ لِأنِّي أجِدُنِي أعْتَمِدُ في الأعْمالِ عَلى الإخْلاصِ، وكَيْفَ أُصَفِّيها وأُحْرِزُها؟ وأنا بِالآفاتِ مَعْرُوفٌ. وأجِدُنِي في الذُّنُوبِ أعْتَمِدُ عَلى عَفْوِكَ، وكَيْفَ لا تَغْفِرُها وأنْتَ بِالجُودِ مَوْصُوفٌ؟
وَقالَ أيْضًا: إلَهِي، أحْلى العَطايا في قَلْبِي رَجاؤُكَ. وأعْذَبُ الكَلامِ عَلى لِسانِي ثَناؤُكَ. وأحَبُّ السّاعاتِ إلَيَّ ساعَةٌ يَكُونُ فِيها لِقاؤُكَ.
* (فصل)
والرَّجاءُ مِن أجَلِّ مَنازِلِهِمْ، وأعْلاها وأشْرَفِها. وعَلَيْهِ وعَلى الحُبِّ والخَوْفِ مَدارُ السَّيْرِ إلى اللَّهِ. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَهُ، وأثْنى عَلَيْهِمْ. فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإلَهِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ - «يا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلى ما كانَ مِنكَ ولا أُبالِي.» ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأنا مَعَهُ. إذا ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي. وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ مِنهم. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ شِبْرًا، اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ ذِراعًا، اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ باعًا. وإنْ أتانِي يَمْشِي، أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». رَواهُ مُسْلِمٌ.


وَقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَواصِّ عِبادِهِ الَّذِينَ كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى: أنَّهم كانُوا راجِينَ لَهُ، خائِفِينَ مِنهُ. فَقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
يَقُولُ تَعالى: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِي: هم عِبادِي، يَتَقَرَّبُونَ إلَيَّ بِطاعَتِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي، ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَدْعُونَهم مِن دُونِي؟ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِأفْضَلِ أحْوالِهِمْ ومَقاماتِهِمْ مِنَ الحُبِّ، والخَوْفِ والرَّجاءِ.
قَوْلُهُ: لِأنَّهُ مُعارَضَةٌ مِن وجْهٍ، واعْتِراضٌ مِن وجْهٍ.
يُقالُ: وهو عُبُودِيَّةٌ، وتَعَلُّقٌ بِاللَّهِ مِن حَيْثُ اسْمُهُ المُحْسِنُ البَرُّ فَذَلِكَ التَّعَلُّقُ والتَّعَبُّدُ بِهَذا الِاسْمِ والمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ هو الَّذِي أوْجَبَ لِلْعَبْدِ الرَّجاءَ، مِن حَيْثُ يَدْرِي ومِن حَيْثُ لا يَدْرِي. فَقُوَّةُ الرَّجاءِ عَلى حَسَبِ قُوَّةِ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وغَلَبَةِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ. ولَوْلا رُوحُ الرَّجاءِ لَعُطِّلَتْ عُبُودِيَّةُ القَلْبِ والجَوارِحِ. وهُدِّمَتْ صَوامِعُ، وبَيْعٌ، وصَلَواتٌ، ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا. بَلْ لَوْلا رُوحُ الرَّجاءِ لَما تَحَرَّكَتِ الجَوارِحُ بِالطّاعَةِ. ولَوْلا رِيحُهُ الطَّيِّبَةُ لَما جَرَتْ سُفُنُ الأعْمالِ في بَحْرِ الإراداتِ. ولِي مِن أبْياتٍ:
لَوْلا التَّعَلُّقُ بِالرَّجاءِ تَقَطَّعَتْ ∗∗∗ نَفْسُ المُحِبِّ تَحَسُّرًا وتَمَزُّقا
وَكَذاكَ لَوْلا بَرْدُهُ بِحَرارَةِ ال ∗∗∗ أكْبادِ ذابَتْ بِالحِجابِ تَحَرُّقا
أيَكُونُ قَطُّ حَلِيفُ حُبٍّ لا يُرى ∗∗∗ بِرَجائِهِ لِحَبِيبِهِ مُتَعَلِّقًا؟!
أمْ كُلَّما قَوِيَتْ مَحَبَّتُهُ لَهُ ∗∗∗ قَوِيَ الرَّجاءُ فَزادَ فِيهِ تَشَوُّقا
لَوْلا الرَّجا يَحْدُو المَطِيَّ لَما سَرَتْ ∗∗∗ بِحُمُولِها لِدِيارِهِمْ تَرْجُو اللِّقا
وَعَلى حَسَبِ المَحَبَّةِ وقُوَّتِها يَكُونُ الرَّجاءُ. فَكُلُّ مُحِبٍّ راجٍ خائِفٌ بِالضَّرُورَةِ فَهو أرْجى ما يَكُونُ لِحَبِيبِهِ، أحَبُّ ما يَكُونُ إلَيْهِ. وكَذَلِكَ خَوْفُهُ. فَإنَّهُ يَخافُ سُقُوطَهُ مِن عَيْنَيْهِ. وطَرْدَ مَحْبُوبِهِ لَهُ وإبْعادَهُ. واحْتِجابَهُ عَنْهُ. فَخَوْفُهُ أشَدُّ خَوْفٍ. ورَجاؤُهُ ذاتِيٌّ لِلْمَحَبَّةِ. فَإنَّهُ يَرْجُوهُ قَبْلَ لِقائِهِ والوُصُولِ إلَيْهِ. فَإذا لَقِيَهُ ووَصَلَ إلَيْهِ اشْتَدَّ الرَّجاءُ لَهُ، لِما يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِن حَياةِ رُوحِهِ، ونَعِيمِ قَلْبِهِ مِن ألْطافِ مَحْبُوبِهِ، وبِرِّهِ وإقْبالِهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ بِعَيْنِ الرِّضا، وتَأْهِيلِهِ في مَحَبَّتِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حَياةَ لِلْمُحِبِّ، ولا نَعِيمَ ولا فَوْزَ إلّا بِوُصُولِهِ إلَيْهِ مِن مَحْبُوبِهِ. فَرَجاؤُهُ أعْظَمُ رَجاءٍ، وأجَلُّهُ وأتَمُّهُ.


فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ يُطْلِعْكَ عَلى أسْرارٍ عَظِيمَةٍ مِن أسْرارِ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ. فَكُلُّ مَحَبَّةٍ فَهي مَصْحُوبَةٌ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ. وعَلى قَدْرِ تَمَكُّنِها مِن قَلْبِ المُحِبِّ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ، لَكِنَّ خَوْفَ المُحِبِّ لا يَصْحَبُهُ وحْشَةٌ. بِخِلافِ خَوْفِ المُسِيءِ، ورَجاءِ المُحِبِّ لا يَصْحَبُهُ عِلَّةٌ، بِخِلافِ رَجاءِ الأجِيرِ. وأيْنَ رَجاءُ المُحِبِّ مِن رَجاءِ الأجِيرِ؟! وبَيْنَهُما كَما بَيْنَ حالَيْهِما.


وَبِالجُمْلَةِ: فالرَّجاءُ ضَرُورِيٌّ لِلْمُرِيدِ السّالِكِ، والعارِفُ لَوْ فارَقَهُ لَحْظَةً لَتَلِفَ أوْ كادَ. فَإنَّهُ دائِرٌ بَيْنَ ذَنْبٍ يَرْجُو غُفْرانَهُ، وعَيْبٍ يَرْجُو إصْلاحَهُ، وعَمَلٍ صالِحٍ يَرْجُو قَبُولَهُ، واسْتِقامَةٍ يَرْجُو حُصُولَها ودَوامَها، وقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ ومَنزِلَةٍ عِنْدَهُ يَرْجُو وُصُولَهُ إلَيْها. ولا يَنْفَكُّ أحَدٌ مِنَ السّالِكِينَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ بَعْضِها.
* (فصل)


وَلَيْسَ في الرَّجاءِ ولا في الدُّعاءِ مُعارَضَةٌ لِتَصَرُّفِ المالِكِ في مُلْكِهِ. فَإنَّهُ إنَّما يَرْجُو تَصَرُّفَهُ في مُلْكِهِ أيْضًا بِما هو أوْلى وأحَبُّ الأمْرَيْنِ إلَيْهِ. فَإنَّ الفَضْلَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ العَدْلِ، والعَفْوَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِانْتِقامِ، والمُسامَحَةَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِقْصاءِ، والتَّرْكَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِيفاءِ، ورَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ.
فالرّاجِي عَلَّقَ رَجاءَهُ بِتَصَرُّفِهِ المَحْبُوبِ لَهُ المُرْضِي لَهُ. فَلَمْ يُوجِبْ رَجاؤُهُ خُرُوجَهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ في مُلْكِهِ. بَلِ اقْتَضى عُبُودِيَّتَهُ، وحُصُولَ أحَبِّ التَّصَرُّفَيْنِ إلَيْهِ. وهو سُبْحانُهُ وتَعالى لا يَنْتَفِعُ بِاسْتِيفاءِ حَقِّهِ وعُقُوبَةِ عَبْدِهِ، حَتّى يَكُونَ رَجاؤُهُ مُبْطِلًا لِذَلِكَ. وإنَّما العَبْدُ اسْتَدْعى العُقُوبَةَ، وأخَذَ الحَقَّ مِنهُ لِشِرْكِهِ بِاللَّهِ وكُفْرِهِ بِهِ. واجْتِهادِهِ في غَضَبِهِ. ولِغَضَبِهِ مُوجِباتٌ وآثارٌ ومُقْتَضَياتٌ، والعَبْدُ مُؤْثِرٌ لَها، ساعٍ في تَحْصِيلِها، عامِلٍ عَلَيْها بِإيثارِهِ إيّاها وسَعْيِهِ في أسْبابِها. فَهو المُهْلِكُ لِنَفْسِهِ. ورَبُّهُ يُحَذِّرُهُ ويُبَصِّرُهُ ويُنادِيهِ: هَلُمَّ إلَيَّ أحْمِكَ وأصُنْكَ، وأُنْجِكَ مِمّا تَحْذَرُ، وأُؤَمِّنْكَ مِن كُلِّ ما تَخافُ، وهو يَأْبى إلّا شُرُودًا عَلَيْهِ ونِفارًا عَنْهُ، ومُصالَحَةً لِعَدُوِّهِ، ومُظاهَرَةً لَهُ عَلى رَبِّهِ. ومُتَطَلِّبًا لِمَرْضاةِ خَلْقِهِ بِمَساخِطِهِ. رِضا المَخْلُوقِ آثَرُ عِنْدَهُ مِن رِضا خالِقِهِ. وحَقُّهُ آكُدُ عِنْدَهُ مِن حَقِّهِ. وخَوْفُهُ ورَجاؤُهُ وحُبُّهُ في قَلْبِهِ أعْظَمُ مِن خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ ورَجائِهِ وحُبِّهِ. فَلَمْ يَدَعْ لِفَضْلِ رَبِّهِ وكَرامَتِهِ وثَوابِهِ إلَيْهِ طَرِيقًا، بَلْ سَدَّ دُونَهُ طُرُقَ مَجارِيها بِجُهْدِهِ. وأعْطى بِيَدِهِ لِعَدُوِّهِ. فَصالَحَهُ وسَمِعَ لَهُ وأطاعَ. وانْقادَ إلى مَرْضاتِهِ. فَجاءَ مِنَ الظُّلْمِ بِأقْبَحِهِ وأشَدِّهِ.


فَهُوَ الَّذِي عارَضَ مُرادَهُ بِهِ مِنهُ بِمُرادِهِ وهَواهُ وشَهْوَتِهِ. واعْتَرَضَ لِمَحابِّهِ ومَراضِيهِ بِالدَّفْعِ. ولَمْ يَأْذَنْ لَها في الدُّخُولِ عَلَيْهِ. فَأضاعَ حَظَّهُ وبَخَسَ حَقَّهُ. وظَلَمَ نَفْسَهُ. وعادى حَبِيبَهُ. ووالى عَدُوَّهُ. وأسْخَطَ مِن حَياتِهِ في رِضاهُ. وأرْضى مِن حَياتِهِ في سَخَطِهِ. وجادَ بِنَفْسِهِ لِعَدُوِّهِ. وبَخِلَ بِها عَنْ حَبِيبِهِ ووَلِيِّهِ.
والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لَيْسَ لَهُ ثَأْرٌ عِنْدَ عَبْدِهِ فَيُدْرِكَهُ بِعُقُوبَتِهِ. ولا يَتَشَفّى بِعِقابِهِ. ولا يَزِيدُ ذَلِكَ في مُلْكِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن مُلْكِهِ. كَيْفَ، والرَّحْمَةُ أوْسَعُ مِنَ العُقُوبَةِ وأسْبَقُ مِنَ الغَضَبِ وأغْلَبُ لَهُ؟ وهو قَدْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. فَرَجاءُ العَبْدِ لَهُ لا يُنْقِصُ شَيْئًا مِن حِكْمَتِهِ. ولا يُنْقِصُ ذَرَّةً مِن مُلِكِهِ. ولا يُخْرِجُهُ عَنْ كَمالِ تَصَرُّفِهِ. ولا يُوجِبُ خِلافَ كَمالِهِ. ولا تَعْطِيلَ أوْصافِهِ وأسْمائِهِ. ولَوْلا أنَّ العَبْدَ هو الَّذِي سَدَّ عَلى نَفْسِهِ طُرُقَ الخَيْراتِ، وأغْلَقَ دُونَها أبْوابَ الرَّحْمَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَكانَ رَبُّهُ لَهُ فَوْقَ رَجائِهِ وفَوْقَ أمَلِهِ.


وَأمّا اسْتِسْلامُ العَبْدِ لِرَبِّهِ، واسْتِسْلامُهُ بِانْطِراحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ورِضاهُ بِمَواقِعِ حُكْمِهِ فِيهِ فَما ذاكَ إلّا رَجاءً مِنهُ أنْ يَرْحَمَهُ، ويُقِيلَهُ عَثْرَتَهُ ويَعْفُوَ عَنْهُ، ويَقْبَلَ حَسَناتِهِ مَعَ عُيُوبِ أعْمالِهِ وآفاتِها. ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ. فَقُوَّةُ رَجائِهِ أوْجَبَتْ لَهُ هَذا الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ، والِانْطِراحَ بِالبابِ. ولا يُتَصَوَّرُ هَذا بِدُونِ الرَّجاءِ ألْبَتَّةَ. فالرَّجاءُ حَياةُ الطَّلَبِ. والإرادَةُ رُوحُها.
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الخوف, والرجاء
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال كتاب الكتروني رائع عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 07-29-2025 07:01 AM
الخوف والرجاء ... دار بن خزيمة بن الإسلام ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 4 09-05-2018 03:50 PM
الخوف من الله عز وجل ام هُمام ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 3 12-13-2017 06:54 PM
قصة آية بين الخوف والرجاء ام هُمام قسم تفسير القرآن الكريم 3 02-15-2017 05:45 PM
الخوف والمطر آمال ملتقى الحوار الإسلامي العام 8 12-17-2012 12:42 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009