![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
نفحات رمضانية (الجزء الأول) أ. د. زكريا محمد هيبة نفحات رمضانية (1): قال لي غير واحد من أصدقائي الخليجيين: إن رمضان في مصر له شكل ومذاق مختلف. وقد ارتبط رمضان في الذهن والوجدان المصري على وجه الخصوص بالتوسعة على الأهل والعيال. لكن الناظر لوجوه الخلائق هذا العام يلحظ انخفاضًا ملموسًا في منسوب البِشْر، فالناس غاصة في نفسها؛ فماذا يفعل الأب حيال الموازنة المعيشية بين: تلبية حاجات الأسرة الأساسية، وتوفير متطلبات الدروس الخصوصية، فضلًا عن الطوارئ العائلية التي لا تنتهي؟! جلست أتخيَّل هذا الأب الذي يحاول أن يحدث هذا التوازن المرتجى؛ فإذ به أشبه ما يكون برجل يلبس سروالًا أصغر من مقاسه؛ إن شده لأسفل ليغطي ساقيه؛ انكشفت عورته، وإن رفعه لأعلى ظهَرَ عوزُه وفقرُه؛ جرَّاء هذا القِصَر البيِّن في ملبسه، فيظل مُشتَّت الذهن بين هذا وذاك. فيا أيها الأب الجالس هناك، لا تأكل نفسك؛ فتتركها نهبًا للتفكير الطويل، فلا أعرف حملًا أثقل على الجسم من حمل الهموم، ولا أجد سبيلًا للفرج أنجى بك من الطريق إلى الله. تعالَ أنقل لك هذه القصة، منوهًا إلى أن الرواة قد حكموا بضعف إسنادها، لكن لا بأس بالأخذ بالضعيف في فضائل الأعمال. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: "يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟" قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: "أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همَّك، وقضى عنك دَيْنك؟". قال: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّيْن وقهر الرجال". قال أبو أمامة: ففعلت ذلك؛ فأذهب الله همِّي، وقضى عني دَيْني"؛ (أخرجه أبو داود). اللهم فرِّج هم كل مكروب، واقضِ الدَّيْن عن المدين، واذهب عنا الحزن. نفحات رمضانية (2): قال لي: أفلا أدلك على صنيع إن فعلته جعل الله لك من الضيق مخرجًا، ورزقك من حيث لا تدري، ويسَّر لك أمرك، وعظَّم لك الأجر، وكَفَّر عنك سيئاتك، وكنت عند الله من الأكرمين؟ قلت -وكُلي شغف-: بلى، بلى! قال: عليك بالتقوى، ثم أتبع، وإن كنت في شك من هذا فاقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]. ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]. ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5]. ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. سألته: وما هي التقوى يا صاح؟ أجاب: التقوى هي فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه. قلت: وفقط؟ قال: وفقط. قلت: ما أسهل أن أفعل! قال: أفلحتَ إن صدقتَ. نفحات رمضانية (3): على مائدة الإفطار اليوم دار حوارنا حول تلك القصة؛ دخل رجل كبير على القاضي رافعًا شكوى ضد ولده، طالبًا منه نفقة شهرية. تعاطف القاضي مع الأب الطاعن في السن، الذي حفرت السنون أخاديد على وجهه، وأخبره بأن هذا من أقل حقوقه على ولده؛ لكن الأب قال للقاضي: "شرطي أن يكون ذلك مع بداية كل شهر دون تأخير، وأن يكون من يد ابني ليدي دون واسطة، ولا يهم مقدار ما يعطيني مهما كان قليلًا. طمأن القاضي الأب، واستدعى الابن، وأخبره بوجوب النفقة على الأب، فأخبره الابن بأن والده لديه ما يكفيه وزيادة، فهو لا يحتاج إلى مال من أحد! تعجب القاضي، وسأل الوالد -على انفراد- إذا كان لديك ما يكفيك؛ فلِمَ تُصِرُّ على أن تأخذ مالًا من ولدك، ولا يهمك مقداره؟ قال الأب: يا سيادة القاضي، إن ابني هذا هو ولدي الوحيد، وأنا أحبه حبًّا جمًّا، وبعدما تزوج صار منشغلًا، لا يزورني إلا على فترات متباعدة، فأردت بهذه النفقة أن أضمن رؤيته على الأقل مرة كل شهر. دُهش القاضي، وقال للأب: لو أخبرتني بذلك لحبسته، وربما أمرت بجلده. فقال الأب: لكنني لا أطيق ذلك ولا أرتضيه يا سيادة القاضي. فبكى القاضي. وانحدرت منا دمعات صامتات؛ رحمة بمن ماتوا، أو شوقًا لمن هم أحياء. ومن المغرب وإلى الآن ويتردد على خاطري هذا المثل الشعبي الذي سمعته من (جدتي) غير مرة "قلبي على ابني انفطر، وقلب ابني عليَّ حجر". اللهم ارحم من واراهم الثرى، وأفِضْ عليهم من نسائم جنتك. نفحات رمضانية (4): فليكن لسانك سُكَّرًا. للكلمة وقع عجيب على النفس، يمكنك بها أن تكسو غيرك بالعز والوقار، أو أن تلبسه ثياب العار والشنار. بها ترك "توماس أدسون" المدرسة؛ حيث نَعَتَه المعلم بالفاشل. وبها أصبح الصبي أهم مخترع عرفته البشرية؛ حيث وصفته أمه بالعبقري. تساعد الكلمة في شفاء المرضى؛ نشرت مجلة "لانست" الطبية أن هناك منهج علاجي جديد أُطلق عليه "العلاج بالكلام". ومات من وقعها غير واحد من الشعراء؛ فهذا الشاعر جرير، يقول لأحدهم ويدعى "الراعي النميري": فغُضَّ الطَّرْفَ إنَّك من نُمّيْرٍ ![]() فَلا كعْبًا بلغتَ ولا كِلابَا ![]() ![]() ![]() فيموت كمدًا في مكانه، ولم يفارق المجلس إلا محمولًا على أكتاف الرجال. من أجل هذا وغيره كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الطيب من الكلام، قال صلى الله عليه وسلم: "يعجبني الفأل الصالح، قالوا: يا رَسولَ اللَّه: وما الفَألُ الصالح؟ قالَ: الكلِمةُ الطيبة". فأحسن القول مع الناس كلهم؛ فالله تعالى أمر من هو أفضل مني ومنك "موسى وأخيه" بأن يحسنا القول لمن هو أسوأ البشر قاطبة "فرعون"؛ فقال جلّ جلاله لهما: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 43، 44]. واعلم بأنه إن كان لسانك حلوًا ملكت القلوب، وإن كانت الأخرى فقدت رصيدك الاجتماعي. وقديمًا كانت الجدات تسمعنا دعاءها: "ربنا يجعل في لسانك سُكَّرة وفي قلبك جوهرة". نفحات رمضانية (الجزء الثاني) أ. د. زكريا محمد هيبة نفحات رمضانية (5): نفحة الليلة ذاتية؛ لكن لا بأس من روايتها. انتهيت البارحة -بفضل الله تعالى- مع دار نشر تكوين بالمملكة العربية السعودية، من البروفات النهائية الخاصة بطباعة موسوعتي المعنونة ب"250 حياة"، وتتضمن مائتين وخمسين شخصًا قرأت مذكراتهم أو سيرتهم الذاتية أو ترجمة عنهم، وقعت الموسوعة في حوالي ألف صفحة، احتوتها ثلاثة مجلدات. كانت البداية في عام 2011 مع كتاب "كفاحي" لهتلر، والختام عام 2022 مع كتاب "سر حياتي" لمحمود العربي؛ صاحب مجموعة شركات العربي للأجهزة الكهربائية، وما بين هذين الرجلين كانت رحلة طويلة مع مئات الأعلام. لم أكن أقرأ في البداية بغرض كتابة موسوعة، أو حتى كتاب، كنت أنشد المتعة والبناء الذاتي. ثم أخذت أدوِّن بعض ما أقرأ لكي أستفيد منه وقت الحاجة، ولما تراكمت المادة المجمَّعة رأيتها قد نهضت لتكون بحجم الموسوعة هذه. أكثر من عقد من الزمان قضيتها معايشًا -عن بعد- لهؤلاء الأعلام، كنت أُمنِّي النفس طوال عملي بالنهار بأنه حينما يأتي المساء؛ سأجد متعتي مع هؤلاء الرفاق. فكل حياة مروية تستحق أن تُقرأ مهما كان كاتبها، فليس بالضرورة أن يكون نجمًا أو ذا مكانة، فقد أخذتُ وقتًا محاولًا العثور على كتاب "مذكرات نشَّال للمعلم عبدالعزيز النُّص"، وأعياني البحث. ومن الغريب في أمر هذه الموسوعة أن البداية كانت مع "هتلر" هذا الذي قتل وشرَّد مئات الملايين من البشر، بينما كانت النهاية مع "محمود العربي"، الذي أسس إمبراطورية صناعية من الصفر؛ وكأنها رسالة حياتية بأن البقاء للأنفع ﴿ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الرعد: 17]. وإذا كانت الحياة بكل ما عشتها طوال خمسة عقود (هي سنوات عمري) قد أفادتني بشيء، فإنها لا تضارع ما استفدتُ من رفقة هؤلاء؛ فمن خلالهم لامست دخائل وخلجات الإنسان؛ ضعفه، وخوفه، وحزنه، وهوانه، ومكره، وطمعه، ونزقه... كما سَبَرتُ قوته، وإقدامه، وفرحه، وكبرياءه، ونبله، وعطاءه وطموحه، وقناعته، وحلمه. لو سألتني عما أتمناه بعد هذه الرحلة الممتدة معهم؛ لتمنيت إعادة قراءة العشرات ممن رافقتهم سنين عددًا، لكنها مرحلة الأصيل من العمر، أحياها ساعيًا نحو الغروب، فلم يعد الزمن يتسع لإعادة أي قراءة. أما لو قلتَ لي: لخِّص ما خرجت به من هذه الرحلة لقلتُ: "عجيب هذا الإنسان!". فالحمد لله المنعم المنان على جميل جوده، وسعة فضله، سائله -سبحانه- أن يجعل كل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن يعم نفعها، ويبقى أثرها بعد الممات، وتشمل بركتها أولادي وأحفادي، وأن يغفر لي ما داخل كل ما أكتب من سُمعة، وأن يجعل خير أيامي خواتيمها. إنه ولي ذلك والقادر عليه. نفحات رمضانية (6): سألته: هل تحب أن يكون لك مساحة فدان في الجنة؟ قال على عجل والدهشة علتْ وجهه: طبعًا طبعًا. هذا أمر لا يحتاج إلى نقاش! قلت: كم تدفع ليكون لك هذا الفدان؟ رد: أدفع كل ما أملك. طيب يا سيدي الأمر أيسر وأسهل، ولا يكلفك درهمًا، ولا حتى وقتًا طويلًا. رد: قل يا أخانا ولا تتعبنا. قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ قَالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبحَمدِهِ، غُرِستْ لهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ"؛ (الترمذي، حديث حسن). لم يقتنع، أو اقتنع بقوة الدفع الإيمانية؛ حيث إنني صدَّرتُ كلامي بأن هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يملك الاعتراض، لا سيما والحديث صحيح. لكنه قال: لكنك وعدتني بفدان، وهذه نخلة! قلت: هذه النخلة -يا أخانا- ليست كنخل الدنيا كما يتبادر إلى الذهن؛ ففي الحديث "ليس في الجنَّة شيءٌ ممَّا في الدُّنيا إلا الأسماء". فشجر الجنة مترامي الاتساع، قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة شجرة يسيرُ الراكبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السريعَ مائة سنة ما يقطعها"، واقرأوا إن شئتُم قول الله تعالى: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ [الواقعة: 30]. متخيل! فرس يجري مائة سنة في ظل شجرة ولا ينتهي من ظلها، هذا حال شجر الجنة! أما زلت ساكتًا مندهشًا: عليك بهذا الذكر العظيم "سُبْحانَ اللَّهِ وبحَمدِهِ". نفحات رمضانية (7): ما من مسلم إلا وتجد قلبه مُعلَّقًا بالكعبة، وأداء مناسك الحج والعمرة، لا يستثنى من ذلك أحد حتى هؤلاء الذين اعتمروا عشرات العمرات، وما أن يهل الشهر الفضيل إلا وتجد القلوب تهفو، ويزداد الشوق، ويعلو رغبةً وحبًّا في التطهُّر من الآثام والتزوُّد بالبركات. ولمن يهزه الشوق لبيت الله الحرام؛ طمعًا في المثوبة، هل لك في أجر حجة وعمرة وأنت مكانك لا تلقى وعثاء السفر ومشاقه، ولا مصروفات الرحلة وتكاليفها؟ فقط صلِّ الفجر في المسجد جماعة، واجلس حيث أنت تذكر الله حتى تشرق الشمس؛ بهذا الصنيع فأنت قد أخذت أجر الحج والعمرة. وإن كنت في شك من هذا؛ فإليك هذا الحديث الرائع، قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صلَّى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلَّى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة، تامَّة، تامَّة، تامَّة"؛ (رواه الترمذي وحسَّنه). وانظر -يا رعاك الله- إلى تَكرار (تامة) ثلاث مرات؛ جاءت لتمحو أي شك قد يعتري النفوس. نفحات رمضانية (8): حينما كانت ابنتي الكبرى صغرى كنت أصحبها معي للمسجد متى توفر ذلك. وفي إحدى المرات صليت إمامًا، وهي جالسة بجانبي، ثم ما لبثتْ أن بكتْ، فحملتها رفقًا بها، ولكيلا تشوِّش على المصلين، بعدما انتهيت من الصلاة؛ قرأت في عيون بعض المصلين نكارة! ولولا أنهم يعرفونني لكان اللوم أقل ما يمكن أن يطالني منهم. وحينما حدثني أحدهم على انفراد؛ أخبرته بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤم الناس وأُمامة بنت أبي العاص (حفيدته، بنت السيدة زينب رضي الله عنهما) على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها؛ (رواه مسلم). وفي رمضان حيث يكثر المصلون، ومنهم الأطفال، الذين لا ينفكون عن طباعهم النشطة والمزعجة أحيانًا، فيحدثون صخبًا؛ الأمر الذي يضطر البعض إلى نهرهم وزجرهم، وقد يصل الأمر إلى سبهم بأقذع الألفاظ؛ سمعت شيخًا مُعمَّمًا يسبُّ بعض هؤلاء الأطفال المزعجين بآبائهم! فلطفًا لطفًا بالصغار، فقد كنا مثلهم يومًا ما، ولنعلم بأن الطفل إذا نُهر في المسجد فسيكون ملاذه الشارع، ولربما حيل بينه وبين دخول المسجد بحاجز نفسي. نفحات رمضانية (9): العمر الطويل أم العريض. في دعواتنا المعتادة لمن نحب ترانا نقول: "ربنا يعطيك العمر الطويل"، وكأننا بذلك قد دعونا له بالخير، أو على الأقل ظننا أنه بطول العمر يكون قد حقق مآربه في الحياة، من البشر من يتجاوز المائة عام وليس له أي أُحْدُوثة في دنيا الناس الفانية. فهل سمعت عن الفرنسية "جين كالمينت" 122 سنة، أو الياباني "كاني تاناكا" 119 سنة، أو الأمريكية "سارة كنوس" 119 سنةـ، أو الفرنسية "لوسيل راندون" 118 سنة، أو الإيطالية "إيما مورانو" 117 سنة؟! هؤلاء أكبر المعمرين على وجه الأرض، هل أحسست منهم من أحد أو سمعت لهم ركزًا؟! على الجانب الآخر تجد من الأعلام ممن فارقوا الحياة في عمر مبكر، لكنهم ما زالوا يملؤون الدنيا حضورًا بما صنعوا؛ فهذا سيبويه -إمام النحاة- مات وعمره إحدى وثلاثون سنة، وأبو القاسم الشابي- شاعر تونس العظيم- مات عن خمس وعشرين سنة، والشاعر الكبير طرفة بن العبد -من أكبر شعراء الجاهلية وله معلقة من المعلقات السبع- مات وعمره ست وعشرون سنة. وهذا معاذ بن جبل -رضي الله عنه- الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم قاضيًا ومعلمًا إلى اليمن، وقال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنهم: "من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل"- مات وعمره ست وثلاثون سنة. ومات عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عنه- في الأربعين، والمنذري، -الذي قال عنه الإمام الذهبي: "الحافظ الذكي"- مات في الثلاثين من عمره. ولا يتعارض هذا مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم "خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله". إذًا، لا تبالي كم تعيش، ضع بصمتك على وجه الحياة وغادر. ولكل أحبتي أتمنَّى لكم العمر العريض والطويل. نفحات رمضانية (الجزء الثالث) أ. د. زكريا محمد هيبة نفحات رمضانية (10) في رمضان، حيث طقوس السحور والإفطار، يأتي طبق الفول المدمس كأحد الأطباق الرئيسة على السفرة المصرية، وقد أتى هذا الحضور الطاغي لبقائه في المعدة فترة طويلة، ومن ثمَّ يقلل من شعور الصائم بالجوع، كما أنه طبق اقتصادي. وقد أقبل المصريون بكل طبقاتهم عليه، بمن فيم الملك فاروق؛ فقد كان مطعم "علي العاصي" بدمنهور يرسل يوميًّا للقصر الملكي "قِدْرًا من الفول" -القِدْر كان من الفضة، ليس من النحاس أو الألمونيوم- يكشف عليه طبيب بيطري، ثم يُشمَّع بالشمع الأحمر ويُنقل بالقطار. وعندما ولد الأمير أحمد فؤاد، أهدى الحاج "علي العاصي" للملك فاروق قدرة من الفول المدمس من الذهب تزن 460 جرامًا، والقدرة موجودة الآن في متحف قصر المنتزه. يبدو أننا قد نقلناه من طبق اقتصادي إلى طبق أرستقراطي بامتياز، لكن ما لنا والملوك! المهم أننا جعلناه من الأطباق الرئيسة على سفرة السحور (ولا تغتر بجمع الأطباق هذه، فالخبز له طبق، والفول له طبق، والعرب تعتبر المثنى بداية الجمع) ما علينا، فالخير كثير ولله الحمد والمنة، المهم يا سيدي، كل يوم مع السحور ادخل على طبق الفول دخول الفهد على فريسته، في حين بقية فريق السحور دخولهم خجل قياسًا بالفهد، أقصد بي. بعد مرور أسبوع، لاحظت شيئًا غريبًا اعتراني، فقد استغلقت عليَّ كثير من الأفكار، ويبست يدي من الكتابة إلا قليلًا، أرجعت ذلك للصيام، واضطراب الساعة البيولوجية الخاصة بمعدتي، فأنا لا آكل في المساء في غير رمضان، وها أنا قد جعلت سحوري كفطوري؛ إذًا الأمر يرجع إلى السحور، فلو لم أتسحر؛ لربما فتحت الكتب لي مغاليقها، وجرت يدي في الكتابة كما العادة؛ لكن ماذا أفعل في أيام البرد هذه، أمن أجل قراءة أو كتابة أترك بطني تقرقع جوعًا؛ إن هذا لشيء عجاب! لكن لسبب مجهول غاب الفول عن السحور في أحد الأيام، فأصبح اليوم الذي ملؤه العطاء؛ قراءة وكتابة. وبعدها عاد الفول للسفرة؛ فغابت الفكرة. قررت أن أتبع المنهج العلمي، من خلال الملاحظة -وإلا ما معنى أن تكون أستاذًا جامعيًّا-؛ فحيّدت المتغيرات وأبقيت متغيرًا واحدًا وهو الفول. وفي النهاية، توصلت إلى أن ثمة علاقة -طردية وعكسية- بين الفول والعطاء الفكري؛ فكلما حضر الفول زاد الخمول، وقلت الفكرة، وبغيابه على السفرة يتلاشى الكسل، وتحضر الأفكار! شعرت بانتشاء شديد بوصولي لتلك النتيجة، وتذكرت ما كنت قرأته أن بعض الكُتَّاب قد زعموا أن الشاعر الكبير أبا العلاء المعري إنما شك؛ لأنه أسرف في أكل العدس والزيت، فساء هضمه، وتبع ذلك سوء رأيه في الحياة. ولما كان الفول الشقيق الأكبر للعدس؛ فإن بينهما سمات مشتركة في التأثير، وإذا كان مفعول العدس بهذا الشكل العميق على شاعرنا المعري، فإن الأخ الأكبر يتوقع أن يكون أثره أعظم. فها هي استنتاجاتي تتقاطع وتلتقي مع ما آلت إليه نتائج كبار العلماء. ثم تنطعت، وقلت لنفسي: ليس أبو العلاء وحده فيلسوفًا وحكيمًا، ولستُ أقلَّ منه، وفجأة طرق ذهني طارق؛ أنا كتاباتي وقراءاتي تتركز بعد العشاء وحتى السحور، فلا دخل إذًا للفول الذي ينقضي أثره ومفعوله قبل الإفطار! فإذ بملاحظاتي وفروضي البحثية ونتائجي وتبجُّحي وتنطُّعي وغروري، الكل يسقط على رأسي كدُش بارد في شهر ديسمبر؛ فيحفظ للفول والعدس كليهما مكانته في عالم البروتين، فهذا الفول -مهضوم- الحق، والمهضوم في المعدة أيضًا؛ يمكن أن يكون بديلًا عن اللحوم، وهو يفيد في تقوية الشَّعر والجلد والمخ والقلب والعضلات، وكذا الأسنان والعظام، ويقي من الإصابة من الأنيميا، والحد من تداعيات الشيخوخة، ويضبط مستوى السكر، ويقي من الإمساك، ويخفض من مستويات الكوليسترول الضار، وكذا الدهون الثلاثية. فوجدتني بعد هذه الفوائد الجمة، أقول بكل ثقة: "يسقط المعري ويحيا الفول". نفحات رمضانية (11): "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس"، شرها عظيم، وإثمها كبير، وأثرها ممتد؛ تترك صاحبها نهبًا لخيالاته المريضة، فيستلذ ما حرم الله على حساب من أحل له، فيصير أمره كالحيوان الضال. إِنَّ الرِّجَالَ النَّاظِرِينَ إِلَى النِّسَا ![]() مِثْلُ الْكِلابِ تَطُوفُ بِاللُّحْمَانِ ![]() ![]() ![]() وهي من جملة الفضائل الإنسانية التي تدلل على سوية الفطرة؛ لذا رأينا العربي القديم في الجاهلية قادته حكمته إلى احترام حرمة جارته؛ عرفًا وليس ديانة، فهذا عنترة بن شداد يقول مفتخرًا بفضائله: وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي ![]() حتى يُواري جارتي مأْواها ![]() ![]() ![]() وفوق أن غض البصر من شيم نبلاء الرجال، فهو أمر رباني، قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [النور: 30] ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ [النور: 31]. والأمر هنا للنظر المباشر، أو عبر الفيديو والصورة، تلك التي ابتلينا بها في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع المختلفة. فمن حفظ بصره أرضى ربَّه، وأراح قلبه، وزكَّى نفسه، وحفظ فرجه. كما أنه دين بين؛ فمن يغض بصره عن محارم الناس، غض الناس أعينهم عن محارمه؛ ففي الحديث الصحيح "مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه". نسأل الله الستر على جميع بيوتنا. نفحات رمضانية (12): أين أنت يا رمضان؟ حينما كنت على مشارف الشباب، ونجحت في الشهادة الإعدادية، التحقت بالقسم العلمي، بناءً على رغبة والدي -رحمه الله- فقد كان يريدني طبيبًا، لكنني كنت أريد شيئًا آخر، فلم تستهوِني دروس العلوم، كما أخذني الأدب والتاريخ؛ فقررت أن أقوم بتحويل مساري للقسم الأدبي. ذهبت للمنسق المسؤول، فأخبرني بأن وقت التحويل انتهى، ولا يمكنني أن أحوِّل للمسار الأدبي إلا في حالة واحدة؛ إيجاد طالب في المسار الأدبي يريد أن يحوِّل للعلمي، فنتبادل المواقع. تصادفت مع زميلي الذي كنت أتقاسم معه مقعد الدراسة في الصف الثالث الإعدادي، فكان قد التحق بالأدبي، ويريد هو الآخر أن يلتحق بالعلمي، فذهبنا معًا للمنسق وتم التحويل. تمرُّ السنون، وبينما كنت في الدراسات العليا بجامعة الأزهر، اضطررت للذهاب لكلية طب الأسنان لعلاج سني، دخلت للطبيب المعالج، فأخذت أحدثه عن ضرورة العناية بأسناني، وأن أكون بالنسبة له حالة استثنائية، فلي عليه أيادٍ سابقة. ثم ضحكنا ضحك طفلين معًا. أراك توقعته من يكون هذا الطبيب! نعم هو! هذا الزميل الذي تبادلت معه التحويل من العلمي للأدبي. إنه العزيز الدكتور/ رمضان يوسف رمضان أبو شهبة. كلانا أخذ قراره، وعمل على ما أراد وأحب، فنجح في مجاله. إن قراراتنا هي وحدها ما يحدد مكاننا في المستقبل، وكل شخص يضبط بوصلته وفقًا لتوجُّهه الذهني، ومن ثم يتحرك بموجبه. وبعد انقطاع لأكثر من عقدين من الزمان، وجدتني أبحث عن صديقي القديم؛ فأين أنت يا رمضان؟ #يا ليت من يعرف رقم الدكتور رمضان يتحفني به# نفحات رمضانية (13): والصدقة سواء أكانت سرًّا أم علانية فيها الخير العظيم، قال تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 271]. فإظهار الصدقة فيها خير للفقراء، حتى لو كان باعثه الظهور؛ حيث يحرض ذلك البخلاء والممسكين على أن ينفقوا، فيعم النفع على الفقراء. أما إن كانت صدقتك سرًّا؛ فهذا خير لك، ففي الحديث الشريف "صدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ". فتصدَّقوا في هذه الأيام الفضيلة، و"اتقوا النار ولو بشق تمرة". أو كما قال صلى الله عليه وسلم. نفحات رمضانية (14): أيهما أعجب؟ من جميل ما وصلني، قصة هذا الجمل الذي باعه صاحبه، وحينما ذهبوا به للمسلخ ليذبحوه؛ أبى الدخول، وباءت كل المحاولات بالفشل! فجاء رجل ذو خبرة، وطلب منهم إحضار صاحب الجمل علَّه يساعدهم في إدخاله، حينما جاء الرجل، أمسك بخطامه واقتاده، والجمل يتبعه بكل يسر، فأسرعوا بسكاكينهم لكي ينحروه، لكن صاحب الجمل كان له رأي آخر، قال لهم: كيف أغدر بمن وثق بي وخطى بخطاي؟ ثم أعطاهم ما دفعوه، وأقسم أنه لن يبيع من وثق به وائتمنه على روحه. أعرف أناسًا باعوا أصحابهم في أول الطريق، نظير كسب نقطة عند بعض من يظنون أنهم سيأخذون بأيديهم إلى سُلَّم الترقي. وإن كنت أجد تفسيرًا عند أمثال هؤلاء -الذين يتكسبون بمواقفهم- فلا أجد مبررًا لأفعال أقل ما توصم به بأنها صغيرة، لأناس لا مكسب لهم جرَّاء ما يصنعون. اتصل بي -وصِلَتي به ضعيفة- طالبًا التوسط للصلح بينه وبين آخر، أخذت أُلطِّف الأجواء بينهما، مؤكدًا على عمق صلتهما ببعضهما، وأن ما بينهما من عِشرة يتحتم عليه المسامحة. وبينما الحديث جارٍ بيننا؛ إذ برسالة صوتية على هاتفي تشعرني بأن الطرف الآخر يقوم بتسجيل المكالمة! سرحت بعيدًا عن شكواه الرعْناء، تلك التي كانت قبل قليل استجيب معها بتعاطف، محاولًا إيجاد مبرر مقنع أو غير مقنع لهذا الذي يحدث، لكنني عجزت، أكمل حديثه بنصف عقل مني، وأصلحت بينهما بكل حب، لكن الدهشة لم تفارقني! وَأَعجَبُ مِنّي كَيفَ أُخطِئُ دائِمًا ![]() عَلى أَنَّني من أَعرَفِ الناسِ بِالناسِ ![]() ![]() ![]() وبالمقارنة بين الفعلين: من الجمل والمتصل بي؛ ازداد حبي للإبل، وتذكرت أنني قد اصطحبت من مكتبتي بالسعودية كتابًا كبيرًا عن الإبل، سأحاول البحث عنه بين كتبي المتناثرة والموزعة في أماكن ثلاثة: العريش وكفر الشيخ ومسير. لكني رأيت الأكثر غرابة نفوس البشر، هي التي تحتاج إلى مجلدات حتى نستطيع أن نقف على شفير بئرها الغائر. وما زلت أسأل؛ أيهما أعجب: حسن ظن الجَمل، أم جحود البشر. نفحات رمضانية (الجزء الرابع) أ. د. زكريا محمد هيبة نفحات رمضانية (15): فانوس: بينما أنا في طريقي اليوم إلى محاضرة الدبلوم الخاص، إذ بمجموعة أمام مبنى إدارة الجامعة تتوسطهم كاميرا ومايك صغير، استوقفني أحدهم؛ ممكن نسجل معك؟ • ممكن، ولمَ لا! تقدم شاب منهم، وقد وضع أمامي المايك قائلًا: عرفنا بحضرتك. • فذكرت اسمي، وأني أستاذ بكلية التربية. فقال: عندنا مسابقة بسيطة بمناسبة رمضان، ثم قدَّم لي صندوقًا صغيرًا به بعض ورقات مطويات، بداخل كل ورقة سؤال، ولم يترك لي فرصة، فقال: ممكن تأخذ ورقة. أخذت ورقة، وحولي جمع من الطلاب ينتظرون هذا الذي عرَّف نفسه بأنه أستاذ؛ هل يتمنون إخفاقي فينتصرون لأنفسهم ضد كل أستاذ يتعالى بعلمه عليهم، فيسخرون منا كما يسخر بعضنا من جهلهم بالمسلَّمات، أم يودون أن أُوفق فيتباهون بأساتذتهم. وماذا لو رأى أولادي هذا الفيديو الذي سيُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ويرون أباهم يخفق في سؤال لا يقع فيه صبيان الكتاتيب، وقتها سأكون حكاية البيت لأيام! وربما تندَّروا بهذا الجالس على مكتبه كأنه العَقَّاد، لا يعرف هذه المعلومة التي لا تغيب عن تلميذ في الابتدائي، غير مدركين أن المعلومات شيء، وتحليلها ونقدها- وهو الأهم- شيء آخر. فلن يفهموا تلك الفلسفة الفارغة، كل ما سيستقر في أذهانهم كيف أخفق أبونا في سؤال مثل هذا؟! وأي تبرير مني سيقبلونه رأفةً ومراعاةً لمشاعري، وربما خوفًا من أن أرد عليهم بمواقف مشابهة حالة إخفاق أحدهم. دار كل هذا في ذهني في ثانية، ومرد ذلك كله أن أثقل شيء على نفسي حفظ الأسماء والتواريخ، ولا أنسى -إن نسيت- هذا الموقف الذي جمعني بأحد أصدقائي في الحرم المدني قبل سنوات، فقد أتى لزيارة المدينة ومعه زميل له، عرفني بزميله وأنا أصافحه، وبعد فترة قصيرة نسيت اسمه، فملت على صديقي طالبًا منه تذكيري باسم صاحبه، فذكرني به، وقبل أن نصل للسيارة كنت قد نسيت الاسم، فانتهزت فرصة انفردت بها بصديقي وسألته عن اسم صاحبه، فنظر إليَّ شَزْرًا وقال: "ما لك؟" ثم ذكر اسم زميله. أتدري ما اسم هذا الزميل المصاحب؟ اسمه "عادل"! لا تندهش، لا تندهش. وأحسن الظن بي. المهم، أخذت الورقة من الصندوق، ودعوت الله في سري أن يكون معي، وفتحتها، فإذ بالسؤال: مَنْ هو الصحابي الذي اهتزَّ له عرش الرحمن عند موته؟ قلت: سيدنا سعد بن معاذ -رضي الله عنه-. أومأ برأسه بإعجاب، ونطق معها: صح، مبروك، ثم أعطاني فانوسًا صغيرًا. أخذته، وسرت في طريقي للمحاضرة شاكرًا الله الذي دائمًا وأبدًا يكرمني بفضله؛ فيستر القبيح، وينشر المليح. نفحات رمضانية (16): مساكين: كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يحلب للحي الذي يقيم فيه من الأنصار إبلهم وغنمهم، فلما صار خليفة للمسلمين، سمع جارية تقول: الآن لا تحلب لنا منائحنا (أي إبلنا وغنمنا). فقال -رضي الله عنه-: "لا، والله لأحلبنَّ لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله من قبل". يا سلام على العظمة! هناك نوعية من البشر ما إن يرتفعوا درجة في حراكهم الاجتماعي، أو سلمهم الوظيفي؛ إلا وتجدهم قد غيروا جُلَّ حياتهم: مشيتهم، وأصدقاءهم، وبيوتهم، ولسانهم، بل وأرقام هواتفهم، ولو كانت الجُلود تُغيّر ما ترددوا في تغييرها؛ يهربون من كل ما يذكرهم بماضيهم البائد. وهؤلاء يعانون أشد المعاناة في سبيل الانسلاخ الذاتي المعتاد، إلى الأفق المرتجى غير المعتاد، ولأن الطبع يغلب التطبُّع؛ فهم في صراع داخلي كبير، فلا تغبطهم على ما طالهم من نعمة، ولكن اشفق عليهم نفسهم القلقة، فهم في واقع الأمر مساكين! وأثقل شيء على النفس -إن كانت أبيَّة- أن تتعامل مع تلك النوعية من البشر؛ حيث اللزوجة، وتصنُّع الوقار، والعيش في جلباب غير الجلباب. فإن اضطررت للتعامل مع هؤلاء وأمثالهم؛ فاحتفظ بالمسافات، لكي تحفظ لنفسك قدرها. نفحات رمضانية (17): أصعب مهمة في التاريخ: هذا العنوان أعلاه "أصعب مهمة في التاريخ" ليس من قبيل المبالغة، ولا التهويل؛ بل هي بالفعل كذلك. لكي تستشعر المعنى، تعالَ نتخيل؛ ماذا لو لم يُجمع القرآن الكريم في سفر مكتوب، وظل كما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم في صدور الرجال والحُفَّاظ يتناقله جيل عن جيل مشافهة؟ لا شك كان التحريف والتشكيك سيطول كثيرًا من آياته. فماذا حدث؟ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم شُغِل المسلمون بحروب الردة، والتي استُشهد فيها جمع كبير من حَفَظة القرآن الكريم، فما إن هدأت نار الفتنة حتى فزع عمر بن الخطاب إلى الخليفة أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- راغبًا في أن يجمع القرآن قبل أن يدرك الموت والشهادة بقية القُرَّاء والحُفَّاظ. وبعد نقاشات مطولة بينهما استطاع عمر أن يقنع أبا بكر، وعليه، دعا الأخير زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وقال له: "إنك شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتَتَبَّع القرآنَ فاجْمَعْهُ". فقال زيد: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم! فلم يزل أبو بكر يراجعه، حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. ونهض زيد بالمهمة وأبلى بلاءً عظيمًا فيها، فكان يتبع القرآن يجمعه من الرّقاع والعُسُب (جريد النخل) وصدور الرجال. يقابل ويعارض ويتحرَّى مكانه، وأنجز المهمة، وجمع القرآن الكريم في مصحف واحد. وقال زيد بن ثابت -رضي الله عنه- بعد إنجاز تلك المهمة: "والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه لكان أهون عليَّ مما أمروني به من جمع القرآن". رحم الله الصحابي الجليل زيد بن ثابت لقاء ما قدَّم للإسلام والمسلمين. نفحات رمضانية (18): تحذير: إلى كل المنشغلين بالقراءة والكتابة عن بيوتهم وأسرهم، اسمعوا وعوا؛ هذا ندائي الأخير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو حيٌّ يُرزق، إذا كانت زوجتك لا تزال حية تسعى، فكن على حذر، فقد جاءنا الخبر التالي: ذُكر أن إبراهيم العياشي-من علماء المدينة المنورة- قضى عشرين سنة في تأليف كتاب "حجرات النساء"، فأغاظ ذلك زوجته لانشغاله عنها كثيرًا؛ فأحرقت الكتاب، فأُصيب الرجل بالشلل! هذا؛ ليخبر الحاضر الغائب، والله من وراء القصد. نفحات رمضانية (19): اعرف مقامك: دخلنا العشر الأواخر من شهر رمضان، أفضل ليالي العام؛ حيث يتخللها ليلة القدر. فتحسس مقامك وقدرك عند الله تعالى؛ إن كان وقتك موزعًا بين مشاهدة المسلسلات والبرامج، والمباريات، والثرثرة في الهاتف، والتنقل بين تافهات الأمور في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فراجع نفسك، فما زلنا في بداية العشر، وإن كنت قبضت على وقتك وتحكمت به، ووزعته بين قراءة القرآن، وقيام الليل، والذكر، أو النافع من الأمور كالمذاكرة؛ فهذا هو الفلاح بعينه. لكن، حذار أن يأخذك الغرور بعيدًا فتحبط عملك بالعُجب به. يقول ابن عطاء الله السكندري: "معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا، خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا". وقريب منه قول الإمام علي -رضي الله عنه-: "سيئة تسوءُك خيرٌ عند الله من حسنةٍ تُعجبك". فاجتهد في الطاعة واسأل الله القبول؛ لأنك قد تجهد نفسك في القيام والذكر والصدقة، ولكن يخالط عملك الشموخ والاستكبار على غيرك ممن قصروا وقعدوا عن العبادة؛ فيحبط عملك. تقول عائشة -رضي الله عنها- سألتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن هذِهِ الآيةِ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ [المؤمنون: 60] قالت عائشةُ: أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ؟ قالَ: لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ويتصدَّقونَ، وَهُم يخافونَ ألَّا تُقبَلَ منهُم ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61]"؛ (صحيح الترمذي). وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لبعض أصحابه يومًا: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ" قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا، وَلا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا"؛ (صحيحي البخاري ومسلم). فإذا كان خير خلق الله لم يتكئ على مجرد العمل الصالح في دخول الجنة، وإنما لا يزال يلحُّ ويتقرب إلى الله حتى يقبل عمله، إذا كان ذلك كذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما بالنا نحن الضعفاء؟! ولا ضير أن يفرح المؤمن بقربه من الله، ويسعد بطاعته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سرَّته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن"؛ (صحيح الترمذي). وسُئل صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِن الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالَ: تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ"؛ (صحيح مسلم). وأحمد الله على أن أقامك هذا المقام، وما أجمل ما قاله الحسن البصري -رضي الله عنه-: "هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم". وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا فطار؛ (صحيح البخاري). ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾ [الحج: 18]. فإن أردتَ أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك. نفحات رمضانية (20): إن أردت أن تدخل في زمرة عباد الرحمن؛ فعليك بقيام الليل، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64]. وإن شئت محوًا لسيئاتك، وإن طمحت في صحة بدنية؛ فعليك بقيام الليل، ففي الحديث الشريف "عليكمْ بقيامِ الليلِ؛ فإنَّه دأبُ الصالحينَ قبلكمْ، وقربةٌ إلى اللهِ تعالى، ومنهاةٌ عنِ الإثمِ، وتكفيرٌ للسيئاتِ، ومطردةٌ للداءِ عنِ الجسدِ"؛ (رواه الترمذي وحسنه الألباني). وإن حرصت على هجر المعاصي فقم الليل، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ فلانًا يُصلِّي بالليل، فإذا أصبحَ سرق؟! قال: "سَيَنْهاه ما تقول"؛ (رواه أحمدُ). وإن أحببت معرفة منزلتك وقدرك ومكانتك عند الله؛ فقم الليل إلا قليلًا. قال صلى الله عليه وسلم: "واعلمْ أنْ شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليلِ"؛ (الجامع الصغير، حديث صحيح). ولا تَنْسَوا قِيامَ الليلِ إني ![]() رأيتُ الخيرَ في جوفِ الليالي ![]() ![]() ![]() __________________
اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| نفحات الشكر العظيمة (علاج نفسي وروحي) | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 0 | 01-28-2026 12:09 PM |
| قناعات رمضانية | ابو الوليد المسلم | قسم المناسبات الدينية | 0 | 01-28-2026 11:58 AM |
| فلاشات رمضانية | خالددش | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 1 | 01-04-2019 07:33 AM |
| أبجديات رمضانية! | آمال | ملتقى فيض القلم | 30 | 03-18-2015 07:57 PM |
| طرائف رمضانية | Abujebreel | ملتقى الطرائف والغرائب | 5 | 09-12-2011 12:28 PM |
|
|