بنو إسرائيل لم يتحرروا، بنو إسرائيل صحيح خلّصهم ربي سبحانه وتعالى من أسر فرعون ولكنهم ما استطاعوا ولكنهم لم يتخلصوا من أسر الشهوات المادية اشتاقوا لطعم العبودية اشتاقوا للشهوات المادية التي كانت متكرّسة متأصّلة في نفوسهم فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة كانت من جزاء العمل
(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (61))
نتيجة طبيعية تمامًا نتيجة لكفرهم نتيجة لطريقة تعاملهم مع المنهج الرباني المتمثل في التوراة،
ربي سبحانه وتعالى أنزل لهم منهجًا وحين يقابل الإنسان المنهج الرباني بالكفر والجحود والعناد والمعصية تلو المعصية والمخالفة مع التي تليها ومحاولة التحايل على النصوص والتلكؤ في اتباع أوامر الله سبحانه لا يمكن أن تكون النتيجة مغايرة (وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ (61)) الذلّة أن يصبح الإنسان أسيراً سواء كان إنسان كفرد أو كشعوب، أن تقع الشعوب في الأسر من جديد في الذل، في الخضوع، في المسكنة. الشعوب بأسرها
ونحن نرقب اليوم ما يحدث في العالم ويدور حولنا الشعوب قد تكون حرة في الشكل في الظاهر ولكنها ربما تكون أسيرة وواقعة في الأسر هذا نوع من أنواع الذلة التي تتحدث عنها سورة البقرة.
الحرية لا تعني أن لا تكون هناك قيود في يدي فحسب، الحرية المادية، الحرية تعني أن أكون حرة كفرد أو كمجتمعات وشعوب في اتخاذ القرار، في الرؤية، في النظر، في التصور، في التطلع، في الأهداف، في تنفيذ الأهداف، هذه هي الحرية. الحرية أن تتخلص من سطوة البشر سواء كانوا فرعون أو غير فرعون الحرية أن تكون فعلًا عبداً لله سبحانه ولا تكون عبداً لأحد سواه.
هذه المعادلة لم يدركها بنو إسرائيل ووقعوا في مخالفات مخالفات أخرى
ولذلك جاءت الآية العظيمة التي بعدها لتقرر
(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62))
إذا أردت الحرية الحقيقية فهي في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح الذي يجعل منك إنساناً حراً طليقاً ويضمن لك الأجر والثواب في الآخرة. ولذلك تأملوا معي نهاية الآية (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)) الخوف والحزن، الخوف والحزن هي ضريبة يدفعها الإنسان الأسير، يدفعها العبد إزاء قابليته للاستعباد لغيره، الخوف والحزن. ولنا أن نتوقف في كل ما يحدث في عالمنا المعاصر اليوم، ما هي السمة الغالبة على مجتمعاتنا المنكوبة؟ خوف وحزن! خوف بأشكاله المتعددة المتنوعة، خوف على الأرزاق، خوف لغياب الأمن، خوف على المستقبل، خوف على الحياة، خوف، خوف، خوف، الخوف بأشكاله وحزن لا يمكن أن ينفك عن منظومة الخوف، عذاب! لِمَ جاء الخوف والحزن؟
البعد عن المنهج وبالتالي الآية تقول
(مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62))
في الدنيا والآخرة.
وحتى ما يصيب الإنسان المؤمن في الدنيا من خوف أو من حزن في بعض الأحيان هو خوف وحزن نسبي بسيط لا ينفكّ عن المشاعر الإنسانية، أما أن يصبح الخوف والحزن كما هو واقع في مجتمعاتنا المعاصرة حالة ملازمة للأمم وللشعوب هذه قضية ينبغي أن نتوقف عندها.
وبمفهوم المخالفة في الآية أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر سيكون الحزن والخوف عنده حالة ملازمة لا ينفكّ عنها ولا يستطيع التخلص من أسرها وهذا ما حدث ويحدث حين يخالف الإنسان فرداً كان أو شعباً المنهج الإلهي الرباني.
وتعود الآية من جديد في سياق الحديث عن بني إسرائيل لتؤكد أن الإشكالية الكبرى في بني إسرائيل ومواقفهم المتعددة التي تتناولها سورة البقرة إنما كانت تكمن في مخالفة المنهج الرباني ((خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ (63)) الوصية ليست لبني إسرائيل فحسب، الوصية لي (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)) ثم حين لا يحدث هذا الأخذ بقوة تكون النتيجة الطبيعية
(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64))
التولي والإعراض عن المنهج الرباني، الوقوع في إشكالية التعامل معه التي وقعت في بني إسرائيل
بني إسرائيل أمرهم ربي عز وجل أن لا يعملوا في السبت كما ورد في سور أخرى وآيات أخر في كتاب الله عز وجل هذا أمر رباني أمر إلهي ولكن ماذا فعلوا؟
فئة من بني إسرائيل اعتدوا على الأمر الرباني والمنهج الرباني فماذا كانت النتيجة؟
أن الله سبحانه وتعالى مسخ تلك الفئة التي تعدّت المنهج الرباني وسواء كان المسخ حقيقياً
(فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65))
أو مسخًا معنوياً بمعنى أن يتحول الإنسان عن هذا المنهج إلى صورة مغايرة تماماً صورة ممسوخة صورة لا يليق بها أن تتلقى المنهج الرباني. في كِلا الأحوال كانت الخسارة هي الملازمة والملاحقة لهم
(فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66))
آيات، علامات، دلائل ربي سبحانه وتعالى في هذا الكون والمجتمع يُري الإنسان والأمم والشعوب آيات يُري العواقب والنتائج التي تترتب على الإنسان حين يخالف المنهج الرباني
الإنسان فرد أو شعب حين يخالف المنهج الرباني هناك عقوبة مترتبة والعقوبة قد تكون فردية وقد تكون جماعية وقد حدثت في أولئك الذين تجاوزوا الأمر الرباني مع بني إسرائيل. تنتقل الآية إلى موقف آخر من مواقف بني إسرائيل لتعرض وتقدم لنا نموذجًأ آخر نموذجًا من الإعراض نموذجًا من التحايل في التعامل مع المنهج الرباني موسى عليه السلام أمرهم بأن يذبحوا بقرة
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67))
قصة، حادثة وقعت، قصة قتل حدثت في بني إسرائيل وحين أراد موسى عليه السلام أن يكشف عن هوية القاتل فكِلا الفريقين أراد أن يرمي باللائمة على الفريق الآخر وربي سبحانه وتعالى أراد أن يكشف لهم الحقيقة فأمر موسى عليه السلام أن يأمرهم بذبح بقرة، واضح الأمر، ولكن ما تعودوا عليه في التعامل مع الأوامر الربانية والوحي الإلهي التلكؤ في اتباع الأمر، التحايل، كثرة المماطلة، كثرة السؤال، كثرة القيل والقال، لمَ؟ وماذا؟ وكيف؟ لا لأجل أن يفهموا ولا لأجل أن يتفقهوا في الدين ولكن لأجل أن يتفيقهوا، بمعنى لأجل أن يبرروا لأنفسهم التحايل، لأجل أن يتباطؤا في اتباع المنهج الرباني مدلف خطير جداً سياق الآيات تحدثني وتحذرني من الانجرار فيه والإنسياق نحوه، أن أتعامل مع المنهج الرباني واِفعل ولا تفعل بنيّة التحايل والمماطلة وليس بنيّة المتابعة وعدم المخالفة.
السؤال عن الحكمة والقصد وراء التشريع الإلهي لا شك أنه قد يكون في بعض الأحيان أمر مشروع ولكن بشرط ألا يكون بنيّة التهرّب من ذلك الأمر وإنما بنيّة الفهم بنيّة الوعي بنيّة الخضوع والإنسياق للأمر الرباني. العبادة، أصل العبادة أن أكون عبداً خاضعاً لله سبحانه منقاداً لأمره، في بعض الأحيان قد أفهم الحكمة وفي بعض الأحيان قد لا أفهم وفي كلتا الحالتين فهمت الحكمة من وراء الأمر الرباني أم لم أفهم عليّ الاتباع والانقياد والخضوع.
هذا لم يحدث في قصة البقرة مع بني إسرائيل أول كلمة ردّوها على موسى عليه السلام (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا (67)) الكلام مع نبي! وتأملوا معي في سوء الأدب في التعامل مع المبلِّغ عن المنهج، النبي، الأنبياء (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)! ثم المماطلة
(ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68))
(ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا (69))
(ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (70))
كل هذه الطلبات ما كانت لأجل الإنقياد والخضوع وتنفيذ الأمر الإلهي
وإنما عملية مماطلة فماذا كانت النتيجة وكيف كانت العاقبة وراء تلك المماطلات؟
أن الله سبحانه وتعالى كشف التزوير والكذب والاحتيال الذي وقعوا فيه
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى (73))
الغرض من سياق البقرة وقضية ذبح البقرة أن يُضرَب بها هذا القتيل ليعيده الله سبحانه وتعالى بقدرته إلى الحياة من جديد فيشهد على من قتله، على القاتل،
هذا كان الغرض وذلك لعدة أمور منها إعطاء صورة حية حسية لبني إسرائيل الذين كانوا مولعين بالحس وعدم الإيمان بالغيب، بقدرة الله سبحانه وتعالى على الإحياء وعلى الإماتة وعلى البعث، اختبار لإيمانهم وابتلاء لمسارعتهم في اتباع المنهج الرباني وهذا لم يحدث ولم يحدث شيء من ذلك!
فكانت النتيجة الطبيعية لهذه القصة ولذاك الموقف مع بني إسرائيل أن أحدث الله في قلوبهم قسوة
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (74))
القسوة في القلب عقوبة، وهي مرض يجعل القلب متصلبًا متلبدَ الحسّ لا يشعر بالآيات ولا بالمواعظ حين تمر أمام عينيه، العين تتصلّب فيها الدموع، تجف فيها المآقي، لا تعد قادرة على أن تدمع
ونحن نعلم جميعاً أن البكاء من خشية الله عز وجل من النعم العظيمة التي ينعم الله عز وجل بها على الإنسان وأن جزاءها أن تُحرّم النار على تلك العين التي بكت من خشيته سبحانه. ولكن الحال في بني إسرائيل كان العكس تماماً كان عقوبة والعقوبة لا تأتي إلا على مخالفة ومعصية. المماطلة في اتباع المنهج الرباني الذي أتى به موسى عليه السلام التراجع، التخاذل، التحايل، كل ذلك في التعامل مع المنهج الرباني كانت العقوبة من جنس العمل، قسوة!
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَة (74)) في صلابتها
(أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (74)) من الحجارة (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)) الحجارة كما يقول ربي عز وجل في سورة أخرى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (21) الحشر)
ولكن الإنسان حين يقسو قلبه كما حدث في بني إسرائيل نتيجة لمخالفة المنهج الرباني يصبح ذلك القلب أقسى من الحجارة فتمرّ عليه المواعظ في كتاب الله ويسمع الآيات بأذنيه ويراها في واقعه بعينيه ولكن لا تحرك فيه قلباً، لا تحرك فيه ساكناً، لا تجعل القلب يتحرك باتجاه تلك الآيات العظيمة فيخرّ مؤمناً خاضعاً لها، لا تحرّك فيه بواعث الخشية من الله عز وجل التي هي من أعظم أعمال القلوب.
وكل الآيات وهي تتحدث عن بني إسرائيل إنما هي تحذّرنا نحن اليوم من أن نتعامل مع منهج ربنا وكتاب ربنا بهذا الشكل وبهذه الصورة لأن النتيجة لن تكون مغايرة لما حدث مع بني إسرائيل