عرض مشاركة واحدة
قديم 07-20-2026, 03:40 PM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


إن استحضار صفة "بينات" في سياق الحديث عن كفر الفاسقين يحمل دلالة بالغة؛ فالفسق في اللغة هو الخروج. والفاسق هو من خرج عن طوق الفطرة وعن حدود العقل والمنطق. لقد جاءت الآيات "بينات" لتزيل الأعذار، وترفع الحجج والذرائع؛ فالذي يكفر بها بعد وضوحها فهو لم يرفض "فكرة"؛ بل رفض "الحقيقة" ذاتها، وهذا هو منتهى التمرد على الحق.
واستحضار سياق هذه الآية الكريمة يؤكد هذا الأمر؛ فهي جاءت بعد آيتين كريمتين تدلان على حقيقة نفوس هؤلاء الكافرين الفاسقين؛ فمن ذرائع كفرهم عداوتهم لجبريل الذي جاء بهذا القرآن {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 97، 98).
وهنا يأتي السؤال: لماذا ربط الله في الآية الكريمة موضع الحديث الكفر بالفسق تحديدا دون غيره من صفات الكافرين؟
لأن الفسق يعني التحلل من الالتزام الأخلاقي والروحي؛ فالقرآن ببيانه يضع الإنسان أمام مسؤولياته، والكافر الفاسق يهرب من هذه المسؤولية؛ فكفره ليس "شبهة" عقلية يمكن مناقشتها والرد عليها؛ بل هو "شهوة" في المخالفة ورغبة في الانفلات من ضوابط الوحي؛ فالآيات بينات واضحات، وجحودها لا يعني إلا التمرد الواضح بعد إقامة الحجة؛ ومن هنا كان وصفهم بــ"الفاسقين" أدقَّ وصفٍ يصور انسلاخهم عن مقتضى الآيات البينة.
يقول الطاهر بن عاشور في تفسيره لهذه الآية: "والفاسق هو الخارج عن شيء من فسقت التمرة... وقد شاع إطلاقه على الخارج عن طريق الخير لأن ذلك الوصف في التمرة وصف مذموم، وقد شاع في القرآن وصف اليهود به.
والمعنى ما يكفر بهاته الآيات إلا من كان الفسق شأنه ودأبه؛ لأن ذلك يهيئه للكفر بمثل هذه الآيات؛ فالمراد بالفاسقين المتجاوزون الحد في الكفر المتمردون فيه.
والإخبار وقع بالمضارع الدال على التجدد. والتوصيف وقع باسم الفاعل المعروف باللام" (التحرير والتنوير: 1/625).
نسبية التفاعل مع البيان القرآني

في نهاية مطاف الحديث عن بيان القرآن وإبانته، يجب أن ندرك أن "البيان" صفة ثابتة للقرآن، لكن "التبيّن" عملية متغيرة ومتحركة في ذات المتلقي، وإن بيان القرآن وتبيينه يقيم الحجة على المسلمين أيضا كما يقيمه على الكافرين؛ فالتفاعل مع هذا البيان الإلهي أمر نسبي يختلف من شخص لآخر، ويحكمه ثلاثة أركان أساسية:
1- فيوضات المعرفة الربانية: القرآن مأدبة الله، والفتح في فهم آياته رزقٌ يُساق إلى العباد، وكلما ازداد العبد قربًا من ربه، فتحَ الله له من كنوز "الكتاب المبين" ما لا يدركه غيره.. إنها "الفيوضات" التي تجعل الآية الواحدة تنطق بآلاف المعاني في قلب المؤمن.
2- حُسن النظر والتدبر: فالبيان لا يُنال بالمرور العابر؛ بل بحسن النظر وإعمال الفكر؛ فمن يقف عند حدود الألفاظ لن يأخذ إلا قشورها، ومن يغوص في أعماق المقاصد سينال من لآلائها؛ فالتدبر وإمعان النظر وتقليب مدركات الفكر هو المفتاح الذي يربط بين "إبانة" القرآن و"استيعاب" العقل.
3- الاستعداد للتلقي بسلامة القلب: هذا هو الركن الأهم؛ فلكي يضيء البيان القرآني في قلبك، لا بد أن يكون "المحل" قابلاً. إن سوء الاستعداد، أو وجود حُجب الكبر والمعصية، يمنع نور البيان من النفاذ؛ فالمشكلة ليست في المصباح (القرآن)، بل في الزجاج الذي غطاه الران (القلب)، كما قال سبحانه: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} (الأعراف: 58).
وفي نهاية هذه السلسلة نؤكد أن وصف القرآن لنفسه بأنه "مبين" هو رحمة للمؤمنين وحجة على الجاحدين؛ فالمؤمن يرى في هذا البيان هدىً ونورًا يضيء له دروب الدنيا والآخرة، أما الذي اختار الفسق طريقا؛ فلن يزيده وضوح القرآن إلا خسارًا؛ لأنه أبصر الحق ثم عمي عنه {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} (الإسراء: 72).
إننا مدعوون اليوم لتجديد صلتنا وعلاقتنا ببيان القرآن، ليس قراءة وتلاوة فحسب؛ بل تدبرا ومعايشة، سائلين الله تعالى أن يرفع عن قلوبنا الحجب؛ لنرى حقائق "الكتاب المبين" تتجلى في أنفسنا وفي الآفاق، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} (النور: 40).



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أسلوب التربية بالرحلات التعليمية في القرآن الكريم
* لن تُنجز حتى تُركز ..!
* ظلمة المعصية .. وشقاء الدارين
* أضواء حول سورة قريش
* وصايا للمصلحين والدعاة
* أعظم الكرامة لزوم الاستقامة
* انكسار الحياء وسقوط هيبة المنكر

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس