من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ
لا يقَعُ في هذا الكونِ شَيءٌ إلَّا واللهُ خالِقُه، ومن ذلك أفعالُ العِبادِ.
أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القرآنِ الكريمِ:
1- قال اللهُ تعالى: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: 16] .
2- قال اللهُ سُبحانَه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: 62] .
3- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: 62] .
4- قال اللهُ تعالى حكايةً لقَولِ إبراهيمَ عليه السَّلام لقَومِه: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 95-96] .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
عن حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ يصنَعُ كُلَّ صانعٍ وصَنْعَتَه)) وفي لفظٍ: ((إنَّ اللهَ خالقُ كلِّ صانعٍ وصَنعَتِه ))( .
قال البخاري: (فأخبر أنَّ الصناعاتِ وأهلَها مخلوقةٌ)( .
وأمَّا قَولُ اللهِ تعالى: ... وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:78-79] ، فقال ابنُ أبي العز: (إن قيل: فكيف الجَمعُ بين قَولِه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين قَولِه: فَمِنْ نَفْسِكَ، قيل: قَولُه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: الخِصْبُ والجَدْبُ، والنَّصرُ والهزيمةُ، كُلُّها من عند اللهِ، وقَولُه: فَمِنْ نَفْسِكَ: أي: ما أصابك من سيئةٍ من اللهِ فبذَنبِ نَفْسِك عقوبةً لك، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] . يدُلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه قرأَ: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وأنا كتبتُها عليك.
والمرادُ بالحسنةِ هنا النِّعمةُ، وبالسَّيِّئةِ البَلِيَّةُ، في أصَحِّ الأقوالِ. وقد قيل: الحسنةُ الطاعةُ، والسيئةُ المعصيةُ. وقيل: الحسنةُ ما أصابه يومَ بدرٍ، والسيئةُ ما أصابه يومَ أحُدٍ. والقولُ الأوَّلُ شامِلٌ لمعنى القولِ الثالثِ. والمعنى الثاني ليس مرادًا دون الأولِ قطعًا، ولكِنْ لا منافاةَ بين أن تكونَ سَيِّئةُ العَمَلِ وسَيِّئةُ الجزاءِ مِن نَفْسِه، مع أنَّ الجميعَ مُقَدَّرٌ، فإنَّ المعصيةَ الثانيةَ قد تكونُ عقوبةَ الأُولى، فتكونُ من سيِّئاتِ الجزاءِ، مع أنها من سَيِّئاتِ العَمَلِ، والحسَنةَ الثانيةَ قد تكونُ من ثوابِ الأُولى، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ. وليس للقَدَريَّةِ أن يحتَجُّوا بقَولِه تعالى: فَمِنْ نَفْسِكَ، فإنهم يقولون: إنَّ فِعْلَ العبدِ -حسنةً كان أو سيئةً- فهو منه لا من اللهِ! والقرآنُ قد فَرَّق بينهما، وهم لا يُفَرِّقون، ولأنَّه قال تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فجعل الحسناتِ من عند اللهِ، كما جعل السيِّئاتِ من عندِ اللهِ، وهم لا يقولون بذلك في الأعمالِ، بل في الجزاءِ. وقَولُه بعد هذا: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ، ومِنْ سَيِّئَةٍ مِثْلُ قَولِه: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ.
وفَرَّق سُبحانَه وتعالى بين الحسَناتِ التي هي النِّعَمُ، وبين السيِّئاتِ التي هي المصائِبُ، فجعل هذه من اللهِ، وهذه من نَفسِ الإنسانِ؛ لأنَّ الحسنةَ مُضافةٌ إلى اللهِ؛ إذ هو أحسَنَ بها من كُلِّ وجهٍ، فما من وَجهٍ من أوجُهِها إلَّا وهو يقتضي الإضافةَ إليه، وأمَّا السَّيِّئةُ فهو إنما يخلُقُها لحِكمةٍ، وهي باعتبارِ تلك الحِكمةِ من إحسانِه، فإنَّ الرَّبَّ لا يفعَلُ سَيِّئةً قطُّ، بل فِعْلُه كُلُّه حَسَنٌ وخيرٌ)( .
|