رُؤيةُ اللهِ ورِضاه أفضَلُ ما يُعطاه أهلُ الجَنَّةِ
قال اللهُ تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 22-23] .
قال السَّمعانيُّ: (قَولُه: نَاضِرَةٌ بالضَّادِ، أي: مَسرُورةٌ طَلِقةٌ هَشَّةٌ بَشَّةٌ. والنَّضرةُ: هي النِّعمةُ والبَهجةُ في اللُّغةِ.
وقَولُه: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ هو النَّظَرُ إلى اللهِ تعالى بالأعيُنِ، وهو ثابتٌ لِلمُؤمِنينَ في الجَنَّةِ بوعدِ الله تعالى وبخَبرِ الرَّسُولِ) .
وقال البَغَويُّ: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ قال ابنُ عَبَّاسٍ وأكثَرُ النَّاسِ: تَنظُرُ إلى رَبِّها عِيانًا بلا حِجابٍ. قال الحَسَنُ: تَنظُرُ إلى الخالِقِ، وحُقَّ لَها أن تَنضرَ وهي تَنظُرُ إلى الخالِقِ) .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ مِنَ النَّضارةِ، أي: حَسَنةٌ بَهيَّةٌ مُشرِقةٌ مَسرُورةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أي: تَراه عِيانًا، كَما أخرجه البُخاريُّ رَحِمَه اللهُ في صَحيحِه: "إنَّكم سَتَرَونَ رَبَّكم عِيانًا" . وقَد ثَبَتَت رُؤيةُ المُؤمِنينَ للهِ عَزَّ وجَلَّ في الدَّارِ الآخِرةِ في الأحاديثِ الصِّحاحِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرةٍ عِندَ أئِمةِ الحَديثِ لا يُمكِنُ دَفعُها ولا مَنعُها... وذكَرَ جُملةً مِنَ الأحاديثِ ثُمَّ قال: ولَولا خَشيةُ الإطالةِ لأورَدْنا الأحاديثَ بطُرُقِها وألفاظِها مِنَ الصِّحاحِ والحِسانِ والمَسانيدِ والسُّننِ، ولَكِن ذَكَرنا ذَلِكَ مُفَرَّقًا في مَواضِعَ مِن هذا التَّفسيرِ، وباللهِ التَّوفيقُ. وهذا بحَمدِ الله مُجمَعٌ عليه بينَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وسَلَفِ هذه الأُمَّةِ، كَما هو مُتَّفَقٌ عليه بينَ أئِمةِ الإسلامِ وهُداةِ الأنامِ) .
والكُفَّارُ والمُشْرِكُونَ يُحرَمونَ مِن هذا النَّعيمِ العَظيمِ: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15] .
قال السَّمعاني: (اعلَمْ أنَّ الرُّؤيةَ حَقٌّ على مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ، وقَد ورَدَ به القُرآنُ والسُّنَّةُ.
قال اللهُ تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وقال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) .
قال البَغَويُّ: (قال أكثَرُ المُفَسِّرينَ: عَن رُؤيَتِه. قال الحَسنُ: لَو عِلمَ الزَّاهِدونَ العابِدُونَ أنَّهم لا يَرَونَ رَبَّهم في المَعادِ لزَهِقَت أنفُسُهم في الدُّنيا. قال الحُسَينُ بنُ الفَضلِ: كَما حَجبَهم في الدُّنيا عَن تَوحيدِه حَجبَهم في الآخِرةِ عَن رُؤيَتِه. وسُئِلَ مالِكٌ عَن هذه الآيةِ، فقال: لَمَّا حَجبَ أعداءَه فلَم يَرَوه تَجلَّى لِأوليائِه حَتَّى رَأَوه. وقال الشَّافِعيُّ رَضِيَ اللهُ عَنه في قَولِه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ: دَلالةٌ على أنَّ أولياءَ الله يَرَونَ اللهَ عِيانًا) .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قَولُه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ أي: لَهم يَومَ القيامةِ مَنزِلٌ ونُزُلُ سِجِّينٍ، ثُمَّ هم يَومَ القيامةِ مَعَ ذَلِكَ مَحجُوبُونَ عَن رُؤيةِ رَبِّهم وخالِقِهم. قال الإمامُ أبُو عَبدِ اللهِ الشَّافِعيُّ: في هذه الآيةِ دَليلٌ على أنَّ المُؤمِنينَ يَرَونَه عَزَّ وجَلَّ يَومَئِذٍ. وهذا الَّذي قاله الإمامُ الشَّافِعيُّ، رَحِمَه اللهُ، في غايةِ الحُسنِ، وهو استِدلالٌ بمَفهومِ هذه الآيةِ، كَما دَلَّ عليه مَنطُوقُ قَولِه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 22، 23] وكَما دَلَّتْ على ذَلِكَ الأحاديثُ الصِّحاحُ المُتَواتِرةُ في رُؤيةِ المُؤمِنينَ رَبَّهم عَزَّ وجَلَّ في الدَّارِ الآخِرةِ رُؤيةً بالأبصارِ في عَرَصاتِ القيامةِ، وفي رَوضاتِ الجِنانِ الفاخِرةِ) .
يتبع
الدرر السنية
|