24- فرقع بصوت هائــل
في أيام الحملة الفرنسية على مصر دعا الفرنسيون الشيوخ و العلماء المصريين لزيارة المجمع العلمي الذي أنشأوه في القاهرة , و قاموا أمامهم ببعض التجارب الكميائية و الطبيعية ليبهروهم بتفوقهم العلمي . و وصف الجبرتي هذه الزيارة فقال :
((من أغرب ما رأيت في ذلك المكان أن بعض الموجودين أخذ زجاجة فيها ماء و صب منها قليلاً في كأس ثم صب عليه ماء من زجاجة أخرى فغلى ما في الكأس و تصاعد من دخان ملون حتى انقطع و جف ما في الكأس و صار حجراً أصفر قلبه أمامنا و أخذناه بأيدينا و نظرناه , ثم فعل ذلك بمياه أخرى فجمد حجراً أزرق , و بأخرى فجمد حجراً أحمراً ياقوتياً , و أخذ مرة قليلاً من غبار أبيض و وضعه على السندان و ضربه بلمطرقة بلطف فخرج له صوت هائل كصوت البندقية انزعجنا منه فضحكوا منا , وأخذ مرة زجاجة فارغة مستطيلة فغمسها في ماء قراح موضوع في صندوق من الخشب مصفح من الداخل بالرصاص و أدخل معها أخرى على غير هيئتها و أنزلهما في الماء و أصعدهما بحركة إنحبس الهواء في أحدهما و أتى آخر بفتيلة مشتعلة قربها من فم الزجاجة فخرج منها الهواء المحبوس و فرقع بصوت هائل . و لهم في هذا أمور و أحوال و تراكيب غريبة لا تسعها عقول أمثالنا )) .
و الذي قام به الفرنسيون من أعمال أمام المصريين هو في النهاية من صميم عمل الحرب النفسية التي تعتمد على إثارة الأنفعالات و إستغلال هذه الإثارة في عملية الإيحاء . فهي تقوم على إلغاء العقل و الإهتمام باجانب الإنفعالي من شخصية الإنسان , لأن العدو إذا إستطاع أن يتحكم في إنفعالات أفراد الشعب كان من السهل عليه بعد ذلك التأثير عليهم بأي نوع من أنواع الإيحاء .
و تطبيقا لهذه القاعده إستغل نابليون كبار علماء الثورة الفرنسية في إستخدام التفاعلات الكميائية العلمية لإستثارة دهشة أفراد الشعب و تعجبهم لما يحدث أمامهم يرونه و يسمعونه , فاستغل العلماء مثلاً تفاعل المواد الكميائية في إنتاج مواد جديدة ذات ألوان مختلفة و ما قد ينتج من هذه التفاعلات من أصوات غريبة , إستغل العلماء كل هذا في إستثارة دهشة الشعب المصري . و في هذا بطبيعة الحال إقناع ضمني على مقدرة الفرنسيين في التحكم في الظواهر و إحداث المعجزات , و قد ساعد على ذلك تأخر المصريين في ذلك الوقت في هذه الفنون والعلوم نسبياً , كما في ذلك إشعار المصريين بضعفهم إزاء تلك القوة الخارقة التي أظهرها الفرنسيون على هذا النحو .
و اليوم تشهد موقفاً قريباً من هذا , أثر التقدم التكنولوجي في فن الدعاية و التأثير و إستخدام كل ذلك بأسلوب من أساليب الحرب النفسية . هذا التقدم لا ينبغي التقليل من أهميته , فكل دولة تسعى في الوقت الحاضر لأن يكون لها نصيبها الموفور في هذا المجال . و لكن الذي يحدث كثيراً أن الإيمان بالرسالة و الثقة في أحقية الهدف , و ثقة الشعب بنفسه و قادته كثيراً ما تغطي الفرق في هذا التقدم التكنولوجي .
|