عرض مشاركة واحدة
قديم 06-24-2026, 09:41 PM   #315

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 251 الى صـــ 270
الحلقة (315)






حلت العمرة لمن اعتمر (١). فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم.
وقوله: (صفر) كذا هو بغير ألف، كذا هنا في أصل بخط الدمياطي وفي مسلم، والصواب صفرًا؛ لأنه مصروف قطعًا، وفي «المحكم» كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: لم لا تصرفه؟ لأن النحويين قد أجمعوا على صرفه وقالوا: لا يمنع الحرف من الصرف إلا علتان، فأخبرنا بالعلتين فيه، فقال: نعم هما المعرفة والساعة، قال المطرز: يرى أن الأزمنة كلها ساعات، والساعات مؤنثة (٢).
قال عياض: وقيل: صفر: داء يكون في البطن، كالحيات إذا اشتد جوع الإنسان عضته (٣)، وقال رؤبة: هي حية تلتوي في البطن، وهي أعدى من الجرب عند العرب (٤). وهذا إخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه، كانوا يسمون المحرم صفرًا، ويحلونه، وينسئون المحرم أي: يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، فتضيق عليهم أمورهم من الإغارة وغيرها، فضللهم الله تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. وقال القرطبي: كانوا يحلون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره (٥).

-----------
(١) «سنن أبي داود» (١٩٨٧) كتاب: المناسك، باب: العمرة، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٦/ ٢٢٧ (١٧٣٤).
(٢) «المحكم» ٨/ ٢٠٤.
(٣) «مشارق الأنوار» ٢/ ٤٩.
(٤) انظر: «غريب الحديث» للهروي ١/ ٢٦.
(٥) «المفهم» ٣/ ٣٦٣.



قال الكلبي: وأول من نسأ القلمس واسمه: حذيفة بن عبيد الكناني، ثم ابنه عباد، ثم ابنه قُلَع، ثم ابنه أمية بن قلع بن عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية، وعليه قام الإسلام، وقيل: أول من نسأ نعيم بن ثعلبة بن جنادة، وهو الذي أدركه سيدنا رسول الله - ﷺ -، وقيل: مالك بن كنانة، وقيل: عمرو بن لحي.
(وبرأ): بفتح الباء، أي: أفاق، قال ابن فارس يقال: برأت من المرض وبرئت أيضًا (١). والدبر: بفتحها جمع دبرة، يعني: الجرح الذي يكون في ظهر الدابة، وقيل: أن يقرح خف البعير. حكاه عياض (٢)، (وعفا الأثر). أي: درس أثر الحاج من الطريق، وأمحي بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها؛ لطول مرور الأيام. وقال الخطابي: أي: درس أثر الوبر المذكور (٣)، وفي أبي داود: وعفا الوبر (٤) أي: كثر وبرها الذي خلفته رحال الحاج، وعفا من الأضداد، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أي: كثروا، وقال الداودي: (عفا الأثر). أي: آثار الحج، وما نالهم في حجهم من الشعث.
(وانسلخ صفر). أي: انقضى.
وقوله: (ويجعلون المحرم صفر): هو النسيء الذي قال تعالى فيه أنه زيادة في الكفر. يحلون الشهر الحرام. يعني: المحرم، يحرمون الحلال صفر. أي: يؤخرون حرمة الحرام إلى الحلال صفر.

------
(١) «مجمل اللغة» ١/ ١٢٢.
(٢) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٥٣.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٥٧.
(٤) سبق تخريجه.



قال ابن فارس: كانوا إذا صدروا عن منى يقيم الرجل فيقول: أخرت عنكم حرمة المحرم، وأجعلها في صفر؛ لأنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة شهور لا يغيرون فيها؛ لأن معيشتهم كانت من الإغارة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ﴾ (١) [التوبة: ٣٧]. وقال ابن دريد: الصفران: شهران من السنة سمي أحدهما في الإسلام المحرم (٢). وقال في «المحكم» عن بعضهم: قال بعضهم: سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقال بعضهم: سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا. وروي عن رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يغيرون فيه، فيتركون من لقوا صفرًا من المتاع، وذلك أن صفر بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا صفرًا (٣).
وقال القزاز: قالوا: إنما سموه صفرًا؛ لأنهم كانوا يخلون البيوت منهم بخروجهم إلى بلدٍ يقال له الصفرية يمتارون وقيل: لأنهم كان يخرجون إلى الغارة فتبقى بيوتهم صفرًا. وقيل: لأن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه؛ صفر الثاني، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا كي تستقيم لهم الأزمان على موافقة اسمائها مع المشهور، وكانوا يتطيرون به، ويقولون: لأن الأمور فيه متعلقة، والآفات واقعة.
وقوله: (قدم صبيحة رابعة). فيه: دخولها نهارًا، وكان ابن عمر يستحبه، وكذا عطاء والنخعي وابن راهويه وابن المنذر، وهو أصح

------------
(١) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٦٦.
(٢) «جمهرة اللغة» لابن دريد ٢/ ٧٤٠.
(٣) «المحكم» ٨/ ٢٠٤.



الوجهين عندنا، وقيل: دخولها ليلًا ونهارًا سواء، وهو قول طاوس والثوري، وعن عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز: دخولها ليلًا أفضل من النهار، وقال مالك: يستحب دخولها نهارًا، فمن جاءها ليلًا فلا بأس به. قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الإفاضة ليلًا (١)، وسيأتي ترجمة البخاري دخولها ليلًا ونهارًا، ولم يأت في دخولها ليلًا شيء نعلمه.
وقوله: (تعاظم ذلك). أي: تعاظم مخالفة العادة التي كانوا عليها من تأخير العمرة عن أشهر الحج، نقلوه عن الإحلال فقالوا: أي الحل: إحلال الطيب والمخيط كما يحل من رمى جمرة العقبة وطاف للإفاضة، أم غيره؟ فأخبره أنه الحل كله بإصابة النساء.
الحديث الخامس:
حديث أَبِي مُوسَى: قَدِمْتُ على رسول الله - ﷺ -. فَأَمَرَهُ بِالحِلِّ.
يريد: أمره بالفسخ لما لم يكن معه هدي، كما أمر أصحابه الذين لا هدي معهم.
الحديث السادس:
حديث (٢) مالك عن نافع عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ؛ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؛ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
وقد أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وقد أسلفنا الكلام عليه واضحًا.

-----------
(١) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢٤، «الذخيرة» ٣/ ٢٣٥، «كفاية الطالب» ١/ ٤٦٣، «حاشية العدوي على كفاية الطالب» ١/ ٤٦٣.
(٢) ورد فوقها كلام غير واضح في الأصل.
(٣) «صحيح مسلم» (٦٩٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: قصر الصلاة بمنى.



قال أبو عمر: زعم بعض الناس أنه لم يقل أحد في هذا الحديث عن نافع: ولم تحل أنت من عمرتك؟ إلا مالك وحده، قال: وهذِه اللفظة قد قالها عن نافع جماعة منهم: عبيد الله بن عمر وأيوب بن أبي تميمة، وهما ومالك حفاظ أصحاب نافع، قال: ولما لم يكن لأحد من العلماء سبيل إلى الأخذ بكل ما تعارض وتدافع من الآثار في هذا الباب، ولم يكن بد من المصير إلى وجه واحد منها، صار كل واحد إلى ما صح عنده بمبلغ اجتهاده، فصار مالك (أي) (١): والشافعي إلى تفضيل الإفراد لوجوه (٢) منها: أنه روي عن عائشة أيضًا من وجوه، فكانت تلك الوجوه عنده أولى من حديث حفصة هذا. ومنها: أنه
الثابت في حديث جابر. ومنها: أنه اختيار أبي بكر وعمر وعثمان. ومنها: أنه أتم ولذلك لم يحتج فيه إلى جبر شيء بدم. وما أعلم أحدًا ردّ حديث حفصة هذا بأن قال: إن مالكًا تفرد بتلك اللفظة إلا هذا الرجل، والله يغفر لنا وله (٣).
قال أبو عمر: وهذا أمر مجمع عليه في القارن، أنه لا يحل حتى يحل منهما جميعًا (٤).
وقال ابن التين: قولها: ولم تحل أنت من عمرتك؛ يحتمل أن تريد من حجك؛ لأن معناهما متقارب بجامع القصد، وقيل: إنها إنما سمعته يأمر الناس بسرف بفسخ الحج في العمرة، ظنت أنه فسخ الحج فيها، وقيل: اعتقدت أنه كان معتمرًا. وقيل: يحتمل أن يكون قارنًا -كما ذكره الخطابي (٥) - وقيل: يحتمل لمَ لمْ تهل بعمرة، وتتحلل بها؟

------------
(١) كذا بالأصل ولعلها زائدة.
(٢) سبق تخريج المسألة.
(٣) «التمهيد» ١٥/ ٢٩٨ - ٣٠١ بتصرف.
(٤) «التمهيد» ١٥/ ٣٠٢.
(٥) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٦٢، «معالم السنن» ٢/ ١٤٥.



قال: والصواب أن المراد: لمَ لمْ تفسخ حجك في عمرة كفعل غيرك؟ ولعلها لم تسمع قوله «من كان معه هدي فلا يحل» (١).
وقال القرطبي: معنى قولها، وقول ابن عباس: (من عمرتك). أي: بعمرتك، كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله، عبر بالإحرام بالعمرة عن القرآن؛ لأنها السابقة في إحرام القارن قولًا ونية، ولا سيما على ما ظهر من حديث ابن عمر أنه - عليه السلام - كان مفردًا (٢).
وقوله: «لبدت رأسي وقلدت هديي» قال الداودي: فيه أن من لبد وقلد لا يحل حتى يحلق ويفرغ من الحج كله، وقال غيره: لا يمنع ذلك من إحلاله من عمرته؛ لأن من فعل ذلك وأهل بعمرة ينحر ويحلق عند كمالها، ولا يجب عليه لأجل التلبيد والتقليد إرداف حجة عليها، وإنما معناه: أن في الكلام حذفًا، وذلك أن يعلمها أنه لبد رأسه وقلد هديه للحج، فلا يمكنه التحلل من ذلك قبل أن يبلغ الهدي محله وينحره بمنى بعد كمال حجه، وأما من أحرم بعمرة وأكملها فلا يردف ويحلق، ولا يقال كره الحلق؛ لقرب الحج على ما ذكره مالك أنه يكره لمن اعتمر أن يحلق إذا قرب من الموسم؛ لأن مالكًا كان يقصر ولو من شعره، بخلاف الحج فيجمع بين الأمرين، وحفصة لم تسأله عن ترك الحلاق، وإنما سألته عن ترك التحلل (٣).

---------
(١) سلف برقم (١٦٣٨) باب: طواف القارن، ورواه مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه …
(٢) «المفهم» ٣/ ٣٥٥.
(٣) «المنتقى» ٤/ ٢٦.



الحديث السابع:
حديث أبي جمرة نصر بن عمران قَالَ: تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقبلَةٌ. فَأخْبَرْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وقال لِي: أَقِمْ عِنْدِي، وأجعل لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فقَالَ شُعْبَةُ؛ فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا التِي رَأَيْتُ.
وأخرجه مسلم أيضًا بدون: أقم عندي، إلى آخره (١)، وسببه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (٢).
وفيه: ما كانوا عليه من التعاون على البر والتقوى، وحمدهم لمن يفعل الخير، فخشي أبو جمرة من تمتعه هبوط الأجر، ونقص الثواب؛ للجمع بينهما في سفر واحد وإحرام واحد، وكان الذين أمروا بالإفراد
إنما أمروه بفعل رسول الله - ﷺ - في خاصة نفسه؛ ليفرد الحج وحده، ويخلص عمله من الاشتراك فيه، فأراه الله الرؤيا؛ ليعرفه بها أن حجه مبرور، وعمرته متقبلة في حال الاشتراك؛ ولذلك قال له ابن عباس: أقم عندي. ليقص على الناس هذِه الرؤيا المثبتة لحال التمتع، ففيه دليل أن الرؤيا الصادقة شاهدة على أمور اليقظة، وكيف لا وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؟
وفي قوله: (أجعل لك سهمًا من مالي). أن العالم يجوز له أخذ الأجرة على العلم، وقد أسلفنا أن قوله لأبي جمرة: هي السنة. أن معناه: أن كل ما أمر رسول الله - ﷺ - بفعله فهو السنة، فراجعه.

----------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٤٢) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج.
(٢) حديث سيأتي برقم (٦٩٨٩) كتاب: التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.



الحديث الثامن:
حديث أبي شهاب قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ .. إلى آخره. الحديث بطوله.
قال أبو عبد الله: أبو شهاب ليس له مسند إلا هذا. قال ابن التين: كأنه يقول: من كان هكذا لا يجعل حديثه أصلا من أصول العلم، واسمه: موسى بن نافع الحفاظ، وقد سلف الكلام عليه، وهما اثنان: أبو شهاب (خ. م. س) الحناط الكبير (١) هذا، والصغير عبد ربه بن نافع (خ. م. ت. ق)، وكلاهما في الصحيحين.
وفيه تقديم وتأخير، التقدير: وقد أهلوا بالحج مفردًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «اجعلوا إحرامكم عمرة، وتحللوا بعمل العمرة» وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة، وهو أبين ما في هذِه الأحاديث من فسخه الحج إلى العمرة، وفي حديث جابر هذا إنما فعل ذلك لأنهم كانوا يتحرجون من العمرة في أشهر الحج، كما سلف، فأبطله وحضّ عليه كما في نذر عمر في الجاهلية، فإنه حضه على الوفاء بالنذر (٢)، وإن كان نذر الكافر لا يلزم إذا. أسلم.
وهذا الحديث طرف من حديث جابر بن عبد الله الطويل، وقد ساقه مسلم أحسن سياقة، وهو من أفراده (٣)، والبخاري ذكر جله في مواضع متفرقة من حديث جابر، وابن عمر، وابن عباس وابن مسعود،

------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: أبو شهاب الكبير قال فيه أحمد: منكر الحديث. قال في «الكاشف» في ترجمة الصغير: صدوق. وكل منهما له ترجمة في «الكمال».
(٢) سيأتي برقم (٢٠٣٢) كتاب: الاعتكاف، باب: الاعتكاف ليلًا، ورواه مسلم (١٦٥٦) كتاب: الإيمان، باب: نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز …



وغيرهم (١)، وكذا فعل مسلم أيضًا (٢)، وصنف ابن المنذر عليه مصنفًا سماه (التحبير»، استنبط منه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا من وجوه العلم، وبين في كل وجه منها وجه استدلاله، من أغربها: كراهة الحل للمحرمة، وبه قال أحمد، ومن فوائد القطعة التي ساقها البخاري: التقصير للمعتمر؛ ليتوفر الشعر للحُلاّق يوم النحر.
الحديث التاسع:
حديث سعيد بن المسيب قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَل بِهِمَا جَمِيعًا.
وقد أسلفناه في الحديث الثالث (٣).

-----------
(١) سلف برقم (١٥٥٧) باب: من أهل في زمن النبي - ﷺ - كإهلال النبي - ﷺ -، وسيأتي برقم (١٥٧٠) باب: من لبى بالحج وسماه، و(١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها، و(١٧٥٨) كتاب: العمرة، باب: عمرة التنعيم، و(٢٥٠٥ - ٢٥٠٦) كتاب: الشركة، باب: الاشتراك في الهدي والبدن، و(٤٣٥٢) كتاب: التمني، باب: قول النبي - ﷺ -: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت)، و(٧٣٦٧) كتاب: الاعتصام، باب: نهي النبي - ﷺ - على التحريم إلا ما تعرف إباحته.
(٢) رواه مسلم (١٢١٦) كتاب: الحج.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الأول من الجزء السادس من تجزئة المصنف.
وبالجانب الآخر من الهامش كتب: ثم بلغ في السادس بعد العشرين كتبه مؤلفه.



باب: مَن لَبَّى بِالحَجِّ وَسَمَّاهُ
١٥٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِالحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً. [انظر: ١٥٥٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٤٣٢]
ذكر فيه حديث جابر: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَقُولُ: لبَّيْكَ بِالحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، أن نجعلها عُمْرَةً.
وقد سلف الكلام على فقهه، ويؤخذ منه أن التعيين أفضل، وأن يسميه في تلبيته، وكذا في التمتع والقران.


باب:
١٥٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ عِمْرَانَ - رضي الله عنه - قَالَ: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَنَزَلَ القُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. [٤٥١٨ - مسلم: ١٢٢٦ - فتح: ٣/ ٤٣٢]
ذكر فيه حديث عمران -يعني: ابن الحصين- تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ونزل القُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
في بعض نسخ البخاري: باب التمتع على عهد رسول الله - ﷺ -. وقد أدرجه ابن بطال في الباب الأول (١)؛ لأنه كمعنى حديث جابر في التسمية لما أحرم به، ولا شك أن عمران لم يكن ليقدم على القول عن نفسه، وعن أصحابه أنهم تمتعوا على عهد رسول الله - ﷺ -، إلا وأنهم قد أسمع بعضهم بعضًا تلبيتهم للحج وتسميتهم له، ولولا ما تقدم لهم قبل تمتعهم من تسميتهم الحج والإهلال به لم يعلم عمران إن كانوا قصدوا مكة بحج أو عمرة، إذ عملهما واحد إلى موضع الفسخ، والفسخ لم يكن حينئذٍ إلا للمفردين بالحج، وهم الذين تمتعوا بالعمرة ثم حلوا، ثم أحرموا بالحج، فدل هذا كله على أنه لا بد من تعيين الحج أو العمرة عند الإهلال، وأن هذا مفتقر إلى النية عند الدخول فيه. وقول عمران: (تَمَتَّعْنَا علي عهد رسول الله - ﷺ - ونزل القرآن)، يريد أن التمتع والقران معمول به على عهد رسول الله - ﷺ - لم ينسخه شيء، ونزل القرآن بإباحة العمرة في أشهر الحج في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٥٣.


وقوله: (قال رجل برأيه ما شاء): يعني من تركه، أو الأخذ به، وأن الرأي بعد النبي - ﷺ - باختيار الإفراد لا ينسخ ما سَنَّهُ من التمتع والقران.
قال ابن الجوزي: كأنه يريد عثمان.
وقال النووي والقرطبي: يريد عمر (١)، زاد ابن التين: يحتمل أن يكون أراد أبا بكر أو عمر أو عثمان. وقد ذكر البخاري في التفسير حديث عمران قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله - ﷺ - ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء، قال محمد: يقال: إنه عمر (٢).
وفي «الموطأ» عن الضحاك بن قيس قال: ما يعقلها إلا من جهل أمر الله (٣). وروي نحو ذلك عن ابن الزبير ومعاوية، وفسر ذلك ابن عمر، وذلك أنه سئل عن متعة فأمر بها، فقيل له: تخالف أباك؟! فقال: إن عمر لم يقل الذي تقولون، إنما قال: أفردوا الحج عن العمرة، فإنه أتم؛ لأن العمرة لا تتم إلا في أشهر الحج إلا بهدي، فأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج، فجعلتموها أنتم حرامًا، وعاقبتم الناس عليها، وأحلها الله وعمل بها رسوله (٤).
وهذا هو الصحيح، وابنه أعلم الناس بمقالة أبيه، ولعله يرى أن اعتقاد تفضيل المتعة خطأ، وكان ينهى عن ذلك.

------------
(١) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ٢٠٥، و«المفهم» ٣/ ٣٥٠.
(٢) سيأتي برقم (٤٥١٨) باب: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾.
(٣) «الموطأ» ص ٢٢٦.
(٤) رواه أحمد ٢/ ٩٥، وابن حزم في «حجة الوداع» ص ٣٩٨، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢١ كتاب: الحج، باب: كراهية من كره القران والتمتع، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٠٥.



وذكر الهروي عن عمر أنه قال: إن اعتمرتم في أشهر الحج رأيتموها مجزئة من حجكم، وكانت فائتة فوت عامها. ضربه عمر مثلًا لخلاء مكة من المعتمرين سائر السنة.

٣٧ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
١٥٧٢ - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ البَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ». فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ». ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الهَدْىُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى أَمْصَارِكُمْ. الشَّاةُ تَجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ - ﷺ - وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَأَشْهُرُ الحَجِّ التِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ، وَالرَّفَثُ الجِمَاعُ، وَالفُسُوقُ المَعَاصِى، وَالجِدَالُ المِرَاءُ. [فتح: ٣/ ٤٣٣]
أصل حاضري: حاضرين، سقطت النون للإضافة، والياء سقطت وصلًا؛ لسكونها، وسكون اللام في المسجد، وإذا وقعت عند الاضطرار إليه فأثبت الياء.
ثم قال البخاري: وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ البَصْرِيُّ فُضَيلُ بْنُ حُسَيْنٍ، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ .. الحديث.


وهو من أفراده، وقد وصله الإسماعيلي فقال: ثنا القاسم بن زكريا المطرز، ثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو كامل، ثنا أبو معشر البراء، ثنا عثمان بن سعيد، عن عكرمة .. الحديث. وقال: هكذا قال القاسم: عثمان بن سعيد. وكذا رواه أبو نعيم الحافظ عن أبي أحمد، ثنا القاسم المطرز به. وقال ذكره البخاري بلا رواية عن أبي كامل، وقال أبو كامل: عثمان بن غياث، وقال المطرز: ابن سعيد. وقال أبو مسعود الدمشقي: هذا حديث (غريب) (١)، ولم أره عند أحدٍ إلا عند مسلم بن الحجاج، ومسلم لم يذكره في «صحيحه» من أجل عكرمة، وعندي أن البخاري أخذه عن مسلم (٢).
قلت: ويجوز أن يكون البخاري أخذه عن أبي كامل بغير واسطة، فإنه غالبًا يستعمل مثل ذلك فيما أخذه عرضًا أو مناولة، وهما صحيحان عند جماعة، يجب العمل بهما (٣).

----------
(١) كذا في الأصل، وفي «الجمع بين الصحيحين» عزيز.
(٢) انظر «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ١١١ - ١١٢ (١١٧٣).
(٣) العرض أو القراءة على الشيخ هي: طريقة من طرق تحمل الحديث وفيها يقرأ الطالب على الشيخ، والشيخ يسمع، سواء قرأ من حفظه أو كتابه، وسواء قرأ هو أو غيره، وسواء تابعه الشيخ من حفظه أو من كتابه، وصفة أداء العرض أن يقول: قرأت على فلان كذا، أو قرئ عليه وأنا أسمع كذا، واللفظ المستعمل هو: أخبرنا، أما المناولة فهي: أن يناول الشيخ الطالب كتابًا أو سماعًا له ويحيز له أن يرويه عنه أو لا يجيز له، فمنها مناولة مقرونة بالإجازة، ومناولة غير مقرونة بالإجازة، وصغية أداء المناولة أن يقول: ناولني فلان كذا، أو ناولني وأجاز لي كذا.
انظر: «علوم الحديث» لابن الصلاح ص ١٣٧ - ١٥٠، ١٦٥ - ١٧٣، و«المقنع» للمصنف ١/ ٢٩٧ - ٣١٤، ٣٢٥ - ٣٣٠، «فتح المغيث» للسخاوي ٢/ ٢٧، ١١١.



وقوله: (فلما قدمنا مكة قال - عليه السلام -: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة»).
يريد قرب مكة، وهو سرف، كما سلف، وبين في هذا الحديث أنهم لما حلوا أتوا النساء، ولبسوا الثياب.
وقد اختلف العلماء في حاضري المسجد من هم؟ فذهب طاوس ومجاهد إلى أنهم أهل الحرم (١)، وبه قال داود. وذهب طائفة إلى أنهم أهل مكة بعينها. روي هذا عن نافع مولى ابن عمر، وعن عبد الرحمن الأعرج (٢)، وهو قول مالك، قال: هم أهل مكة وذي طوى، وشبهها، وأما أهل منى وعرفة المناهل مثل: قديد وعسفان، ومر الظهران فعليهم الدم (٣).
وذهب أبو حنيفة إلى أنهم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة (٤)، وقال مكحول: من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام، وأما أهل المواقيت فهم كسائر أهل الآفاق (٥).
روي هذا عن عطاء (٦)، وبه قال الشافعي بالعراق، وقال الشافعي وأحمد: من كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة، فهو من حاضري المسجد الحرام (٧). وعند الشافعي ومالك وأحمد

-----------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٦٥، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ١/ ٣٤٤، وذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ١/ ٢٠٨.
(٢) انظر: «أحكام القرآن» ١/ ٣٦٠.
(٣) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢١٥، «المنتقى» ٢/ ٢٢٩.
(٤) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٦٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٦٩.
(٥) رواه الطبري ٢/ ٢٦٦. وانظر: «الاستذكار» ١١/ ٢١٥.
(٦) المصدر السابق.
(٧) انظر: «البيان» ٤/ ٨١، «روضة الطالبين» ٣/ ٤٦١، «العزيز» ٣/ ٣٤٨، «المستوعب» ٤/ ٥٦، «المبدع» ٣/ ١٢٥، «مسائل الإمام برواية الكوسج» ١/ ٥٢٥.



وداود، أن المكي لا يكره له التمتع ولا القران؛ فإن تمتع لم يلزمه دم (١).
وقال أبو حنيفة: يكرهان له، فإن خالف فعليه دم جبرًا، وهما في حق الآفقي مستحبان، ويلزمه الدم شكرًا (٢).
وقال الدوادي: وقول ابن عباس، وإباحته للناس غير أهل مكة أولى بظاهر الآية، وقال ابن عمر والحسن وطاوس: ليس لأهل مكة تمتع. حكاه ابن المنذر.
وجه قول أبي حنيفة أنهم كأهل مكة في عدم وجوب الإحرام عليهم.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أقبل من مكة، حتى إذا كان بقديد بلغه خبر من المدينة، فرجع، فدخل مكة حلالًا (٣).
فدل على أن أهل قديد كأهل مكة، وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا، روى عنه عطاء أنه كان يقول: لا يدخل أحد مكة إلا محرمًا.
وقال ابن عباس: لا عمرة على المكي إلا أن يخرج من الحرم، فلا يدخله إلا حرامًا، وإن خرج قريبًا من مكة (٤).
فهذا ابن عباس قد منع الناس جميعًا من دخول مكة بغير إحرام، فدل هذا أن من كان من غير أهل مكة فهو عنده مخالف لحكم أهل

-------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢١٦، «المنتقى» ٢/ ٢٢٩، «روضة الطالبين» ٣/ ٤٦، «العزيز» ٣/ ٣٥٤، «المستوعب» ٤/ ٥٧، «المبدع» ٣/ ١٢٧.
(٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٦٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٦٩.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٤) كتاب: الحج، من رخص أن يدخل مكة بغير إحرام، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٣، والبيهقي في «سننه» ٥/ ١٧٨ كتاب: الحج، باب: من رخص في دخولها بغير إحرام وإن لم يكن محاربًا.
(٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٣.



مكة، يوضحه قوله - عليه السلام -: «إن الله حرم مكة» (١). أفلا ترى أنه قصد بالحرمة إلى مكة دون ما سواها، فدل ذلك أن سائر الناس سوى أهلها في حرمة دخولهم إياها سواء، فثبت بذلك قول ابن عباس، وفي ثبوت ذلك ما يجب به أن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة خاصة، كما قال نافع والأعرج، لا كما قال أبو حنيفة وأصحابه. ومن الحجة لمالك: أنهم أهل القرية التي فيها المسجد، وليس أهل الحرم كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز لأهل مكة إذا أرادوا سفرًا أن يقصروا حتى يخرجوا عن الحرم كله، فلما جاز لهم القصر إذا خرجوا عن بيوت مكة، دل ذلك على أن حاضري المسجد هم أهل مكة دون الحرم. وأما قول من قال: من كان أهله دون المواقيت، فإن المواقيت ليس من هذا الباب في شيء؛ لأنها لم تجعل للناس؛ لأنها حاضرة المسجد الحرام، ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة ثمان ليال، وبعضها ليلتين، فيكون من كان دون ذي الحليفة حاضري المسجد الحرام، وبينه وبين مكة ثمان ليال، ومن كان منزله من وراء قرن بما يلي نجدًا لا يكون من حاضريه، وإنما بينه وبينها مسيرة ليلتين، وبعض أخرى، وإنما الحاضر للشيء من كان معه، ويجعل من هو أبعد حاضرًا، ومن هو أقرب ليس بحاضر. وأيضًا فقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] دال أنه المسجد الحرام بعينه، والصد إنما وقع عنه وعن البيت، فأما الحرم فلم يكن ممنوعًا منه؛ لأن الحديبية تلي الحرم، وهذا قاطع، قاله طاوس ومجاهد.
------------
(١) سيأتي برقم (١٨٣٣) من حديث ابن عباس كتاب: جزاء الصيد، باب: لا ينفر صيد الحرم.


وأما قول ابن عباس في التمتع: فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه، وأباحه للناس، غير أهل مكة، فإن مذهبه أن أهل مكة لا متعة لهم، وذلك -والله أعلم- لأن العمرة لا بد في الإحرام بها الخروج إلى الحل، ومن كان من أهل مكة فهي داره لا يمكنه الخروج عنها، وهي ميقاته للحج، وقد صرح بذلك ابن عباس فقال: يا أهل مكة، لا متعة لكم، إنما يجعل أحدكم بينه وبين مكة بطنًا واحدًا ويهل (١). وهذا مذهب أبي حنيفة، وأصحابه قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، فإن فعلوا فعليهم الدم، كما سلف (٢).
وأوجب ابن الماجشون الدم للقران دون التمتع (٣)، واعتل بأن القارن، قارن من حيثما حج، والمتمتع إنما هو المعتمر من بلده في أشهر الحج، المقيم بمكة حتى يحج، ومن كان من أهلها، فهي داره لا يمكنه الخروج منها إلى غير داره، وقد وضع الله ذلك عنه، ولم يذكر القارن وهو خطأ؛ لأنه إذا أجاز التمتع لأهل مكة فقد أجاز لهم القران، إذ لا فرق بينهما، واحتج أبو حنيفة بأن الاستثناء عنده في الآية راجع إلى الجملة، لا إلى الدم، قال: ولو رجع إلى الدم لقال ذلك على من لم يكن أهله. وقول القائل: لفلان كذا، يفيد نفي الإيجاب عليه، ولهذا لا يقال له الصلاة والصوم، وإنما يقال عليه الصلاة والصوم. واحتج لمالك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] لفظه يقتضي إباحة التمتع، ثم علق عليه حكمًا وهو الهدي، ثم استثنى في آخرها أهل مكة، والاستثناء إذا وقع بعد فعل علق عليه

------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٦٥ (٣٥٠٩).
(٢) سبق تخريج قولهم.
(٣) «الاستذكار» ١١/ ٢١٦.



حكم انصرف إلى الحكم المعلق على الفعل، لا إلى الفعل نفسه، فأهل مكة وغيرهم في إباحة التمتع الذي هو الفعل سواء، والفرق بينهم في الاستثناء يعود إلى الدم؛ لأنه الحكم المعلق على التمتع، وهذا بمنزلة قوله - عليه السلام - «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل منزله فهو آمن» (١) فلو وصله بقوله ذلك لمن لم يكن من أهل القينتين، أو لغير ابن خطل، لم يكن ذلك الاستثناء عائدًا إلا إلى الأمر، لا إلى الدخول، ولا يكون سائر الناس ممنوعين من دخول منازلهم، ومنزل أبي سفيان، بل إن دخلوا فلهم الأمان كلهم، إلا من استثنى.
وقوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] لو تجرد من تمامه لم يعد، كقولك: زيد. لا يفيد بانفراده حتى تخبر عنه بقائم أو قاعد أو غيره، فكذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ لا يفيد شيئًا حتى تخبر عن حكمه.
وقوله ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الحكم الذي به تتم الفائدة، والفوائد إنما هي في الأحكام المعلقة على أفعال العباد، لا على أسمائهم، ومثله ﴿فَسَجَدَ المَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ معناه: فإنه لم يسجد، فلم تكن الفائدة في الاستثناء راجعة إلا إلى نفي السجود الذي به يتم الكلام، وإنما أوجب الله الدم على المتمتع غير المكي؛ لأنه كان عليه أن يأتي محرمًا بالحج من داره في سفره، والعمرة في سفرتان، فلما تمتع بإسقاط أحد السفرين، أوجب الله عليه الهدي، فكذلك القارن
هو في معناه لإسقاط أحد السفرين، ودلت الآية على أن أهل مكة بخلاف هذا المعنى؛ لأن إهلالهم بالحج خاصة من مكة، ولا خروج

--------------
(١) رواه مسلم (١٧٨٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* "رحلة الحج إلى بيت الله الحرام" للعلامة الشنقيطي: فوائد وملح
* فضل الحج والعمرة
* "رحلة المشتاق: الحج والعمرة"
* وليال عشر
* فضل الحج وفوائده
* من مستويات النص الأدبي: الوضوح
* المصطلح العربي في الأدب العبري الأندلسي من خلال كتاب إصلاح الأخلاق لسليمان بن جبيرول

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس