![]() |
![]() |
|
|
#1 |
|
|
صَحَابِي في بَيْتِ النُّبُوَّة
ليست الطفولةُ صفحةً عابرةً في كتاب العمر، بل هي أصلٌ راسخٌ في بناء شخصية الإنسان، ومنها تتشكَّل ملامحه الأولى، وعلى معانيها يقوم بنيانه النفسي والإيماني؛ فما يُغرس فيها يبقى أثرُه ما بقي العمر، وما يُغرس في القلب الغضِّ في صغره، يرسخ فيه رسوخَ النقش في الحجر؛ لا تمحوه الأعوام، ولا تُغيِّره العواصف؛ لأن الإيمان إذا استوطن الصدور مبكرًا، صار جزءًا من التكوين، لا طارئًا عليه. تربية بالقلب قبل اللسان كان أنسُ بنُ مالكٍ - رضي الله عنه - وهو في عُمُرِ الورود، تجلس أمه رضي الله عنها، تُعلِّمه الشهادتين، وتغرس في فؤاده الصغير حبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبًّا حقيقيًّا، ينبع من القلب ليغذِّي الروح، فشغف أنس - رضي الله عنه - بسماع حديث أمّه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تعلَّقت به روحه، وصار يتمنى أن لو يمضي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة، ليغترف من نور رسالته، ويهنأ بلُقياه الشريف، ولم يطُل الانتظار، حتى سرى في يثرب خبرُ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه الصديق - رضي الله عنه -؛ فامتلأت القلوب فرحًا وسرورًا، وتعلَّقت العيونُ بالمسير الميمون الذي يحمل خُطا نبيِّ الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه إلى المدينة المباركة. هديةُ القلب وما إن وصل النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى تسابق الناس إليه، كلٌّ يقدِّم ما يستطيع، وكلُّ قلبٍ يترجم فرحته على قدر طاقته، وهنا وقفت أمه تحمل فتاها ثمرةَ قلبها، لتقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - في صدقٍ عجيب: «يا رسول الله، لم يبقَ رجلٌ ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفك بهدية، وإني لا أجد ما أُهديك به غير ابني هذا، فخذْه، فليخدمك ما شئت»، لم تُقدِّم ولدها تخلِّيًا، بل ارتقاءً، ولم تدفعه إلى الخدمة قهرًا، بل سلَّمته للحب الذي زرعته فيه منذ الصغر، دفعها إلى ذلك ثقةٌ بالله، ويقينٌ بالمنهج، وتسليمٌ لما عند الله. صحبةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَهَشَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - للفتى الصغير وبَشَّ، ومسح رأسه بيده الشريف، وضَمَّه إلى أهله، فبدأت عشر سنواتٍ من الصحبة المباركة، عشرُ سنواتٍ لم تكن مدرسةً عادية، بل كانت حياةً في ظلِّ السُّنَّة؛ تربيةً بالموقف، وتعليمًا بالفعل، وبناءً للروح قبل العقل، لم تكن حياة أنسٍ - رضي الله عنه - مجرَّد خدمة، بل كانت معايشةً يوميةً للخير في أنقى صوره؛ رأى الصدق وهو يُمارَس، والرحمة وهي تُعاش، والحلم وهو يُجسَّد، فصاغت هذه الصحبةُ قلبَه قبل لسانه، وروحه قبل علمه، حتى خرج للأمَّة شاهدًا حيًّا على أن السُّنَّة إذا عيشت، أنشأت رجالًا، وإذا هُجرت، خلَّفت فراغًا لا يسدُّه شيء. ثمراتُ المعايشة النبوية وقد لَقِيَ أنسُ بنُ مالكٍ - رضي الله عنه - من كريم معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يظفر به ولدٌ من والده، وذاق من نبيل شمائله، وجليل خصائله ما تغبطه عليه الدنيا، ونهل من هدْيه - صلى الله عليه وسلم - ما زكَّى به قلبه، وعرف من أحواله وأخباره أسرارًا وشمائل لا يعرفها أحد سواه، حتى صار وعاءً أمينًا للسُّنَّة، وذاكرةً حيَّةً للشمائل، ولسانًا صادقًا ينقل للأمة ما لم يطَّلع عليه غيره. التربية بالحب تصنع الاختيار ولم يكن يسيرًا على طفلٍ في مثل عمر أنسٍ - رضي الله عنه - أن ينقاد طواعيةً ليفارق دفءَ البيت، ويغادر حضنَ الأم، ليصير خادمًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لولا أنَّ قلبه كان قد سُبق إلى ذلك منذ زمن؛ سُبق بالحب، وغُذِّي بالشوق، وسُقي بمعاني التعظيم التي غرستها فيه أمُّه منذ نعومة أظفاره؛ فالأفعال العظيمة لا تولد فجأة، وإنما تخرج من جذورٍ ضاربةٍ في القلب. وهل يستطيع إنسانٌ أن يسلِّم فلذةَ كبده ليكون في خدمة أحد، إلا إذا كان ذلك الشخص أعزَّ عليه من ولده، وأغلى عنده من نفسه التي بين جنبيه؟ وما فعلت أمُّ أنس -رضي الله عنه - ما فعلت؛ إلا لأنها كانت تعلم يقينًا أنها لا تُسلِّم ابنها إلا لخير إنسانٍ وجد على الأرض، ولرسولٍ ارتضاه الله ليكون هاديًا للخلق، ورحمةً للعالمين، أسلمته إليه وهي مطمئنة؛ لأن اليد التي ستأخذ بيده هي يد النبوّة، والقلب الذي سيحتويه قلب الرحمة، والمنهج الذي سيصوغه منهج الوحي. دروسٌ للأمّة عبر الأجيال إن موقف أم أنس - رضي الله عنه - مع ابنها أنس بن مالك - رضي الله عنه - لم يكن مجرد حدثٍ تاريخي، بل درسًا تربويًّا خالدًا، يعلِّمنا أن صناعة الأجيال تكون بغرسٍ مبكِّرٍ للمعنى، وبحبٍّ صادقٍ للقدوة، وبحياةٍ تُعاش في ظلِّ السُّنَّة لا على هامشها؛ فالأبناء لا يُربَّون بالخطب وحدها، بل بالبيوت التي يتنفس فيها الإيمان، وبالأمهات اللاتي يعرفن أن القلب إذا امتلأ بحب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصغر، عاش به كبيرًا، ومات عليه، وبُعث في زمرته، وهكذا يثبت التاريخ، وتشهد السيرة: أن من عاش في ظلِّ الهدي النبوي استقامت فطرته، وزكا قلبه، وصلح أثره، ومن أعرض عنه تخبَّطت به السبل، ولو امتلك أسباب الدنيا كلَّها، فطوبى لطفلٍ نُقش الإيمان في قلبه وهو غضّ، وطوبى لأمٍّ وأبٍ جعلا السُّنَّة أرضا للتربية، تنبت رجالًا يضيئون الزمان. التربية النبوية منهج حياة التربية النبوية هي المنهج الربانيُّ الذي سار به النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ليبني الإنسان المؤمن بناءً شاملًا متكاملًا؛ عقيدةً وسلوكًا، لقد صنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من قلبه مدرسةً، ومن لسانه قرآنًا يمشي بين الناس، ومن سلوكه نورًا يتلألأ في الدُّجى، كان -صلى الله عليه وسلم - يربي النفوسَ بالموعظة العَذبة، ويُظلِّلها بالرحمة الرقيقة، ويهذِّبها بالحرص الصادق، فإذا بالقلوب التي كانت قاسيةً كالحجارة أصبحت تفيض إيمانًا ورقة وخشوعًا، وكان -صلى الله عليه وسلم - أول ما يبدأ بالتوحيد، فيغرسه في النفوس كما يغرس الجذر في التربة، فإذا استقرت العقيدة، نما معها الإيمان، وإذا نما الإيمان أثمر عملًا صالحًا، وأخلاقًا رفيعة، ولم يكن خطابه كلماتٍ عابرةً، بل كان يمَسُّ شَغاف القلب، ويحرِّك أعماق الضمير، فإذا جلس مع أصحابه لم يتركهم إلا وقد امتلأت قلوبهم رجاءً وخوفًا، وامتلأت عقولهم حكمةً وفقهًا؛ ولذا وصفهم الله -تعالى- بقوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (الفتح: 29). ولقد ربى النبي -صلى الله عليه وسلم - أصحابه على مفهوم الإحسان وطاعة الله كأنك تراه؛ كما جاء في حديث جبريل: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، بهذا المعنى ارتقت نفوسهم لتُراقب اللهَ في السر والعلن، فصار الإحسان عندهم روحَ العمل وميزان السلوك. إن التربية على الإحسان تبني جيلًا يتصف بالصدق والأمانة، ويبتعد عن الظلم والعدوان، كما أن الإحسان يزكِّي النفوس، ويرتقي بها إلى أعلى مراتب الأخلاق؛ ولذلك كان الإحسان قاعدةً كبرى للبناء التربوي في الإسلام، به تصلح القلوب، وتستقيم المجتمعات، وتتحقق محبة الله ورضاه. وكان من روائع أساليبه -عليه الصلاة والسلام- أنه يقرب المعنى البعيد بالمثل البليغ؛ فعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ المؤمن كمثل شجرة خضراء، لا يسقط ورقها ولا يتحاتُّ، فقال القوم: هي شجرة كذا، هي شجرة كذا، فأردت أن أقول: هي النخلة، وأنا غلام شاب فاستحييت، فقال: هي النخلة»، وفي هذا الحديث قد أشبهت النخلةُ المسلمَ في عظيم عطائها، وجميل صفاتها؛ فهي دائمة الخضرة، وارفة الظِّلال، طيبة الثمر، ينتفع الناس بجذعها وجريدها وثمارها، وكل ما فيها خير ومنفعة وجمال، وكذلك المؤمن خيرُه متصل لا ينقطع، يظهر في كثرة طاعاته، ودوام عبادته، وحُسن خُلقه، وصدق عطائه وسخائه بالصدقة وسائر أعمال البر، فكأن الخير تميد منه، كما تميد من النخلة، ظلها وثمرها على مدار العام. اعداد: عماد عطية اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|