عرض مشاركة واحدة
قديم 06-25-2026, 09:30 PM   #35

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (35)

صــ193 إلى صــ 198

قوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض قال عدي بن حاتم: لما نزلت هذه الآية ، عمدت إلى عقالين ، أبيض وأسود ، فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض ، فلما أصبحت; غدوت على رسول الله فأخبرته ، فضحك وقال: "إن كان وسادك إذا لعريض ، إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل" وقال سهل بن سعد: نزلت هذه الآية: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل: (من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود [ ص: 193 ] والخيط الأبيض ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له زيهما ، فأنزل الله بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار .

فصل

إذا شك في الفجر ، فهل يدع السحور أم لا؟ فظاهر كلام أحمد يدل على أنه لا يدع السحور ، بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر . وقال مالك: أكره له أن يأكل إذا شك في طلوع الفجر ، فإن أكل فعليه القضاء . وقال الشافعي: لا شيء عليه .

قوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد في هذه المباشرة قولان . أحدهما: أنها المجامعة ، وهو قول الأكثرين . والثاني: أنها ما دون الجماع من اللمس والقبلة ، قاله ابن زيد . وقال قتادة: كان الرجل المعتكف إذا خرج من المسجد ، فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك ، فوعظهم الله في ذلك .

فصل

الاعتكاف في اللغة: اللبث ، يقال: فلان معتكف على كذا ، وعاكف . وهو فعل مندوب إليه ، إلا أن ينذره الإنسان ، فيجب . ولا يجوز إلا في مسجد تقام فيه الجماعات ، ولا يشترط في حق المرأة مسجد تقام فيه الجماعة ، إذ الجماعة لا تجب عليها . وهل يصح بغير صوم؟ فيه عن أحمد روايتان .

قوله تعالى: (تلك حدود الله) قال ابن عباس: يعني: المباشرة (فلا تقربوها) قال الزجاج: الحدود ما منع الله من مخالفتها ، فلا يجوز مجاوزتها . وأصل الحد في اللغة: المنع ، ومنه: حد الدار ، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها . والحداد في اللغة: الحاجب والبواب ، وكل من منع شيئا فهو حداد . قال الأعشى:


فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها
[ ص: 194 ] أي: عند ربها الذي يمنعها إلا بما يريده . وأحدت المرأة على زوجها وحدت ، فهي حاد ، ومحد: إذا قطعت الزينة ، وامتنعت منها ، وأحددت النظر إلى فلان: إذا منعت نظرك من غيره . وسمي الحديد حديدا ، لأنه يمتنع به الأعداء .

قوله تعالى: كذلك يبين الله أي: مثل هذا البيان الذي ذكر .
ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون .

قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل .

سبب نزولها: أن امرأ القيس بن عابس ، وعبدان الحضرمي ، اختصما في أرض ، وكان عبدان هو الطالب ولا بينة له ، فأراد امرؤ القيس أن يحلف ، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا [ آل عمران: 77 ] . فكره أن يحلف ، ولم يخاصم في الأرض ، فنزلت هذه الآية . هذا قول جماعة ، منهم سعيد بن جبير . ومعنى الآية: لا يأكل بعضكم أموال بعض ، كقوله: فاقتلوا أنفسكم قال القاضي أبو يعلى: والباطل على وجهين أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه ، كالسرقة ، والغصب ، والخيانة . والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه ، كالقمار ، والغناء ، وثمن الخمر ، وقال الزجاج: الباطل: الظلم . "وتدلوا" أصله في اللغة من: أدليت الدلو: إذا أرسلتها لتملأها ، ودلوتها: إذا أخرجتها . ومعنى أدلى فلان بحجته: أرسلها ، وأتى بها على صحة . فمعنى الكلام: تعملون على ما يوجبه إدلاء الحجة ، وتخونون في الأمانة ، وأنتم تعلمون أن الحجة عليكم في الباطن .

وفي ها "بها" قولان . أحدهما: أنها ترجع إلى الأموال ، كأنه قال: لا تصانعوا ببعضها جورة الحكام . والثاني: أنها ترجع إلى الخصومة ، فإن قيل: كيف أعاد ذكر [ ص: 195 ] الأكل فقال: "ولا تأكلوا" "لتأكلوا" فالجواب: أنه وصل اللفظة الأولى بالباطل ، والثانية بالإثم ، فأعادها للزيادة في المعنى ، ذكره ابن الأنباري .
يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون .

قوله تعالى: يسألونك عن الأهلة .

هذه الآية من أولها إلى قوله: "والحج" نزلت على سبب ، وهو أن رجلين من الصحابة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو دقيقا ، ثم يزيد ويمتلئ حتى يستدير ويستوي ، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ فنزلت: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج هذا قول ابن عباس .

ومن قوله تعالى: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إلى آخرها ، يدل على سبب آخر ، وهو أنهم كانوا إذا حجوا ، ثم قدموا المدينة ، لم يدخلوا من باب ، ويأتون البيوت من ظهورها ، فنسي رجل ، فدخل من باب ، فنزلت: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها هذا قول البراء بن عازب .

وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال . أحدها: أنهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام ، قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، والنخعي ، وقتادة ، وقيس النهشلي . والثاني: لأجل دخول الشهر الحرام ، قاله البراء بن عازب . والثالث: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هم أحدهم بالشيء فاحتبس عنه; لم يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان [ ص: 196 ] هم به ، قاله الحسن . والرابع: أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك ، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه .

فأما التفسير; فإنما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها ، فأخبرهم أنها مقادير لما يحتاج الناس إليه في صومهم وحجهم وغير ذلك . والأهلة: جمع هلال . وكم يبقى الهلال على هذه التسمية؟ فيه للعرب أربعة أقوال . أحدها: أنه يسمى هلالا لليلتين من الشهر . والثاني: لثلاث ليال ، ثم يسمى: قمرا . والثالث: إلى أن يحجر ، وتحجيره: أن يسير بخطة دقيقة ، وهو قول الأصمعي . والرابع: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل . حكى هذه الأقوال ابن السري ، واختار الأول ، قال: واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبي: إذا بكى حين يولد . وأهل القوم بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، فسمي هلالا ، لأنه حين يرى يهل الناس بذكره .

قوله تعالى: ولكن البر من اتقى مثل قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله وقد سبق بيانه ، واختلف القراء في البيوت وما أشبهها ، فقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائي بكسر باء "البيوت" وعين "العيون" وغين "الغيوب" وروي عن نافع أنه ضم باء "البيوت" وعين "العيون" وغين "الغيوب" وجيم "الجيوب" وشين "الشيوخ" وروى عنه قالون أنه كسر باء "البيوت" وقرأ أبو عمر ، وأبو جعفر بضم الأحرف الخمسة ، وكسرهن جميعا حمزة ، واختلف عن عاصم . قال الزجاج: من ضم "البيوت" فعلى أصل الجمع: بيت وبيوت ، مثل: قلب وقلوب ، وفلس وفلوس . ومن كسر ، فإنما كسر للياء التي بعد الباء ، وذلك عند البصريين رديء ، لأنه ليس في الكلام فعول بكسر الفاء . وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: إذا كان الجمع على فعول ، وثانيه ياء; جاز فيه الضم والكسر ، تقول: بيوت وبيوت ، وشيوخ وشيوخ ، وقيود وقيود .
[ ص: 197 ] وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .

قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم .

سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما صد عن البيت ، ونحر هديه بالحديبية ، وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل; رجع ، فلما تجهز في العام المقبل; خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك ، وأن يصدوهم ويقاتلوهم ، وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام; فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس .

قوله تعالى: ولا تعتدوا أي: ولا تظلموا . وفي المراد بهذا الاعتداء أربعة أقوال . أحدها: أنه قتل النساء والولدان ، قاله ابن عباس ، ومجاهد . والثاني: أن معناه: لا تقاتلوا من لم يقاتلكم قاله سعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وابن زيد . والثالث: أنه إتيان ما نهوا عنه ، قاله الحسن . والرابع: أنه ابتداؤهم بالقتال في الحرم في الشهر الحرام ، قاله مقاتل .

فصل

اختلف العلماء: هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ على قولين .

أحدهما: أنها منسوخة . واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين .

أحدهما: أنه أولها ، وهو قوله: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم قالوا: وهذا يقتضي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار ، ولا يباح في حق من لم يقاتل ، وهذا منسوخ بقوله: واقتلوهم حيث ثقفتموهم . والثاني: أن المنسوخ منها: (ولا تعتدوا) ولهؤلاء في هذا الاعتداء قولان . أحدهما: أنه قتل من لم يقاتل . والثاني: أنه ابتداء المشركين بالقتال ، وهذا منسوخ بآية السيف .

والقول الثاني: أنها محكمة ، ومعناها عند أرباب هذا القول: وقاتلوا في سبيل الله [ ص: 198 ] الذين يقاتلونكم وهم الذين أعدوا أنفسهم للقتال ، فأما من ليس بمعد نفسه للقتال ، كالرهبان والشيوخ الفناة ، والزمنى ، والمكافيف ، والمجانين ، فإن هؤلاء لا يقاتلون ، وهذا حكم باق غير منسوخ .

فصل

واختلف العلماء في أول آية نزلت في إباحة القتال على قولين . أحدهما: أنها قوله تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [ الحج: 39 ] . قاله أبو بكر الصديق ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والزهري . والثاني: أنها هذه الآية: وقاتلوا في سبيل الله قاله أبو العالية ، وابن زيد .




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
* الطريق إلى يثرب والأحداث التي دارت فيه
* وداع مهيب من آلاف الإثيوبيين لأحد أكبر علماء الحبشة
* نوح عليه السلام .. العبد الشكور
* علماء الغرب والازدواجية في المعايير وشبهاتهم حول الحضارة الإسلامية
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس