استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-28-2026, 11:26 AM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي وقفات ودروس من سورة البقرة

      

وقفات ودروس من سورة البقرة (1)
ميسون عبدالرحمن النحلاوي

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.

مقدمة:
القرآن الكريم من أكبر النعم التي مَنَّ بها ربُّ العالمين على عباده المسلمين، فيه الرحمة، وفيه الهدى، وفيه العلم والحكمة والبيان، فيه القصص والعبر والعظات.

هو نور ورحمة وشفاء لكل مسلم على أي حال كان؛ القرآن الكريم فيه الخير كله، مَنْ تمسَّك به فاز، ومن حُرمه خاب وخسر آخرته ودنياه. اللهم إنا نعوذ بك من الخيبة والخسران.

يقول تعالى في سورة يونس: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 57، 58].

جاء في تفسير القرطبي: "قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ قال أبو سعيد الخُدْري وابن عباس رضي الله عنهما: فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام، وعنهما أيضًا: فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله"؛ انتهى.

وقد ذمَّ الله في كتابه العزيز من يقرأ القرآن بلا تدبُّر ولا فهم لمعانيه ومقاصده، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].

قال ابن كثير: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾؛ أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه.

فالمؤمن مأمور أن يبحث ويتقصَّى ويحاول ويجتهد في فهم معاني القرآن الكريم، ليكون ممن "يتلون الكتاب حقَّ تلاوته" فيكتب ممن "يؤمنون به"، يقول تعالى في سورة البقرة: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [البقرة: 121].

قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، إن "حق تلاوته" أن يحل حلاله، ويُحرِّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يُحرِّف الكَلِم عن مواضعه، ولا يتأوَّل منه شيئًا على غير تأويله.

وكذا رواه عبدالرزاق، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود.

وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يحلون حلاله ويُحرِّمون حرامه، ولا يُحرِّفونه عن مواضعه.

قال القرطبي: وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ [البقرة: 121]، قال: " يتبعونه حقَّ اتِّباعه"؛ انتهى.

والعمل بالقرآن واتِّباع ما جاء به يقتضي تدبُّره، ويتطلَّب منا فهم مقاصده ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

وقد ورد عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنه- قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره! ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل! ".

اللهم إنا نسألك إيمانًا صادقًا وفهمًا وتدبُّرًا لكتابك العزيز، وأن تكتبنا من أهل القرآن وخاصته دون رياء ولا نفاق، اللهم آمين، وبعد:
فهذه الدراسة البسيطة لسورة البقرة، والتي تمتد على عشر حلقات أو أكثر، هي محاولة لتدبُّر وفهم ما شاء الله لنا أن نتدبر منها، وإلا فإن أسرار القرآن ومقاصده وإعجازه لا يحيط بها إلا منزله جل وعلا، ولا نحيط نحن البشر من علم الله بشيء إلا بما شاء، كما قال عز وجل في آية الكرسي: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة: 255]، وفي سورة الكهف: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [الكهف: 109].

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك لا يشوبها من الرياء شائبة، اللهم آمين.

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات ودروس من سورة البقرة (1)

مقدمة:
تعريف بسورة البقرة:
أسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنام القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: "البقرةُ سنامُ القرآنِ وذروتُه، نزل مع كل آيةٍ منها ثمانون ملكًا، واستُخرجت ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255] من تحتِ العرشِ فوُصلتْ بها"؛ عن معقل بن يسار، المحدث: الشوكاني، المصدر: فتح القدير، خلاصة حكم المحدث: سنده صحيح، وأخرجه أحمد والطبراني.

وسورة البقرة مدنية بالإجماع، وهي ثاني سور القرآن الكريم بعد سورة الفاتحة بحسب ترتيب المصحف العثماني، وعدد آياتها: ست وثمانون ومائتا آية، وهي أطول سورة في القرآن، وفيها أطول آية في القرآن، وهي آية المداينة، وفيها أفضل آية في القرآن، وهي آية الكرسي.

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "هذه السورة أول ما نزل بالمدينة، نزلت في مُدَدٍ شتى"، وعنه أيضًا: "آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، آية الربا".


وروي أن آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ [البقرة: 281]، ومعها تختم آيات الربا.

تسمية السورة:
سميت هذه السورة بعدة أسماء، منها: السنام، والذروة، والزهراء. أما تسميتها بالاسمين الأوَّلين؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا»؛ رواه أحمد وغيره، وأما تسميتها الزهراء؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران»؛ صحيح مسلم.


ومن يتدبَّر في مفصليات سورة البقرة يجد أن اختيار قصة بقرة بني إسرائيل لتكون اسمًا للسورة، إنما هو بمثابة عنوان عريض لما تزخر به السورة من عروض متنوعة للجوانب النفسية والسلوكية العجيبة لبني إسرائيل؛ ومن عجيبها ما كان منهم في تعاملهم مع نبيهم وربهم في قصة البقرة.. فتجدهم يجادلون ويتعنتون في أبسط وأهون طلب طلبه الله منهم، ليحقق لهم مصلحة، ويحل لهم أمرًا مستعصيًا، فكيف حالهم مع أمور العبودية المطلقة؟!


واستفاضة سورة البقرة في ذكر بني إسرائيل فيه الكثير من الدروس والعِبَر:
ففي قصصهم ومواقفهم إضاءة على خصالهم الخبيثة التي لا ينفع معها استمرار الرسالة والنبوَّة فيهم، وأولها خيانة عهد الله وأمانته، والتقوُّل على الله جلَّ وعلا، والتبديل والتحريف في دينهم، وإبراز وإخفاء ما شاءوا من الكتاب حسب أهوائهم ومصالحهم، ناهيك عن كفرهم.


كما أنها تحمل تذكيرًا ليهود المدينة بما كان عليه أجدادُهم من تكبُّر وتعنُّت واستكبار، وما أصابهم من عقوبات كارثية جزاء كفرهم وخيانتهم لله ورسالته، وبما ينتظرهم إذا ما أنكروا محمدًا ورسالته حسدًا واستكبارًا، وأصرُّوا على اتِّباع خطى أولئك الأجداد.


وهذا بدوره يقودنا إلى الدرس التالي: أن انتبهوا أيها المسلمون أن تسيروا على خطى القوم فيصيبكم ما أصابهم.


كما يلفتنا في سياق السورة أن الجزء الذي يتناول عددًا من التشريعات المنظمة للمجتمع المسلم لم يأتِ إلا بعد أن وعى المؤمنون وفهموا عاقبة عصيان الله ورسوله من خلال البسط المرتب والمستفيض لسيرة أولئك القوم، وما كانوا عليه من خلل في علاقتهم مع شريعة ربِّهم ورسولهم وأنبيائهم.


وسنفرد في هذه الدراسة إن شاء الله حيزًا بارزًا لما أوردته السورة بشأن بني إسرائيل.

فضل السورة:
لم يرد في السنة الشريفة فضل لسورة من سور القرآن كما ورد في فضل سورة البقرة، فقد ورد في سورة البقرة جملةٌ من الأحاديث النبوية الشريفة، نذكر منها:
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة»؛ رواه مسلم.


وقوله صلى الله عليه وسلم: "عن النواس بن سمعان الكلابي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُؤْتَى بالقُرْآنِ يَومَ القِيامَةِ وأَهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ به تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، وآلُ عِمْرانَ، وضَرَبَ لهما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثَلاثَةَ أمْثالٍ ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قالَ: كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ ظُلَّتانِ سَوْداوانِ بيْنَهُما شَرْقٌ، أوْ كَأنَّهُما حِزْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن صاحِبِهِما"؛ صحيح مسلم.


في هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "يُؤْتَى بالقرآنِ وأهلِهِ الَّذين كانوا يَعْمَلُونَ به"؛ أي: الَّذين يَقرءون القُرآنَ، ويُؤمنون بأخبارِهِ، ويُصدِّقون بها، ويعملون بأحكامِهِ، فهؤلاءِ يكون القرآنُ حُجَّةً لهم يومَ القيامةِ، وَخَرَجَ بذلك الَّذين لا يُؤمنون بأخبارِهِ، ولا يُقيمون حُدُودَهُ، فهؤلاء يكون القرآنُ حُجَّةً عليهم؛ لِأَنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "القرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك"، "تَقْدُمُه"؛ أي: تَتَقَدَّمُ القرآنَ، أو أهلَهُ: "سورةُ البقرةِ، وآلِ عِمرانَ"، "كأنَّهما غَمَامَتَانِ، أو ظُلَّتَانِ"؛ أي: سحابتان، "سَوْدَاوَانِ"؛ لِكَثَافَتِهِما، وَارْتِكَامِ بعضِهما على بعضٍ، "بينهما شَرْقٌ"؛ أي: ضَوْءٌ، ونُورُ الشَّرْقِ هو الشَّمسُ، وفي ذلك تنبيهٌ على أنَّهما مع الكثافةِ لا يَستُرانِ الضَّوْءَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بالشَّرْقِ الشَّقُّ، وهو الانْفِراجُ؛ أي: بينهما فُرْجَةٌ وَفَصْلٌ؛ كتميُّزِهما بالبَسْمَلَةِ في المُصْحَفِ؛ "وكأنَّهما حِزْقَانِ"؛ أي: قطيعان وجماعتان، "تُحَاجَّانِ"؛ أي: تُدافِعان الجحيمَ والزَّبَانِيَةَ، أو تُخاصِمان الرَّبَّ، أو تُجادِلان عنهم بالشَّفاعةِ، أو عِنْدَ السُّؤالِ إذا سَكَتَ اللِّسانُ، واضْطَرَبَتِ الشَّفَتَانِ، وضاعتِ الْبَرَاهِينُ".


اللهم اجعلنا من أهلهما.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا، وهم ذو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنًّا، فقال: «ما معك يا فلان؟»، قال: "معي كذا وكذا، وسورة البقرة"، قال: «أمعك سورة البقرة؟»، فقال: "نعم"، قال: «فاذهب، فأنت أميرهم»؛ رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن".


ولو نظرنا إلى أحوال الصحابة في تعاملهم مع هذه السورة، نجد شيئًا عجبًا، فهذا عمر،كما أخرج البيهقي في الشُّعب "بقي يتعلم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا"؛ شعب الإيمان.


فهذه المدة الطويلة لا شك أنه كان يتفهم ما فيها من المعاني والهدايات والعقائد والأحكام، وإلا فهو ذو قدرة على حفظها في أيام، ولكن هكذا كانوا يتعلمون القرآن، يتعلمون حروفه، ويتدبرون مقاصده وآياته.. يهتدون بهديه ويتعلمون من قصصه وعِبَره..


بقي رضي الله عنه اثنتي عشرة سنةيحفظ في سورة البقرة.. اللهم اهدنا هدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم والراشدين من بعده.


وفي كتاب الاستيعاب لابن عبدالبر: "وكان لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام فحسُن إسلامه، وترك قول الشعر في الإسلام، وسأله عمر في خلافته عن شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتًا من الشعر بعد إذ عَلَّمني الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة. وقد قال كثير من أهل الأخبار: إن لبيدًا لم يقل شعرًا منذ أسلم. وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالًا"؛ تفسير القرطبي.


وذكر الإمام مالك -رحمه الله- في الموطأ أن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- مكث على سورة البقرة ثماني سنين، يتعلمها"؛ موطأ مالك.

كما جاء في فضل آية الكرسي جملة أحاديث، منها عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر"؛ رواه مسلم.


وقوله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت»؛ رواه النسائي.


وجاء في فضل خواتيم سورة البقرة بعض الأحاديث، نذكر منها:
قول جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جالسًا عنده: "أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته"؛ رواه مسلم.


وقوله صلى الله عليه وسلم: «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه»؛ متفق عليه.


وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين، أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهن، وعلموهن نساءكم، فإنها صلاة، وقرآن، ودعاء»؛ رواه الحاكم في المستدرك، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري".


والآثار في فضلها كثيرة.
والحمد لله رب العالمين.
يتبع.


اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* درس عن الماء للأطفال
* من عظات الآباء للأبناء والأطفال
* الافساد بين الزوجين!!
* صرخة فتاة تعرضت للتحرش
* أطفال المسلمين كيف رباهم النبي الأمين صلى الله عليه وسلم
* سهرة عائلية
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2026, 11:29 AM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

وقفات مع سورة البقرة (2)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي



السمات المميزة لسورة البقرة:


السمة الرئيسة التي تتميز بها سورة البقرة، هي أنها تكاد تكون جامعة لكل مواضيع القرآن، سواء كان ذلك تفصيلًا أو تلخيصًا، أو إشارة أو تلميحًا، وبالرغم من كونها مدنية إلا أن طابع السور المكية يكاد لا يغيب عنها.



وسورة البقرة هي السورة المؤسسة للمجتمع الإسلامي بكافة وجوهه ونواحيه: عقائديًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا.



أما عقائديًّا، فهي تزخر بالمحاور والآيات التي تقرر عقيدة التوحيد؛ منها على سبيل المثال لا الحصر:
عرض دلائل وحدة الألوهية؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ ‌إِلَّا ‌هُوَ ‌الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 163- 164].


أركان الإيمان وأركان الإسلام: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ‌قِبَلَ ‌الْمَشْرِقِ ‌وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، وذكر في هذه الآية أركان الإيمان الخمس، ومن أركان الإسلام: الصلاة، والزكاة، بعد التوحيد، وهي التي حدثنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي جاء يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة: "... ثم وضعَ يدهُ على ركبتَي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمدُ، ما الإسلامُ؟ فقال: ((الإسلامُ أن تشْهَد أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وأن تُقِيمَ الصلاةَ، وتُؤتي الزكاةَ، وتَحُجَّ وتَعْتَمرَ، وتَغْتَسِلَ من الجنابة، وتُتِمَّ الوضوءَ، وتَصوم رمضانَ))، قال: فإن فعلت هذا فأنا مُسْلِمٌ؟ قال: نعم. قال: صدَقْتَ. قال: يا محمدُ، ما الإيمانُ؟ قال: ((الإيمانُ أن تؤمنَ باللهِ وملائكَتِه وكتبهِ ورسلهِ، وتؤمنَ بالجنةِ والنار والميزانِ، وتؤمنَ بالبعثِ بعد الموتِ، وتؤمنَ بالقدرِ خيرهِ وشَرِّهِ))، قال: فإذا فعلتَ هذا فأنا مُؤْمِن؟ قال: نعم.


ثم تأتي آيات الصيام: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، وآيات الحج والعمرة لتنهي أركان الإسلام: ﴿ وَأَتِمُّوا ‌الْحَجَّ ‌وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]، يتخللها آيات فَرْض القتال: ﴿ وَقَاتِلُوا ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ ‌الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190].
وأما اجتماعيًّا، فنجد فيها جملة من الشرائع المتنوعة المؤسسة للمجتمع الإسلامي، شرائع تخص الأسرة المسلمة بالدرجة الأولى: في النكاح، في الطلاق، في العدة، في الرضاع، في المحيض، في اليتامى، في الوصية، في القصاص.


وأما اقتصاديًّا، فتسلط السورة الضوء على العنصر الباني للمجتمع الإسلامي "الإنفاق"،والعنصرالهادم له "الربا"، ثم أحكام البيوع: الدين والرهان.


الإنفاق: كما في قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا ‌مِمَّا ‌رَزَقْنَاكُمْ ‌مِنْ ‌قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، وقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ ‌يُنْفِقُونَ ‌أَمْوَالَهُمْ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]،ثم يفصل السياق في آداب الإنفاق، وفي مصارفه، وفي الإنفاق المقبول، والإنفاق المهلك.


والربا: ﴿ الَّذِينَ ‌يَأْكُلُونَ ‌الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة: 275-276].


أحكام البيوع: الدين والرهان: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ‌تَدَايَنْتُمْ ‌بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [البقرة، الآيتين 282- 283].


ولنا أن نضيف إلى هذه الأسس الثلاثة، أساسًا رابعًا مؤسسًا للجانب السياسي، مؤسسًا لمسألة التعامل مع الصنفين اللذين يشكلان الصف المعادي للأمة الإسلامية، ويتمثل في توضيح موقف أهل الكتاب والمشركين من الإسلام والمسلمين؛ ليكون المسلمون على بيِّنة وبصيرة بأعدائهم حتى لو لبسوا جلود الحملان.


كما في قوله تعالى: ﴿ ‌مَا ‌يَوَدُّ ‌الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [البقرة: 105].


وقوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: 109]، وقوله تعالى في مسألة القبلة: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ‌بِكُلِّ ‌آيَةٍ ‌مَا ‌تَبِعُوا ‌قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145].


وقوله تعالى في مسألة القتال: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ‌عَنِ ‌الشَّهْرِ ‌الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217].


سمة رئيسية أخرى في السورة هي تقعيد مسألة دين التوحيد على أنه هو الدين الذي تأسست عليه البشرية قبل الاختلاف، وأن الأنبياء والرسل إنما أُرسلوا بعد الاختلاف الذي وقع بين الذين أوتوه ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ‌بَغْيًا ‌بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]، وهذا الاختلاف هو الوقوع في الشرك والمعصية، والميل عن هذا الدين، ورسالة الرسل على اختلاف زمانهم ومكانهم إنما كانت لرد الناس إلى الدين الحق "الإسلام"، دين البشرية الأول الذي نزل به آدم عليه السلام.


يقول تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ ‌أُمَّةً ‌وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213].


ثم يأتي تأكيد لهذه المعاني في سورة آل عمران: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ ‌وَأُولُو ‌الْعِلْمِ ‌قَائِمًا ‌بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران: 18-19].


يقول ابن كثير: "وهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم". ذكر ابن جرير "أن ابن عباس قرأ:﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ ‌وَأُولُو ‌الْعِلْمِ ‌قَائِمًا ‌بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾؛ أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام".


فهل كانت الرسالة التي بعث فيها أنبياء الله كافة على اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم هي الإسلام حقًّا؟ يجيبنا الذكر الحكيم:
نوح عليه السلام: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ‌نَبَأَ ‌نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 71-72].


إبراهيم عليه السلام: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ ‌يَهُودِيًّا ‌وَلَا ‌نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾ [آل عمران: 67].


دين يعقوب عليه السلام والأسباط: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ ‌عَنْ ‌مِلَّةِ ‌إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 130-133].


لوط عليه السلام: ﴿ قَالَ ‌فَمَا ‌خَطْبُكُمْ ‌أَيُّهَا ‌الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الذاريات: 31-36].


موسى عليه السلام: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌آمَنْتُمْ ‌بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84].


دين بني إسرائيل: ﴿ ‌وَجَاوَزْنَا ‌بِبَنِي ‌إِسْرَائِيلَ ‌الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 90].


يوسف عليه السلام: ﴿ رَبِّ ‌قَدْ ‌آتَيْتَنِي ‌مِنَ ‌الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101].


دعوة سليمان عليه السلام: ﴿ قَالَتْ ‌يَاأَيُّهَا ‌الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 29-31].


دين سليمان عليه السلام: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ ‌أَهَكَذَا ‌عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 42].


استجابة بلقيس: ﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ‌وَأَسْلَمْتُ ‌مَعَ ‌سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [النمل: 44].


عيسى عليه السلام: وكان عيسى عليه السلام مسلمًا، كما كان أخوه موسى عليه السلام، فقد كانت رسالة عيسى تصديقًا لرسالة موسى عليهما السلام: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‌مُصَدِّقًا ‌لِمَا ‌بَيْنَ ‌يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ‌وَمُصَدِّقًا ‌لِمَا ‌بَيْنَ ‌يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 46].


محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ إِنِّي ‌نُهِيتُ ‌أَنْ ‌أَعْبُدَ ‌الَّذِينَ ‌تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 66].


ونختم بوصية الله لنا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بخطاب وجَّهَه جل في علاه لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ‌لَا ‌نُفَرِّقُ ‌بَيْنَ ‌أَحَدٍ ‌مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 84].


وهذه الوصية تلخص كل ما سبق.


سمة رابعة؛ إبراز فكرة اختلاف أَتْباع الرسالات بعد العلم وسببه:
﴿ كَانَ النَّاسُ ‌أُمَّةً ‌وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213].


يقول الطبري في تفسيره‏: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ‌بَغْيًا ‌بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]؛ أي:‏ بغيًا على الدنيا، وطلب ملكها وزخرفها وزينتها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض،‏ ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ‌مِنَ ‌الْحَقِّ ‌بِإِذْنِهِ، يقول‏:‏ فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له‏.‏ و"البغي" مصدر "من قول القائل: بغى فلانٌ على فلان بغيًا، إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حده، فمعنى قوله جل ثناؤه: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ‌بَغْيًا ‌بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]، من ذلك. يقول: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنـزلته مع نبيي عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلاف حكمه، من بعد ما ثبتت حجته عليهم، ﴿ ‌بَغْيًا ‌بَيْنَهُمْطلب الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالًا بعضهم لبعض"؛ انتهى الطبري.


وتتالى في سور متعددة في القرآن الكريم هذه القاعدة، وكلها في معرض تحذير أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يقعوا فيما وقع فيه الذين من قبلهم، كقوله تعالى:
في آل عمران 19: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ‌بَغْيًا ‌بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾.


وفي الشورى 14: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ‌بَغْيًا ‌بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ، فما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة، يقول ابن كثير: "بغيًا من بعضكم على بعض، وحسدًا وعداوةً على طلب الدنيا".


والحمد لله رب العالمين.


يُتبع...

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* درس عن الماء للأطفال
* من عظات الآباء للأبناء والأطفال
* الافساد بين الزوجين!!
* صرخة فتاة تعرضت للتحرش
* أطفال المسلمين كيف رباهم النبي الأمين صلى الله عليه وسلم
* سهرة عائلية
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2026, 11:31 AM   #3

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

وقفات مع سورة البقرة (3)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

الجو العام لسورة البقرة ومواضيعها:
عندما كانت سورة البقرة أول سُوَر القرآن الكريم بعد الفاتحة، كانت فاتحتها وصفًا دقيقًا عامًّا شاملًا لهذا الكتاب - القرآن - المحكم الذي لا يتطرق إليه ريب أو شك: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 1، 2]، وكانت أجواؤها تحقيقًا صريحًا لهذا الوصف.. فلا تكاد تمُرُّ على محور من محاورها إلا وتعيش صدق هذا الكتاب وإحكام آياته وبيانه المعجز، تعيش أجواء الهداية، ومتطلبات التقوى وأوصاف المتقين.


والسورة تبدأ بالهداية: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾، وتختم بالهداية: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 285، 286]، وقلبها كله هداية: أحكام إلهية، أوامر ونواهٍ، توجيه وتربية، أخلاق وسلوكيات، تشريعات وقوانين، بأساليب متنوِّعة، منها المباشر ومنها غير المباشر، ثم تأتي على صفات هؤلاء المتقين.


أما مواضيع السورة فتندرج ضمن تقسيمات السورة الثلاثة: المقدمة، والقلب، والخاتمة.


تقوم مقدمة السورة على ثلاثة أسس:
1- الرسالة المحمدية، والاتجاهات الثلاثة التي تنقسم إليها البشرية في موقفها من الرسالة الأخيرة.


2- دعوة البشرية إلى دين التوحيد، وآيات الله في الخلق والكون.


3- قصة الخلق، آدم عليه السلام: بدء الخلق وبداية الرحلة الدنيوية للبشرية على الأرض في معركة أزلية بين الإنسان والشيطان، الخير والشر، الكفر والإيمان، الهداية والضلال، المعصية والتوبة.

وينطوي قلب السورة:
على الكثير من دلائل التوحيد في شقَّيه: توحيد الألوهية، والربوبية، وكذلك مشاهد من البعث وتخاصم الأتباع والمتبوعين؛ كقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 21، 22]، وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة: 165، 166].


وتؤسس السورة في طياتها لمفهوم وحدة الدين البشري، وأنه الإسلام.


وتشغل قصص بني إسرائيل وأخبارهم حيزًا كبيرًا من قلب السورة يكاد يغطي الجزء الأول برمته، كما لا يغيب ذكرهم عن الجزء الثاني.


ومما يلفتنا في أجواء السورة أن أخبار بني إسرائيل وعرض سلوكياتهم المنحرفة في تعاملهم مع ربهم ونبيهم تأتي سابقة للأحكام والشرائع والقوانين الإلهية المؤسِّسة للمجتمع الإسلامي، ويعود السبب في ذلك- والله أعلم- إلى ما تنطوي عليه قصص وأخبار هؤلاء القوم من دروس إيمانية وتربوية عميقة في كيفية التعامل مع الأمر الإلهي من تشريع وأحكام وقوانين، فهُمْ نموذج فريد لقوم من أقوام البشرية ناصبوا الله عز وجل "الندِّية"، فكانت أبرز سماتهم أنهم يعتبرون أن لله رأيًا؛ وهو ما يأمر به جل في علاه، ولهم رأي؛ وهو ما تمليه عليهم أهواؤهم، ورأيهم في الغالب أفضل من أمر الله، سبحانه وتعالى عما يظنون، فكأن الله عز وجل يقول لنا من خلالهم: إن كان منكم ما كان منهم فانتظروا عاقبة كعاقبتهم!


ونطالع فيه مسألة السحر وحقيقته.


وفيه آية الكرسي صفات الواحد الأحد.


وفيه التشريعات المؤسسة للمجتمع الإسلامي بكافة عناصره.


وسنأتي على تفصيل قلب السورة إن شاء الله.


أما خاتمتها، فقد اشتملت على تقرير شامل لأسس العقيدة: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 284 - 286].


الله جلَّ جلاله:
تفرَّد الله الأحد في ملك السماوات والأرض، وكل ما يندرج تحت هذا الملك المطلق من معانٍ.


إحاطة الله الواحد بالنفس الإنسانية من كل جوانبها حتى ما تخفي الصدور.


الحساب بيده وحده: إما مغفرة، وإما عذاب.


القدرة المطلقة على كل شيء، كل شيء!


ثم حقيقة الإيمان: إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ: عبارة جامعة شاملة مؤدية لكل معاني النبوة ومقوماتها.
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ ﴾: الإيمان فرض عين "كلٌّ" وليس فرض كفاية.
﴿ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾: أركان الإيمان.
﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾: من شروط الايمان عدم التفرقة بين الرُّسُل.
السمع والطاعة ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾.
طلب المغفرة على الدوام﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾.
الإيمان بيوم البعث، واليوم الآخر، وأن مصير البشرية إلى الله وحده ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾.


حقيقة التكليف:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾: أمر تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]،فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمةً وإحسانًا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهما"؛ تفسير السعدي.


وكل نفس محاسبة على كسبها واكتسابها، ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الإسراء: 15].


الكسب والاكتساب: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286]، يقول الدكتور فاضل السامرائي: "الاكتساب فيها تعمّل واجتهاد. الكسب يكون في الخير والشر؛ لأن الكسب أسرع والاكتساب فيه تعمّل واجتهاد وكسب حتى يكتسب، والسيئات تحتاج إلى مشقة، أما الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، يغتابك أحد وتكسب أنت خيرًا وهو يكتسب شرًّا".

دعاء المؤمنين.
﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286] اللهم تجاوز عنا خطأنا ونسياننا.

﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، ربنا لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا.


﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ [البقرة: 286]: ربنالا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق.


﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: عن ذنوبنا. عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه، نسألك ربنا العفو.

والمغفرة ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: استر على ذنوبنا. والغفر: الستر.


والرحمة ﴿ وَارْحَمْنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: تفضل برحمة مبتدئًا منك علينا، وقيل: ارحمنا فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.


والولاية ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا ﴾ [الأعراف: 155] وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك.


والنصرة. ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286] فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة.


﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 284 - 286].


قال صلى الله عليه وسلم: "أُعطِيتُ هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحت العرشِ، لم يُعطَها نبيٌّ قَبلي" عن أبي ذَرٍّ، وحذيفة بن اليمان؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع.


والحمد لله رب العالمين.


يُتبع.....
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* درس عن الماء للأطفال
* من عظات الآباء للأبناء والأطفال
* الافساد بين الزوجين!!
* صرخة فتاة تعرضت للتحرش
* أطفال المسلمين كيف رباهم النبي الأمين صلى الله عليه وسلم
* سهرة عائلية
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2026, 11:33 AM   #4

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

وقفات ودروس من سورة البقرة (4)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي



تأملات في مقدمة السورة:
تغطي مقدمة السورة تسعًا وثلاثين آية، تشكل القاعدة التي سترتكز عليها أعمدة الهداية في السورة، التي تستند كما أسلفنا، إلى ثلاثة أسس:
1- الرسالة المحمدية، والاتجاهات الثلاث التي تنقسم إليها البشرية في موقفها من الرسالة الأخيرة.


2- دعوة البشرية إلى دين التوحيد.


3- قصة آدم عليه السلام: بدء الخلق، وبداية الرحلة الدنيوية للبشرية على الأرض في معركة أزلية بين الإنسان والشيطان، الخير والشر، الكفر والإيمان، الهداية والضلال، المعصية والتوبة.

الأساس الأول الرسالة المحمدية، والاتجاهات الثلاث التي تنقسم إليها البشرية في موقفها من الرسالة الأخيرة.

الرسالة المحمدية: تبدأ السورة بتوصيف القرآن الكريم، حامل رسالة التوحيد: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 1، 2]، تصفه أولًا بأنه الحق المطلق الثابت الذي لا يتطرق إليه أي شك أو ريب: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2]، ثم تقرر الهدف الذي نزل من أجله: "هدًى"، ثم تقرر الفئة المستفيدة من هذا الهدى: "المتقين"، ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2].


فأما الهداية، فهي جوُّ السورة العام الذي تسير فيه، والمهيمن على كل محاورها.


وأما التقوى واشتقاقاتها، فسنجد أنها ملازمة لكل أمر أو نهي، أو تشريع أو حكم، تأتي عليه آيات السورة تقريبًا.


وأما الكتاب الذي لا ريب فيه، فنقرأ في الآيتين الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين ترسيخًا لأربع قواعد في شأنه:
الأولى هي أنه تنزيل من عند الله ﴿ نَزَّلْنَا ﴾ [البقرة: 23].


الثانية هي أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بصفته عبدًا لله: ﴿ عَلَى عَبْدِنَا ﴾ [البقرة: 23].


الثالثة هي إعجاز هذا الكتاب المتضمن للرسالة؛ من حيث إنه لا يمكن لبشرٍ أن يأتي بسورة من مثله.


والرابعة هي جزاء من يكفر بهذه الرسالة ومن يؤمن بها؛ يقول تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 23 - 25].

وأما الاتجاهات الثلاث التي تنقسم إليها البشرية تجاه الرسالة الأخيرة؛ فهي: الإيمان، الكفر، النفاق.

فأما المؤمنون فتصفهم السورة في ثلاث آيات: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 3 - 5].

وأما الكافرون في آيتين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 6، 7]، فهم قوم ميؤوس منهم، كفرهم واضح لا لَبْسَ فيه، قد خُتم على جميع أحاسيسهم التي يفترض أن تقودهم إلى الهداية.

وأما المنافقون، فتفرِد لهم مقدمة السورة ثلاث عشرة آية؛ لعِظَمِ خطرهم على الأمة الإسلامية من جهة، ولمنهجية التلبس التي يتبعونها من جهة أخرى، فهم يُظهِرون الإيمان ويُبطنون الكفر، يُظهرون المودة للمسلمين، ويبطنون العداوة، دينهم وديدنهم المكر والخداع والغدر، وهذا مكمن عِظَمِ خطرهم على الأمة:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 8 - 16].

نفصِّل في الصفات:
1- يُظهرون عكس ما يُبطنون: أقوالهم تُظهر الإيمان بالله واليوم الآخر، وحقيقتهم عكس ذلك: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 8].


2- الخداع وسيلتهم في التواصل مع الله، خالقهم، ومع المؤمنين: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة: 9]، ولكن خداعهم منقلِبٌ عليهم؛ لأنهم يخادعون من لا يُخدَع، "فالخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع، فإنما يخدع نفسه"؛ قاله القرطبي.


3- والمنافق إنسان مريض القلب: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ [البقرة: 10]، مريض بالشك والريبة - على قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد - فمن يستسلم لنفاقه ولا يتوب منه، يزِدِ الله مرضَ قلبه هذا، حتى يصبح آفة لا شفاء منها، أعاذنا الله وإياكم من النفاق والمنافقين، اللهم آمين.

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 10]، قد يكون في الدنيا قبل الآخرة، والسبب ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [البقرة: 10]، الكذب صِبغة النفاق الأولى.

يظنون في أنفسهم الإصلاح، ولا يعترفون بفسادهم وإفسادهم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 11]، فإن عصَوا ونُصحوا بالتوبة والرجوع، عاندوا وأسبغوا على أعمالهم صفة الصلاح؛ يقول الطبري في تفسيره: "فكذلك صفة أهل النفاق: مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم على المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، فلم يُسقِط الله جل ثناؤه عنهم عقوبته، ولا خفَّف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته - بحسبانهم أنهم فيما أتَوا من معاصي الله مصلحون - بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره، والأليم من عذابه، والعار العاجل بسبِّ الله إياهم وشتمه لهم؛ فقال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 12]"؛ [انتهى].


رادارهم معطَّل وشعورهم بالفساد معدوم، لا يعرفون الحق من الباطل والصلاح من الفساد: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 12].

الصفة السادسة، صفة موردة للهلاك ينتهجها كثير منا دون أن يعلم، التكبر والترفع عن التساوي بالمنزلة مع الموحدين، واعتبارهم سفهاء: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ [البقرة: 13]؛ يقول ابن كثير: "إذا قيل للمنافقين ﴿ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 13]؛ أي: كإيمان الناس بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك، مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر، وترك الزواجر - يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء، وغرورهم هذا يُعمي بصيرتهم، فلا يرَون ما هم به من سفاهة ويخفى عنهم علمها: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 13]"؛ [انتهى].

الصفة السابعة تتعلق بالعلاقات الخارجية؛ أي خارج نطاق المجتمع الإسلامي، في العلاقة بين المجتمع الإسلامي وأعدائه من شياطين الإنس، كانت الصفات الست السابقة داخل المجتمع الإسلامي، أما هذه فتتعداها إلى العلاقات الخارجية: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]، المنافقون في تواصل دائم مع أعداء الإسلام من شياطين الإنس، الموصوفين في الآية الكريمة: بـ﴿ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ [البقرة: 14]، يُظهرون إيمانهم اللفظي للمؤمنين: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ [البقرة: 14]، ويبقى ولاؤهم القلبي والفعلي للكفار والمشركين: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ [البقرة: 14]؛ قال ابن كثير: "وشياطينهم هم: سادتهم وكبراؤهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين".


صنعتهم الاستهزاء وليس الخداع فحسب: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]؛ قال ابن عباس: أي: إنا على مثل ما أنتم عليه هكذا يقولون للكفار﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]؛ أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم، ويا لهم من جهلاء سفهاء، ويرد عليهم خالق الخلق من يعلم السر وأخفى جل في علاه؛ فيقول: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 15]؛ يقول ابن كثير: "فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا؛ يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال؛ قال ابن جرير: لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتفٍ عن الله عز وجل، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك؛


قال ابن عباس: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ [البقرة: 15] قال: يسخر بهم للنقمة منهم، وقوله تعالى: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 15]؛ قال السدي عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، "يمدهم: يملي لهم".

قوم اعتاضوا عن الهدى بالضلالة، عرفوا الحق ولكنهم استحبوا الباطل، فعدلوا عن الحق إلى الباطل، تحركهم الأهواء: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 16]، فكانت تجارة خاسرة.

ثم يمضي السياق في توضيح حال هؤلاء المنافقين بمثالي الظلام والنور، والرعد والبرق والصواعق، مثالين معجزين في كل زاوية من زواياهما.

﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 17 - 20].

يقول الدكتور فاضل السامرائي في تفسير الآيات:
المثال الأول: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 17، 18].

ربنا شبَّه المنافقين كالذي استوقد نارًا، فلما أضاءت ذهب الله بنورهم، ولم يقل: بضوئهم؛ لأنه لو قال ذهب الله بضوئهم، لاحتمل أن يبقى نورٌ؛ لأن الضياء فرط الإنارة، كان يبقى نور، فأراد أن يجتث المعنى كله، فلما قال: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ [البقرة: 17] إذًا لا يبقى نور ولا ضياء، وإنما ظلمة، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ [البقرة: 17]، ما قال: ما حولها، ﴿ مَا حَوْلَهُ ﴾ [البقرة: 17]؛ يعني: حول المستوقد، ثم قال: ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ﴾ [البقرة: 17] جمع الظلمة؛ لتعدد أسبابها وهي في القرآن؛ حيث وردت مجموعة، ثم قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ [البقرة: 18]، والأبكم الذي يُولَد أخرسَ، ولم يقل: صم وبكم وعمي؛ لأن (صم وبكم وعمي) محتمل أن يكون هناك جماعة بكم، وهنالك جماعة صم، وهنالك جماعة عمي، لو قلت: هؤلاء فقهاء وكُتَّاب؛ يعني محتمل أن يكون فيهم فقهاء، ويحتمل أن يكون فيهم كتَّاب، لكن لو قلت: هؤلاء فقهاء كتَّاب شعراء؛ يعني هم جمعوا الصفات كلها، هذا فقيه كاتب شاعر يجمع الصفات، لكن لو قلت: هؤلاء فقهاء وكتَّاب وشعراء، فيها احتمالان؛ احتمال أن يكونوا جمعوا، واحتمال أن يكون قسمٌ فقهاء، وقسم كُتَّابًا وقسم شعراء، ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ [البقرة: 18]، هذا تعبير قطعي جمعوا كل هذه الأوصاف؛ يعني كل واحد فيهم أبكم وأصم وأعمى، ﴿ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 18]، تركهم متحيرين لا يرجعون إلى المكان الذي بدؤوا منه، والأعمى لا يبصر، والأبكم لا يسأل، والأصم لا يسمع، كيف يرجع؟ فقدوا أشكال التواصل، الأعمى لا يبصر، والأصم لا يسمع، والأبكم لا يسأل ولا ينطق، كيف يرجعون؟ يقولون لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه؛ لأنه قال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾ [البقرة: 16]، لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشترَوها.

والمثال الآخر قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 19، 20].

هذا هو المثال الآخر، الصيب هو المطر، المطر الشديد الانصباب (من صاب يصوب)، مطر شديد الانصباب، وليس مجرد مطر، إذًا هذا هو الصيب، هو ذكر قال: ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ [البقرة: 19]، الظاهر أنها ظلمات كثيرة؛ لأنه جَمَعَ، ظلمات جمع ظلمة، السَّحْمَة (سَحمة يُقال: في ظلام أسحم شديد الظلمة)، وتطبيقه للسماء وظلمة الليل، هو نفسه مظلم كونه طبَّق السماء، فليس فيها مكان للضياء، الظلمة الثانية، والظلمة الثالثة ظلمة الليل، ظلمة الليل لأنه قال: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾ [البقرة: 20]، لو كان نهارًا لكانوا مشَوا، وفيه رعد وبرق، إذًا هذه هي الظلمات، وفي القرآن لم ترد كلمة الظلمات مفردة أبدًا، بخلاف النور ورد مفردًا، إذًا الصيب مطر شديد الانصباب ينحدر، فيه هذه الظلمات؛ فقال: ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ [البقرة: 19] ليس فقط ظلمات.

قال: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ [البقرة: 19]، الأصابع والمقصود هو الأنامل؛ لأن الإصبع لا يمكن أن يدخل في الأذن، وهذا مجاز مرسل؛ حيث أطلق الكل وأراد الجزء؛ وهذا لشدة الخوف، كأنما يجعلون أصابعهم لو استطاعوا أن يدخلوها كلها في آذانهم، لفعلوا من شدة الخوف وما هم فيه، والصواعق هي رعد شديد مع نار محرقة، وقد يصحبها جِرم حديد، ليس مجرد رعد، وليست صاعقة، وإنما صواعق ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ [البقرة: 19]، إذًا هو رعد شديد مع نار محرقة، قد يكون معها حجر أو جرم، ولاحظ من فرط الدهشة أنهم يسدون الآذان من الصواعق، وسد الآذان ينفع من الصواعق، ينفع من الرعد، لكن لا ينفع مع الصاعقة، لكن لفرط دهشتهم لا يعلمون ماذا يفعلون، إذًا هم يتخبطون، وصواعق جمع صاعقة، لاحظ المبالغات الموجودة في الآية؛ صواعق وظلمات وصيب وليس مجرد مطر: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾ [البقرة: 20]، و(كلما) تفيد التكرار، إذًا لم تكن مرة واحدة، وجيء بها؛ لأنهم حريصون على المشي لكي يصلوا: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾ [البقرة: 20]، كلما أضاء لهم البرق، مشوا فيه، ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ ﴾ [البقرة: 20]، ولم يقل: إن أظلم؛ للتحقق، ولو قال: إن أظلم يكون أقل، (إذا) للمتحقق الوقوع وللكثير الوقوع، أما (إن) فهي قد تكون للافتراضات، وقد لا يقع أصلًا، ثم قال: ﴿ مَشَوا ﴾ ولم يقل: سعوا؛ لأن السعي هو المشي السريع، أما المشي ففيه بطء؛ إشارة إلى ضعف قواهم، لا يستطيعون مع الخوف والدهشة، لا يعلمون كيف يفعلون، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ [البقرة: 20]، لذهب بسمعهم مع قصف الرعد يعني جعلهم صُمًّا، وأبصارهم مع البرق، لماذا لم يفعل إذًا؟ كان يمكن أن يذهب بسمعهم مع قصف الرعد، وأن يذهب بأبصارهم مع ومض البرق، لا، هو أراد أن يستمر الخوف؛ لأنه لو ذهب السمع لم يسمعوا، ولو ذهب البصر لم يبصروا، فأصبحوا بمعزل، هو أراد أن يبقوا هكذا حتى يستمر الخوف، وقدَّم السمع لأن الخوف معه أشد"؛ [انتهى، لمسات بيانية للدكتور فاضل السامرائي].

فائدة: أول مثال ورد في أول سورة من القرآن الكريم كان في حق المنافقين.

الأساس الثاني: دعوة البشرية إلى دين التوحيد، بشقَّيه: الإيمان بالله، وبالرسالة، مشفوعة بدلائل التوحيد، وجزاء من يكفر بها ومن يؤمن بها.


فأما الدعوة إلى الإيمان بالله، فتبدأ بأمر الناس بعبادته: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ [البقرة: 21]، وتنتهي بنهيهم عن الشرك به: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 21، 22].

والآيات تعرض دلائل التوحيد الأساسية، التي تتفرع عنها كل الآيات الأخرى الواردة في سور القرآن الكريم؛ وهي:
آية الخلق: تدل على أنه الخالق المتفرد، فخلقكم أيها الناس آية من آيات التوحيد: ﴿ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21].


وآية التسخير: وتسخير السماوات والأرض آية أخرى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ [البقرة: 22].


آية الماء: وإنزال سبب الحياة الأول على هذه الأرض؛ الماء، آية ثالثة: ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ [البقرة: 22]، فجعل خزائنه في السماء ينزلها بالقدر الذي يريد في الوقت الذي يريد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ [الحجر: 22].


وآية الرزق: فكان منه الرزق الذي تعتاشون عليه: ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ [البقرة: 22].


آية الحياة والموت والبعث: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 28].


كيفية الخلق: الأرض أولًا ثم السماء: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 29].


تسوية السماوات سبعًا: ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ [البقرة: 29].


علمه جل جلاله المطلق المحيط بكل شيء: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]، بكل شيء.

فائدة: يلفتنا استخدام كلمة "لكم" في الآيتين اللتين تتحدثان عن خلق السماوات والأرض، وفي هذا تكريم لكم يا بني آدم وعلو شأن عند ربكم: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ [البقرة: 22]، والماء والرزق، ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ [البقرة: 22]، فكل ما خلق الله في الأرض خلقه من أجل الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]، فيا أيها الناس، أبَعْدَ كل هذا التكريم الذي خصكم الله به تكفرون بخالقكم وتجعلون له أندادا؟

وأما البرهان على أن هذه الرسالة تنزيل إلهي، وليست قولَ بشر، فتأتي بأسلوب التحدي: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 23].


أن يأتوا بسورة واحدة من مثله.


أن يأتوا بمن شاؤوا من الشهداء على صدق ما جاؤوا به، ولن يفعلوا.

وأما جزاء من يكفر بها:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24].

وأما جزاء من يؤمن بها:
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 25].

ثم يعود السياق مرة أخرى إلى المنافقين، في متابعة لموقفهم من ضرب الله الأمثال في القرآن الكريم، وتحديدًا المثل الذي وصفهم به في صدر السورة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 26، 27].


ومناسبة هذه الآية كما ورد في ابن كثير عن ابن عباس وعن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين؛ يعني قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: 17]، وقوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 19]، الآيات الثلاث في صفة المنافقين، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 27].

قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ [البقرة: 27] إلى قوله: ﴿ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 27] قال: "هي ست خصال من المنافقين، إذا كانت فيهم الظهرة على الناس، أظهروا هذه الخصال:
إذا حدثوا كذبوا.


وإذا وعدوا أخلفوا.


وإذا اؤتمنوا خانوا.


ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه.


وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل.


وأفسدوا في الأرض.


وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا"؛ [تفسير ابن كثير].


والحمد لله رب العالمين.
يتبع...
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* درس عن الماء للأطفال
* من عظات الآباء للأبناء والأطفال
* الافساد بين الزوجين!!
* صرخة فتاة تعرضت للتحرش
* أطفال المسلمين كيف رباهم النبي الأمين صلى الله عليه وسلم
* سهرة عائلية
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2026, 11:35 AM   #5

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

وقفات ودروس من سورة البقرة (5)

تأملات في مقدمة السورة (2)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي
الأساس الثالث:
قصة آدم عليه السلام: بدء الخلق وبداية الرحلة الدنيوية للبشرية على الأرض في معركة أزلية بين الإنسان والشيطان، والخير والشر، والكفر والإيمان، والهداية والضلال، والمعصية والتوبة.


ثم يشرع السياق بسرد قصة بدء الخليقة، في أول قصة من قصص القرآن، وفيها:
خلق الإنسان وتعليمه "الأسماء كلها" قبل نزوله إلى الأرض، فالإنسان الأول ليس أبْكَمَ وليس جاهلًا، ولم يتعلم الأصوات من الحيوانات والطبيعة من حوله، كما يدَّعي دعاة التطوُّر؛بل كان ناطقًا عالمًا بكل ما يلزمه لإقامة الحياة على الأرض.


طاعة الملائكة وعصيان إبليس:
بداية الحياة على الأرض تحكمها العداوة بين آدم وذريته، وإبليس وجيشه في الطرف الآخر، مؤطرة بقانون الله وقانون إبليس ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة: 36].


الأرض مستقر مؤقت "إلى حين".


قانون الهداية الإلهية:
﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة: 38] إشارة إلى الرسالات.


﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38] جزاء من يتبع هدى الله.


﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 39] عقاب من يكفر بما أنزل الله من الهدى والآيات.


﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 30 - 39].


وتبدأ قصة سيدنا آدم في سورة البقرة من أقدم حدث فيها، وهو إبلاغ الله عز وجل ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة، والأرض المشار إليها هنا هي تلك التي ذكرها في الآية السابقة، الممهدة لقصة آدم عليه السلام: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:29- 30]، وهذا يشير إلى أن آدم عليه السلام خُلِق أصلًا ليسكن الأرض لا ليبقى في الجنة، وما كان وجوده في الجنة وخروجه منها إلا لحكمة وأمر أراده الله، والله أعلم.


وفاصلت الملائكة رب العباد بأمر هذا الخليفة، مفترضين أنه سيكون مفسدًا في الأرض سافكًا للدماء، مبدين رأيهم في أنه لا حاجة لله به ما داموا موجودين يسبحون بحمد الله ويقدسون له، لكن هذه المفاصلة بالطبع لم تكن على سبيل الجحود أو الإنكار، وإنما على سبيل الاستعلام عن الحكمة في ذلك واستكشافها.


يقول الشوكاني في تفسيره فتح القدير: "خاطب الله الملائكة بهذا الخطاب لا للمشورة، ولكن لاستخراج ما عندهم، وقيل: خاطبهم بذلك لأجل أن يصدر منهم ذلك السؤال فيجابون بذلك الجواب، وقيل: لأجل تعليم عباده مشروعية المشاورة لهم، وأما قولهم:﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا فظاهره أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض؛ لكونهم مَظِنَّة للإفساد في الأرض وإنما قالوا هذه المقالة قبل أن يتقدم لهم معرفة ببني آدم؛ بل قبل وجود آدم فضلًا عن ذريته، لعلم قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه؛ لأنهم لا يعلمون الغيب؛ قال بهذا جماعة من المُفسِّرين.


وعن ابن عباس قال:"وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله عليهم جنودًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله:﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ كما فعل أولئك الجان، فقال الله: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو مثله.


وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال:إياكم والرأي؛ فإن الله رَدَّ الرأي على الملائكة، وذلك أن الله قال: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًقالت الملائكة: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾، قال:﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾؛ انتهى الشوكاني.


ويقول ابن كثير في تفسيره: "وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهَّمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول؛ أي: لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه، وسؤالهم هنا، لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا، إنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونُقدِّس لك؛ أي: نصلي لك كما سيأتي؛ أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾؛ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصدِّيقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزُّهَّاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم"؛ انتهى ابن كثير.


وقال القرطبي في تفسيره في شأن هذه المفاصلة: "وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء؛ وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورءوس الجبال، فمن حينئذٍ دخلته العزة، فجاء قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على جهة الاستفهام المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ قال أحمد بن يحيى ثعلب. وقال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة، إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعًا: الاستخلاف والعصيان. وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقًا أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ أهو الذي أعلمهم أم غيره. وهذا قول حسن، رواه عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ [البقرة: 30]، قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء؛ فلذلك قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها"؛ انتهى القرطبي.


معالم تتميز بها قصة آدم في سورة البقرة:
ونقرأ في قصة آدم في سورة البقرة، وهي أول قصة من القصص القرآني حسب ترتيب سور المصحف:
عن الكفر الأول في تاريخ الخلائق- الذي أعلمنا الله عز وجل به- وأنه كان كفر إبليس.

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34].

وعن الأمر الإلهي الأول لآدم عليه السلام، وأنه كان في المسكن والمطعم: ﴿ وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ [البقرة: 35].


وعن النهي الإلهي الأول، وأنه كان في المأكل: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35].

وعن المعصية الأولى في تاريخ البشرية، وأنها كانت في أكل ما حرم الله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ [البقرة: 36]، وتفصيل ذلك في سورة الأعراف، وطه: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا ﴾ [طه: 121].


وعن عقاب المعصية الأولى في تاريخ البشرية: وكانا عقابين، تذكر البقرة الثاني منهما وهو الأكبر، وسبب بدء حياة الخليقة على وجه الأرض: الهبوط من الجنة إلىالأرض: ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: 36]، في حين تذكر سورتا الأعراف وطه الأول منهما؛ وهو نزع اللباس في قوله تعالى:﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: 20]، وقوله تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 120، 121].

فائدة: وهكذا كان "نزع اللباس" أول نتائج المعصية الأولى "أكل المحرَّم"﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وبدا أن بين أكل الحرام والتعري صلة وثيقة؛ التعري من اللباس يسبقه التعري من التقوى، يقول تعالى في سورة الأعراف: ﴿ يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 26، 27]، وعن التوبة الأولى في تاريخ البشرية: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 37].


يقول ابن كثير: "واختلف أهل التأويل في الكلمات؛ فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23]، وعن مجاهد أيضًا: "سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، ربي ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك أنت الغفور الرحيم".


وعن بدء قصة الحياة على الأرض، معلنة بدء المعركة الأزلية بين طرفين "أعداء" ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [البقرة: 36] بجميع عناصرها: الإنسان والشيطان، والكفر والإيمان، والخير والشر، والذنب والتوبة، والمعصية والاستكبار.

وتختم القصة بقانون الهداية الإلهية: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 38، 39].


كما تتفرد قصة آدم في السورة بذكرها:
لمراجعة الملائكة لربهم في مسألة استخلاف آدم عليه السلام، وعدم رغبتهم بها مبدين أسبابهم، ولم يرد هذا في سورة أخرى.


وذكرها لاستخلاف آدم في الأرض وهو ما لم يذكر في موضع آخر من القرآن الكريم.

ولتعليم الله عز وجل لآدم عليه السلام ما يلزمه لتحقيق الخلافة في الأرض، فكان عِلمٌ عَلِمَه آدم ولم تعلمه الملائكة.

فيها تقرير بأن الملائكة لا تملك من العلم إلا ما علمها الله، مع إثبات علم الغيب والشهادة المطلق لله وحده، وعلمه بسرائر كل الخلائق فضلًا عن علانيتهم، وأنه لا أحد يحيط بعلمه إلا بما شاء.

ذكر فيها صفتَي الإباء والاستكبار متلازمتين في رفض إبليس للسجود، وهذا الموضع الوحيد في القرآن الذي ترد فيه هاتان الصفتان متلازمتين: ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34]، وفيه تقرير يفيد بأن "العصيان والاستكبار" هما الصفتان المورثتان للكفر.

وفيها إثبات نبوة آدم عليه السلام وأنه كان يُوحى إليه: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾.

فائدة: في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَاالبرهان الساطع على أن أول إنسان وجد على الأرض كان عالمًا بكل ما يلزمه لتحقيق الاستخلاف في الأرض، عابدًا عالمًا ناطقًا مفكرًا مبدعًا، مثله مثل أي إنسان يعيش في يومنا هذا؛ بل ويتفضَّل عليه بأنه كان حديث الصلة بخالقه لم يتطاول عليه الزمن كما تطاول على القرون من بعده الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

فائدة:عندما قال عز وجل:﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ[البقرة: 34]، فكأنه جلَّ في علاه قعَّد تعريفًا للكفر في أنه: رفض طاعة الله والاستكبار عن أوامره.
صفات الكافر الأول إبليس لعنه الله:
الكبر: دافع الكفر وجذره الأول، الكبر هو الذي دفع إبليس إلى العصيان ورفض أمر لله "فأبى واستكبر"، أما "الأنا" فكانت عمق هذا الكبر، كما يحكيه لنا المشهد في سورة الأعراف: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].

﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ [الأعراف: 12]، فإن وجدتها منهج أحدهم فاعلم أن فيه خصلة من إبليس.


الكذب والخداع: سلاحه الكذب والخداع والوعود الكاذبة، والتحريش بين ابن آدم وربه، مشفوعة بالحلفان بالله: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 20، 21].

كذب إبليس على ربه، وقال عنه ما لم يقُلْه أو يقضي به، ثم حلف لآدم وأقسم بالله على ما افتراه على ربه ليصدِّقه وتتم الخديعه ﴿ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾.

وهذا المدخل سلاح الشيطان الدائم الذي يُزيِّن به لابن آدم مخالفة الحق واتباع الباطل، فيصور له أن الامتثال لشرع الله وطاعته حرمان من كل لذة وسعادة، ومعصيته واتِّباع سُبُل الشيطان تحقيق لكل سعادة ولذة، ويعدهم ويُمنِّيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.

عناصر الإغواء التي رمى إبليس بحبالها على آدم عليه السلام- وذريته من بعده- فعصى آدم ربه من أجلها، هي: الملك والخلود ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 120، 121].

﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾.

ويبقى الملك والخلود المدخلان الشيطانيان الرئيسيان لكل ابن آدم من أجل معصية الله، فلا تكاد تجد معصية تخرج عن هذا الإطار: حب التملك والعلو والسيادة والظهور، وركوب كل أمواجها وسلوك كل دروبها من جهة، والخلود من جهة أخرى، معاصٍ لا تُعَد ولا تُحصى في سبيل هذين السرابين: سراب ملك لا يفنى، وخلود فلا موت.

وكما أسلفنا القول، فإن أول كافر أعلن كفره بالطريقة التي وصفها الله عز وجل وسكن الأرض كان إبليس الذي نزل مع آدم عندما قال لهم الله عز وجل: ﴿ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [البقرة: 36]، ومنذ تلك اللحظة بدأ الصراع بين الكفر والإيمان، والخير والشر.

ومن هنا يمكننا ربط ختام سورة البقرة بمقدمتها، إنها المعركة الدائمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، معسكر عباد الله ومعسكر أتباع إبليس، فبعد أن تصف نهاية السورة حقيقة إيمان أهل الإيمان، تختم بدعاء المؤمنين ربهم أن ينصرهم على القوم الكافرين: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 285، 286].

وهنا تنتهي المقدمة وتبدأ رحلتنا مع السورة.


والحمد لله رب العالمين.
يُتْبَع....

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* درس عن الماء للأطفال
* من عظات الآباء للأبناء والأطفال
* الافساد بين الزوجين!!
* صرخة فتاة تعرضت للتحرش
* أطفال المسلمين كيف رباهم النبي الأمين صلى الله عليه وسلم
* سهرة عائلية
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2026, 11:37 AM   #6

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

وقفات ودروس من سورة البقرة (6)

ميسون عبدالرحمن النحلاوي

وقفات مع قلب السورة:
كنا قد أسلفنا أن جوَّ السورة جوُّ هداية وتربية وتوجيه، وهذا هو المحور الأساسي الذي تدور حوله السورة انطلاقًا من آيات التوحيد التي تؤسس لعقيدة التوحيد، وانتهاء بالأحكام والتشريعات التي تؤسس للمجتمع الإسلامي.


وتأتي حلقة بني إسرائيل لتشغل حيزًا كبيرًا من السورة، فتكون بمثابة الإضاءة العملية للتوجيهات التربوية للمسلمين في تعاملهم مع أوامر ربهم ونواهيه، وأحكامه وقوانينه التي ستأتي السورة على بعض منها في سياق قصصهم، وعلى البعض الآخر بعد الانتهاء من قصصهم.



معالم في سياق السورة:
أولًا: بنو إسرائيل:
وتشغل قصص بني إسرائيل وأخبارهم حيزًا كبيرًا من قلب السورة، يكاد يغطي الجزء الأول برمته، كما لا يغيب ذكرهم عن الجزء الثاني، ويبسط الله عز وجل لنا سيرة هؤلاء القوم دون غيرهم لسيرتهم المتميزة:
فهم قوم عاشوا الاختيار الإلهي ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الدخان: 32].


وعاشوا الملك والنبوَّة، ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [المائدة: 20].


وأرسل الله لهم رسولًا ليُنجِّيهم من العذاب الذي كانوا يعيشونه في ظل أطغى طغاة الأرض.


فكانوا قومًا ورثوا مشارق الأرض ومغاربها ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137].


فماذا كان منهم، وكيف كان شكرهم لنِعَم الله التي لا تُحصَى عليهم؟!


واجهوا نِعَم الله بالعصيان والتمرُّد والمماحكة، والمجادلة في كل أمر، والاستكبار عن الامتثال والخضوع لأمر الله.


وكان منهج الندِّية في سلوكياتهم مع ربهم.

تعاظم في قلوب القوم الكِبْر حتى وصل بهم إلى الظن بأحقيتهم في تنصيب أنفسهم ندًّا لخالقهم، يجادلونه ويعاندونه ويتمردون على أوامره، ويشترطون عليه في طاعته؛ بل ويتصرَّفون في شرائعه التي أنزلها عليهم فيضعون ويرفعون، ينقضون العهود والمواثيق التي قَطَعَها الله عليهم، يُحلِّلون ويُحرِّمون: الله يقول، وهم يقولون؛ بل ويخدعون الله والعياذ بالله، كما فعل أصحاب السبت منهم إلى أن انتهى بهم الأمر إلى قتل أنبياء الله الذين أرسلهم الله فيهم دون أن يرفَّ لهم جفن، فكانت عاقبتهم:﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [آل عمران: 112].


يحكي لنا الله عز وجل تفاصيل سلوكياتهم التي أوردتهم الهلاك لتكون لنا عبرةً وعظةً، فلا نقع بها فنكون مثلهم فنستحق عقابهم.


فلنبدأ رحلتنا معهم في سورة البقرة.
بنو إسرائيل في سورة البقرة: دروس وعبر:
لماذا بنو إسرائيل دون غيرهم من الأقوام الغابرة؟
بنو إسرائيل قوم لهم قصة طويلة مع ربهم ورسولهم، فهم أول قوم في البشرية كانت لهم رسالة سماوية كتبت لها الديمومة في نسلهم إلى ما شاء الله، وأرسل الله فيهم من الأنبياء ما لا يحصيه إلا الله، فكانوا هم حملة الرسالة السماوية في الأرض لعدة قرون، تقلبوا معها بين نعيم الإيمان والاصطفاء الإلهي، وجحيم الذلة والمسكنة بسبب عصيانهم وتمرُّدهم وعتوِّهم على ربِّهم.

وبالرغم من كل ما مَرَّ بهؤلاء القوم في مسيرتهم الطويلة من دروس إلهية تجَلَّت في أنواع العذاب والعقاب التي نزلت بهم جزاء عصيانهم وتمرُّدهم على ربهم، إلا أنهم ظلوا على اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار، وأن النبي المنتظر المذكور في توراتهم لا بد أن يكون من نسلهم، ومن هنا كانت بذرة العداء بينهم وبين المسلمين.


هذه العداوة التي بدأت مع ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وجذرها الحسد، لن تنتهي حتى يُقتَل الدَّجَّال بباب لُدٍّ، ومعلوم أن جنود الدجال عند خروجه هم من يهود أصبهان كما جاء في حديث مسلم: "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِن يَهُودِ أصْبَهانَ، سَبْعُونَ ألْفًا عليهمُ الطَّيالِسَةُ".


أما مقتله في باب لُدٍّ فقد ورد حديثه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: "فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعًا كفَّيه على أجنحة مَلَكَين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريحه أو ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه" أينما يبلغ مدى عينه، نفسه يذهب على مدى عينه، فيطلبه -يعني يطلب الدَّجَّال- فيدركه في باب لُدٍّ فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومًا قد عصمهم الله من الدَّجَّال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم من الجنة".


وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود"؛متفق عليه.


وإلى ذلك الحين، سيبقى هؤلاء القوم والمسلمون في جهاد دائم تُنصب فيه رايتا الخير والشر.


لقد عرَف هؤلاء القوم أنهم لا طاقة لهم بالاقتتال مع المسلمين كما يقول تعالى في سورة الحشر:﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [الحشر: 14]، فاتبعوا أسلوب إبليس في التلبيس والإضلال، فما تركوا شِعبًا من شِعاب الشرور النفسية والعقلية والعلمية إلا اتَّبعوها؛ لإيقاع المسلمين في العصيان والجحود أكثر مما وقعوا فيه هم أنفسهم، لتكون لهم الخيرية التي زعموها وعاشوا في وهمها قرونًا طويلة "شعب الله المختار".


من هنا، جاء تفنيد قصصهم وفضح سلوكياتهم وانحرافاتهم وتمرُّدهم وضلالاتهم، وأكاذيبهم وخداعهم، وبيان أشكال العقاب الإلهي التي نزلت عليهم منذ سيدنا موسى وحتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون للمسلمين منارة ودروس وعبر وهداية فلا يقعوا في مثل ما وقع فيه القوم، ولا يأمنوا لهم، ولا يأمنوهم، فمن كانت سلوكياته بهذا الشكل مع خالقه، فهل ستكون أفضل مع ندِّه من العباد؟!


ومن الجدير بالذكر أن سيدنا موسى عليه السلام أكثر الأنبياء ذكرًا في القرآن الكريم، حتى قيل: إن أحدًا لم يُذكَر في كتاب الله لا مِن الأنبياء ولا مِن المُرسَلين ولا من الملائكة المقرَّبين، كما ذُكر موسى - عليه السلام - في كتاب الله، فقد ذُكر نحو مائة وثلاثين مرةً، كما أن قصة بني إسرائيل تكرَّرت في القرآن الكريم كما لم تتكرَّر قصة أخرى من قصص الأمم الأولى، وفي ذلك عبرة.


يستهل المولى جلَّ في علاه سياقَ السورة في بني إسرائيل بمخاطبتهم وتوجيههم بما يجب أن يفعلوه وقد خرج النبي المذكور في كتابهم وأصبح بين ظهرانيهم يدعوهم إلى رسالة ربهم:
فيأمرهم أولًا بمجموعة أوامر:
الوفاء بعهد الله في اتِّباع نبي الله إذا خرج فيهم:﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: 40].


"قال ابن عباس: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ؛ أي: أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتِّباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم".

﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ الرهبة من عذاب الله إن لم يفعلوا، فقد ذاقوه في سابق عهدهم لما كان منهم من نقض عهد الله وميثاقه.



الإيمان بالرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة: 41]؛ لأنهم يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.


تحذيرهم من المسارعة إلى الكفر بمحمد ورسالته، وعندهم من العلم ما ليس عند غيرهم ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ [البقرة: 41].


نهيهم عن المتاجرة بآيات الله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41] ، والتوقف عن هذا الفعل وقد كانوا يفعلونه في سابق العهد والزمان.


نهيهم عن تلبيس الحق بالباطل مع كتمان الحق،وهما جريمتان يمتهنهما كثيرٌ من الناس في سبيل عرض من عروض الحياة الدنيا ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 42].

إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43].

نهيهم عن مخالفة القول العمل: فهم يأمرون الناس بالبرِّ، ولا يفعلونه ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44] يقول ابن كثير في تفسير الآية: "أتنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم؛ أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي"؛ انتهى.


الاستعانةبالصبر والصلاة في كل حال ومقام:﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 45، 46].


كانت هذه الأوامر بمثابة مقدمة لما سيبسطه الله عز وجل من أمر هذا القوم.


أولًا: بنو إسرائيل بين النعم الإلهية والعصيان:
"التذكير" بالنعم الإلهية، وكيف قابلها القوم:
1- تفضيلهم على العالمين في زمانهم ﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 47]، فكانوا أفضل قوم على الأرض.


2- تنجيتهم من آل فرعون والعذاب الذي كانوا يرزحون تحت وطأته ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة: 49].


3- معجزة فرق البحر، وإغراق فرعون، ونجاتهم واقعة لم يكن ليتصورها عقل، ولا حتى نبي الله موسى! ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة: 50].


4- مواعدة الله لنبيِّهم موسى عليه السلام:
قوبلت مجموعة النعم هذه باتخاذ العجل إلهًا! ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [البقرة: 51].


العفو عن القوم بعد اتخاذهم العجل: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 52 - 54].


وقد اختلف العلماء بشأن التوبة من العقاب الذي تقرر عليهم في قتل أنفسهم، هل أنهم قتلوا أنفسهم فعلًا، أم أن الله عفا عنهم فلم يقع منهم القتل؟!


يقول القرطبي: "قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 52]، العفو: عفو الله جل وعز عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه، فالعفو محو الذنب؛ أي: محونا ذنوبكم، وتجاوزنا عنكم، مأخوذ من قولك: عفت الريح الأثر؛ أي: أذهبته، وعفا الشيء: كثر، فهو من الأضداد، ومنه قوله تعالى: ﴿ حَتَّى عَفَوْا [الأعراف: 95]"؛ انتهى.


وتجمع التفاسير على أن العفو كان بعد وقوع العقوبة؛ أي: إن القتل الذي طلبه موسى منهم توبة إلى الله وتكفيرًا عن عبادتهم العجل، قد وقع، وفي وقوعه عدة مقولات:
يقول القرطبي: "وكانت توبة بني إسرائيل القتل، وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده، وقال الزهري: "لما قيل لهم: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 54] قاموا صفين، وقتل بعضُهم بعضًا حتى قيل لهم: كفوا، فكان ذلك شهادةً للمقتول وتوبةً للحي على ما تقدم"؛ وقال بعض المُفسِّرين: أرسل الله عليهم ظلامًا ففعلوا ذلك؛ وقيل: وقف الذين عبدوا العجل صفًّا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم، وقيل: قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا - إذ لم يعبدوا العجل - من عبد العجل، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول؛ لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه، وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده، وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع.


فلما استحرَّ فيهم القتل، وبلغ سبعين ألفًا عفا الله عنهم؛ قاله ابن عباس وعلي رضي الله عنهما، وإنما رفع الله عنهم القتل؛ لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمةً بعد الإسلام هي أفضل من التوبة"؛ انتهى القرطبي.


في حين يرى الأستاذ سليمان بن إبراهيم الحصين- أستاذ التفسير وعلوم القرآن ورئيس قسم الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود، فرع الأحساء- أن القتل لم يقع في القوم، وأن الله عفا عنهم وتاب عليهم، فرفع عنهم عقوبة القتل، مستشهدًا بما ورد في نظم الدرر للبقاعي:
"وخصَّه باسم العفو لَمَّا ذكر ذنوبهم؛ لأنَّ المغفور له لا يذكر ذنبه، فإنَّ العفو رَفَعَ العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة"، فدَلَّ هذا العفو على أنَّ المراد بالتوبة في قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [البقرة: 54]؛ أي: رفع عنكم الحُكْم بقتل أنفسكم..ولعل في حرف (ثُمَّ) من قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة: 52] ما يدل على صحة هذا القول وأنَّ العفو إنما جاء بعد أن أمرهم نبي الله موسى بقتل أنفسهم فتكون التوبة من قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ راجعة إلى رفع الحُكْم عنهم بقتل أنفسهم وليست راجعة إلى استجابتهم بدليل حرف العطف "الفاء" الذي يفيد التعقيب، فالتوبة كانت برفع الحُكْم مباشرةً بعد أمر نبي الله موسى به.


وكيف يُظَنُّ بهم أنهم امتثلوا لأمر موسى عليه السلام بقتل أنفسهم، وقد أمرهم الله تعالى بذبح بقرة فتردَّدوا وتعنَّتوا ولم يمتثلوا للأمر إلا بعد عناء، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة: 67].


ومما يؤكد أنهم لم يستجيبوا لما أمروا به من قتل أنفسهم أنهم أحرص ما يكون على حياة وليس على الموت شهادة؛ لأنهم قوم عصاة مستكبرون لا يؤمنون إلا بالماديات، قال تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [البقرة: 96].


فكيف يبادرون بقتل أنفسهم بهذه السرعة وهم أحرصُ الناس على حياة، أية حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة، أو حياة مميزة، أية حياة، بهذا التنكير والتحقير.


هذا فضلًا عن عصيانهم الدائم الملازم لهم واللائق بحالهم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 63].


وقال تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [النساء: 46].


فهل يظن بقوم هذا حالهم المسارعة إلى امتثال ما أمرهم به نبي الله موسى عليه السلام من قتل أنفسهم؟! هذا بعيد جدًّا، وهذه القصة من جملة ما كذَّبه أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب"؛ انتهى[1] (المرجع موقع ملتقى أهل التفسير).


والله أعلم.


وإمعانًا في الوقاحة والتطاول على خالقهم طلبوا من نبيِّهم موسى عليه السلام أن يروا الله عيانًا جهارًا ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55]!


فكان العقاب: الصاعقة ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة: 55]؛ لكن رحمة الله غالبة، فكانت النعمة السادسة، تبعتها مجموعة من النعم:
5- ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 56].

يتبع
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* درس عن الماء للأطفال
* من عظات الآباء للأبناء والأطفال
* الافساد بين الزوجين!!
* صرخة فتاة تعرضت للتحرش
* أطفال المسلمين كيف رباهم النبي الأمين صلى الله عليه وسلم
* سهرة عائلية
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
من, البقرة, صورة, ودروس, وقفات
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وقفات ودروس من سورة آل عمران ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 13 04-28-2026 11:24 AM
سورة العصر فوائد ودروس امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 4 03-14-2026 01:57 PM
معجزات ودروس غزوة بدر (خطبة) امانى يسرى محمد قسم السيرة النبوية 0 01-11-2026 07:14 PM
عن سورة البقرة AL FAJR قسم الإعجاز العلمي في القرآن والسنة 2 09-19-2024 12:43 PM
مقاصد سورة البقرة nejmstar قسم تفسير القرآن الكريم 2 12-23-2012 09:57 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009