ثم تنتقل الآيات إلى موقف آخر من مواقف التعاطي مع المنهج والكتاب أيضاً من بني إسرائيل،
التحريف، التحريف بكل أشكاله وصوره، تحريف معنوي وتحريف حسّي.
أما المعنوي فهو ما أخبر عنه الله عز وجل حين قال
(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ (76))
الازدواجية، النفاق، التحريف، جعل الدين بضاعة وتجارة، أُظهِر من الآيات ما يتناسب مع مصالحي الشخصية، أستشهد بالآيات التي تخدم وتحقق أغراضي وأطماعي ولكني أغضّ الطرف وأنسى الآيات التي لا تأتي في مصالحي الشخصية ولا في إطار تحقيق أهوائي وأطماعي وأغراضي، موقف خطير جداً يحقق النفاق يجسد الإزدواجية في التعامل مع كتاب الله عز وجل ومع المنهج! أعرف شيئاً ولكني أعمل شيئاً آخر، أعرف أن الحق ليس في ما أفعله ولكني أفعل الباطل وأمارسه، إزدواجية! ولا بأس أن أدّعي أنني من أنصار الحق كما فعل هؤلاء القوم من بني إسرائيل
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ (76)) إزدواجية، ادِّعاء. ولكن هل يغني ذلك الادّعاء في التعامل مع الله عز وجل؟!

تأملوا معي الآية
(أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77))
السرّ عنده علانية، إياك أن تتعامل مع الله عز وجل دون أن تحقق هدف النقاوة في باطنك وفي سرّك،
إياك من الإزدواجية في التعامل مع الله عز وجل لأني أنا لا أستطيع أن أخفي شيئًا عنه سبحانه إن نجحت في إضمار الباطل وإخفاء الحق على الناس لن أنجح في ذلك مع الله عز وجل لأنه ببساطة شديدة لأن
(أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)).
أما النوع الآخر أو الشكل الآخر الذي يحذّرني منه القرآن في التعامل مع المنهج والكتاب تحريف من نوع آخر، التحريف بمعنى أن أعلم الكتاب قراءة أو تلاوة فقط بالألفاظ أما بالعمل فالأمر مختلف وتأملوا معي الآية
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78))
ولذا قال جمعٌ من المفسرين في هذه الآية لا يعلمون من الكتاب إلا التلاوة والقراءة أما التدبر أما التفقّه أما التفهم أما التنفيذ أما التطبيق فهذا شيء بعيد تماماً عن اهتمامهم. هذا النوع الأعوج من التعال مع المنهج الرباني ومع الكتاب هو نوع من التحريف وقد حدث كذلك في بني إسرائيل

أما النوع الحسّي فأن يكتب ويحرّف آيات الكتاب تحريفاً بيديه
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (79))
وتأملوا نهاية الآية
( لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا (79))
متاجرة بالدين!
يحرّف على هواه يتّبع الهوى يُخضِع الدين والمنهج الرباني لأطماعه الشخصية مدلف خطير جداً جدًا.
وغالب ما يحدث اليوم في المجتمعات في المتاجرة بالدين النتائج الوخيمة
التي تترتب على ذلك لا يعلم مداها إلا الله!
حين يتحول الدين إلى قضية تجارية،
إلى هوى نفس حين أشتري وأبيع،
ولذلك كلمة (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا (79)) جاء ذكرها في سورة البقرة كثيرًا جداً، لماذا؟
للتحذير من هذا المنهج الخطير.
الدين لا ينبغي أن يخضع للبيع ولا للشراء، الدين جاء ليحكم حياتي وحياتك، الدين جاء لكي يُخضع قلبي ومصالحي له ولأحكامه وأوامره وليس لأجل أن أُخضعه أنا لنقاط ضعفي ونزواتي وأطماعي وشهواتي!
ماذا كانت النتيجة؟
(فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79))
المال الحرام الذي يُكتسب وإن كان كثيراً من جرّاء المتاجرة بالدين والمصالح الشخصية سيكون وبالاً على صاحبه، وهذا بالفعل ما حدث في بني إسرائيل. ومن جديد تنتقل بي الآيات إلى ذلك الميثاق إلى المنهج الرباني المنهج الواحد الذي جاءت به لكل الشرائع السماوية، التوراة جاءت بشرائع عظيمة لأنها من الله عز وجل والإنجيل جاء بتعاليم ربانية عظيمة والقرآن جاء بتعاليم ومبادئ في غاية العظمة
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83))
التوحيد الأساس
(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
برّ الوادين
(وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83))
الشرائع السماوية واحدة، كل الرسالات السماوية جاءت بالتوحيد، جاءت بالقيم العظيمة، جاءت بالأمر بالإحسان للوالدين والأقارب وقول الخير وعمل الخير والصلاح والبرّ والمعروف، جاءت بعبادات ترتقي بصاحبها في مرحلة السلوك والتطبيق والتعامل مع الآخرين هذه الشرائع التي لا يختلف عليها اثنان كيف كان الموقف منها؟!
(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83))
. وتنتقل بي الآيات إلى نوع آخر من الأزدواجية في التعامل مع الآيات والمنهج الرباني أن يؤمن الإنسان ببعض الكتاب ويكفر ببعض، من جديد إخضاع المنهج الرباني للمصالح، للأهواء الشخصية، للأطماع (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85))
المنهج الرباني عليك أن تأخذه جملة وتفصيلاً، عليك أن تأخذ كل ما فيه لكي يحقق الثمار المرجوة في الواقع وفي المجتمع أما أن تطبّق جزئية منه وتترك الجزء الآخر هذا اعوجاج في الأخذ به، هذا لا يمكن أن يؤدي الغرض أبداً. الكتاب عليك أن تأخذه بكلّه، بكل أوامره ونواهيه وأن تخضع بقلبك وقالبك ومجتمعك لذلك المنهج الرباني،
ولذلك من جديد تأملوا معي كم مرة يأتي الكلام عن البيع والشراء
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ (86))
باع واشترى باع آخرته واشترى دنياه بثمن بخس
(فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)).
والقضية لأنها قضية خطيرة جداً وتحدث ليس فقط مع بني إسرائيل، تحدث في المسلمين، تحدث في النصارى، تحدث في أقوام متعددة لذلك القرآن وقف عندها في سورة البقرة طويلاً:
لا تبع وتشتري بالدين، المتاجرة
تعود الآيات من جديد لتتحدث عن موسى عليه السلام والكتاب
(وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ (87))
الرسالات واحدة ولكن الإشكالية في تعاملكم مع تلك الرسالات
(أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87))
(بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ)
وتأملوا معي هذا هو السبب، ليس السبب أنك غير مقتنع بالمنهج الرباني، ليس السبب في مخالفة بني إسرائيل للمنهج الرباني الذي جاء به موسى عليه السلام أنهم لم يكونوا على قناعة أو دراية بذلك المنهج، أبداً.
السبب أنه قد جاء بما لا تهوى أنفسكم!
هوى النفس، أخطر الأمراض في التعامل مع المنهج الرباني هوى النفس ولذلك القرآن يحدثني في آيات عديدة فيقول (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (23) الجاثية) الهوى قد يصبح إلهًا يُعبَد من دون الله!
والمطلوب من الدين أن تتحرر من هواك، أن تتحرر من أي سلطان إلا الخضوع والانقياد لأمر الله عز وجل،
هذا مطلب رئيسي.
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88))
لعن، بدأ الجزاء على ذلك العناد والجحود والإنكار والتعامل السيء مع المنهج الرباني.
فيا ترى كيف كان استقبال بنو إسرائيل للمنهج الرباني الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؟
كيف كان استقبال بني إسرائيل للمنهج الذي لم يكن يختلف في أساسه عن ما جاء به موسى عليه السلام؟ منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء في القرآن
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (89))
وهم في الأصل كانوا يستفتحون على الناس في المدينة، على العرب ويتباهون ويتفاخرون أنه قد أظلّنا زمان سيظهر فيه لنا نبي جديد من أنبياء بني إسرائيل، كيف كان موقفهم؟ .
عرفوا بأنه هذا هو الكتاب الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم حقاً
عرفوا بذلك ولكنهم تجاهلوا تلك المعرفة، لماذا؟
لأن تلك المعرفة قد تناقض ما تهواه أنفسهم وتتشوف إليه ولذا القرآن قال
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ
فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90))
هذه هي الحقيقة، هذه هي النتائج التي ترتبت على ذلك التعامل الأعوج مع المنهج الرباني من قِبَل بني إسرائيل، المتاجرة بالدين لا يمكن أن تكون لها نتيجة أخرى ولذلك عادت الآيات من جديد في الآية 92 تقول (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ) تذكّرهم (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) إن كنتم لا تريدون اتباع النبي صلّ الله عليه وسلم لأنه ليس من بني إسرائيل فما تقولون على النبي موسى عليه السلام الذي أرسله الله إليكم؟ وعلى الرغم من ذلك اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون! كيف تفسّرون ذلك؟! وكيف تفسّرون أن الله قد أخذ الميثاق عليكم (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ) ولكن لم تكن النتيجة هي الاتّباع بل كانت النتيجة (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (93)).
إن كان الإيمان لا يولّد لديك قوة دافعة للاتباع والطاعة والأخذ بقوة بذلك المنهج فما قيمة ذلك الإيمان؟!
ما قيمة أن تقول أنا مؤمن باللسان ولكن الفعل في الواقع يخالف ذلك القول؟! ما قيمة ذلك كله؟
(قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ).
إن كان ذلك النوع من الإيمان الذي تدّعون يأمركم بقتل الأنبياء ومخالفة المنهج الرباني فبئس به من إيمان، هذا ادّعاء، هذا ليس إيمانًا، الإيمان التزام، الإيمان لا يمكن أن يبرر تلك الازدواجية بين الفعل والقول، الإيمان لا يبرر ذلك، الإيمان لا يجعلك تعيش في تناقض مميت بين ما تؤمن به في قلبك وبين ما تمارسه في حياتك وسلوكك.