(إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) لكن ماذا لو جاءنا ثقة بنبأ رجل ثقة عَدْل هل نتبين أو لا نتبين؟ إذا عرفنا دينه وأمانته نقبل الخبر، هذا معنى الآية الله سبحانه وتعالى يقول (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) فكأن الله يقول تبينوا لأنه فاسق فعلّق الأمر بالتبين بصفة الفسق. ويمكن أن نستفيد من الآية فائدة أخرى وهي أنه كلما كان فاسقاً زيادة يجب التبيّن والحذر أكثر فتزيد نسبة التبين والتثبت بمقدار نسبة الفسوق عند هذا الرجل. لكن مفهوم المخالفة أنه إن جاءكم ثقة وعدل بنبأ فصدّقوه واقبلوه ولذلك استنبط العلماء قبول خبر الواحد الثقة سواء في العقائد أو الأحكام لأن الله سبحانه وتعالى إنما أمرنا بالتثبت في خبر الفاسق ولم يأمرنا بالتثبت في خبر العدل فدلّ على أن خبر العدل مقبول في ديننا ومقبول في أمور دنيانا. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لذكائه وبصيرته عليه الصلام والسلام أول ما أُمر بإنذار قريش قام على جبل الصفة فقال يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا بني قصيّ يا بني فلان قال أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي تريد أن تغزوكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا ما عهدنا عليك كذباً قطّ، أنت رجل معروف عندنا أنط صادق وأمين. معناه أنه رجل مقبول الخبر عندهم وثقة فقال أنا نذير لكم بين يدي عذاب شديد. وهذه كُررت أيضاً لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجاء عبد الله بن سلام وهو عالم من علماء اليهود قال للرسول صلى الله عليه وسلم يا رسول الله اليهود قوم بُهْت سيلبسونني تهماً ليست فيّ لو علموا أني أسلمت لكن إذا دخلوا فاسألهم عني قل كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قبل أن يعرفوا أني أسلمت فقال كيف عبد الله بن سلام فيكم يا معشر يهود؟ قالوا هذا عالمنا وابن عالمنا وحبرنا ومدحوه كثيراً. قال أُشهدكم أني أسلمت وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالوا فيك وفيك وما تركوا صفة إلا شتموه بها، قالوا كذّاب! فقال للرسول صلى الله عليه وسلم هذه طبيعتهم!. لذا ينبغي الإنسان أن يتثبت من خبر الفاسق أما خبر العدل الثقة فإنه معفوٌ عن التثبت فيه لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالتثبّت في خبر الفاسق فقط.
من فوائد هذه الآية أيضاً قبول خبر الواحد إن كان ثقة سواء في الأحكام أو حتى في العقائد والذين يردّون خبر الواحد في العقائد على غير الصواب والصحيح أن خبر العدْل الثقة مقبول ولو كان واحداً سواء كان في العقائد أو في غيرها لأنه ليس هناك دليل على التفريق بين ذلك.
من فوائد هذه الآية أيضاً أن خبر الواحد لا يوجِب العلم بدليل أنه أمر بالتثبّت فلو كان يوجِب العِلم لما أمر بالتثبّت، هذا استنباط بعض العلماء وإن كان مردوداً لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالتثبّت من خبر الفاسق وأما خبر العَدْل فإنك غير مأمور به مما يدل على أنه يوجِب العِلم. لكن يبقى أن التثبّت دائماً من الأخبار سواء من الثقة أو غير الثقة صفة الحازم العاقل وأنك لا تنشر خبراً لم تتثبت منه لا في الفايسبوك ولا في الإيميل ولا في التويتر حتى لا تندم لأن الله سبحانه وتعالى قال (فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) وما أكثر الذين يندمون ثم يرسل رسال اعتذار! أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا التثبت فيما نقول وفيما ننشر وأن يجعلنا وإياكم من عباده الصادقين المخلصين المتأدّبين بآداب كتاب الله سبحانه وتعالى.