عرض مشاركة واحدة
قديم 06-24-2026, 09:37 PM   #314

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 231 الى صـــ 250
الحلقة (314)






قُلْتُ: يعارض بالإفراد كما أسلفناه، ثم قال: واختيارنا قولٌ، واختيار غيرنا فعل، وعند التعارض يجب تقديم القول لاحتمال اختصاصه دون غيره (١).
قلتُ: القول ما دل لمصلحة سلفت، ثم قال: فإن قيل: فقد قال أبو ذر في «صحيح مسلم»: كانت متعة الحج لأصحاب محمد خاصة (٢)، قلنا: هذا قول صحابي يخالف الكتاب والسنة والإجماع، وقول من هو خير منه، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا عام، وأجمع المسلمون على إباحة التمتع في جميع الأعصار، وإنما اختلفوا في فضله، وأما السنة فحديث سراقة: المتعة لنا خاصة أو هي للأبد؟ قال: «بل هي للأبد» وحديث جابر في مسلم في صفة الحج نحو هذا (٣)، ومعناه، [أن] (٤) أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتع ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فبين الشارع أن الله قد شرعها في أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة (٥) رواه سعيد بن منصور من قول طاوس، وزاد فيه: فلما كان الإسلام أمر الناس أن يعتمروا في أشهر الحج، فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة.
قُلْتُ: كأنه أشار إلى تفرد أبي ذر بذلك، وليس كذلك، بل توبع عليه في حديث مرفوع صحيح أخرجه أبو داود من حديث الدراوردي، عن

-------------
(١) المصدر السابق ٥/ ٨٨.
(٢) «صحيح مسلم» (١٢٢٤) كتاب: الحج، باب: جواز التمتع.
(٣) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب حجة النبي - ﷺ -.
(٤) في الأصل (و) والمثبت من «المغني» ٥/ ٨٩.
(٥) المصدر السابق ٥/ ٨٨ - ٨٩.



ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه بلال ابن الحارث قُلْتُ: يا رسول الله، فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «بل لنا خاصة» إسناده صحيح (١).
وقد صحح الحاكم حديثه في المعادن القبلية بهذا الإسناد (٢)، وضعف أحمد حديث الحارث بن بلال، وقال: هو ليس بمعروف، ولم يرو عنه عمر بن ربيعة (٣). والأحاديث الصحاح لا ترد بمثل هذا، وقد تقدمت.
وفي كتاب «الصحابة» لابن البرقي: أخبرنا ابن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر، ثنا كثير بن عبد الله المزني، عن بكير بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن هلال صاحب رسول الله - ﷺ - قال: ليس لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخ بعمرة. هذا إسناد حسن على شرط الترمذي في تحسينه حديث كثير (٤).
وعند البزار: حَدّثَنَا عمر بن الخطاب، ثنا الفريابي، ثنا أبان بن أبي حازم، حَدَّثَني أبو بكر بن حفص، عن ابن عمر أنه قال: يا أيها الناس، إن رسول الله - ﷺ - أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا. وقال هذا

-----------
(١) «سنن أبي داود» (١٨٠٨) كتاب: المناسك، باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، وضعفه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» ٣/ ٤٩ (١٠٠٣) قائلًا: هذا سنده ضعيف، فإن الحارث هذا لم يوثقه أحد. وكذا في «ضعيف أبي داود» (٣١٥) وذكر أنه ضعفه غير واحد.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٠٤ كتاب: الزكاة.
(٣) انظر «بحر الدم» فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم ص ١٠٢.
(٤) أخرج له الترمذي في «السنن» حديث رقم (٤٩٠)، (٥٣٦)، (١٣٥٢)، (٢٦٣٠)، (٢٦٧٧).



الحديث لا نعلم له إسنادًا عن عمر أحسن من هذا الإسناد (١).
قُلْتُ: قد يقال إن هذِه متعة النكاح. وفي «الاستذكار» قال عثمان بن عفان: متعة الحج كانت لنا. قال أبو عمر: يعني أمر النبي - ﷺ - الصحابة عام حجة الوداع بفسخ الحج (٢). قال أبو عمر: وقاله أيضًا ابن عباس. يعني: كقول عثمان.
ثم ما عزاه إلى «سنن سعيد بن منصور» من قوله: «فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة» هو في مسلم من حديث ابن عباس (د. س) (٣) وجابر الطويل (٤)، وإن كان أبو داود قال في حديث ابن عباس: منكر، إنما هو من قول ابن عباس (٥)، فإن فيه نظرًا. ولابن ماجه من حديث سراقة (٦)، ثم قال ابن قدامة: وقد خالف أبا ذر علي وسعد وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين، وسائر الصحابة، وسائر المسلمين. قال عمران: تمتعنا مع رسول الله - ﷺ -، ونزل فيه القرآن، فلم ينهنا عنه رسول الله - ﷺ -، ولم ينسخها شيء قال فيها رجل برأيه ما شاء. أخرجاه (٧). وقال سعد بن أبي وقاص: فعلناها مع رسول الله - ﷺيعني المتعة- وهذا -يعني الذي نهى عنها- يومئذ

-----------
(١) «مسند البزار» ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (١٨٣).
(٢) «الاستذكار» ١١/ ٢١٢.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٤١) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج.
(٤) «صحيح مسلم» (١٢١٨) باب: حجة النبيﷺ -.
(٥) «سنن أبي داود» (١٧٩٠) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج.
(٦) «سنن ابن ماجه» (٢٩٧٧) كتاب: المناسك، باب: التمتع بالعمرة إلى الحج، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» ٢/ ١٦٦ (٢٤١١).
(٧) سيأتي برقم (١٥٧١) باب: التمتع، ورواه مسلم (١٢٢٦) كتاب: الحج، باب: جواز التمتع.



كافر بالعُرُش. يعني بيوت مكة (١). أخرجه مسلم (٢). أي: مقيم في بيوت مكة، يقال: أكفر الرجل إذا لازم الكفور، وهي القرى، وإنما أوله بذلك؛ لأنه كان إذ ذاك مسلمًا، وكاتبًا للوحي، وحمله عياض وغيره على عمرة القضاء (٣)، والصواب الأول، وهو ما أوله المازري (٤) وغيره. ثم قال: فإن قيل: فقد روى أبو داود عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من الصحابة أتى عمر فشهد عنده أنه سمع رسول الله - ﷺ - ينهى عن [المتعة] (٥) قبل الحج (٦)، قلنا: هذِه حالة مخالفة للكتاب والسنة والإجماع كحديث أبي ذر، بل هو أدنى حالًا منه، فإن في إسناده مقالًا، ثم قال: فإن قيل: فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية (٧).
قلنا: قد أنكر عليهم علماء الصحابة، وخالفوهم في فعلها، والحق مع المنكرين عليهم دونهم، وقد سبق إنكار علي على عثمان، واعتراف عثمان له، وقول سعد وردهم عليهم بحجج لم يكن عنها جواب. قال عمر: إني لأنهاكم عنها، وإنها لفي كتاب الله، وصنعها رسول الله - ﷺ - (٨). وسئل سالم: أنهى عمر عن المتعة؟ قال: لا والله ما نهى عنها عمر، ولكن نهى عنها عثمان. وسئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل: إنك تخالف أباك. فقال: إن عمر لم يقل

---------------
(١) «المغني» ٥/ ٨٩ - ٩٠.
(٢) «صحيح مسلم» (١٢٢٥) باب: جواز المتعة.
(٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٩٩.
(٤) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٣٤٦.
(٥) في «سنن أبي داود» و«المغني»: العمرة.
(٦) «سنن أبي داود» (١٧٩٣).
(٧) مسلم (١٢٢٤، ١٢٢٥) باب: جواز التمتع.
(٨) رواه النسائي ٥/ ١٥٣ كتاب: مناسك الحج، باب: التمتع.



الذي يقولون (١). هذا آخر كلامه، وما ذكره عن عمر فيه نظر، كيف ينهى عنها وهي في كتاب الله، وكان وقافًا عنده وعند السنة. وما حكاه عن سالم -إن كان صحيحًا عنه- فهو رد لما ذكره عن عمر، وكذا لما ذكره عن أبيه، وقد قال ابن حزم: إنَّ عمر رجع عن ذَلِكَ. يؤيده ما رواه الترمذي محَسّنًا عن ابن عباس: تمتع رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من نهى عنها معاوية (٢). وفي «سنن الكجي» من حديث ليث عن طاوس: تمتع النبي - ﷺ - حَتَّى مات، وأبو بكر حَتَّى مات، وعمر حَتَّى مات. فدل أن ما ورد عن عمر وعثمان في هذا محمول على غير متعة الحج.
قال ابن حزم: أما حديث نهي عمر، فإنما هو في متعة النساء بلا شك؛ لأنه صح عنه الرجوع إلى القول بهما في الحج (٣). وقال أبو عمر: إنما نهى عمر عند أكثر العلماء عن فسخ الحج في العمرة، هذِه هي التي نهى عنها (٤). وقوله: في إسناده مقال. ليس كذلك، وتبع فيه الخطابي (٥)، فإن رجاله كلهم ثقات، وأبو عيسى الخراساني اسمه سليمان بن كيسان، وثقه ابن حبان وابن خلفون، وعبد الله بن القاسم وثقاه، فصيح قارئ (٦).

------
(١) رواه البيهقي ٥/ ٢١ كتاب: الحج، باب: كراهية من كره القران والتمتع، وذكره ابن قدامة في «المغني» ٥/ ٩٠.
(٢) الترمذي (٨٢٢).
(٣) «المحلى» ٧/ ١٠٧.
(٤) «الاستذكار» ١١/ ٢١١ - ٢١٢.
(٥) «معالم السنن» ٢/ ١٤٣.
(٦) انظر: «الجرح والتعديل» ٤/ ١٣٧ (٦٠٢)، و«الثقات» ٦/ ٣٩٢، و«تهذيب الكمال» ٣٤/ ١٦٧ - ١٦٨ (٧٥٥٩).



وقوله: (رجل من الصحابة): لا تضر جهالته، وادعى المنذري أن سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر (١)، وليس كذلك، فقد صح سماعه منه (٢) ينعي النعمان (٣)، وهذا الحديث لم يروه عنه إنما رواه بواسطة، ثم إنه اقتصر على أحاديث الفسخ على حديث أبي موسى وابن عباس وجابر وعائشة، وترك ما ذكره خطاب بن بشر الوراق في كتاب «المسائل عن أحمد» أنه قال: روى عشرة من الصحابة أن النبي - ﷺ - أمرهم بفسخ الحج. قال أحمد: والخبر الذي روي أنه كان لهم خاصة ليس بالصحيح، وهذِه أخبار صحاح. وفي أبي داود من حديث فاطمة -ورآها علي قد لبست ثيابًا صبيغًا-: مالك؟ قالت: إن رسول الله - ﷺ - قد أمر أصحابه فأحلوا. رواه أبو داود (٤)، وصححه ابن حزم (٥)، وأخرج الشيخان عن ابن عمر: تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. وفيه: قال للناس لما قدم مكة: «من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليحلل» (٦) ولهما عن حفصة: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت؟ الحديث (٧).
---------
(١) «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٣١٧.
(٢) ورد بهامش الأصل: أثبت سماعه منه أحمد، ونفاه يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، ورجح هذا.
(٣) ورد في الأصل أسفلها: يعني ابن مقرن.
(٤) «سنن أبي داود» (١٧٩٧) كتاب: المناسك، باب: في الإقران.
(٥) «حجة الوداع» ص ٤٣٢.
(٦) سيأتي برقم (١٦٩١) كتاب: الحج، باب: من ساق البدن معه، «صحيح مسلم» (١٢٢٧) كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع.
(٧) سيأتي برقم (١٧٢٥) باب: من لبد رأسه، «صحيح مسلم» (١٢٢٩) كتاب: الحج، باب: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد.



ولأبي داود على شرط مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه: قال سراقة: يا رسول الله، اقض لنا قضاء، وفيه: فقال: «إن الله -عز وجل- قد أدخل عليكم في حجكم عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل، إلا من كان معه هدي» (١) ولمسلم عن أسماء قالت: خرجنا محرمين مع رسول الله - ﷺ -، فقال: «من لم يكن معه هدي فليحلل». الحديث (٢)، وله أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة (٣).
ولابن ماجه بإسناد على شرط الشيخين من حديث أبي إسحاق عن البراء بن عازب، خرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: «اجعلوا حجكم عمرة» (٤) قال الترمذي: سألت البخاري عنه فكأنه لم يعده محفوظًا، والصحيح عن أبي إسحاق عن سعيد (بن ذي حدان) (٥) عن سهل بن حنيف (٦)، وذكره ابن حزم من حديث معقل بن يسار، وسلف حديث سراقة، وحديث أنس وعلي السالف. قال

---------------
(١) «سنن أبي داود» (١٨٠١) كتاب: المناسك، باب: في الإقران، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» على شرط مسلم برقم (١٥٨٠).
(٢) «صحيح مسلم» (١٢٣٦) باب: ما يلزم من طاف بالبيت.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٤٧) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة.
(٤) «سنن ابن ماجه» (٢٩٨٢) كتاب: المناسك، باب: فسخ الحج، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٧٥٣).
(٥) في الأصل: سعيد بن حُدَّان، والصواب ما أثبتناه من مصادر التخريج، وهو: سعيد بن ذي حدان: كوفي، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: ربما أخطأ، وقال ابن حجر في «تقريبه» كوفي مجهول من الثالثة.
انظر: «الثقات» ٤/ ٢٨٢، و«تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٢٤ (٢٢٦٦)، و«تقريب التهذيب» ص ٢٣٥ (٢٣٠٠).
(٦) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٩٦.



أبو محمد بن حزم: خمسة عشر صحابيًّا رووه عن رسول الله - ﷺ - بأوكد أمر، ورواه عنهم نيف وعشرون من التابعين، ورواه عن هؤلاء من لا يحصيه إلا الله تعالى، فلم يسع أحد الخروج عن هذا (١)، وما ذكره عن عمران بن حصين، وقال في آخره: أخرجاه، يحتاج إلى تثبت؛ فإن لفظ مسلم عن مطرف بن عبد الله قال عمران: أحدثك بحديث عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله - ﷺ - جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنها حَتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه (٢). وفي لفظ: قال فيها رجل برأيه ما شاء (٣).
وللبخاري: تمتعنا على عهد النبي - ﷺ -، ونزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء (٤). وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي الضحى قال: سألت علقمة عن المتعة في الحج، فقال: ما شعرت أن أحدًا يفعلها. ومن حديث ابن سيرين أنه كان لا يرى المتعة قبل الحج، ويقول ابتدأ بالحج واعتمر.
ومن حديث هشام عن أبيه أنه قال: إنما المتعة للمحصر، وتلا قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ الآية (٥) [البقرة: ١٩٦]، وكذا ذكره أبو عمر عن ابن الزبير (٦)، قال أبو عمر: ومن معنى التمتع أيضًا القرآن عند جماعة العلماء، والتمتع والقران يتفقان في سقوط سفره الثاني من

------------
(١) «المحلى» ٧/ ١٠٣.
(٢) مسلم ١٢٢٦/ ١٦٧.
(٣) مسلم ١٢٢٦/ ١٦٨.
(٤) سيأتي برقم (١٥٧٢).
(٥) «المصنف» ٣/ ٢٢٢ (١٣٧١٣ - ١٣٧١٤) كتاب: الحج، باب: من كره المتعة.
(٦) «الاستذكار» ١١/ ٢١١.



بلده، كما صنع المتمتع بحله من عمرة إذا حج من عامه، وكذلك يتفقان عند أكثر العلماء في الهدي لمن لم يجد هديًا (١).
وقال ابن العربي في «مسالكه»: التمتع على أربعة أوجه: المعروف عند عامة العلماء، وهو ما رواه مالك عن ابن دينار، والقران عند جماعة من العلماء، وفسخ الحج إلى العمرة، وجمهور العلماء يكرهونه، وما ذهب إليه ابن الزبير وهو المحصر.
وقال المهلب: أشكلت الأحاديث على الأئمة، وصعب تخليصها، ونفي التعارض عنها، وكلُّ ركب في توجيهها غير مذهب صاحبه، واختلفوا في الإفراد والتمتع والقران أيها أفضل؟ وفي الذي كان به النبي - ﷺ - محرمًا من ذَلِكَ؟ فذهبت طائفة إلى أن إفراد الحج أفضل، هذا قول مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة والأوزاعي وعبيد الله بن الحسن، وهو أحد أقوال الشافعي، وبه قال أبو ثور (٢)، وممن روى أن النبي - ﷺ - أفرد الحج جابر وابن عباس وعائشة، وبهذا عمل
الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة وابن مسعود بعد النبي - ﷺ -.
وقال أبو حنيفة والثوري: القران أفضل، وبه عمل النبي - ﷺ - (٣)، واحتجوا بحديث أنس أن النبي - ﷺ - لما استوت به راحلته على البيداء أهلّ بحج وعمرة (٤)، وهو مذهب علي وطائفة من أهل الحديث، وأجازه الطبري. وقال أحمد بن حنبل: لا شك أن النبي - ﷺ - كان

-----------
(١) «الاستذكار» ١١/ ٢٠٩.
(٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ١٢٧ - ١٢٩، «المجموع» ٧/ ١٤٣.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٣، «البناية» ٤/ ١٨٣.
(٤) سبق تخريجه.



قارنًا، قال: والتمتع أحب إليَّ (١)؛ لقول النبي - ﷺ -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» (٢) وقال آخرون: التمتع أفضل. وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وبه قال عطاء، وهو أحد أقوال الشافعي، وإليه ذهب أحمد (٣)، واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - تمتع في حجة الوداع (٤). وبقول حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك (٥)؟
قال ابن بطال: وأما ما جاء من اختلاف ألفاظ حديث عائشة مما يوهم القرآن والتمتع، فليس ذَلِكَ بموهن للإفراد؛ لأن رواة حديث الحج عنها الأسود وعمرة والقاسم وعروة، فأما الأسود وعمرة فقالا عنها: خرجنا لا نرى إلا الحج. وقال أبو نعيم في حديثه: مهلين بالحج. وقال القاسم عنها: خرجنا في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج. وفي رواية «الموطأ» عن القاسم، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج (٦). وكذلك صرح عروة عنها أنه أفرده، ويشهد لصحة روايتها بالإفراد أن جابرًا وابن عباس روياه عن رسول الله - ﷺ -، فوجب رد ما خالف الإفراد من حديث عائشة، إلى معنى الإفراد؛ لتواتر الرواية به عن رسول الله - ﷺ -.

----------
(١) انظر: «الفروع» ٣/ ٣٠١، «كشاف القناع» ٢/ ٣٧٦.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٢٩) كتاب: التمني، باب: قول النبي - ﷺ -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت».
(٣) انظر: «المغني» ٥/ ٨٢، «المبدع» ٣/ ١١٩.
(٤) سيأتي برقم (١٦٩١)، ورواه مسلم (١٢٢٧).
(٥) يأتي برقم (١٥٦٦)، ورواه مسلم (١٢٢٩).
(٦) «الموطأ» ص ٢٢١.



قال الطحاوي: وروى مالك وجماعات عددهم عنها أن إحرامها كان بحجة. زاد حماد وغيره عن مالك: فأمرهم لما قدموا مكة أن يجعلوها عمرة. وكذلك في رواية عمرة والأسود موافقة القاسم عن
عائشة بالإفراد.
وقولها: (لا نرى إلا الحج). إنما هو على معنى لا نعرف إلا الحج؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره.
قال: والأشبه عندي أن يكون إحرامه كان بالحج خاصة، لا بهما؛ لأنه قد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولا يجوز أن يكون أمرهم بذلك وهم في حرمة عمرة أخرى؛ لأنهم يرجعون بذلك إلى أن يصيروا في حرمة عمرتين، وقد أجمع المسلمون على المنع من ذَلِكَ، ومحال عندنا أن يجمعوا على خلاف من أمر رسول الله - ﷺ -، مما لم يكن مخصوصًا به، وما لم يفسخ بعد فعله إياه. قال المهلب: وقد أشكل حديث عائشة على أئمة الفتوى، فمنهم من أوقف الاضطراب فيه عليها، ومنهم من جعل ذَلِكَ من قبل ضبط الرواة عنها، ومعناه يصح -إن شاء الله- بترتيبه على مواطنه، ووقت إخبارها عنه في المواضع التي ابتدأ الإحرام منها، ثم أعقب حين دنا من مكة بما أمر من لم يسق الهدي بالفسخ، فأما حديث الأسود عن عائشة فإنها ذكرت فيه البدأة، وأنها أهلَّت بحجة مفردة بذي الحليفة، وأهلَّ الناس كذلك، ثم لما دنوا من مكة أمر من لم يكن ساق الهدي أن يجعلها عمرة، إذ أوحى الله إليه بتجويز الاعتمار في أشهر الحج، فُسحة منه تعالى لهذِه الأمة، ورحمةً لهم بإسقاط أحد السفرين عنهم، وأمر من لم يكن معه هدي بالإحلال بعمرة؛ ليُري أمته جوازها، ويعرفهم بنعمة الله تعالى


عليهم عيانًا وعملًا بحضرة النبي - ﷺ -. وفي حديث عروة عن عائشة ذكرت أنهم كانوا في إهلالهم على ضروب: من مهل بحج، بعمرة، بهما، فأخبرت عما آل أمر المحرمين، واختصرت ما أهلوا به في ابتداء إحرامهم، ولم تأت بالحديث على تمامه كما جاء في حديث عمرة عنها، فإنها ذكرت إحرامهم في الموطنين، ولذلك قال القاسم: أتتك بالحديث على وجهه، يريد أنها ذكرت الابتداء بالإحرام والانتهاء إلى مكة، وأول حدودها سرف، وما أمر به من الفسخ بعمرة.
قال الطحاوي: ودل حديث عروة أنهم عرفوا العمرة في أشهر الحج بما عرفهم به رسول الله - ﷺ -، وأمرهم به بعد قدومه مكة.
واحتج من قال بالإفراد، بقول مالك: إذا جاء عن النبي - ﷺ - حديثان مختلفان، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحدهما وتركا الآخر، فإن في ذَلِكَ دلالة على أن الحق فيما عملا به (١). وقال الزهري: بلغنا أن عمر قال في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أنه قال: من تمامها أن تفرد كل واحدة من الأخرى. وقال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون قال: حدثني الثقات من علماء المدينة وغيرهم، أن أول ما أقيم للناس الحج سنة ثمان، مرجع رسول الله - ﷺ - من حنين، فاستخلف رسول الله - ﷺ - على مكة عتَّاب بن أسيد، وأفرد الحج، ثم حج أبو بكر بالناس سنة تسع فأفرد، ثم قبض رسول الله - ﷺ - فاستخلف أبو بكر، فأفرد الحج خلافته سنتين، ثم ولي عمر، فلم يشك أحد أن عمر أفرده عشر سنين، وولي عثمان فأفرده اثنتى عشرة سنة (٢).

------------
(١) انظر: «التمهيد» ٩/ ٢٠٧.
(٢) رواه الدارقطني عن ابن عمر ٢/ ٢٣٩ كتاب: الحج، باب: المواقيت، والبيهقي ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢ باب: تأخير الحج.



قال: وحَدَّثَني ابن أبي حازم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن عليًّا أفرد الحج، وأفرد ابن عمر ثلاثين سنة متوالية، ما تمتع ولا قرن، إلا عامًا واحدًا. وأفردت عائشة كل عام حَتَّى توفيت. قال: فعلمنا أن الإفراد هو الذي فعل رسول الله - ﷺ - كاليقين؛ لأنا نعلم بفعل أصحابه بعده -وهم بطانته- أنهم لا يتركون ما فعل. وهكذا قال المدنيون والمصريون من أصحاب مالك. وأما نهي عثمان عن المتعة والقران، وإهلال علي بهما، فإن عثمان اختار ما أخذ به رسول الله - ﷺ - في خاصة نفسه، وما أخذ به أبو بكر وعمر، ورأى أن الإفراد عنده أفضل من القران والتمتع.
والقران عند جماعة من العلماء في معنى التمتع؛ لاتفاقهما في المعنى، وذلك أن القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني من بلده، كما يصنع المتمتع، وكذلك يتفقان في الهدي والصوم لمن لم يجد هديًا عند أكثر العلماء. قال المهلب: وأما قول من اختار القران؛ لأنه الذي فعل رسول الله - ﷺ -، فإنه يفسر من وجهين:
أحدهما: توهين قول أنس فيما رواه عنه مروان الأصفر أنه - عليه السلام - قال لعلي: «لولا أن معي الهدي لأحللت» (١) فبان بهذا أنه - عليه السلام - لم يكن قارنًا؛ لأن القارن لا يجوز له الإحلال، كان معه هدي أو لم يكن، وهذا إجماع.
ثانيهما: أن التمتع والقران رخصتان، والإفراد أصل، ومحال أن تكون الرخصة أفضل من الأصل؛ لأن الدم الذي يدخل في التمتع والقران جبران، وهو يجب لإسقاط أحد السفرين، أو لترك شيء من

--------------
(١) سلف برقم (١٥٥٨) باب: من أهل في زمن النبي كإهلال النبي - ﷺ -.


الميقات؛ لأنه لو لم يقرن وأتى بكل منهما منفردًا بعد أن لا تكون العمرة فعلت في أشهر (١) الحج وأتى بكل واحدة من ميقاتها لما وجب عليه دم.
وقد أنكر القران على أنس عائشةُ وابنُ عمر وجعلاه من وهمه، وقد سلف.
وأما حجة من قال بالتمتع، وأنه - عليه السلام - كان متمتعًا: فحديث ابن عمر، فهي مردودة بما رواه البخاري في حديث ابن عمر بما يرد به على نفسه، وقد سلف من المغازي من البخاري. وأيضًا قوله - عليه السلام - في حديث عائشة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» (٢).
وهذا نص قاطع أنه لم يُهل بعمرة، وليس في قوله «استقبلت» إلى آخره: دليل على أن التمتع أفضل من القران كما زعم أحمد (٣)، وإنما قال ذلك تطييبًا لقلبهم- كما سلف، وسيأتي ما روي عن عروة عن عائشة بما يوهم أنه - عليه السلام - تمتع، في باب: من ساق الهدي معه (٤) -إن شاء الله- وبيان الشبهة فيه. وأما قول الناس لأبي شهاب حين قدم مكة متمتعًا: تصير حجتك الآن مكية (٥). فمعناه: أنه ينشئ حجة من مكة إذا فرغ من تمتعه، كما ينشئ أهل مكة الحج من مكة؛ لأنها ميقاتهم للحج، إلا أن غير أهل مكة إن حلوا من العمرة في أشهر الحج، أنشئوا الحج من عامهم دون أن يرجعوا إلى أفقهم، أو أفق مثل أفقهم في

-----------
(١) في الأصل: شهر، وصوبه في الهامش: أشهر.
(٢) سيأتي برقم (١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها.
(٣) انظر: «المغني» ٥/ ٨٤.
(٤) سيأتي برقم (١٦٩٢) باب: من ساق البدن معه.
(٥) سيأتي برقم (١٥٦٨).



البعد، فعليهم في ترك ذلك الدّم، ولو خرج إلى الميقات بعد تمام العمرة؛ ليهل بالحج منه لم يسقط ذلك عنه الدم -عند مالك وأصحابه- إلا أن يكون الميقات أفقه، أو مثل أفقه (١).
وأما حديث حفصة وقولها: (ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟) فإنه يوهم إهلاله بالعمرة وأنه تمتع؛ لأن الإحلال كان لمن تمتع، وهو وهم فاسد.
وذكر (عمرتك) في الحديث وتركها سواء؛ لأن المأمورين بالحل هم المحرمون بالحج؛ ليفسخوه في عمرة، ويستحيل أن يأمر بذلك المحرمين بعمرة؛ لأن المعتمر يحل بالطواف والسعي، والخلاف لا شك فيه عندهم، وقد اعتمروا معه عُمَرًا، وعرفوا حكمها في الشريعة، فلم يكن يعرفهم بشيء في علمهم، بل عرفهم بما أحله الله لهم في عامهم ذلك من فسخ الحج في عمرة، لما أنكروه من جواز العمرة في زمن الحج.
وللعلماء في قول حفصة: (ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟) ضروب من التأويل، فقال بعضهم: إنما قالت ذلك؛ لأنها ظنت أنه - عليه السلام - فسخ حجه بعمرة، كما أمر بذلك من لا هدي له من أصحابه، وهم الأكثر، فذكر لها العلة المانعة من الفسخ، وهي سوقه الهدي، فبان أن الأمر ليس كما ظنت، وقيل: معناه: ما شأن الناس حلوا من إحرامهم ولم تحل أنت من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنية واحدة. بدليل قوله «لو استقبلت من أمري ما استدبرت» الحديث (٢)

-------------
(١) انظر: «التفريع» ١/ ٣١٩، «عيون المجالس» ٢/ ٧٩٠، «الذخيرة» ٣/ ٢٠٨.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.



فعلم بهذا أنه لم يحرم بعمرة، وهو قول ابن القصار. وقيل معناه: لِمَ لمْ تحل من حجك بعمرة كما أمرت أصحابك؛ وقالوا: قد تأتي (من) بمعنى: الباء، كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١]،
أي: بأمر الله. تريد ولم تحل أنت بعمرة من إحرامك الذي جئت به مفردًا في حجك.
وأما قول ابن عباس لأبي جمرة في المتعة: هي السنة. فمعناه: أن كل ما أمره النبي - ﷺ - بفعله فهو سنة، وكذلك معنى قول علي لعثمان في القران: ما كنت أدع سنة النبي - ﷺ - لقول أحد. يعني سنته التي أمر بها؛ لأنه - عليه السلام - فعل في خاصته غيرها وهو الإفراد.
وأما فسخ الحج في عمرة فهو في حديث عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم. والجمهور على تركه، وأنه لا يجوز فعله بعد رسول الله - ﷺ -، وليس لأحد دخل في حجة أن يخرج منها إلا بتمامها، ولا يحله منها شيء قبل يوم النحر من طواف، ولا غيره، وإنما أمر به أصحابه؛ لينسخ ما كان عليه أهل الجاهلية بما سلف؛ لأنه خشي حلول أجله قبل حجة أخرى فيجعلها عمرة في أشهر الحج، فلما لم يتسع له العمر بما استدل عليه من كتاب الله من قرب أجله أمرهم بالفسخ، وأحل لهم ما كانت الجاهلية تحرمه من ذلك.
وقد قال أبو ذر: ما كان لأحدٍ بعدنا أن يحرم بالحج، ثم يفسخه في عمرة. وروي ذلك عن عثمان. وعن عمر أنه قال: إن الله يخص نبيه بما شاء، وإنه قد مات، فأتموا الحج والعمرة لله. وقال جابر: المتعتان فعلناهما على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم نهى عمر عنهما، فلن نعود إليهما -يعني: فسخ الحج ومتعة النساء- ثم ذكر حديث الحارث بن بلال السالف.


قال الطحاوي: لا يجوز للصحابة أن يقولوا هذا بآرائهم، وإنما قالوه من جهة ما وقفوا عليه؛ لأنهم لا يجوز لهم ترك ما فعلوه مع رسول الله - ﷺ - من الفسخ إلا بتوقيف منه إياهم على الخصوصية بذلك، ومنع من سواهم منه، فثبت أن الناس جميعًا بعدهم ممنوعون من الخروج من الحج إلا بتمامه، إلا أن يصدوا (١)، ووجه ذلك من طريق النظر: أنه من أحرم بعمرة فطاف لها وسعى، أنه قد فرغ منها، وله أن يحلق ويحل إذا لم يكن ساق هديًا، ورأيناه إذا ساقه لمتعته، فطاف لعمرته وسعى لم يحل حتى يوم النحر، فيحل منها ومن حجته إحلالًا واحدًا، فكان الهدي الذي ساقه لمتعته التي لا يكون عليه فيها هدي إلا بأن يحج، يمنعه من أن يحل بالطواف إلا يوم النحر؛ لأن عقد إحرامه هكذا، كان، أن يدخل في عمرة فيتمها فلا يحل منها حتى يحرم بحجة، ثم يحل منها ومن العمرة التي قدمها قبلها معًا، وكانت العمرة لو أحرم منها منفردة حل منها بعد فراغه من تلك العمرة بقي على إحرامه إلى يوم النحر، فلما كان الهدي الذي هو من سبب الحج يمنعه الإحلال بالطواف بالبيت قبل يوم النحر، كان دخوله في الحج أولى وأحرى أن يمنعه من ذلك إلى يوم النحر.
---------------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٩٤ - ١٩٦، وحديث الحارث بن بلال رواه أيضًا أبو داود (١٨٠٨) كتاب: المناسك، باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، والنسائي ٥/ ١٧٩ كتاب: مناسك الحج، باب: إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، وابن ماجه (٢٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: من قال كان فسخ الحج لهم خاصة، وأحمد ٣/ ٤٦٩، والطبرانى ١/ ٣٧٠ (١١٣٨)، وضعفه الألباني في: «الضعيفة» ٣/ ٤٩ (١٠٠٣) وقد تقدم.


قال ابن بطال: ولم يجز فسخ الحج أحد من الصحابة إلا ابن عباس، وتابعه أحمد وأهل الظاهر، وهو شذوذ من القول، والجمهور الذين لا يجوز عليهم تحريف التأويل هم الحجة التي يلزم اتباعها (١).
الحديث الثاني:
حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ .. الحديث، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وسلف فقهه.
وقولها: (فمنا من أهلَّ بعمرة). قيل معناه: فسخ الحج، وقيل: على ظاهره.
وقولها: (وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج). هو صريح في الإفراد، وقد سلف الاختلاف فيه. قال ابن التين: وعائشة أقعد الناس برسول الله - ﷺ - وأعلمهم بما كان عليه، لا سيما وقسمته ثلاثة أقسام.
وقولها: (حتى كان يوم النحر). أي: لأنه أول وقت تحلل الحج.
الحديث الثالث:
حديث مروان بن الحكم: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأى عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةِ وَحَجَّةٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِقَوْلِ أَحَدٍ.
وهو من أفراده، وأخرجا من حديث سعيد بن المسيب قال: اجتمع عثمان وعلي بعسفان، فكان عثمان ينهي عن المتعة أو العمرة، فقال

------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٤٢ - ٢٥١ بتصرف وانظر: «المغني» ٥/ ٩٨، «الفروع» ٣/ ٣٣٥، «المحلى» ٧/ ٩٩.
(٢) «صحيح مسلم» (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز (١١٨) إفراد الحج والتمتع والقران.



عليٌّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه؛ (قال عثمان) (١): دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك، أهل بهما جميعًا. لم (يقل) (٢) البخاري: دعنا. إلى، أدعك (٣). ولهما (٤) عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، فقال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله - ﷺ -، فقال: أجل، ولكنا كنا خائفين (٥)، وقد سلف تأويل ذلك.
قال ابن التين: إنما نَهْيُ عثمان عن القرآن يحمل على ما سمع منه على إرداف الحج على العمرة. وقال أبو الوليد: لم يكن علي محرمًا بعمرة، وإنما قرن ابتداءً، وخالفه أيضًا في أنه لم ينه عن ذلك، وإنما أراد أن الإفراد أفضل فقط، وإظهار علي القران؛ ليظهر ما نواه منه، وقد اختلف العلماء في النطق بنفس النسك، فروي عن ابن عمر أنه كان يرى ترك التسمية، وقال: أليس الله يعلم ما في نفسك (٦)؟ وروي عن عائشة التسمية، وعن عطاء: لا تجزئه النية (٧).

-----------
(١) ليست في الأصل.
(٢) في (م): يخرج.
(٣) سيأتي برقم (١٥٦٩)، ورواه مسلم (١٢٢٣/ ١٥٩).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: إنما هو في مسلم فقط.
(٥) رواه مسلم (١٢٢٣/ ١٥٨) كتاب: الحج، باب: جواز التمتع.
(٦) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» ٥/ ٤٠ كتاب: الحج، باب: من قال: لا يسمي في إهلاله حجًّا ولا عمرة وأن النية تكفي منهما، وفي «معرفة السنن والآثار» ٧/ ١٢٥ (٩٥٣٢) كتاب: المناسك، هل يسمي الحج أو العمرة عند الإهلال.
(٧) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣٣٥ (١٤٨٤١) كتاب: المناسك، من كان يقول: إذا أردت الحج فلا تسم شيئًا؛ لكنه بلفظ: تجزئه النية.



وقوله: (ما كنت لأدع ..) إلى آخره. يحتمل أن يريد ما فعله، وأن يريد ما أذن فيه؛ لأن من أمر بشيء كان كفاعله.
وفيه: ما كان عليه عثمان من الحكم أنه لا يلوم مخالفه.
وفيه: أن القوم لم يكونوا يسكتون عن قول يرون أن غيره أمثل منه إلا بينوه.
وفيه: أن طاعة الإمام إنما تجب في المعروف.
الحديث الرابع:
حديث ابن طاوس عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَر، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. قَدِمَ رسول الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الحِلِّ؛ قَالَ: «حِلٌّ كُلُّهُ».
وأخرجه مسلم أيضًا (١).
وفي بعض ألفاظ البخاري: يسمون المحرم صفر.
وابن طاوس: هو عبد الله، قاله أصحاب الأطراف، وقوله: (كانوا). يعني الجاهلية، وذلك من تحكماتهم المبتدعة.
ولأبي داود: قال ابن عباس: والله ما أعمر رسول الله - ﷺ - عائشة في ذي الحجة؛ إلا ليقطع أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدَّبَر، ودخل صفر، فقد

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٤٠) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* موقف السلطة الإسلامية من الوجود الأوربي في إفريقيا الغربية
* العوامل الداخلية والخارجية لإخفاق المشروع الصليبي في القرون الوسطى
* التدابير الاستعمارية بتونس في مجال التعليم زمن الاستعمار
* 100 خصلة انفرد بها الرسول ﷺ عن بقية الأنبياء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس