أين أنا في القرآن؟ (فيه ذكركم)
أبو خالد بن ناظر الدين القاسمي
كان التابعيُّ الجليل، وسيِّدُ العرب في زمانه الأحنف بن قيس رضي الله عنه، جالسًا يومًا، فمرَّ به رجلٌ فتلا قولَ الله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: 10]، فانتفض الأحنف، وكأنَّ الآية قد هزَّت أعماق قلبه، ثم قال في خشوعٍ وصدق: هاتوا المصحف، فلأنظر أين ذكري فيه، ومع أيِّ القوم أنا، وبمن أشبه؟
فأُتي بالقرآن، فأخذه يُقلِّب صفحاته، ويتأمل آياته، باحثًا عن موضعه بين الناس؛ فمرَّ على قومٍ أثنى الله عليهم فقال: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات: 17 - 19]، ثم جاوزهم، فإذا بقومٍ آخرين، وصفهم الله بقوله: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [السجدة: 16].
ثم مرَّ بقومٍ وصفوا بأنهم: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64]، ثم رأى قومًا آخرين: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134].
ثم مرَّ على قومٍ وصفهم الله بقوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].
ثم وقف على قومٍ آخرين: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37]، ثم تلا: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الشورى: 38]، فوقف الأحنف طويلًا، وأطرق رأسه، ثم قال بحرقةٍ وانكسار: اللهم أنت أعلم بحالي، لا أرى نفسي مع هؤلاء!
ثم طوى صفحةً أخرى، فإذا هو بقومٍ آخرين، يقول الله فيهم: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ [الصافات: 35، 36].
ثم مرَّ بقومٍ آخرين: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ [الزمر: 45]، ثم وقف على مشهدٍ مروِّع، حيث يُسأل أهل النار: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾ [المدثر: 42 - 47]، فارتعد الأحنف، ووضع يديه على أذنيه، وقال بفزع: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء، وأعوذ بك أن أكون منهم!
ثم عاد يقلب صفحات القرآن، يبحث عن نفسه بصدقٍ ودموع، حتى وقف عند قوله تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 102]؛ فانفرج وجهه، وقال بلهفةٍ ممزوجةٍ برجاء: نعم… نعم! هذا أنا، هذا حالي!
(رواها أبو عبدالله محمد بن نصر المروزي البغدادي في كتابه قيام الليل).