اللغة العربية مع نزول الوحي
لقد كانت اللغة العربية مع نزول الوحي قد بلغت أوجها في الفصاحة والبلاغة وتنافس الشعراء على جودة النظم، وحسن البيان، وجمال السبك، فجاء القرآن متحدياً إياهم على أن يأتوا بمثله.قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْاِنْسُ وَالْجِنُّ عَلٰٓى اَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْاٰنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِه۪ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَه۪يراً}.وبالرغم من تفوق العرب وفصاحتهم خارت الهمم ووهنت العزائم أمام أن يأتوا بسورة مثله، فعجزوا أن يأتوا بمثل قصار السور كالكوثر أو قريش، وهم أرباب الفصاحة والبيان حيث وقفوا أمام عظمته مذهولين وتركوا الأقلام كليلةً ليمسكوا مقبض السيف، ويختاروا المجابهة بالدم على التحدي بالقلم، فكان هو الخيار الوحيد لمقاومة الدين الجديد بالرغم من بلاغتهم وفصاحتهم، فهيهات هيهات أن يأتوا بمثله.وصدق الشاعر حين قال:جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَانصَرَمَتْ ==== وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ
آياتُهُ كُلَّما طالَ المَدى جُدُدٌ ==== يَزينُهُنَّ جَلالُ العِتقِ وَالقِدَمِ
وقد ظهر هذا الاعتراف بإعجاز القرآن الكريم وبلاغته على لسان بلغائهم كالوليد بن المغيرة الذي قال: “ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله، ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته”.وكانوا يسترقون السمع عندما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، ويستلذون بجميل بيانه حيث سحرهم وأخذ بألبابهم، فهدى الله منهم من هدى، وتخبط منهم في متاهات العمه من تخبط.