عرض مشاركة واحدة
قديم 02-02-2026, 01:30 PM   #56

 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

السليماني غير متواجد حاليا

افتراضي

      

القاعدة الحادية والخمسون: كلّما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الداعين: يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة

وهذه قاعدة نافعة، فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة: دعاء المسألة فقط، ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء.

ويدل على عموم ذلك: قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: من الآية٦٠] ،

أي أستجب طلبكم، وأتقبل عملكم ثم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ، [غافر: من الآية٦٠] ، فسمى ذلك عبادة، وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب مسئوله بلسان المقال، والعابد يطلب من ربه القبول والثواب، ومغفرة ذنوبه بلسان الحال.

فلو سألت أي عابد مؤمن: ما قصدك بصلاتك وصيامك وحجك وأدائك لحقوق الله وحق الخلق؟ لكان قلب المؤمن ناطقاً ـ قبل أن يجيبك لسانه -: بأن قصدي من ذلك رضى ربي ونيل ثوابه والسلامة من عقابه، ولهذا كانت النية شرطاً لصحة الأعمال وقبولها، وإثمارها الثمرة الطيبة في الدنيا والآخرة.

وقال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} [غافر: من الآية١٤] ، فوضع كلمة: {الدِّين} ، موضع كلمة {العبادة} ، وهو في القرآن كثير جداً: يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة.

ومعنى الآية هنا: أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم، وأخلصوا له أعمال البر والطاعة.

وقد يقيد أحياناً بدعاء الطلب، كقوله: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: ١٠] ، وأما قوله:

{وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً..} [يونس: من الآية١٢] ، الآية، فيدخل فيه دعاء الطلب، فإنه لا يزال ملحاً بلسانه، سائلاً دفع ضرورته، ويدخل فيه دعاء العبادة فإن قلبه في هذه الحال يكون راجياً طامعاً، منقطعاً عن غير الله،عالماً أنه لا يكشف ما به من السوء إلا الله، وهذا دعاء عبادة.

وقوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [لأعراف: من الآية٥٥] ، يدخل فيه الأمران، فكما أن من كمال دعاء الطلب، كثرة التضرع والإلحاح، وإظهار الفقر والمسكنة، وإخفاء ذلك وإخلاصه، فكذلك دعاء العبادة فإن العبادة لا تتم ولا تكتمل إلا بالمداومة عليها ومقارنة الخشوع والخضوع لها وإخفائها، وإخلاصها لله تعالى.

وكذلك قوله عن خلاصة الرسل: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} ،

[الأنبياء: من الآية٩٠] ، فإن الرغبة والرهبة وصف لهم كلما طلبوا وسألوا، ووصف لهم كلما تعبدوا وتقربوا بأعمال الخير والقرب.

وقوله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّه} [المؤمنون: من الآية١١٧] ، {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: من الآية١٨] ، {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} [القصص: من الآية٨٨] ، يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

فكما أن من طلب من غير الله حاجة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك وكافر، فكذلك من عبد مع الله غيره فهو مشرك وكافر.

ومثله: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} ،

[يونس: ١٠٦] ، كل هذا يدخل فيه الأمران.

وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [لأعراف: من الآية١٨٠] ، يشتمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

أما دعاء المسألة: فإنه يسأل الله تعالى في كل مطلوب باسم يناسب ذلك المطلوب ويقتضيه، فمن سأل رحمة الله ومغفرته دعاه باسم الغفور الرحيم. ومن سأل الرزق سأله باسم الرزاق، وهكذا.

وأما دعاء العبادة: فهو التعبد لله تعالى بأسمائه الحسنى، فيفهم أولاً معنى ذلك الاسم الكريم، ثم يديم استحضاره بقلبه، حتى يمتلئ قلبه منه.

فالأسماء الدالة على العظمة والجلال والكبرياء تملأ القلب تعظيماً وإجلالاً لله تعالى.

والأسماء الدالة على الرحمة والفضل والإحسان تملأ القلب طمعاً في فضل الله ورجاءً لرَوْحِه ورحمته.

والأسماء الدالة على الود والحب والكمال تملأ القلب محبة ووداً وتألهاً وإنابة لله تعالى.

والأسماء الدالة على سعة علمه ولطيف خبره توجب للعبد مراقبة الله تعالى والحياء منه.

وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرن نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية.

فنسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين .
التوقيع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم ) مجموع الفتاوى ( 52/18)
قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة .


مدونة شرعية

https://albdranyzxc.blogspot.com/

من مواضيعي في الملتقى

* وصايا الآباء الى أولادهم ...عبرة وخلاصة تجربة ...
* خطوات عملية وسهلة لزيادة التركيز وهندسة العقل للخروج من العفن الدماغي ...
* القواعد الحسان لتفسير القرآن ...الشيخ السعدي
* وقفة مع الدكتور بشار عواد وتحقيقاته ...
* القعقاع بن عمرو التميمي الفارس المجاهد ...
* الخليفة المجاهد هارون الرشيد العباسي رحمه الله ...
* مزالق في التحقيق ... د.عبد الله الشمراني

السليماني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس