تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا...}
تفسير قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ... ﴾
د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 5، 6].
معاني الكلمات الواردة في الآيتين[1]:
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ بالبعث والحساب والجنة والنار، وغير ذلك، ﴿ حَقٌّ ﴾ كائن وواقع لا شكّ فيه، ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾؛ أي فلا تخدعنَّكم الدُّنْيا بلذاتها وشهواتها ومطالبها النفسية، فتُلهيكم عمَّا خُلقتم له من العمل للآخرة وطلب ما عند الله، ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ ﴾ ؛ أي ولا يخدعنَّكم عن طاعة الله ﴿ الْغَرُورُ ﴾ وهو كلُّ ما يَغُرُّ الإنسان من مالٍ وجاه وشهوة وشيطان، وقد فُسِّر بالشيطان؛ إذ هو أخبث الغارين وأقواهم، ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ ﴾ يدعوكم إلى معصية الله، وقد سبقت عداوته لأبينا آدم، وأيُّ عداوة أعظمُ من أن يقول في بنيه: ﴿ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: 39]، ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ [النساء: 119]، وقوله تعالى: ﴿ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾؛ أي بمخالفتكم إياه في عقائدكم وأفعالكم، ولا يوجدنَّ منكم إلاّ ما يدلُّ على معاداته ومناصبته في سرِّكم وجهركم، ثُمَّ لخص سرَّ أمره، وخطأ مَن اتَّبعه بأنَّ غرضه الذي يقصده في دعوة حزبه؛ أي: شيعته ومتبعي خطواته - هو أن يوردهم مورد الشقوة والهلاك، وأن يكونوا من أصحاب السعير، ﴿ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ ﴾؛ أي: أشياعه وأنصاره الذين يُصغون إلى وساوسه، ﴿ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾؛ أي: إنَّما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير.
ومن فوائد الآيات[2]:
وجوب التصديق بوعد الله عز وجلّ في كل ما أخبر به أنَّه يكون، والتهيُّؤ له والمبادرة بالأعمال الصالحة، ولا يقطع عن ذلك قاطع.
ومنها: تحذير الإنسان من تغرير الدنيا له بأنواع الخدع من اللهو والزينة.
ومنها:تحذير الإنسان من تغرير الشيطان له، وتغريره للإنسان هو تزيينه للمعاصي وتمنيه المغفرة من الله.
ومنها: أنَّ الشيطان في غاية الفراغ لأذى الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ ﴾ ؛ أي: خاصَّة، فاجتهدوا في الهرب منه.
ومنها: أنّ الشيطان عدوٌّ، وذلك بتصويب مكايده كلها إلى بني آدم بدءًا من أبينا آدم عليه السلام.
ومنها: أن عداوة الشيطان تحتاج إلى مجاهدة؛ لأنه يأتي الإنسان مِن قِبَل الشهوات؛ لذا عبَّر الله بصيغة الافتعال، فقال: ﴿ فَاتَّخِذُوهُ ﴾؛ أي بغاية جهدكم عدوًّا.
ومنها:وجوب عداوة الشيطان، فنتحرَّى ما يغيظ الشيطان، وذلك بمخالفته في كلِّ ما يريد ويأمر به، ونمتثل ما يرضاه الرحمن جلَّ جلاله.
قال القشيري: ولا يقوى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالربِّ، فإنَّه لا يغفل عن عداوتك، فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة.
ومنها: دعوة من الله لأصحاب الحقِّ بالمفاصلة، ﴿ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾، وتحذير من الحق جل وعلا من أن يتخذ أصحاب الحقِّ عدوَّهم وحزبه أولياء.
ومنها:وجوب اتخاذ الله وليًّا.
ومنها: أنَّ اتباع دعوة الشيطان أصل كلِّ شقاوة وعناء، ﴿ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾، وفي مخالفة دعوته سعادة ونعماء وراحة وهدى، وخلود في دار البقاء.
[1] ينظر: تفسير الطبري، (18/ 583)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي، (3/ 77)، تفسير الماتريدي، (8/ 470)، الكشاف للزمخشري، (3/ 609)، المفردات للراغب الأصفهاني، (ص: 359) البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان، (9/ 14)، تفسير ابن كثير، (6/ 473)، بيان المعاني، لعبد القادر العاني، (2/ 112).
[2] ينظر: تفسير السمعاني (4/ 240)، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي، (6/ 204)، والغنية لطالبي طريق الحق، لعبد القادر الجيلاني، (1/ 198)، وتفسير السعدي، (ص: 685) وتفسير المراغي، (22/ 108).
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|