عرض مشاركة واحدة
قديم 08-16-2026, 09:11 PM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

دعوى الإلهام والحجية في أسفار العهد الجديد

د. ناجي محمد داود سلامة



والموسوعة البريطانية تشكك في ذلك أيضاً، فقد جاء فيها:

"بالرغم من أن مؤلف إنجيل مرقس غير معروف على الأرجح، فإن قيمة هذا الكتاب وسلطته مستمدة تقليدياً من علاقة مؤلفه المفترضة بالحواري بطرس"[35].

وخلاصة القول:

إن هناك شكاً في كون مرقس هو محرر الإنجيل المتداول، وأنه ليس هناك من الأدلة ما يثبت من قلمه.


إنجيل لوقا:


ينسب النصارى هذا الإنجيل إلى أممي اسمه لوقا، كما ينسبون إليه أيضاً سفر أعمال الرسل.


يقولون إنه ولد في أنطاكية، ودرس الطلب واشتغل به.


ويرون أنه صاحب بولس في رحلاته الدعوية، وأن بولس أشار إلى ذلك؛ لذا فهو تلميذ له[36].


والدكتور بوست - وهو أحد العلماء المعتبرين عندهم - يخالف رأي الكثيرين الذين يرون أنه مولود في أنطاكية. ويرى أنه روماني نشأ بإيطاليا، ويعلل مخالفته؛ بأن بعضهم ظن ذلك؛ لخلطه بين لوقا وشخص آخر اسمه: بلوكيوس.


ثم إن مهنة لوقا محل اختلاف أيضاً، حيث يرى بعضهم: أنه كان مصوراً، وليس طبيباً[37]. ثم إن اختلافاً حصل أيضا في تاريخ تدوين هذا الإنجيل فقال بعضهم: دوِّن سنة60م[38] وجزم المحققون أنه دوِّن ما بين 80 - 90م[39].

ومقدمة الإنجيل تخبر أن مؤلفه أرسله إلى شخص يدعى "ثاوفيلس"، والاختلاف امتد إلى شخصية المرسل إليه أيضاً فمن قائل: إنه كان مصرياً، ومن قائل، إنه شخص عظيم من عظماء اليونان، فإذا تحددت شخصية المرسل إليه يتحدد بالتالي: إلى أي الأقوام كتب المؤلف بشارته[40].



ثم إن من علماء اليوم من يشكك في صحة نسبة هذا الإنجيل إلى لوقا الذي ذكره بولس في رسائله. يقول د. جورج كيد[41] في كتابه "تفسير إنجيل لوقا": ".... على أنه من النادر ذكر لوقا كشخصية بارزة في سجلات التاريخ للقرن الأول من المسيحية[42].


وفي هذا الكلام إشارة إلى أن لوقا ليس هو محرر الإنجيل المتداول؛ إذ لو كان كذلك لشاع ذكره في القرن الأول الميلادي.


وها هو كاتب الموسوعة البريطانية أيضاً يؤكد جهالة مؤلف الإنجيل بقوله: "باختصار إن مؤلف هذا الإنجيل يظل مجهولاً"[43]. وهذا يعني: أنه ليس لوقا المذكور في رسائل بولس.



والخلاصة: أن الاختلاف في هذا الإنجيل ومحرره كبير، فقد اختلف في: مهنة الكاتب، وفي أصله، ولمن كتب، وفي تاريخ تدوين الإنجيل. والأهم من ذلك كله: أن الكاتب لم يعرف على وجه اليقين، أهو الذي أشار إليه بولس في رسائله أم لا[44]؟. وهذا كله يقدح في حجية هذا الكتاب ولا شك.


إنجيل يوحنا:


ينسب النصارى هذا الإنجيل بن زبدي الحواري تلميذ المسيح عليه السلام ويعدونه من أقرب المقربين إليه. كما ينسبون إليه أربعة أسفار أخرى من العهد الجديد عدا الإنجيل المعنْوَن باسمه.


ويصرح علماؤهم بأن غاية يوحنا من تأليف هذا الإنجيل إثبات ألوهية المسيح عليه السلام والرد على المنكرين.


يرون أنه توفى بافسس سنة 98م، وقيل بعد ذلك[45].


والذي يلاحظ أن الفرق شاسع وكبير بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة الأخرى، حتى عبر أحد شراح الأناجيل عن ذلك بقوله: "إنه عالم آخر"[46].


الشك كبير في نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري:


يقول موريس بوكاي: "تؤكد الترجمة المسكونية للتوراة أن أغلبية الناقدين لا تتبنى فكرة التحرير من الرسول يوحنا..."[47].


ويقول جون مارش في مقدمته لتفسير إنجيل يوحنا تحت عنوان "استحالة التوكيد": حين تأتي لمناقشة المشاكل الهامة والمعقدة التي بالإنجيل الرابع ومؤلفه نجد أنه من المناسب والمفيد أن نعترف مقدماً بأنه لا توجد مشكلة للتعريف بالإنجيل وكاتبه يمكن إيجاد حل مؤكد لها... ثم يختم مقدمته بقوله:

وبعد أن نفرغ كل ما جعبتنا، نجد أنه من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - تحقيق أي شيء أكثر من الاحتمال حول مشاكل إنجيل يوحنا"[48].


أما دائرة المعارف البريطانية ففيها الجزم، والقطع بأن هذا الإنجيل ليس من تأليف يوحنا بن زبدي الحواري، فقد جاء فيها: "أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما ببعض، وهما القديسان: يوحنا ومتى. وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري ووضعت اسمه على الكتاب نصاً، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً. ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه. وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا ولو بأوهى رابطة، ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى"[49].

ويلاحظ في هذا الكلام الجزم والقطع بأن هذا الإنجيل مزور، ولا علاقة للحواري يوحنا به.



وأن المؤلف لهذا الإنجيل له غرض غير نزيه عندما زعم أنه الحواري الذي يحبه المسيح - عليه السلام.


ثم إن الكنيسة لم تدقق في الأمر عندما نسبت هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري. كما أن مؤلف هذا الإنجيل له نظرات فلسفية بعيدة كل البعد عن أصحاب المسيح - عليه السلام.

وأن كل جهد يبذل لإيجاد علاقة بين يوحنا الحواري وهذا الإنجيل سوف يضيع سدى، وبالتالي يستحق صاحبه الشفقة لسيره على غير هدى.


ومؤلفو دائرة المعارف الفرنسية المشهورة باسم لاروس القرن العشرين ذكروا أنه: "ينسب ليوحنا هذا الإنجيل.. ولكن البحوث الحديثة في مسائل الأديان لا تسلم بصحة هذه النسبة[50].

يتضح مما سبق أن هذا الإنجيل المنسوب إلى يوحنا ليس من قلمه، وأن هذا الإنجيل لا حجة فيه على أحد؛ لجهالة مصنفه، فكيف إذا عُلم أن النصارى يحتجون كثيراً بنصوص هذا الإنجيل على ألوهية المسيح عليه السلام؟! ثم ليعلم أن الشك في نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا قديم؛ ففرقة الوجين التي كانت في القرن الثاني كانت تنكر هذا الإنجيل وجميع ما نسب إلى يوحنا[51].



سفر أعمال الرسل:


ينسب النصارى هذا السفر إلى لوقا تلميذ بولس، وصاحب الإنجيل الثالث ويعللون رأيهم؛ بأن هذا السفر يبدأ بالقول: "الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله.. "فهو موجه إلى شخص يدعي ثاوفيلس، وكذلك الإنجيل الثالث موجه إلى الشخص نفسه.


وقول الكاتب "الكلام الأول الذي أنشأته..." فيه إشارة إلى الإنجيل الثالث، وإن خلا سفر الأعمال من ذكر اسم المؤلف.


ثم إنهم يقولون: التشابه واضح بين السفرين من حيث اللغة، فكلاهما مكتوب باللغة اليونانية، كما أن هناك تشابهاً واضحاً في الأسلوب والموضوع، ثم إن ثقافة المؤلف العالية تبدو واحدة في السفرين.

ويبرز سفر الأعمال الحديث عن بطرس، وما ظهر على يديه من عجائب. كما يبرز على وجه الخصوص أعمال بولس. وإن كان في السفر أيضا إشارة إلى أعمال غيرهما[52].

ولكن هل لوقا المذكور في رسائل بولس هو صاحب السفرين بحق؟


لقد مضى القول في صاحب الإنجيل الثالث، وكيف أن علماءهم اختلفوا في أصله، ومنته، وفي شخصية ثاوفيلس الذي وجه إليه الكاتب هذين السفرين.


إن هناك من يشكك في صحة نسبة سفر الأعمال إلى لوقا تلميذ بولس. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن هناك من يشكك في كون صاحب الإنجيل الثالث هو عينه مؤلف سفر الأعمال.

فالموسوعة البريطانية تشير إلى اختلاف في وجهات النظر بين كاتب سفر الأعمال وبين رسائل بولس، وتمثل لذلك بالتضارب بين الإصحاح الخامس عشر من كتاب أعمال الرسل، وبين الإصحاح الثاني من رسالة بولس إلى أهل غلاطية، حيث يفهم من سفر " الأعمال: أن الرسل[53] كانوا متفقين على إسقاط الختان عن المهتدين الجدد. بينما يفهم من رسالة بولس: أنهم كانوا مختلفين حول هذه المسألة[54].

قلت: وهذا الاختلاف وإن دل على انتفاء الإلهام، إلا أنه يجعل القارئ يتساءل: إذا كان لوقا صاحب سفر الأعمال هو تلميذ بولس المصاحب له، فكيف تخفي عليه هذه المسألة ويناقض فيها رأي أستاذه؟!

وينقل صاحب كتاب اختلافات في تراجم الكتاب المقدس عن علمائهم ما نصه: "إن وجود الأجزاء بصيغة (نحن) يوحي بأن المؤلف كان منتميا إلى بيئة بولس فيكون لوقا المرشح الممكن الوحيد. ولكن هناك أموراً لابد من النظر فيها: فالتوافق بين سفر أعمال الرسل وأفكار بولس في رسائله يبقى على أقل تقدير غير أكيد في شؤونٍ بعضها مهم.... و لكن هل يستنتج من ذلك أنه لا يمكن أن يكون مؤلف الإنجيل الثالث وسفر الأعمال رفيقا لبولس، وأن اقتراح اسم لوقا مستبعد تماما؟! أقل ما يقال: إن هذا الأمر قابل للبحث[55]. والعلماء الأمريكان والألمان يرون أن مؤلف الإنجيل الثالث وسفر الأعمال شخصان مختلفان؛ ذلك لمخالفة سفر الأعمال رسائل بولس في نقاط كثيرة.

وهذا يعني - في نظرهم - أنه من غير المعقول أن يسطر هذا السفر شخص له معرفة مباشرة ببولس ورحلاته[56].



كما أن وجود اختلاف في الخبر الواحد بين إنجيل لوقا وبين سفر الأعمال ليؤكد أن هذين السفرين من تصنيف شخصين مختلفين[57].


وجملة القول: إن كون سفر الأعمال من تصنيف لوقا الذي ذكره بولس في رسائله أمر مشكوك فيه، وإلا لما قال علماؤهم: "أقل ما يقال: إن هذا الأمر قابل للبحث". ولما خالف مؤلف سفر الأعمال رسائل بولس في نقاط كثيرة. ثم إن سفر الأعمال والإنجيل الثالث من عمل شخصين مختلفين وإلا لما اختلفا في حكاية الخبر الواحد.


حال بعض الرسائل في العهد الجديد:


العهد الجديد المتداول يشتمل على سبعة وعشرين سفرًا منها ما يعرف بالأسفار التاريخية وهي: الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل، وقد سبق التعريف بهذه الأسفار الخمسة.


ومنها ما يعرف بالأسفار التعليمية وهي اثنتان وعشرون رسالة، منها: أربع عشرة رسالة لبولس، ورسالتان لبطرس، وثلاث رسائل ليوحنا، ورسالة ليعقوب، ورسالة ليهوذا، ورؤيا يوحنا "مشاهدات يوحنا".


هذه الرسائل لم تكن جميعها محل اتفاق بين علماء النصارى القدامى، حيث إن بعض هذه الرسائل مشكوك في صحة نسبتها إلى أصحابها. وهذه الرسائل هي:

1 - رسالة بولس إلى العبرانيين.

2 - الرسالة الثالثة لبطرس

3 - الرسالة الثانية ليوحنا

4 - الرسالة الثالثة ليوحنا

5 - رسالة يعقوب

6 - رسالة يهوذا

7 - مشاهدات يوحنا (سفر الرؤيا).


ولما عقد أكبر مجمع لهم عام 325م في نيقية وإذا به لم يعترف بهذه الرسائل ولم يعتبرها مقدسة.


ثم جاء بعد ذلك مجمع آخر عام 364م وأقر بوجوب تسليم هذه الرسائل، عدا سفر مشاهدات يوحنا، فلم يعتبره ضمن الكتب المقدسة.

ثم عقد مجمع ثالث عام 397م فأدخل سفر مشاهدات يوحنا ضمن الأسفار القانونية المعتمدة[58].



قال د. بلسن من علماء البروتستنت: "والكنائس السريانية ما سلموا أن الرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوا، وكتاب المشاهدات، واجبة التسليم، وكذا حال كنائس العرب"[59].

فيعلم من هذا القول: أن الكنائس السريانية، وكنائس العرب لا تسلم بصحة هذه الرسائل إلى الآن مخطئين رأي علمائهم في المجمعين الأخيرين.

أما رسالة يوحنا الأولى فلنقرأ ما جاء في قاموس الكتاب المقدس بشأنها: "أما الرسالة الأولى هي أطول الرسائل الثلاث فهي خالية من التحية... والتشابه الذي بينها وبين البشارة الرابعة (إنجيل يوحنا) يدعو إلى الاعتقاد أن مؤلفها هو شخص واحد ولكن على الرغم من هذا التشابه فهناك تباين أساسي حتى ليرجح البعض أن كاتبها كان تلميذاً ليوحنا الرسول..."[60].

فانظر إلى هذا القول المضطرب من كون الرسالة تتشابه مع الإنجيل الرابع، ثم إن بينه وبينها تبايناً أساسياً جعل بعضهم يرجح أنها من قلم تلمذ ليوحنا، مع أنها معنونة باسم يوحنا الحواري.



القول في رسائل بولس:


نقل صاحب إظهار الحق عن يوسي بيس في الباب الخامس والعشرين من الكتاب السادس من تاريخه قوله: قال أريجن - في المجلد الخامس من شرح إنجيل يوحنا -: إن بولس ما كتب شيئا إلى جميع الكنائس، والذي كتبه إلى بعضها فسطران، أو أربعة سطور".

ويعلق صاحب إظهار الحق على هذا الكلام بقوله: "فعلى قول أريجن فإن الرسائل المنسوبة إلى بولس ليست من تصنيفه، بل هي جعلية نسبت إليه، ولعل مقدار سطرين أو أربعة سطور يوجد في بعضها من كلام بولس أيضًا"[61].



ومعلوم أنه ينسب إلى بولس وحده من أسفار العهد الجديد أربع عشرة رسالة.



بعد هذا العرض يتبين للقارئ حال العهد الجديد بأسفاره التاريخية والتعليمية، وكيف أن الشك قائم في صحة نسبة تلك الأسفار إلى مؤلفيها، إذ السند المتصل لتلك الأسفار مفقود. ألا ترى كيف أن بعض أسفارهم رفضها أكابر علمائهم القدامى، ثم إذا بمن يأتي بعدهم يخطئهم في رفضها، ويمنح تلك الأسفار القدسية والحجية!!


إن أسفاراً هذا حالها لا يمكن أن تقوم بها حجة على أحد، ولا تلزم أحداً بما فيها.



وأخيراً لنختم الحديث عن هذه الأسفار ببعض الأقوال المتعلقة بهذه الأسفار بشكل عام ليتأكد القارئ المصنف أن بمثل هذه الأسفار المنقطعة السند إلى مؤلفيها لا تقوم الحجة؛ وبخاصة لاشتمال هذه الأسفار على عقائد ذات أهمية بالغة.


يقول الشيخ رحمت الله الهندي:".... ولذلك طلبنا مراراً من علمائهم الفحول السند المتصل فما قدروا عليه. واعتذر بعض القسيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم فقال: إن سب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة[62].


قال لاردنز في المجلد الخامس من تفسيره: "حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفيها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيثوس... فصححت مرة أخرى".

ويعلق صاحب إظهار الحق على هذا القول بما نصه: "لو كانت هذه الأناجيل إلهامية، وثبت عند القدماء في عهد السلطان المذكور بالإسناد الجيد أنها من تصنيفات الحواريين وتابعيهم، فلا معنى لجهالة المصنفين وتصحيحها مرة أخرى. فثبت أنها كانت إلى ذلك العهد غير ثابت إسنادها، وما كانوا يعتقدون أنها إلهامية، فصححوا على قدر الإمكان أغلاطها وتناقضاتها... وثبت أنها غير ثابتة الإسناد والحمد لله"[63].

ويقول صاحب كتاب ديانات العالم: "بالإضافة إلى رسائل بولس يتكون العهد الجديد من الأناجيل الأربعة التي تنسب إلى أربعة من الرسل، وإن كانت هذه الأناجيل في الحقيقة ليست من إنتاج هؤلاء الرسل"[64]. يقول فاستس - وهو من أعظم علماء فرقة ماني كيز[65] في القرن الرابع - ما نصه: "أنا أنكر الأشياء التي ألحقها في العهد الجديد آباؤكم بالمكر، وعيبوا صورته الحسنة وأفضليته؛ لأن هذا الأمر محقق: أن العهد الجديد ما ألفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم، ونسبه إلى الحواريين؛ خوفا عن أن لا يعتبر تحريره، ظانيين أنه غير واقف على الحالات التي كتبها، وأذى المريدين للمسيح إيذاء بليغاً بأن ألف الكتب التي توجد فيها الأغلاط والتناقضات"[66].

وكان سلسوس من علماء الوثنيين يصيح في القرن الثاني: "إن النصارى بدلوا أناجيلهم ثلاث أو أربع مرت أو أزيد من هذا تبديلاً كأن مضامينها أيضاً بدلت"[67].

قال هورن: "الحالات التي وصلت إلينا في باب زمان تأليف الأناجيل من قدماء مؤرخي الكنيسة أبتر،وغير معينة، ولا توصلنا إلى أمر معين. والمشايخ القدماء الأولون صدقوا الروايات الواهية وكتبوها، وقبل الذين جاؤوا بعدهم مكتوبهم تعظيماً لهم. وهذه الروايات الصادقة والكاذبة وصلت إلينا من كاتب إلى كاتب آخر وتعذر تنقيحها بعد انقضاء المدة[68]"

والذي يجب ألا يغيب عن البال أن كتب العهد الجدي المعتمدة عند النصارى اليوم لم تكن وحدها في الساحة في الزمان السابق، بل اختيرت من كتب كثيرة وجدت في ذلك الزمان، وقد ذكر العلماء هذه الكتب على النحو التالي:


سبعة كتب منسوبة إلى المسيح - عليه السلام.

وثمانية كتب منسوبة إلى مريم - عليها السلام.

وأحد عشر كتاباً لطبرس الحواري.

وتسعة كتب ليوحنا الحواري.

وكتابان نسبا إلى متى الحواري.

وكتابان نسبا إلى فيلبس لحواري.

وإنجيل منسوب إلى برتولماوس الحواري.

وخمسة كتب تنسب إلى توما الحواري.

وثلاثة كتب إلى يعقوب الحواري.

وثلاثة كتب إلى متياس الحواري.

وثلاثة كتب تنسب إلى مرقس.

وكتابان منسوبان إلى برنابا.

وإنجيل منسوب إلى تهيودوشن.

وخمسة عشر كتاباً إلى بولس[69].


والمؤسف أن الكنيسة لم تقدم إلى الآن البرهان المقنع على السبب الذي من أجله رفضت تلك الكتب، وتم إخفاؤها عن أعين الباحثين، إذ الكثير منها غير موجود الآن، وإن كانت موجودة حتى نهاية القرن الرابع على ما يراه الأب بولمار[70].




ثالثاً: الاختلافات والأغلاط بين العهد القديم والجديد:

من المعلوم أن كلا العهدين في نظر النصارى قد كتبا بإلهام، وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن لا يحصل اختلاف في أخبارهما في المسألة الواحدة؛ إذ لو حصل فإن ذلك يدل على عدم الإلهام.


ومن الأمثلة على الاختلاف في كتب العهدين:


الاختلاف في سلسلة نسب (يوسف) متبني المسيح عليه السلام بين العهد القديم وبين إنجلي متى ولوقا.


فنجد أن لوقا يذكر قبل إبراهيم عليه السلام عشرين اسماً، بينما لا يذكر لعهد القديم سوى تسعة عشر اسماً فقط[71].


ومن ذلك ما جاء في رسالة يوحنا الأولى[72]: "وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً".

وجاء في سفر الأمثال[73]: "الشرير فدية الصديق، ومكان المستقيمين الغادر".


فيفهم من النص الأول: أن المسيح البار هو الكفارة، ويفهم من النص الثاني: أن الأشرار يكونون كفارة لخطايا الأبرار[74].


ومن ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا على لسان المسيح: "وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء. ابن الإنسان الذي هو في السماء"[75].


وهذا غلط؛ لأن أخنوخ وإيليا رفعا وصعدا[76] حسب ما جاء في كتبهم المعتمدة.


جاء في سفر التكوين: "فكانت كل أيام أخنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه[77].


جاء في قاموس الكتاب المقدس: "وقد فسر كاتب الرسالة إلى العبرانيين (بولس) هذا القول - لأن الله أخذه - بأن الله نقله لكي لا يرى الموت"[78].


ومن المعلوم أن هذه الرسالة من الأسفار المقدسة عند النصارى. وهذا يعني أن أخنوخ رفع إلى السماء.


وكذلك رفع إيليا (إلياس) حيث جاء في سفر الملوك الثاني: "وفيما هما يسيران ويتكلمان (اليشع وإيليا) إذا مركبة من نار، وخيل من نار ففصلت بينهما، فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء"[79].


والأمثلة على مخالفة العهد الجديد للعهد القديم كثيرة أكتفي بهذا القدر منها، مع أن العهدين قد كتبا بإلهام في نظر النصارى.


رابعاً: فقدان النسخ الأصلية لكتبهم المقدسة، وتباين المخطوطات المتأخرة:


يعترف علماؤهم بأن النسخ الأصلية لكتب العهد الجديد مفقودة، وما الموجود الآن إلا نسخ عن تلك الأصول.


ومن المناسب أن يكون بداية لحديث عن إنجيل متى؛ إذ هو أول كتاب من كتب العهد الجديد حسب الترتيب المتداول.


يرى جمهور العلماء من النصارى أن إنجيل متى كتب بالعبرية، ثم ترجم إلى اليونانية.


وبعضهم يرى أنه كتب باليونانية ابتداء.


جاء في قاموس الكتاب المقدس: "واختلف القول بخصوص لغة هذا الإنجيل الأصلية، فذهب بعضهم: إلى أنه كتب أولاً بالعبرانية أو الآرامية التي كانت لغة فلسطين في تلك الأيام.


وذهب آخرون: إلى أن كتب باليونانية كما هو الآن.


أما الرأي الأول: فمستند إلى شهادة الكنيسة القديمة، فإن آباء الكنيسة قالوا: إنه ترجم إلى اليونانية، ويستشهدون بهذه الترجمة. فإذا سلمنا بهذا الرأي التزمنا[80]: بأن نسلم بان متى نفسه ترجم إنجيله أو أمر بترجمته[81].


والذي يفهم من هذا الكلام: أن الإنجيل الموجود هو باللسان اليوناني لا العبراني. وأن القدماء من آباء الكنيسة يرون أن متى ألف إنجيله بالعبرية ثم ترجم إلى اليونانية.


والشيخ رحمت الله الهندي ينقل عن حشد من علمائه القدامى أن متى دون إنجيله بالعبرية، وأن النص اليوناني ما هو إلا ترجمة للنص العبري[82].
يتبع


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فوائد البازلاء: غذاءٌ صحي للقلب والجسم!
* كيف يمكن علاج فقدان الشهية؟
* سولوسمارت الرفيق الذكي لإدارة الإنسولين بدقة وثقة
* البرغموت: فوائد مذهلة لا تعرفها!
* الكرفس: خضار بقيمة غذائية عالية وفوائد عديدة!
* الرواية الشركسية المعربة ( باغرات شينكوبا )
* الأمة بين سنتي الابتلاء والعمل

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس