عرض مشاركة واحدة
قديم 07-02-2026, 04:27 PM   #5

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




شرح العقيدة الطحاوية

ابن أبي العز

(علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي)

المجلد الاول
من صــ 40الى صــ 49
(5)



فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودا في الناس ، بين القرآن [ ص: 39 ] بطلانه ، كما في قوله تعالى : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ( المؤمنون : 91 ) . فتأمل هذا البرهان الباهر ، بهذا اللفظ الوجيز الظاهر . فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا ، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر ، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه ، لكان له خلق وفعل ، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة ، بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل ، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق ، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بممالكه ، إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه . فلا بد من أحد ثلاثة أمور :

إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه .

وإما أن يعلو بعضهم على بعض .

وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ، ولا يتصرفون فيه ، بل يكون وحده هو الإله ، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه .

وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره ، من أدل دليل على أن مدبره إله واحد ، وملك واحد ، ورب واحد ، لا إله للخلق غيره ، ولا رب لهم سواه . كما قد دل دليل التمانع على أن خالق العالم واحد ، لا رب غيره ولا إله سواه ، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد ، وهذا تمانع في [ ص: 40 ] العبادة والإلهية . فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان ، كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان .

فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته ، مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه ، فكذا تبطل إلهية اثنين . فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية ، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية .

وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( الأنبياء : 22 ) . وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره ، وهو أنه لو كان للعالم صانعان . . . . . الخ ، وغفلوا عن مضمون الآية ، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ، ولم يقل : أرباب .

وأيضا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما ، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا .

وأيضا فإنه قال : لفسدتا ، وهذا فساد بعد الوجود ، ولم يقل : لم يوجدا .

ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة ، بل لا يكون الإله إلا الواحد ، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه وتعالى ، وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون [ ص: 41 ] الآلهة فيهما متعددة ، ومن كون الإله الواحد غير الله وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره . فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله ، فإن قيامه إنما هو بالعدل ، وبه قامت السماوات والأرض .

وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك ، وأعدل العدل التوحيد .

وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس . فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزا ، والعاجز لا يصلح أن يكون إلها . قال تعالى : أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ( الأعراف : 191 ) . وقال تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ( النحل : 17 ) . وكذا قوله تعالى : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( الإسراء : 42 ) .

وفيها للمتأخرين قولان :

أحدهما : لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته .

والثاني ، وهو الصحيح المنقول عن السلف ، كقتادة وغيره ، وهو الذي ذكره ابن جرير لم يذكر غيره : لاتخذوا سبيلا بالتقرب إليه ، كقوله تعالى : إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ( الدهر : 29 ) . وذلك أنه قال : لو كان معه آلهة كما يقولون وهم [ ص: 42 ] لم يقولوا : أن العالم له صانعان ، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء ، وقالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( الزمر : 3 ) ، بخلاف الآية الأولى .

ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان : توحيد في الإثبات والمعرفة ، وتوحيد في الطلب والقصد .

فالأول : هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ، ليس كمثله شيء في ذلك كله ، كما أخبر به عن نفسه ، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح ، كما في أول ( الحديد ) و ( طه ) وآخر ( الحشر ) وأول ( الم تنزيل ) السجدة ، وأول ( آل عمران ) وسورة ( الإخلاص ) بكمالها ، وغير ذلك .

والثاني : وهو توحيد الطلب والقصد ، مثل ما تضمنته سورة قل ياأيها الكافرون ، و قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( آل عمران : 64 ) ، وأول سورة ( تنزيل الكتاب ) وآخرها ، وأول سورة ( يونس ) وأوسطها وآخرها ، وأول سورة ( الأعراف ) وآخرها ، وجملة سورة ( الأنعام ) .

وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد ، بل كل سورة في [ ص: 43 ] القرآن . فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته ، فهو التوحيد العلمي الخبري . وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له ، وخلع ما يعبد من دونه ، فهو التوحيد الإرادي الطلبي . وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته ، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته . وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده ، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة ، فهو جزاء توحيده . وإما خبر عن أهل الشرك ، وما فعل بهم في الدنيا من النكال ، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد .

فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه ، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم . فـ الحمد لله رب العالمين توحيد ، الرحمن الرحيم توحيد ، مالك يوم الدين توحيد ، إياك نعبد وإياك نستعين توحيد ، اهدنا الصراط المستقيم توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد ، الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين الذين فارقوا التوحيد .

وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد ، وشهدت له به ملائكته [ ص: 44 ] وأنبياؤه ورسله . قال تعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : 18 - 19 ) . فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد ، والرد على جميع طوائف الضلال ، فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها ، من أجل شاهد ، بأجل مشهود به .

وعبارات السلف في ( شهد ) - تدور على الحكم ، والقضاء ، والإعلام ، والبيان ، والإخبار . وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها : فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره ، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه . فلها أربع مراتب :

فأول مراتبها : علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته .

وثانيها : تكلمه بذلك ، وإن لم يعلم به غيره ، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها .

وثالثها : أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له .

ورابعها : أن يلزمه بمضمونها ويأمره به .

فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع : علمه سبحانه بذلك ، وتكلمه به ، وإعلامه ، وإخباره لخلقه به ، وأمرهم وإلزامهم به .

فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة ، وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به . قال تعالى : إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ( الزخرف : 86 ) . [ ص: 45 ] وقال صلى الله عليه وسلم : على مثلها فاشهد ، وأشار إلى الشمس .

وأما مرتبة التكلم والخبر ، فقال تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ( الزخرف : 19 ) . فجعل ذلك منهم شهادة ، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم .

وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان : إعلام بالقول ، وإعلام بالفعل . وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر : تارة يعلمه به بقوله ، وتارة بفعله . ولهذا كان من جعل داره مسجدا وفتح بابها ، وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها : معلما أنها وقف ، وإن لم يتلفظ به . وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار ، يكون معلما له ولغيره أنه يحبه ، وإن لم يتلفظ بقوله ، وكذلك بالعكس .

وكذلك شهادة الرب عز وجل وبيانه وإعلامه ، يكون بقوله تارة ، وبفعله أخرى . فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه . وأما بيانه وإعلامه بفعله ، فكما قال ابن كيسان : شهد الله بتدبيره العجيب [ ص: 46 ] وأموره المحكمة عند خلقه : أنه لا إله إلا هو . وقال آخر :


وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل ، قوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ( التوبة : 17 ) . فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه .

والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه ، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله .

وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به ، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه ، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه - فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به ، وقضى وأمر وألزم عباده به ، كما قال تعالى : [ ص: 47 ] وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ( الإسراء : 23 ) . وقال الله تعالى : لا تتخذوا إلهين اثنين ( النحل : 51 ) . وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ( التوبة : 31 ) . وقال تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخر ( الإسراء : 39 ) . وقال تعالى : ولا تدع مع الله إلها آخر ( القصص : 88 ) . والقرآن كله شاهد بذلك .

ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك : أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو ، فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله ، وأن إلهية ما سواه باطلة ، فلا يستحق العبادة سواه ، كما لا تصلح الإلهية لغيره ، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها ، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها ، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات ، كما إذا رأيت رجلا يستفتي رجلا أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلا لذلك ، ويدع من هو أهل له ، فتقول : هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب ، المفتي فلان ، والشاهد فلان ، والطبيب فلان ، فإن هذا أمر منه ونهي .

وأيضا : فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة ، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة ، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق الرب تعالى عليهم ، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم .

وأيضا : فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية ، ويقال للجملة الخبرية : قضية ، وحكم ، وقد حكم فيها بكذا . قال تعالى : ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ( الصافات : 151 - 154 ) . [ ص: 48 ] فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال تعالى : أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ( القلم : 35 - 36 ) . لكن هذا حكم لا إلزام معه . والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن الإلزام .

ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها ، ولم ينتفعوا بها ، ولم تقم عليهم بها الحجة . بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به ، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها ، لم ينتفع بها أحد ، ولم تقم بها حجة .

وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها ، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة : السمع ، والبصر ، والعقل .

أما السمع : فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها ، الوحدانية وغيرها غاية البيان ، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع في الحيرة ، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم ، كما قال تعالى : حم والكتاب المبين ( الزخرف : 1 - 2 ) . الر تلك آيات الكتاب المبين ( يوسف : 1 ) . الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ( الحجر : 1 ) . هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ( آل عمران : 138 ) . فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ( المائدة : 92 ) . وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( النحل : 44 ) . [ ص: 49 ] وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن ، لم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأي فلان ، ولا إلى ذوق فلان ووجده في أصول ديننا .

ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين . بل قد قال تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( المائدة : 3 ) . فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة .

وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي رحمه الله فيما يأتي من كلامه بقوله : لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ، ولا متوهمين بأهوائنا ، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

وأما آياته العيانية الخلقية : فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية ، والعقل يجمع بين هذه وهذه ، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل ، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة .



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* التغافل من سمات الملتزمين الأفاضل
* المشاركة والتعاون بين الزوجين.. حين تتحد الأيدي لبناء الحياة
* الحب لا يكفي.. هل يجب الحصول على «رخصة زواج»؟
* الأرقام العربية وما آلت إليه (pdf)
* من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم
* مسألة الإقرار بمشارك في الميراث
* الأربعون النووية

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس