بسم الله الرحمن الرحيم
والشوق اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبة يكون الشوق قال بعض السلف في قوله -عزَّوجلَّ-:{ وعجلت إليك ربِّ لترضى }، قال معناه شوقاً إليك وقال من علامات الشوق حب الموتعلى بساط العافية، كيوسف -عليه السلام- لمَّا ألقي في الجب لم يقل توفني؛ ولما أدخلالسجن لم يقل توفني؛ ولما دخل عليه أبواه وإخوته وخروا له سُجداً وتم له الملكوالنعمة قال توفني مسلماً وألحقني بالصالحين، قال الله تعالى:{ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {العنكبوت, قيل هذا تعزية للمشتاقين وتسلية لهم، أي أني أعلم أن من كان يرجو لقائيفهو مشتاق إليَّ، فقد أجلت له أجلا يكون عن قريب، فإنه آتٍ لا محالة، وكل آتٍ قريب وفيه،لطيفة أخرى وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء، لولا التعلل بالرجاء لقطعت نفس المحبصبابة وتشوقا، ولقد يكاد يذوب منه قلبه مما يقاسي حسرة وتحرقا، حتى إذا روح الرجاءأصابه، سكن الحريق إذا تعلل باللقاء، وهذا الشوق على درجات الدرجة الأولى شوق العابدإلى الجنة، ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل.
قال ابن القيم يعني شوق العابدإلى الجنة فيه، هذه الحكم الثلاث أحدها: حصول الأمن الباعث على الأمل، فإن الخوفالمجرد عن الأمن من كل وجه لا ينبعث صاحبه لعمل البتة؛ إن لم يقارنه أمل، فإن تجردعنه قطع وصار قنوطا، الثاني: فرح الحزين، فإن الحزن المجرد أيضا إن لم يقترن به الفرحقتل صاحبه، فلولا روح الفرح لتعطلت قوى الحزين، وقعد حزنه به، ولكن إذا قعد به الحزنقامبه روح الفرح، الثالث: روح الظفر، فإن الآمل إن لم يصحبه روح الظفر مات أمله،والله أعلم.
الدرجة الثانية شوق إلى الله -عز و جل- زرعه الحب الذي ينبت على حافاتالمنن، فعلق قلبه بصفاته المقدسة، فاشتاق إلى معاينة لطائف كرمه، وآيات بره، وأعلامفضله.
هذا هو حالالمحبين المشتاقين للقاء الله -عز وجل-، وهم أهل الإيمان والتقوى، قال تعالى:{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ{ البقرة، وقال تعالى: } وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ{البقرة, وقال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا{ الأحزاب, وقال تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا{ الكهف.
قال ابن المبارك في تفسير هذه الآية: فليعمل عملاصالحاً ولا يخبر به أحداً، أما أهل الإعراض والغفلة الذين لا يرجون لقاء الله ولايحبونه فهم أخسر الناس عملاً، وأشقى الناس مآلاً, قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{يونس, وقال تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا{الكهف.
فاللهم املأ قلوبنا حباً وإخلاصاً ورغبةً ورهبةً وشوقاً إلىلقائك، ووفقنا لما تحب وترضى يا أكرم الأكرمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربالعالمين
.