ثُلُث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفَسه
نورة سليمان عبدالله
في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم أُكُلات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه))؛ [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه].
لو عمل به لأغنى عن كثير من برامج التخفيف والريجيم وغيرها، بمعنى إذا رتب ونظم أكله، فيأكل ولا يشبع، ويشرب ولا يروى كثيرًا، ويُبقي شيئًا للتنفس والراحة، لكان خيرًا وأصح له ولبدنه.
فهذا الحديث من الوسائل التي تحفظ للإنسان صحته ونشاطه.
فشبَّه النبي صلى الله عليه وسلم البطن بمثل الوعاء الذي يُتخذ لحفظ الطعام والشراب، وليتزود ويأكل بقدر ما يتقوى به، وفي هذا صحة الإنسان وسلامته من الآفات.
وهذا ليس فيه منعٌ من الشبع في بعض المرات، ولكنه إرشاد للأفضل والأنفع للبدن والقلب.
ولا يخفى ما لملء البطن من الطعام من أضرار بدنية ودينية؛ قال عمر رضي الله عن: "إياكم والبِطنة؛ فإنها مفسدة للجسم ومكسلة عن الصلاة".
وقال إبراهيم بن أدهم: "من ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة".
وهناك عدة حلول تساعد على تطبيق هذه القاعدة النبوية عند الأكل؛ فمنها:
1- التسمية (قول بسم الله) قبل الطعام، فهذا أبقى للبركة وطرد للشيطان.
2- تذكر حديث: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحد))؛ أي إن المؤمن يأكل بأدب الشرع، فيأكل في معًى واحد، ويبارك له في القليل، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره والنهم، فيأكل في سبعة أمعاء، حتى يملأ طبقات أمعائه كلها.
3- العزم والنية على تطبيق السنة؛ والاتباع لأمر الله في قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]؛ قال عطاء الخراساني عن ابن عباس: "قوله: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31] في الطعام والشراب، واتباع أمر وهدي النبي صلى الله عليه وسلم".
4- عدم إحضار الطعام كله أمام الآكِل مباشرة، وتقليل كميته في الطبق الذي يلي الآكل.
5- شرب الماء في بداية الأكل يساعد في تنظيم الطعام، وأيضًا على تقليل الأكل.
رُوي أن ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: "لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارشايات (المحلات) ودكاكين الصيادلة".
قال هذا؛ لأن أصل كل داء التخم، فهذا من منافع قلة الغذاء، وترك التملُّؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن، وكذلك لصحة القلب وصلاحه؛ فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجِب ضد ذلك.
ختامًا: يُروى عن لقمان أنه قال لابنه: "إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة".
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.