نور وكتاب مبين (6/6)
حينما يكون الفسق حجابًا أمام نور البيان
د. رمضان فوزي
نصل اليوم إلى محطتنا الأخيرة في هذه السلسلة المباركة "نور وكتاب مبين"، تلك الرحلة التي عشنا فيها مع فيوضات البيان الإلهي، مستشعرين جلال الكلمة وعظمة القصد من خلال استقراء الآيات القرآنية التي وصف القرآن فيه نفسه وآياته بالإبانة.
لقد بدأنا رحلتنا في هذه السلسلة بسؤال فحواه: "جلال الإبانة.. لماذا وصف القرآن نفسه بالمبين؟"، ثم أبحرنا في "سياق الهداية والدعوة" وكيف بدد القرآن ظلمات التيه بأنوار بيانه. ثم توقفنا أمام "الحروف المقطعة" باعتبارها لغز البيان وسر الإعجاز، وتأملنا في "والكتاب المبين" حين يغدو الوصف قسماً والبيان شرفاً، وصولاً إلى "نفي الشاعرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم" لتأسيس مفهوم الإبانة كمنهج رباني وليس خيالا بشريا.
واليوم، نختم هذه السلسلة ببيان مآلات التلقي؛ فبعد كل هذا الوضوح والجلاء، كيف يظل هناك من يكفر؟ وما هي حقيقة هؤلاء الذين لم تلامس أنوار البيان شغاف قلوبهم؟
فحين يصف الله -سبحانه وتعالى- كتابه بأنه "مبين"؛ فهو –عز وجل- لا يصف النصوص المقروءة فقط، بل يصف البيان الإلهي الذي يمتلك قدرة ذاتية على الإيضاح، وإزالة غشاوات الحيرة عن عقول ذوي الأبصار والبصائر؛ فصفة "الإبانة" في القرآن الكريم –كما ذكرنا في حلقات سابقة- تعني أنه بَيِّنٌ في نفسه، مُبينٌ لغيره من الحقائق الكبرى؛ فهو يفصل بين الحق والباطل بوضوح لا يترك مجالاً للبس إلا لمن انطمست بصيرته وعمي قلبه.
ولكن، يبرز هنا تساؤل جوهري: إذا كان القرآن بهذا القدر من البيان والوضوح، فلماذا نجد من يُعرض عنه؟ ولماذا يظل البعض في ضلالهم رغم سطوع شمس الآيات؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه في السطور التالية..
الفسق حجاب دون البيان
بعد استعراض السياقات المتعددة التي وصف فيها القرآن نفسه بالبيان والإبانة، تتقرر حقيقة قرآنية قاطعة فحواها أن الإعراض عن القرآن ليس سببه غموضًا في النص ولا لبسًا في المضامين، بل سببه مرضٌ في المتلقي وعوار في فهمه وضلال في معتقده؛ إذ إن هذه الصفات (البيان والإبانة) تقتضي من العقل السوي الخضوع الفوري والإيمان المطلق؛ لأن الحجة قد قامت، والمحجة قد استبانت.
لكن مع ذلك، هناك فئة اختارت الضلال والكفر؛ فئة ختم الله على قلوبهم ليس ظلماً منه –حاش لله-، بل جزاءً وفاقا بما كسبت أيديهم من الانغلاق والعناد. هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بـ"الفسق" في معرض وصف القرآن آياته بالإبانة في قوله عز من قائل سبحانه: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ} (البقرة: 99).
يتبع