عَن صُهَيبِ بنِ سِنانٍ الرُّوميِّ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا دَخلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يَقُولُ اللهُ تباركَ وتعالى: تُريدُونَ شيئًا أزيدُكم؟ فيَقُولُونَ: ألَم تُبَيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألَم تُدخِلْنا الجَنَّةَ، وتُنَجِّنا مِنَ النَّارِ؟ قال: فيُكشَفُ الحِجابُ فما أُعطُوا شيئًا أَحَبَّ إليهم مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهم عَزَّ وجَلَّ )) وزاد في روايةٍ: ((ثمَّ تلا هذه الآيةَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26] )) .
قال عياضٌ: (ذُكِر في هذا الحَديثِ نَظَرُ أهلِ الجَنَّةِ إلى رَبِّهم، مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ بأجمعِهم جَوازُ رُؤيةِ اللهِ عَقلًا ووُجُوبُها في الآخِرةِ لِلمُؤمِنينَ سَمعًا، نَطَقَ بذَلِكَ الكِتابُ العَزيزُ، وأجمَعَ عليه سَلَفُ الأمَّةِ وأخرجه بِضعةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحابةِ بألفاظٍ مُختَلِفةٍ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .
وقال النَّوويُّ: (اعلَمْ أنَّ مَذهَبَ أهلِ السُّنَّةِ بأجمَعِهم أنَّ رُؤيةَ الله تعالى مُمكِنةٌ غيرُ مُستَحيلةٍ عَقلًا وأجمَعُوا أيضًا على وُقُوعِها في الآخِرةِ، وأنَّ المُؤمِنينَ يَرَونَ اللهَ تعالى دُونَ الكافِرينَ... وقَد تَظاهَرَت أدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعُ الصَّحابةِ فمَن بَعدَهم مِن سَلَفِ الأُمَّةِ على إثباتِ رُؤيةِ الله تعالى في الآخِرةِ لِلمُؤمِنينَ، وأخرجها نَحوٌ مِن عِشرينَ صَحابيًّا عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وآياتُ القُرآنِ فيها مَشهورةٌ) .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قَد قال اللهُ تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26] . وقَد رُويَ عَن جَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعين تَفسيرُ هذه الزِّيادةِ بالنَّظَرِ إلى وَجهِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ؛ مِنهم أبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، وأُبَيُّ بنُ كَعبٍ، وكَعبُ بنُ عُجرةَ، وحُذَيفةُ بنُ اليَمانِ، وأبُو مَوسى الأشعَريُّ، وعَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهم. ومِنَ التَّابعينَ سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمةُ، وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أبي ليلى، وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سابطٍ، والحَسَنُ، وقَتادةُ، والضَّحَّاكُ، والسُّدِّيُّ، وغيرُهم مِنَ السَّلَفِ والخَلفِ) .
وعَن أبي مَوسى الأشعَريِّ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((جَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ آنيَتُهما وما فيهما، وجَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ آنيَتُهما وما فيهما، وما بينَ القَومِ وبينَ أن يَنظُرُوا إلى رَبِّهم إلَّا رِداءُ الكِبرياءِ على وَجْهِه في جَنَّةِ عَدْنٍ )) وفي لفظٍ: ((رِداءُ الكِبْرِ ))
قال البَغَويُّ: (قَولُه: ((رِداءُ الكِبْرياءِ)) و ((رِداءُ الكِبرِ))، يُريدُ صِفةَ الكِبْرياءِ والعَظَمةِ، وقَولُه سُبحانَه وتعالى: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الجاثية: 37] ، أيِ: العَظَمةُ والمُلْكُ، فهو بكِبريائِه وعَظَمَتِه لا يُريدُ أن يَراه أحَدٌ مِن خَلقِه بَعدَ رُؤيةِ يَومِ القيامةِ، حَتَّى يَأذَنَ لَهم في دُخُولِ جَنَّةِ عَدْنٍ، فيَرَوه فيها) .
وقال الصَّنعانيُّ: (قَولُه: ((ما بينَ القَومِ)) أيِ الدَّاخِلينَ الجَنَّةَ. ((وبينَ أن يَنظُرُوا إلى رَبِّهم إلَّا رِداءُ الكِبرياءِ على وَجْهِه)) تقَدَّم البَحثُ في الصِّفاتِ، وأنَّه يُؤمَنُ بها كَما هي مِن غيرِ تَفتيشٍ عَن كيفيَّتِها) .
وعَن جَريرِ بن عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: كُنَّا جُلُوسًا عِندَ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إذ نَظَرَ إلى القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، فقال: أمَا إنَّكم سَتَرَونَ رَبَّكم كَما تَرَونَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُونَ في رُؤيَتِه، فإنِ استَطَعتُم ألَّا تُغْلَبُوا على صَلاةٍ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وقَبلَ غُرُوبِها، يَعني العَصرَ والفَجَرَ، ثُمَّ قَرَأ جَريرٌ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130] .
قال ابنُ تيميَّةَ: (هذا الحَديثُ مِن أصَحِّ الأحاديثِ على وَجهِ الأرضِ المُتَلَقَّاةِ بالقَبُولِ المُجْمَعِ عليها عِندَ العُلَماءِ بالحَديثِ وسائِرِ أهلِ السُّنَّةِ) .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (أرشَد هذا السِّياقُ على أنَّ رُؤيَتَه عَزَّ وجَلَّ تَقَعُ لِأهلِ الجَنةِ في مِثلِ أوقاتِ العِباداتِ، فكَأنَّ المُبَرزينَ مِنَ المُقَرَّبينَ الأخيارِ يَرَونَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ في مِثلِ طَرَفيِ النَّهارِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وهذا مَقامٌ عالٍ، فيَرَونَه سُبحانَه وهم على أرائِكِهم وسُرُرِهم كَما يَرَونَ القَمَرَ ليلةَ البَدرِ، فيَرَونَه أيضًا غيرَ رُؤيَتِهم إيَّاه في مَنازِلِهم في الجَنَّةِ حيثُ يَجتَمِعُ أهلُ الجَنَّةِ في وادٍ أَفْيَحَ -أي مُتَّسِعٍ- مِن مِسكٍ أبيضَ، فيَجلِسُونَ فيه على قَدْرِ مَنازِلِهم؛ فمِنهم مَن يَجلِسُ على مَنابرَ مِن نُورٍ، ومِنهم مَن يَجلِسُ على مَنابرَ مِن ذَهَبٍ، وغيرِ ذَلِكَ مِن أنواعِ الجَواهرِ وغيرِها، ثُمَّ تُفاضُ عليهمُ النِّعَمُ والخِلَعُ، وتُوضَعُ على رُءُوسِهمُ التِّيجانُ، وبينَ أيديهمِ المَوائِدُ مِمَّا لا عينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ، ثُمَّ يُطيَّبُونَ بأنواعِ الطِّيبِ، ويُخَصُّونَ بأنواعِ الكَراماتِ والتُّحَفِ مِمَّا لَم يَخطُرْ على بالِ أحَدٍ مِنهم قَبلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهمُ الحَقُّ سُبحانَه وتعالى، ويُخاطِبُهم واحِدًا واحِدًا، كَما دَلَّتْ على ذَلِكَ الآياتُ والأحاديثُ) .
|