تاسعًا: الخُشوعُ في الصَّلاةِ
مِن آكَدِ آدابِ الصَّلاةِ : الخُشوعُ فيها ، وحُكيَ الإجماعُ على استِحبابِ الخُشوعِ فيها .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكتابِ:
قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 1-2] .
قال ابنُ رَجَبٍ: (وصَف اللهُ المُؤمِنينَ بالخُشوعِ له في أشرَفِ عِباداتهمُ التي هم عليها يُحافِظونَ، فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (عَلَّقَ اللَّهُ سُبحانَه الفلاحَ بخُشوعِ المُصَلِّي في صَلاتِه، فمَن فاتَه خُشوعُ الصَّلاةِ لم يَكُنْ مِن أهلِ الفَلاحِ) .
وقال السُّيوطيُّ: (قَولُه تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الآيةُ فيها مِن شُعَبِ الإيمانِ الخُشوعُ في الصَّلاةِ)
ب-مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه دَعا بطَهورٍ وقال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((ما مِنِ امرِئٍ مُسلمٍ تَحضُرُه صَلاةٌ مَكتوبةٌ فيُحسِنُ وضَوءَها وخُشوعَها ورُكوعَها، إلَّا كانت كَفَّارةً لِما قَبلَها مِنَ الذُّنوبِ ما لم يُؤتِ كَبيرةً، وذلك الدَّهرَ كُلَّه )) .
وفي رِوايةٍ عن حُمرانَ مَولى عُثمانَ، أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه دَعا بوَضوءٍ فتَوضَّأ فغَسَل كَفَّيه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضمَضَ واستَنثَرَ، ثُمَّ غَسَل وجهَه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَل يَدَه اليُمنى إلى المِرفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَل يَدَه اليُسرى مِثلَ ذلك، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَه، ثُمَّ غَسَل رِجلَه اليُمنى إلى الكَعبَينِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَل اليُسرى مِثلَ ذلك، ثُمَّ قال: رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَوضَّأ نَحوَ وُضوئي هذا، ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تَوضَّأ نَحوَ وُضوئي هذا ثُمَّ قامَ فرَكَعَ رَكعَتَينِ لا يُحَدِّثُ فيهما نَفسَه، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه )) .
2- عن عَمرِو بنِ عَبَسةَ السُّلَميِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (... قُلتُ: يا نَبيَّ اللهِ فالوُضوءُ حَدَّثَني عنه، قال: ما مِنكُم رَجُلٌ يَقرُبُ وضَوءَه فيَتَمَضمَضُ ويَستَنشِقُ فيَنتَثِرُ إلَّا خَرَّت خَطايا وَجهِه وفيه وخَياشيمِه، ثُمَّ إذا غَسَل وَجهَه كَما أمَرَه اللهُ إلَّا خَرَّت خَطايا وَجهِه مِن أطرافِ لحيَتِه مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغسِلُ يَدَيه إلى المِرفَقَينِ، إلَّا خَرَّت خَطايا يَدَيه مِن أنامِلِه مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمسَحُ رَأسَه، إلَّا خَرَّت خَطايا رَأسِه مِن أطرافِ شَعرِه مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغسِلُ قدَمَيه إلى الكَعبَينِ، إلَّا خَرَّت خَطايا رِجلَيه مِن أنامِلِه مَعَ الماءِ، فإن هو قامَ فصَلَّى، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه ومَجَّده بالذي هو له أهلٌ، وفرَّغَ قَلبَه للَّهِ، إلَّا انصَرَف مِن خَطيئَتِه كَهَيئَتِه يَومَ وَلَدَته أُمُّه )) .
قال المظهَريُّ: («وفرَّغَ قَلبَه للَّهِ» يَعني: وجَعَل قَلبَه حاضِرًا للَّهِ، وجَعَله خاليًا عنِ الأشغالِ الدُّنيَويَّةِ)
3- عن عُقبةَ بنِ عامِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ما مِن مُسلمٍ يَتَوضَّأُ فيُحسِنُ وُضوءَه، ثُمَّ يَقومُ فيُصَلِّي رَكعَتَينِ، مُقبِلٌ عليهما بقَلبِه ووَجهِه، إلَّا وجَبَت له الجَنَّةُ ))
فوائِدُ:
قال ابنُ رَجَبٍ: (أصلُ الخُشوعِ هو: لِينُ القَلبِ ورِقَّتُه وسُكونُه وخُضوعُه وانكِسارُه وحُرقتُه، فإذا خَشَعَ القَلبُ تَبِعَه خُشوعُ جَميعِ الجَوارِحِ والأعضاءِ؛ لأنَّها تابعةٌ له، كَما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ألا إنَّ في الجَسَدِ مُضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهيَ القَلبُ » .
فإذا خَشَعَ القَلبُ خَشَعَ السَّمعُ والبَصَرُ والرَّأسُ والوَجهُ، وسائِرُ الأعضاءِ وما يَنشَأُ مِنها حتَّى الكَلامُ؛ لهذا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ في رُكوعِه في الصَّلاةِ: «خَشَعَ لك سَمعي وبَصَري ومُخِّي وعَظمي » ، ... ورَأى بَعضُ السَّلفِ رَجُلًا يَعبَثُ بيَدِه في الصَّلاةِ، فقال: لو خَشَعَ قَلبُ هذا لخَشَعَت جَوارِحُه) .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (يَستَحيلُ حُصولُ الخُشوعِ مَعَ العَجَلةِ والنَّقرِ قَطعًا، بَل لا يَحصُلُ الخُشوعُ قَطُّ إلَّا مَعَ الطُّمَأنينةِ، وكُلَّما زادَ طُمَأنينةً ازدادَ خُشوعًا، وكُلَّما قَلَّ خُشوعًا اشتَدَّت عَجَلتُه حتَّى تَصيرَ حَرَكةُ يَدَيه بمَنزِلةِ العَبَثِ الذي لا يَصحَبُه خُشوعٌ ولا إقبالٌ على العُبوديَّةِ، ولا مَعرِفةُ حَقيقةِ العُبوديَّةِ... فليسَ مَن عَمَد إلى أفضَلِ ما يَقدِرُ عليه فيُزَيِّنُه ويُحَسِّنُه ما استَطاعَ ثُمَّ يَتَقَرَّبُ به إلى مَن يَرجوه ويَخافُه كَمَن يَعمِدُ إلى أسقَطِ ما عِندَه وأهوَنِه عليه فيَستَريحُ مِنه ويَبعَثُه إلى مَن لا يَقَعُ عِندَه بمَوقِعٍ، وليسَ مَن كانتِ الصَّلاةُ رَبيعًا لقَلبِه وحَياةً له وراحةً وقُرَّةً لعَينِه، وجَلاءً لحُزنِه وذَهابًا لهَمِّه وغَمِّه، ومَفزَعًا له إليه في نَوائِبِه ونوازِلِه، كَمَن هيَ سُحتٌ لجَوارِحِه، وتَكليفٌ له وثِقلٌ عليه، فهيَ كَبيرةٌ على هذا، وقُرَّةُ عَينٍ وراحةٌ لذلك، وقال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، فإنَّما كَبُرَت على غَيرِ هَؤُلاءِ لخُلوِّ قُلوبِهم مِن مَحَبَّةِ اللهِ تعالى وتَكبيرِه وتَعظيمِه والخُشوعِ له، وقِلَّةِ رَغبَتِهم فيه؛ فإنَّ حُضورَ العَبدِ في الصَّلاةِ وخُشوعَه فيها وتَكميلَه لها واستِفراغَه وُسْعَه في إقامَتِها وإتمامِها- على قَدرِ رَغبَتِه في اللهِ تعالى)
|