عرض مشاركة واحدة
قديم 01-20-2026, 07:34 PM   #3

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


العلامة الشيخ عبدالكريم الدبان التكريتي (ت: 1413):
حدَّثني الأخ السيدُ صهيب بن الشيخ جمال بن الشيخ عبدالكريم الدَّبان التكريتي قال:
كان لجدّي الشيخ عبدالكريم بنتٌ ذات سبع سنين، وكانتْ وردةَ المنزل، جميلةً مبتسمةً دائمًا، وقد أصابها يومًا وهنٌ شديدٌ، وسخونةُ جسدٍ، فحملوها إلى المعالجين، وبعد أيامٍ تدهورتْ صحتُها كثيرًا، وقرَّر المعالجون إجراء عملية جراحية، وعندما بلغَ جدِّي الأمرُ وأنَّ وضعَها أصبح خطيرًا تكدَّر وجهُه، وأصبحَ الهمُّ والألمُ مُحيطًا به، وخاف أولادُه عليه من شدة الحزن.

قال: وحدَّثني والدي الشيخ جمال قال: وما دخلتْ صغيرتُنا الجميلةُ غرفة العمليات إلا قليلًا ولحقتْ بجوار ربها، وقد استجمعتُ قواي لأخبرَ الوالد، وكنتُ أخشى عليه مِنْ شدة وقع الخبر، ودخلتُ عليه فوجدتُه متوجهًا إلى القبلة، الهمُّ أثقلَ كاهلَه، والحزنُ والتعبُ باديان عليه، فأخبرتُه أن ابنته الغالية على قلبه تُوفيتْ، وإذا بالهم يزول، والحزن يغادره، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكأنما لم يؤلمه الخبر، بل حصل العكس، وصرتُ في حيرةٍ مع نفسي...

وبعد مضي أسابيع قلتُ له: لقد كنتُ خشيتُ أنْ أخبرَك بوفاة شقيقتي فيصيبك مكروهٌ؛ لما رأيتُ مِن اهتمامِك وحُزنك، ولِما أعرفُ مِنْ حنانك، لكنْ كأنّما لم يؤثر الخبرُ فيك! فتبسَّم وقال: كانتْ عندي فخشيتُ التقصيرَ، وأنْ أُسألَ عنها، فلما انتقلتْ إلى جوارِ الكريم لم أعدْ أخشى عليها شيئًا، وهي تُعينُني في آخرتي.
***

الشيخ علي الطنطاوي (ت: 1420):
وهو من أكثر الآباء حزنًا على فقد البنت، وقد قُتلت ابنته في ألمانيا، وبكاها بكاء مرًّا، والتفصيل في "ذكرياته".

قال في أحداث سنة (1931م):
«في هذه السنة رأيتُ أشدّ يوم مرّ عليّ في عمري، وهو يوم 14/ 7/1931 (25 صفر 1350) الذي بقيَتْ مرارته في نفسي حتى جاء يوم أشد منه وأقسى هو يوم 17/ 3/1981، الأول ماتت فيه أمي في مستشفى كلية الطبّ في دمشق بإهمال جرّاح أخذناها إلى عيادته، وفي الثاني قُتِلت بنتي وهي وحيدة في بيتها في ‌آخن في ألمانيا برصاص مجرم معتدٍ اقتحم عليها بيتها، لم نعرفه فنثأر منه لكن الذي يعرفه ويعرف مَن أرسله لن يهمله.

أستطيع أن أتحدّث عن اليوم الأول لأن مرور نصف قرنٍ جعل الجرح يندمل وإن لم يلتئم، والألم يخفّ وإن لم يذهب، والقلم يتحرك في الكتابة عنه وإن لم ينطلق. أما الثاني فلا... لا أستطيع؛ فالجرح فيه أعمق والألم أقوى، حتى إنه ليكاد يهوّنُ عليّ الأول. ومَن قال لكم إن الإنسان يحب أمه وأباه مثلما تحبه أمه ويحبه أبوه فلا تصدقوه. وكيف أكتب عنها وأنا كثيرًا ما أغفل عن نفسي فأوغل -من حيث لا أشعر- في سبحات الخيال، فأتوقع أن أسمع الهاتف يرنّ فيُعلِمني أن خبر موتها لم يصحّ، أو أن آخذ جرائد الصباح فأجد فيها تكذيبه؟ بل ربما توهمتُ أني سأكلمها كما كلمتها قبل الحادث بساعات، فلما علمتُ أنها وحدها في الدار خفتُ عليها فراحت تطمئنني، بنفسيتها المتفائلة دائمًا ولهجتها السريعة المتحمّسة دائمًا، تخبرني أنها في أمانٍ وأنّ الباب لا يُفتَح إلا إنْ سمعَت صوت الطارق وعرفَت شخصه. ما ظنتْ أن المجرم سيُرغِم جارتها على أن تطرق هي الباب ليدخل منه هو.

بطل يحتمي بامرأة... هذه هي بطولة المجرمين!

أعود إلى حديث أمي، أعود إلى المُرّ فرارًا ممّا هو أمَرّ. أمّا حدث بنتي فما أحسب أني سأفتحه يومًا لأني لن أعيش حتى يندمل الجرح وينطلق القلم، فليبقَ المُصاب لي وحدي أتجرّع عذابه وأرجو ثوابه"[47].

وقال في الحلقة (165) من "ذكرياته"، وقد بدأ الكلام على د. شكري فيصل الدمشقي:
«قرأت أنه تُوفّي في سويسرا وأنهم نقلوه بعد موته بثلاثة أيام إلى المدينة المنوّرة وصلّوا عليه في المسجد النبوي. وكنت أتمنّى أن يُدفَن حيث توفّاه الله، اخترتُ له الذي اخترته لبنتي بنان رحمها الله. وهذه أول مرّة أذكر فيها اسمها، أذكره والدمع يملأ عيني والخَفَقان يعصف بقلبي، أذكره أوّل مرّة بلساني، وما غاب عن ذهني لحظة ولا غابتْ صورتها عن جناني.

لما قضى الله فيها ما قضى سألوني في نقلها، قلت: لا، بل توسّد حيث أراد الله لها أن تُستشهَد لأن نقل الميت لا يجوز، وما أحفظ أنه رُوي عن أحد من السلف. قالوا: فكيف إن مات المسلم في بلد ما فيه مقبرة إسلامية؟ قلت: كم هم الذين ماتوا في معارك الفتوح من الصحابة والتابعين ومَن تبعهم من خيار المسلمين؟ هل أخّروا دفنهم حتى يجدوا لهم مقبرة إسلامية أم واروهم الثرى حيث أدركهم الموت؟

هذا أبو أيوب الأنصاري الذي نزل الرسول عليه الصلاة والسلام داره في المدينة حين هاجر إليها لأن ناقته التي كانت مأمورة وقفت على باب هذه الدار، لقد دُفن تحت أسوار القسطنطينية في أبعد مكان عن المدينة المنوّرة، فما زال قبره ينادي المسلمين حتى كتب الله فتحها على يد محمد الفاتح، فصارت «إسلام بول»، أي مدينة الإسلام، سَمّاها بذلك السلطان الفاتح كما سَمّوا الآن إسلام أباد في باكستان، و «بول» و «أباد» كلاهما بمعنى المدينة.
***

وقالَ: أتبكي كلَّ قَبرٍ رأيتَهُ
لقبرٍ ثوى بينَ اللّوى والدَّكَادِكِ؟
فقُلتُ لهُ: إنّ الشَّجَى يبعَثُ الشّجى
فدعني، فهذا كلُّهُ قبرُ مالكِ


أفكان متمّم بن نويرة أشدّ حُبًّا لأخيه مالك من حُبّي لبنتي؟ وإذا كان يجد في كل قبر يمرّ به قبر مالك، أفتُنكِرون عليّ أن أجد في كل مأتم مأتمها وفي كل خبر وفاة وفاتها؟ وإذا كان كلّ شجى يُثير شجاه لأخيه، أفلا يُثير شجاي لبنتي؟ إن كل أب يحبّ أولاده، ولكن ما رأيتُ، لا والله ما رأيتُ مَن يحبّ بناته مثل حُبّي بناتي!

ما صدّقتُ إلى الآن وقد مرّ على استشهادها أربعُ سنوات ونصف السنة، وأنا لا أصدّق بعقلي الباطن أنها ماتتْ؛ إنني أغفل أحيانًا فأظنّ إن رنّ جرس الهاتف أنها ستُعْلِمني -على عادتها- بأنها بخير لأطمئنّ عليها. تكلّمني مستعجلة ترصف ألفاظها رصفًا، مستعجلة دائمًا كأنها تحسّ أن الردى لن يبطئ عنها وأن هذا المجرم، هذا النذل، هذا... يا أسفي، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يُطلَق على مثله، ذلك لأنها لغة قوم لا يفقدون الشرف حتى عند الإجرام. إن في العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة وأمثالها، ولكن هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدّد الجارة بالمسدس حتى طرقَت عليها الباب لتطمئن فتفتح لها، ثم اقتحم عليها، على امرأة وحيدة في دارها، فضربها ضرب الجبان. والجبان إذا ضرب أوجع! أطلق عليها خمس رصاصات تلقّتها في صدرها وفي وجهها، ما هربت حتى تقع في ظهرها، كأن فيها بقيّة من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون:
ولسنا على الأعقابِ تَدْمى كُلومُنا
ولكنْ على أقدامِنا تقطُرُ الدِّما




ثم داس الـ ... لا أدري والله بِمَ أصفه؟ إن قلت «المجرم» فمِن المجرمين مَن فيه بقيّة من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدمَيه النجستين على التي قتلها ظلمًا ليتوثّق من موتها، ربما كان في المجرم ذرّة من إنسانية تحجزه عن أن يخوض في هذه الدماء الطاهرة التي أراقها. ولكنه فعل ذلك كما أوصاه مَن بعث به لاغتيالها، دعس عليها برجليه ليتأكّد من نجاح مهمّته، قطع الله يديه ورجلَيه. لا، بل أدعه وأدع مَن بعث به لله، لعذابه، لانتقامه. ولَعذابُ الآخرة أشدّ من كل عذاب يخطر على قلوب البشر.

لقد كلّمتُها قبل الحادث بساعة واحدة، قلت: أين عصام؟ قالت: خبّروه بأن المجرمين يريدون اغتياله وأبعدوه عن البيت. قلت: فكيف تبقين وحدك؟ قالت: بابا لا تشغل بالك بي، أنا بخير. ثق والله يا بابا أنني بخير. إن الباب لا يُفتَح إلاّ إن فتحته أنا، ولا أفتح إلاّ إن عرفتُ مَن الطارق وسمعتُ صوته. إن هنا تجهيزات كهربائية تضمن لي السلامة، والمسلّم هو الله.

ما خطر على بالها أن هذا الوحش، هذا الشيطان، سيهدّد جارتها بمسدسه حتى تكلّمها هي، فتطمئنّ فتفتح لها الباب.

ومرّت الساعة فقُرع جرس الهاتف، وسمعت مَن يقول لي: كلّم وزارة الخارجية. قلت: نعم؟ فكلّمني رجلٌ أحسست أنه يتلعثم ويتردّد، كأنه كُلّف بما تعجز عن الإدلاء به بُلَغاء الرجال، بأن يخبرني... كيف يخبرني؟ وتردّد، ورأيتُه بعين خيالي كأنه يتلفّت يطلب منجى من هذا الموقف الذي وَقَفوه فيه، ثم قال: ما عندك أحد أكلّمه؟ وكان عندي أخي، فقلت لأخي: خذ اسمع ما يقول. وسمع ما يقول، ورأيته قد ارتاع ممّا سمع وحار ماذا يقول لي، وكأني أحسست أن المخابرة من ألمانيا وأنه سيُلقي عليّ خبرًا لا يسرّني، وكنت أتوقّع أن ينال عصامًا مكروه، فسألتُه: هل أصاب عصامًا شيء؟ قال: لا، ولكن... قلت: ولكن ماذا؟ عجّل يا عبدُه فإنك بهذا التردّد كمن يبتر اليد التي تَقَرّر بترُها بالتدريج، قطعة بعد قطعة، فيكون الألم مضاعَفًا أضعافًا. فقُل وخلّصني مهما كان سوء الخبر.

قال: بنان. قلت: ما لها؟ قال، وبسط يديه بسط اليائس الذي لم يبقَ في يده شيء. وفهمت وأحسست كأن سِكّينًا قد غُرس في قلبي، ولكني تجلّدتُ وقلت هادئًا هدوءًا ظاهريًّا والنار تتضرّم في صدري: حدّثني بالتفصيل بكل ما سمعت. فحدّثَني. وثقوا أنني لاأستطيع -مهما أوتيت من طلاقة اللسان ومن نفاذ البيان- أن أصف لكم ماذا فعل بي هذا الذي سمعتُ.

وانتشر في الناس الخبر، ولمستُ فيهم العطف والحبّ والمواساة، من الملك حفظه الله ووفّقه إلى الخير، ومن الأمراء، ومن الأدباء والعلماء، ومن سائر الناس. وقد جمعتُ بعض ما وصل إليّ منها، وتحت يدي الآن أكثر من مئتَي برقية تفضّل أصحابُها فواسوني بها، وأمامي الآن جرائد ومجلاّتٌ كتبَت عن الحادث كتابة صدق وكتابة عطف، وفيها تسلية لو كان مثلي يتسلّى بالمقالات عمّا فقد. حتى الجرائد الأجنبية، وهذه ترجمة مقالة نُشرت في جريدة لا أعرفها لأنني لا أقرأ الإنكليزية، جريدة الأوبزيرفر الأسبوعية بتاريخ 22/ 3/1981 بقلم الكاتب باتريك سيل.

حتى الأجانب الذين لا يجمعني بهم دينٌ ولا لسانٌ عطفوا عليّ واهتمّوا بمُصابي وأنكروا هذا الحادث وقالوا فيه كلمة الحقّ، وممّن تربطني بهم روابط الدم واللسان مَن لم يأبهوا لِما كان، بل لقد صنعوه هم بأيديهم، إلى الله أشكوهم.

وصلَت هذه البرقيات وجاءتني هذه الصحف، وإنها لَمِنّة ممّن بعث بها وممّن كتب يعجز لسانُ الشكر عن وفاء حقّها، ولكنني كنتُ في وادٍ آخر. ما قلّ إدراكي لهذا الفضل ولا تقديري لهذا النبل، ولكني سكتّ فلم أشكرها ولم أذكرها لأن المصيبة عقلتْ لساني وهدّتْ أركاني وأضاعتْ عليّ سبيل الفكر. فعذرًا وشكرًا للملك والأمراء جزاهم الله خيرًا، ولكل مَن كتب إليّ، وأسأل الله ألاّ يبتلي أحدًا منهم بمثل هذا الذي ابتلاني به.

كنتُ أحسبني جَلدًا صبورًا أَثبُت للأحداث وأواجه المصائب، فرأيتُ أني لست في شيء من الجلادة ولا من الصبر ولا من الثبات. صحيح أنه:
ولا بُدَّ مِن شكوى إلى ذي مروءةٍ
يُواسيكَ، أو يُسلِيكَ، أو يَتوجّعُ




ولكنْ لا مواساة في الموت، والسلوّ مخدّر أثره سريع الزوال، والتوجّع يُشكَر ولكن لا ينفع شيئًا.

وأغلقت عليّ بابي، وكلّما سألوا عني ابتغى أهلي المعاذير يصرفونهم عن المجيء. ومجيئهم فضل منهم، ولكني لم أكن أستطيع أن أتكلم في الموضوع؛ لم أُرِد أن تكون مصيبتي مضغة الأفواه ولا مجالًا لإظهار البيان. إنها مصيبتي وحدي فدعوني أتجرّعها وحدي على مهل.

ثم فتحتُ بابي وجعلتُ أكلّم من جاءني. جاءني كثير ممّن أعرفه ويعرفني وممّن يعرفني ولا أعرفه، وجعلتُ أتكلم في كل موضوع إلاّ الموضوع الذي جاؤوا من أجله. استبقيتُ أحزاني لي وحدّثتُهم كلّ حديث، حتى لقد أوردتُ نكتًا ونوادر. أتحسبون ذلك من شذوذ الأدباء أم من المخالفات التي يريد أصحابها أن يُعرَفوا بها؟ لا والله، ولكن الأمر ما قلتُ لكم. كنتُ أضحك وأُضحِك القوم، وقلبي وكل خليّة في جسدي تبكي. فما كلّ ضاحك مسرور:
لا تحسَبُوا أنّ رقصي بينكمْ طرب
فالطيرُ يرقصُ مذبوحًا منَ الألمِ




كنتُ أريد أن أصف لكم ما بقلبي، ولكن هل ترك لي الشعراء مجالًا للحديث عن قلبي؟ هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمِ؟

لقد جمعوا في الباطل، في الخيال، كل صورة للقلب تصنعها الأحزان المتخيَّلة، حتى لم يبقَ شيء لمفجوع صادق مثلي. قالوا: إن الحبيبة سرقَت قلبي، صدعَت قلبي، أخذَت قلبي، سكنَت قلبي، أبكَت قلبي... حتى لقد جعل ذلك النحويّون مجالًا لإثبات قواعدهم فقالوا في شعرهم السخيف:
يا ساكنًا قلبِيَ المُعَنّى
وما لهُ فيهِ قطُّ ثانِ
لأيِّ معنىً كسرتَ قلبي
وما التقى فيهِ ساكنانِ


والشعراء الذين رثوا أولادهم، لقد وردوا النبع قبلي فاستقوا وملؤوا حياضهم ولم يدَعوا لي إلاّ الثمالة والعكر: ابن الرومي في رثائه ولده، والتهامي، والشاعرة التي لم يَقُل أحدٌ في وصف مصابه في ولد مثل الذي قالت في بنتها، عائشة التيمورية، أخت العالِم الباحث أحمد تيمور باشا. اقرؤوا قصيدتها فإنها -على ضعف أسلوبها- قد خرجتْ من القلب لتقع في القلب، وما أحسبُ أن امرأة استطاعت أن تصوغ عواطفها ألفاظًا وأحزانها كلماتٍ كما فعلَت عائشة[48]. وابن الزيّات الوزير وما قال في ولده، والزيات الذي لم يكن وزيرًا ولكنه كان أكبر من وزير لما رثى ولده رجاء. والدكتور حسين هيكل لما شغل نفسه عن حزنه بإنتاج كتاب «ولدي»، فاقرؤوا كتاب «ولدي» فإنه وإن لم يصف لكم مدى أحزانه فقد كان أثرًا من آثار أحزانه.

وما لي أضرب الأمثالَ وأنسى مصاب سيد الخلق وأحبّ العباد إلى الله، محمد عليه الصلاة والسلام حين أُصيبَ بولده؟ إن في السيرة -يا أيها الإخوان- قصصًا كاملة فيها كل ما يشترط أهلُ القصص من العناصر الفنية، وفيها فوق ذلك الصدق وفيها العبرة، فاقرؤوا خبر ولد بنته عليه الصلاة والسلام الذي مات أمامه، تُوفّي بين يديه فغسّله بدمعه! إن دمعة رسول الله عليه الصلاة والسلام أغلى عندنا من كل ما اشتملت عليه هذه الأرض.
***

إني لأتصور الآن حياتها كلّها مرحلة مرحلة ويومًا يومًا، تمرّ أمامي متعاقبة كأنها شريط أراه بعيني. لقد ذكرتُ مولدها وكانت ثانية بناتي. ولقد كنتُ أتمنى أن يكون بكري ذكرًا، وقد أعددتُ له أحلى الأسماء، ما خطر على بالي أن تكون أنثى.

يقولون في أوربّا: «حُكّ جلد الروسي يظهرْ لك من تحته التتري». ونحن مهما صنعنا فإن فينا بقيّة من جاهليتنا الأولى، أخفاها الإسلام ولكن تُظهِر طرفًا منها مصائبُ الحياة. وكانوا في الجاهلية ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾ [النحل: 58، 59]. وأنا لم أبلغ أن أدسّ بنتي في التراب، ولكن أخفيتُ وجهي من الناس وكأنني أحدثتُ حدثًا أو اجترحتُ ذنبًا! وسَمّيتها عنان، واحتفل بها الأصدقاء والإخوان، ولمّا بلغ عمرها أربعين يومًا أقنعني صديقي وأستاذي القديم حسني كنعان بأن أحتفل بها.

وولدت بعدها بسنتين بنان، اللهم ارحمها. وهذه أول مرّة أو الثانية التي أقول فيها «اللهمّ ارحمها»، وإني لأرجو الرحمة لها ولكني لا أستطيع أن أتصور موتها! ولم أتألّم لأنها جاءت بنتًا كما تألّمت للبنت الأولى، لأنني رجعت لعقلي وذكرت بشارة رسول الله عليه الصلاة والسلام لمن ربّى ثلاث بنات أو أخوات أو بنتين أو أختين فأحسن تربيتهما. وأنا قد ربّيتُ أختين وخمس بنات، وأسأل الله بكرمه أن يكون لي نصيب من هذه البشارة. وصرت -من بعد- أتوقع البنات لأني أيقنت أن الله جعلني من الصنف الأول.

أتدرون ما الصنف الأول؟ إن للموظفين تصنيفًا ومراتب ودرجات، فلا يملك موظف أن يعلو على مرتبته أو أن يصعد درجة فوق درجته. وكذلك جعل الله الناس أصنافًا؛ فالصنف الأول مَن رُزق البنات، والثاني من رُزق البنين، والثالث من رُزق بنين وبنات، والرابع من كان عقيمًا. فليرضَ كلٌّ بما قُسم له، فالله إن أعطى غيرك في هذا الباب أكثر ممّا أعطاك فإنه يدّخر لك العِوَض من باب آخر، ومَن لم يجد العوض في الدنيا وجده في الآخرة، والآخرة هي الأبقى.

ولمّا صار عمرها أربعَ سنوات ونصف السنة أصرّتْ على أن تذهب إلى المدرسة مع أختها، فسعيتُ أن تُقبَل من غير أن تُسجَّل رسميًا. فلما كان يوم الامتحان ووُزّعت الصحف والأوراق جاءت بورقة الامتحان وقد كُتبَت لها ظاهريًا لتُسَرّ بها ولم تسجّل عليها. قلت: هيه؟ ماذا حدث؟ فقفزَت مبتهجة مسرورة، وقالت بلهجتها السريعة الكلمات المتلاحقة الألفاظ: بابا كلها أصفار، أصفار، أصفار... تحسب الأصفار هي خير ما يُنال!

وماذا يهمّ الآن بعدما فارقت الدنيا أكانت أصفارًا أم كانت عشرات (والدرجة الكاملة عندنا عشرة)؟ وماذا ينفع المسافر الذي ودّع بيته إلى غير عودة وخلف متاعه وأثاثه، ماذا ينفعه طرازُ فرش البيت ولونه وشكله؟"[49].
***

الشيخ عيادة بن أيوب الكبيسي (ت: 1441):
فقدَ ابنتَه أم عبدالرحمن سُميّة، وقد جرتْ بيننا مراسلات في ذلك، أثبتُها هنا فأظنُّ فيها فائدة:
كتبتُ إليه: "فضيلة الأستاذ الشيخ: رحم اللهُ ابنتكم أم عبدالرحمن رحمة واسعة، وغفر لها، ورضي عنها. وغمسها بنهر رحماته وبركاته، وأسكنها فسيحَ جناته. وتقبَّل صالح عملها، وحقَّق فيه حسنَ أملها. وكتب لها أجر شهادتين: أجر الغربة وأجر المرض الذي ابتلاها الله به. ولعل من عاجل بُشراها استئثار الله بها في حياة والديها لتُغْمرَ بدعواتهما الصالحة، واستغفارهما، ورضاهما. ومِن بشراها ما تسببتْ به من أجر لوالديها، وهذا مِن البرِّ الموهوب، وهو في ميزانها كذلك إن شاء الله. عظم الله أجرَكم. وغسل قلوبَكم بكوثر الصبر والرضى. وكان الله معكم. وإنا لله وإنا إليه راجعون".

ثم أرسلتُ إليه عددًا من أخبار أعلام فقدوا بناتهم، فكتب في [28/ 9/ 2017م] يقول:
"أخي د عبدالحكيم جزاك الله خيرًا على تصيد مثل هذه الأخبار. وأود أن أقول: لقد فقدتُّ كثيرًا من الأحبة: أمي وأبي وخالتي الوحيدة التي كانتْ تحبني كثيرًا وأخي الكبير وابن بنتي الصغير وفقدتُّ جمعًا من مشايخي الذين أحببتُهم وأحبوني، وعددًا من زملائي ومعارفي وذوي قرباي رحمهم الله جميعًا، وقد بكيتُهم وأحزنني فراقُهم، ولكن يبدو أن فقد الولد شيء آخر، لا يعرف وقعه إلا مَن أصيب به، وكيف لا وهو فلذة كبد أبيه وقطعة منه، فسبحان الحكيم الذي جعل جزاء مَن صبر على ذلك الجنة، فالحمد لله رب العالمين وإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله الذي أذن لنا بهذه الدموع فقد علم سبحانه أن حبسها صعب وشديد، فالحمد لله الذي رخص لنا بها وجعلها رحمة منه لعبده الضعيف، وصلى الله وسلم على مَن كان قدوة حسنة في ذلك.. والحمد لله الذي حرَّك قلوبَ جمعٍ كبيرٍ مِنْ عباده بالدعاء لابنتي رحمها الله تعالى مِنْ بلاد متعددة، من فضلاء أخيار وبررة أتقياء، ممن نعرفهم وممن لا نعرفهم، والحمد لله الذي يسَّر مبشراتٍ كثيرةً تشيرُ إلى أنها ماتتْ شهيدةً، وأنها في قبرها سعيدة، فاللهم اجعلها رؤى حق، ومبشرات صادقة، واغفرْ لها وارحمها، وشفّعها فينا، واجمعنا معها في مستقر رحمتك، على الرضا والمحبة آمين، ولا تنسونا من صالح دعواتكم لنا ولها، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

ثم كتب يقول:
"لعل من البر بالوالد رحمه الله تعالى أن أخبرك يا أخي د عبدالحكيم: أن والدي أيوب بن سويدان بن رجب الكبيسي فقد بنتين ماتتا قبل البلوغ رحمهما الله تعالى، وهما شقيقتاي، ولم يُخلف بنتًا سواهما، وكان صابرًا محتسبًا. ووالدي رحمه الله تعالى وإن لم يكن من أهل العلم إلا أنه كان من أهل الوجاهة والصلاح، وهو كما وصفوه: كان رحمه الله تعالى كريم النفس فليح الوجه مخلصًا صادقًا مع أهله وناسه، وكان يملك نظرة ثاقبة، وأسلوبه حاد وواضح في الحوار والنقاش".

عبدالحكيم: "رحمه الله رحمة واسعة وجعلهما شفيعتين مشفعتين".

عيادة الكبيسي: "آمين. ورحم الله والديك. وجزاك الله خيرًا".

ثم أرسلتُ إليه حديث البخاري السابق في وفاة السيدة زينب رضي الله عنها، فقال:
"صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله. ونحن قد شَمَلْتنا بعطفك وحنانك إذ بكيتَ من أجلنا حتى طمأنك ربُّك حين قال: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك. فصلى الله وسلم عليك وجزاك عنا أفضل ما جزى به نبيًّا عن أمته، وجمعنا معك في مستقر رحمته على الرضا والمحبة آمين. وجزاك الله خيرًا يا د. عبدالحكيم على هذا التذكير الجميل، وكتبَ لنا ولكم ولأحبابنا أجمعين من شفاعته صلى الله عليه وسلم أوفر نصيب".

وأرسلت إليه خبر الشيخ عبدالقادر الكيلاني السابق، فقال:
"رضي الله عنه وأرضاه إنها أحوال خاصة، أين نحن منها؟ نحن في دائرة الرخصة، فالحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

عبدالحكيم: "أكمل الأحوال الحال النبوي، وهو يسع جميع الأمة".

عيادة الكبيسي: لا شك في ذلك وجزاك الله خيرًا. والحمد لله رب العالمين الذي جعل لنا برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فادع الله لنا أن يصبرنا ويثبتنا والحمد لله وإنا لله وإنا إليه راجعون".

وهذا ما كتبَه -رحمه الله- لجميع مَنْ عزاه:
"أيها الأخوة والأحبة: جزاكم الله خير الجزاء، وأسأل الله تعالى الرحيم الكريم الحكيم أن يجعل بكل حرفٍ دعوتموه به سابقًا ولاحقًا حسناتٍ مضاعفاتٍ مباركاتٍ ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا مِن شيء بعدُ لابنتي أم عبدالرحمن رحمها الله تعالى ولنا ولكم وللمسلمين أجمعين. والحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا اليه راجعون، وصلى الله وسلم على سيدنا النبي المصطفى الأمين وآله وصحبه والتابعين، ورحم الله مَن قال آمين. آمين اللهم آمين".
***

أ.د عبدالستار الحَلْوجي (مصر):
فقد ابنتَه الدكتورة داليا.
***

الشيخ الأستاذ الدكتور اليزيد الراضي رئيس المجلس العلمي المحلي لمدينة تارودانت (المغرب).
فقد ابنته الدكتورة آمنة، وهي زوجُ الأستاذ الدكتور المهدي محمد السعيدي الإلغي. وقد قرأتُ لها مؤخرًا تقديمًا حافلًا لكتاب "أم الطلبة" الذي ألفه الأستاذ عبدالوافي ابن العلامة الكبير محمد المختار السوسي، في سيرة والدته الجليلة صفية التازاروالتي رحمهما الله تعالى. وفي آخره تعريفٌ موجزٌ بها رحمها الله.
***

[1] رواه الإمامُ البخاري (1195).

[2] روضة العقلاء (ص: 558).

[3] الأعلام للزركلي (4/ 198).

[4] روضة العقلاء (ص: 558 - 560).

[5] تفسير القرطبي (1/ 371-372).

[6] (1/ 222). والأثر أخرجه الحاكم (2/ 269 - 270) وصححه وأقره الذهبي، وأوله: عن ابن عباس قال، جاءه نعيُ بعض أهله. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 163) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان.

[7] المغني (3/ 389).

[8] التاريخ الكبير (2/ 167).

[9] الحدائق لابن الجوزي (2/ 495 - 496).

[10] تاريخ الطبري (8/ 186).

[11] التعازي والمراثي للمبرد (ص: 160-161).

[12] تاريخ مدينة السلام (1/ 448).

[13] ترتيب المدارك وتقريب المسالك (3/ 96).

[14] عيون الأخبار (3/ 61-62).

[15] تاريخ دمشق لابن عساكر (5/ 240).

[16] تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (4/ 357) عن الديوان (ص: 100).

[17] ذكر هذا العمادُ الأصبهاني في "خريدة القصر وجريدة العصر" (ج3 م1 ص: 330).

[18] العرب في صقلية (ص: 261)، والديوان، القصيدة (145). وراجع (ص: 364).

[19] انظر: قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبدالقادر للشيخ محمد بن يحيى التادفي الحنبلي (ص: 77-78).

[20] (ص: 10-11).

[21] (1/ 73).

[22] من ترجمة البرزالي بقلم محقق تاريخه الأستاذ الدكتور عمر تدمري، انظر: تاريخ البرزالي: المقتفي لتاريخ أبي شامة (1/ 66).

[23] كذا قال هنا، وفي ترجمة أبي حيان: مجلد ضخم.

[24] الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة (6/ 161).

[25] الدرر الكامنة (6/ 62).

[26] ديوان ابن الوردي (ص: 179).

[27] الجواهر والدرر (3/ 1210).

[28] أفاد بهذا الأخ الكريم الفاضل الشيخ عماد الجيزي.

[29] الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر (3/ 1208-1211).

[30] الجواهر والدرر (3/ 1225).

[31] إرشاد الغاوي بل إسعاد الطالب والراوي بترجمة السخاوي (ص: 73).

[32] التحدُّث بنعمة الله (ص: 17).

[33] بغية الوعاة (1/ 377).

[34] الاستيقاظ والتوبة مع "بهجة العابدين" (ص: 224-225).

[35] طرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة، ضمن "شرح المقامات" (2/ 773).

[36] متعة الأذهان من التمتع بالأقران بين تراجم الشيوخ والأقران تأليف ابن طولون انتقاء ابن الملا (2/ 870).

[37] متعة الأذهان (2/ 876).

[38] متعة الأذهان (1/ 492).

[39] الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة (3/ 26).

[40] انظر (ص: 75).

[41] بلوغ الأرب في ترجمة السيد الشيخ رجب وذريته أهل الحسب (ص: 153).

[42] انظر ديوانه الدر المنتظم (ص: 132).

[43] يُريد أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه. ويُسمّى في إسطنبول: أيوب اختصارًا.

[44] ديوان "الدر المنتظم" (ص: 265).

[45] له ترجمة في كتاب "نخبة من أعلام حلب الشهباء" تأليف الشيخ عبدالرحمن الأويسي (ص: 282-288).

[46] وقال الشيخ أحمد هنا: "وأنت تعلم أن الشيخ محمد علي الإدلبي في غاية من الحزم والعنفوان والقوة، وعندما قُتل ابنه أصبح في حال مؤلمٍ جدًّا ودخله من الضعف ما الله به عليم حتى رثى له مَنْ كان جافيًا له".

[47] ذكريات علي الطنطاوي (2/ 96-98).

[48] قال الأستاذ مجاهد ديرانية: "في كتاب «رجال من التاريخ» فصل عن عائشة التيمورية، فيه خبرها وفيه واحدة من قصائدها التي نَظمتها في رثاء بنتها التي ماتت بعد زواجها بشهور قلائل، وهي في الثامنة عشرة. قال فيه: "وروّعت عائشةَ الصدمةُ وشدَهتها، ولم تستطع التصبّر، ونسيت كل شيء إلا ابنتها وتركت كل شيء إلا الانقطاع لرثائها، ولبثت على ذلك سبع سنين كوامل قالت فيها قصائد تبكي الصخر وتحرك الجماد، وأثر طولُ البكاء في عينيها فلم تعد تبصر..."، والمقالة مؤثّرة والأبيات أشد تأثيرًا، فمن شاء قرأها هناك".

[49] ذكريات علي الطنطاوي (6/ 139- 149).












التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* الجنة والنار
* حق الكبير وصاحب الفضل
* الناجح ربما لا يفوز!
* وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بـ (اغتنم خمسا قبل خمس)
* طموح الشباب
* اليأس أحد أمراض النفس
* ليس من الإسلام تصيد الأخطاء

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس