عرض مشاركة واحدة
قديم 06-13-2026, 09:15 PM   #299

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 571 الى صـــ 590
الحلقة (299)






ينفق عليه المحبس من ماله، وإذا خرج خارج إلى الغزو دفعه إليه مع نفقته على أن يغزو به، ويصرفه إليه، فيكون موقوفًا على مثل ذَلِكَ، فهذا لا يجوز بيعه بإجماع، وأما إذا جعله في سبيل الله وملكه الذي دفعه إليه فهذا يجوز بيعه.
قال الطبري: والدليل على جواز شراء صدقة الفرض وصحة البيع ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - فيمن وجبت عليه سن من الإبل فلم تكن عنده وكان عنده دونها أو فوقها أن يأخذ ما وجد (١)، ويرد إن كان أخذ أفضل من الذي له دراهم أو غنمًا، وهذا لا شك أخذ عوض، وبدل من الواجب على رب المال، وإذا جاز تملك الصدقة بالشراء قبل خروجها من يد المتصدق بعوض فحكمها بعد القبض كذلك، وبنحو ذَلِكَ قال جماعة من العلماء. وكان عمر لا يكره أن يشتري الرجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى غيره، رواه الحسن عنه وقال به هو وابن سيرين (٢)، فأما إن كان رجعت إلى المتصدق صدقته بميراث أو هبة من المتصدق عليه، فإنه لا يكره له تملكها، ولا يكون عائدًا؛ لحديث بريرة.
قال ابن التين: وليس ذَلِكَ عند مالك بالحرام البين؛ لأن الحديث إنما جاء في صدقة التطوع، قال في «الموطأ» (٣): ترك شرائها أحب إلي، وهو ما في «المدونة» (٤) أيضًا، والذي فعل ابن عمر من ترك شراء ما

------------
(١) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (٢٣٠٥). كتاب: الوكالة، باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة.
(٢) روى ذلك ابن أبي شيبة ٢/ ٤١١ (١٠٥١٣).
(٣) «الموطأ» ص ١٩٠.
(٤) «المدونة» ١/ ٢٦٦.



تصدق به إلا أن يشتريه؛ ليجعله صدقة، وكان ابن عمر لا ينتفع من شيء تصدق به وركب مرة راحلة كان حبسها، وفيما نقل عن الداودي رهنها فصرع عنها فرأى ذَلِكَ عقوبة لركوبه إياها، فإن أراد البخاري صدقة التطوع فلائح، وإن أراد الفرض فهو يروي عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: ائتوني (بخميص) (١)، أو لبيس مكان الذرة والحب (٢) وقد سلف.
وقوله: (لا بأس أن يشتري صدقة غيره) صحيح يوضحه حديث بريرة: «هو لها صدقة ولنا هدية» (٣) فإذا كان هذا بغير عوض فالعوض أجوز.
ثانيها:
معنى (حملت عليها في سبيل الله) أي: دفعته إلى من هو مواظب على الجهاد في سبيل الله على وجه التحبيس له، ويحتمل هبته وتمليكه للجهاد، فعلى هذا له بيعه ويتصرف فيه بما أراد بخلاف الأول؛ لأنه موقوف في ذَلِكَ الوجه فلا يزيله مع السلامة، وهذا مثل الحديث السالف: «إن خالدًا احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» (٤).
ومعنى إضاعته له: إما عدم حسن القيام عليه، ويبعد مثل هذا على الصحابة إلا أن يوجبه عذر، أو في استعماله فيما حبس له فصيره ضائعًا من الهزال المفرط مباشرة الجهاد وإبقائه له في سبيل الله، فإن كان حبسًا فيحتمل أن عمر ظن أنه يجوز له هذا ويباح له شراء الحبس، غير أن منعه من شرائه وتعليله بالرجوع دليل على أنه لم يكن حبسًا، إلا أن يكون هذا

----------
(١) في الأصول: (بخميس) والمثبت من اليونينية.
(٢) سلف قبل الرواية (١٤٤٨) كتاب: الزكاة، باب: العرض في الزكاة.
(٣) يأتي برقم (١٤٩٥) باب: إذا تحولت الصدقة.
(٤) سلف برقم (١٤٦٨).



الضياع قد بلغ به إلى عدم الانتفاع فيما حبس له، فيجوز بيعه عند من يراه ويحتمل أنه لما وهبه إياه على ما سلف وأراد شراءه لضياعه.
فرع:
ضياع الخيل الموقوفة إذا رجي صلاحها والنفع بها في الجهاد كالضعف المرجو برؤه منع ابن الماجشون بيعه، واختاره ابن القاسم ويوضع ثمنه في ذَلِكَ الوجه.
ثالثها:
قال ابن عبد البر: في إجازة تحبيس الخيل: وإن من حمل على فرس وغزا به فله أن يفعل فيه ما يشاء في سائر أمواله. قال ابن عمر: إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به. وقال ابن المسيب: إذا بلغ رأس مغزاته فهو له. قال: ويحتمل أن يكون هذا الفرس ضاع حتَّى عجز عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذَلِكَ، فأجيز له بيعه لذلك، ومن أهل العلم من يقول: يضع ثمنه ذَلِكَ في فرس عتيق أي فاره إن وجده وإلا أعان به في مثل ذَلِكَ، ومنهم من يقول: إنه كسائر أمواله إذا غزا عليه (١).
رابعها:
قوله: («فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ») وفي رواية أخرى: «كالكلب يعود في قيئه» (٢) يريد أنه من القبح في الكراهة بمنزلة العائد في أكل ما قاءه، بعد أن تغير من حال الطعام إلى القيء، وكذلك هذا لما أخرج صدقته فلا يرتجعها بعدما تغيرت وتغير ما في ماله من الفساد فيه،

------------
(١) انتهى من كلام ابن عبد البر بتصرف «الاستذكار» ٩/ ٣٢٤ - ٣٢٦.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٢٣) في الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته.



فإن ذَلِكَ من أفعال الكلب وأخلاقه التي ينفرد بها، فإذا تصدق على أجنبي فلا رجوع له كالفرض؛ لهذا الحديث.
قال مالك: لا يركبه وإن كان أمرًا قريبًا، وذكر ركوب ابن عمر ناقة وهبها، وقال القاضي أبو محمد: لا بأس أن يركب الفرس الذي جعله في سبيل الله، ويشتري من ألبان الغنم اليسير.
حجة مالك أنه من الرجوع في الصدقة، ووجه الآخر أن اليسير معفو عنه، فإن أعطى على غير وجه الصدقة ففي «الموازية» فيمن حمل على فرس لا للمسكنة ولا للسبيل، قال مالك: لا بأس أن يشتريه ولو تصدق (بمنفعة) (١) أو غلة، فقال محمد: لم يختلف مالك وأصحابه في إجازة شراء ذَلِكَ للمتصدق إلا عند الملك، واحتج بهذا الحديث، ووجه قول مالك أنه - عليه السلام - أرخص لصاحب العرية أن يشتريها وهي صدقته، وعندنا للأب والجد أن يرجع فيما وهبه لولد، وعند المالكية ما قصد به المودة والمحبة، فلا رجوع إلا للأبوين.
وفي إلحاق الجد والجدة بهما روايتان، وما قصد به التقرب إلى الله من صلة رحم أو لفقير أو ليتيم أو نحوه، فلا رجوع فيه لأحد؛ لأنه صدقة، ولا ينبغي أن يتملكها بوجه إلا بميراث، ولا يأكل من ثمرها ولا يركبها، وفي «الموازية»: من تصدق على ابنه الفقير في حجره بجارية فيبيعها من نفسه له أن يشتريها بخلاف الأجنبي.
وقال مالك: من تصدق على ابنه بغنم لا بأس أن يأكل من لحمها و(يشرب) (٢) من لبنها ويكتسي من صوفها، وإن كان حائطًا أكل من

------------
(١) في الأصل: (بمنفعته)، والمثبت من (ج).
(٢) في الأصل: (يشتري)، والمثبت من (ج).



ثمرته، وعنه لا يكتسي ولا يشرب.
وفي «الموازية» عن مالك: إنما ذَلِكَ في الابن الكبير دون الصغير.
وقال ابن القاسم: في الصغير، ولو تصدق على غاز بدراهم ثم ترافقا فأخرج المتصدَّق عليه منها جاز ذَلِكَ عند مالك لقصة بريرة (١).

------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٩٩.


٦٠ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -
١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كِخٍ كِخٍ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». [انظر: ١٤٨٥ - مسلم: ١٠٦٩ - فتح: ٣/ ٣٥٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة الحسن. وقد سلف في باب: أخذ صدقة التمر عند صرام النخل واضحًا (١).
وقوله للحسن: «كِخْ كِخْ» هو ردع للصغار وزجر. وقال الداودي: هي معربة، ومعناها: بئس، وفيها ثلاثة أوجه: فتح الكاف وتنوين الخاء كذا في رواية أبي الحسن، ثانيها: بكسر الكاف وإسكان الخاء في رواية أبي ذر، ثالثها: كسر الكاف وتشديد الخاء في بعض نسخ الهروي (٢).
قال المهلب: وفيه أن قليل الصدقة لا يحل لآل محمد بخلاف اللقطة التي لا يحرم منها ما لا قيمة له، لقوله - عليه السلام - في التمرة الملقاة: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» (٣).

--------
(١) برقم (١٤٨٥).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «المطالع» فيها لغات أكثر من ذلك، وليس منها تشديد الخاء، وقد ذكرها في «القاموس».
(٣) سيأتي برقم (٢٤٣١)، ورواه مسلم (١٠٧١).



٦١ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -
١٤٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟». قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». [٢٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح: ٣/ ٣٥٥]

١٤٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح: ٣/ ٣٥٥]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟». قَالُوا: إِنَّها مَيْتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا».
وحديث عَائِشَةَ: أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لرسول الله - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا: «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ: وَأُتِيَ رسول الله - ﷺ - بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هذا ممَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَة، وَلنَا هَدِيَّةٌ».
الشرح:
أما حديث عائشة: فسلف في أحكام المساجد (١)، ويأتي قريبًا (٢).

----------
(١) برقم (٤٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد.
(٢) برقم (٢١٥٥) كتاب: البيوع، باب: البيع والشراء مع النساء.



وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم بلفظ: تصُدق على مولاة لميمونة بشاة، فمر بها رسول الله - ﷺ -، فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟». فقالوا: إنما هي ميتة. فقال: «إنما حرم أكلها» (١). وفي لفظ له: «هلا انتفعتم بجلدها؟» (٢)، وفي أخرى: «ألا انتفعتم بإهابها؟» (٣) وفي أخرى عن ابن عباس: أن ميمونة … (٤) يعني بهذا: الحديث، وفي رواية للبخاري: «ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها» (٥) ولم يقل في شيء من طرقه: فدبغتموه. وفي بعض طرقه (بعير) مكان: (شاة).
وذكر في الأيمان والنذور في باب: إن حلف لا يشرب نبيذًا فشرب الطلاء أو سكرًا أو عصيرًا: عن ابن عباس عن سودة أم المؤمنين قالت: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم مازلنا ننتبذ فيه حتَّى صار شنًّا. وهو من أفراده (٦).
وأخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» عن ابن عباس قال: ماتت لنا شاة لسودة أم المؤمنين- فأتاها النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: «ألا انتفعتم بمسكها؟»، فقالت: يا رسول الله، مسك ميتة! فقال: «﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾» [الأنعام: ١٤٥] الآية، «إنكم لستم تأكلونها».
فبعث بها فسلخت، قال ابن عباس: فجعلوا مسكها قربة ثم رأيته بعد شَنَّةً.

----------
(١) «صحيح مسلم» (٣٦٣) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ.
(٢) «صحيح مسلم» (٣٦٣/ ١٠١).
(٣) رواه مسلم (٣٦٥).
(٤) رواه مسلم (٣٦٤).
(٥) ستأتي برقم (٥٥٣٢) كتاب: الذباح والصيد، باب: جلود الميتة.
(٦) سيأتي برقم (٦٦٨٦).



ولأحمد فقال: «إنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به» (١)، وللحاكم في «تاريخ نيسابور»: مرّ النبي - ﷺ - بشاة ميتة لأم سلمة أو لسودة .. الحديث. وللدارقطني: كان أعطاها مولًى لميمونة (٢).
قال ابن عبد البر: رواه غير واحد بإسقاط ابن عباس، والصحيح اتصاله وكان ابن عيينة يقول مرارًا كذلك، ومرارًا: عن ابن عباس عن ميمونة بزيادة: «دباغ إهابها طهورها» واتفق معمر ومالك وبونس على قوله: «إنما حرم كلها» إلا أن معمرًا قال: «لحمها» ولم يذكر واحد منهم الدباغ، وكان ابن عيينة يقول: لم أسمع أحدًا يقول: «إنما حرم أكلها» إلا الزهري، واتفق عقيل وجماعات على ذكر الدباغ فيه عن الزهري؛ وكان ابن عيينة مرة يذكره، ومرة لا يذكره، قال محمد بن يحيى النيسابوري: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه (٣).
وأما ذكر الدباغ فلا يؤخذ إلا عن يحيى بن أيوب، عن عُقَيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا يونس الدباغ، وهو الصحيح في حديث الزهري وبه كان يفتي وأما من غير رواية الزهري فصحيح محفوظ عن ابن عباس.
وأما حديث عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر أن «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» فحسنه الترمذي مع اضطرابه، وصححه ابن حبان (٤)، ومنهم من ادعى نسخه، وضعفه

-----------
(١) «مسند أحمد» ١/ ٣٢٧.
(٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٢.
(٣) «التمهيد» ٩/ ٥٠ - ٥١ بتصرف.
(٤) «سنن الترمذي» (١٧٢٩)، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٩٣ (١٢٧٧).



يحيى وقال ابن عبد البر: لم يثبت (١).
وقال النسائي: أصح ما في الباب في جلود الميتة حديث ابن عباس (٢).
وقال الدوري: قُلْتُ ليحيى بن معين: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين؟ قال: «دباغها طهورها» أعجب إليَّ.
وحكى الحازمي بإسناده إلى إسحاق بن راهويه أنه ناظر الشافعي وأحمد بن حنبل حاضر في جلود الميتة، فقال الشافعي: دباغها طهورها. فقال له إسحاق: ما الدليل؟ قال: حديث ابن عباس، قال إسحاق: حديث ابن عكيم: كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر أن «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، فهذا أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع. فقال إسحاق: إن رسول الله - ﷺ - كتب إلى كسرى وقيصر وكانت حجة بينهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذَلِكَ أحمد ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي (٣).
وقوله: (أعطيتها مولاة) هو بالرفع.
إذا تقرر ذَلِكَ: فاتفق كافة الفقهاء على أن أزواج النبي - ﷺ - لا يدخلن في آله الذين تحرم عليهم الصدقة، ومواليهن أحرى بالصدقة، على ما ثبت في شاة ميمونة ولحم بريرة وإنما اختلف العلماء في موالي بني هاشم، وقد سلف ما فيه في باب: أخذ صدقة التمر فراجعه (٤)،

---------
(١) «التمهيد» ١٠/ ٣٧٤.
(٢) «سنن النسائي» ٧/ ١٧٥.
(٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» ص ٤٦ - ٤٧.
(٤) سلف حديث يدل على ذلك برقم (١٤٨٥).



وما نقلناه من الاتفاق هو ما ذكره ابن بطال (١)، لكن في «مصنف ابن أبي شيبة»، حَدَّثَنَا وكيع، عن شريك، عن ابن أبي مليكة أن خالد بن سعيد بن العاصي أرسل إلى عائشة شيئًا من الصدقة فردته، وقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (٢).
واعلم أن أكثر أهل العلم -فيما حكاه الحازمي- على جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ- منهم الأئمة الثلاثة، ومن الصحابة عبد الله بن مسعود وإلى المنع ذهب عمر وابنه عبد الله وعائشة (٣) وادعى ابن شاهين أن هذِه الأحاديث لا يمكن ادعاء نسخ شيء منها بالآخر، والمنع على ما قبل الدباغ، والإباحة على ما بعده (٤).
وقد قال الخليل: لا يقع على الجلد اسم الإهاب إلا قبل الدباغ فأما بعده فلا يسمى إهابًا بل أديمًا وجلدًا وجرابًا، وكذا في «المنتهى»: الإهاب: الجلد قبل أن يدبغ، وفي «المحكم»: الإهاب: الجلد (٥).
قال أبو عمر: ومعلوم أن المقصود بالحديث ما لم يكن طاهرًا؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى دباغ فبطل قول من قال: إنه لا ينتفع به بعد الدباغ، وكذا قول من قال: إن جلد الميتة ينتفع به وإن لم يدبغ، وهو قول مروي عن الزهري والليث، وهو مشهور عنهما وروي عنهما خلافه، وهو من أفراد الزهري وانفرد هو والليث بجواز بيعه قبل الدباغ، وعن مالك ما يشبهه، وظاهر مذهبه خلافه (٦).

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤.
(٢) «المصنف» ٢/ ٤٢٩ (١٠٧٠٨)، و٧/ ٣٢٦ (٣٦٥١٧).
(٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ٤٥ - ٤٦.
(٤) «ناسخ الحديث منسوخه» ص ١٦٠.
(٥) «المحكم» ٤/ ٢٦١.
(٦) «التمهيد» ٤/ ١٥٢ - ١٥٤ «والاستذكار» ١٥/ ٣٣٨ - ٣٤١ بتصرف.



قُلْتُ: ومعنى الحديث عند كافة الفقهاء: هلا انتفعتم بجلدها بعد الدباغ.
ومجموع ما في دباغ جلود الميتة وطهارتها سبعة أقوال:
أحدها: أنه تطهير به جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والفرع ظاهرًا وباطنًا ويستعمل في اليابس والمائع وسواء مأكول اللحم وغيره، وبه قال علي وابن مسعود، وهو مذهب الشافعي (١).
ثانيها: لا يطهر منها شيء به، روي عن جماعة سلف ذكرهم، وهي أشهر الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك (٢).
ثالثها: يطهر به جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثورج وإسحاق (٣).
رابعها: تطهير جميعها إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة (٤).
خامسها: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره فقط دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، وهو مشهور مذهب مالك فيما حكاه أصحابه عنه (٥).
سادسها: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف (٦).
سابعها: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا.
ومحل بسط المسألة كتب الخلاف وسيكون لنا عودة إلى المسأله في

----------
(١) «الأم» ١/ ٧ - ٨.
(٢) «عيون المجالس» ١/ ١٧٨، «المغني» ١/ ٨٩.
(٣) «المغني» ١/ ٨٩.
(٤) «بدائع الصنائع» ١/ ٨٥.
(٥) «عيون المجالس» ١/ ١٧٨.
(٦) «المحلى» ١/ ١١٨.



أواخر الصيد والذبائح حيث ذكرها البخاري هناك (١).
واحتج بعض المالكية بحديث بريرة على أن التصرف في البيع الفاسد يفسده وهو مذهب مالك، وقال الشافعي: لا تأثير للقبض فيه بملك ولا شبهة ملك، وقال سحنون في الحرام البين (…) عندهم العيوب والقبض والنماء المنفصل والمتصل. وقال أبو حنيفة مثله إلا أنه قال: يرد مع النماء وإذا وطئ غرم الأرش، واحتج بعض المالكية بحديث بريرة على أن عائشة اشترتها شراء فاسدًا فأنفذ الشارع عتقها، ومعلوم أن شرط الولاء لغير المعتق يوجب فساد العقد، ثم أنفذ الشارع العقد واستدل به أصحاب أبي حنيفة على أنها ملكت بالقبض ملكًا تامًّا، وهو بعيد؛ لأنه - عليه السلام - في هذا الحديث وغيره أمر عائشة بالشراء ولم يكن ليأمر بفاسد، وأجاب بعضهم بأنها خصت بذلك كما خص غيرها بخصائص، وهو بعيد؛ لأن ذَلِكَ لو وقع لنقل، وعد ابن التين من ذَلِكَ: تخصيص البراء بن عازب تختم الذهب، وطلحة والزبير بجواز لبس الحرير لحكة كانت بهما (٢)، وحسان بن ثابت بجواز إنشاد الشعر في المسجد (٣)، وكله غريب.
وزيادة: «اشتريها واشترطي لهم الولاء» ما رواها إلا هشام بن عروة (٤) ساء حفظه، وادعى ابن القطان أنه خلط في آخر عمره، وسيأتي الكلام على ذَلِكَ في موضعه، فهو أمس به.

----------
(١) سيأتي برقم (٥٥٣١ - ٥٥٣٢) باب: جلود الميتة.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٩١٩ - ٢٩٢٠) ورواه مسلم (٢٠٧٦) من حديث أنس.
وفيه أنهما عبد الرحمن بن عون والزبير بن العوام.
(٣) انظر ما سيأتي برقم (٣٢١٢) ورواه مسلم (٢٤٨٥)، وسيأتي برقم (٣٢١٣). ورواه مسلم (٢٤٨٦).
(٤) رواها من طريقه مسلم (١٥٠٤/ ٨).



٦٢ - باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ
١٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». [انظر: ١٤٤٦ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٣/ ٣٥٦]

١٤٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ».
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٢٥٧٧ - مسلم: ١٠٧٤ - فتح: ٣/ ٣٥٦]
ذكر فيه حديث حفصة بنت سيرين، عن أم عطية الأنصارية: قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ». فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَينَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا».
وحديث شعبة، عن قتادة، عن أنس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لنَا هَدِيَّةٌ».
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح:
حديث أم عطية أخرجه الشيخان (١).

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٧٦) في الزكاة، باب: إباحة الهدية للنبي - ﷺ - وبني هاشم.


ونسيبة هي أم عطية وقد صرح به البخاري في بعض نسخة (١) ولمسلم: لحم بقر (٢).
والتعليق أسنده أبو نعيم في «مستخرجه» فقال: حدثنا عبد الله، ثنا يونس، ثنا أبو داود -يعني الطيالسي- أنبأنا شعبة، فذكره.
وفائدته تصريح قتادة بسماعه إياه من أنس، قال ابن التين: وكان البخاري لا يسند عن أبي داود هذا في «صحيحه»: وقال ما كان أحفظه!
إذا تقرر ذَلِكَ:
ففيهما دلالة، كما قال الطحاوي، على جواز استعمال الهاشمي، ويأخذ جعله على ذَلِك (٣)، وقد كان أبو يوسف يكره ذَلِكَ إذا كانت جعالتهم منها، قال: لأن الصدقة تخرج من ملك المتصدق إلى غير الأصناف التي سماها الله تعالى، فيملك المتصدق بعضها وهي لا تحل له، واحتج بحديث أبي رافع في ذَلِك (٤).
وخالفه آخرون فقالوا: لا بأس أن يجتعل منها الهاشمي؛ لأنه إنما يجتعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء، فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء الذين يحرم عليهم غناهم الصدقة كان ذَلِكَ أيضًا في النظر

--------
(١) جاء في الأصل بعد كلمة نسخه: وحديث أم عطية أخرجه الشيخان فلعله تكرار.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (١٠٧٥).
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣.
(٤) رواه أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي ٥/ ١٠٧ عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله - ﷺ - فأسأله، فانطلق إلى النبي - ﷺ - فسأله، فقال: «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم». والحديث صححه ابن خزيمة (٢٣٤٤)، والألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٦) وانظر «الإرواء» (٨٦٢).



لا يحرم ذَلِكَ على بني هاشم الذين يحرم عليهم سهم الصدقة، فلما كان ما تصدق به على بريرة جائزًا للشارع أكله؛ لأنه أكله بالهدية جاز أيضًا للهاشمي أن يجتعل الصدقة؛ لأنه إنما يملكها بعمله لا بالصدقة، هذا هو النظر عندنا، وهو أصح مما ذهب إليه أبو يوسف.
قال بعض العلماء: لما كانت الصدقة يجوز فيها التصرف للفقير بالبيع والهبة لصحة ملكه لها وأهدتها نسيبة وبريرة إلى عائشة، حكم لها بحكم الهبة وتحولت عن معنى الصدقة بملك المصدق عليه بها، وانقلبت إلى معنى الهدية الحلال لرسول الله - ﷺ - وإنما كان يأكل الهدية دون الصدقة (١) لما في الهبة من التآلف والدعاء إلى المحبة، وجائز أن يثيب عليها بمثلها (٢) وأفضل منها فيرفع الذلة والمنة، بخلاف الصدقة.
وقال سحنون: لا بأس أن يشتري الرجل كسور السؤال منهم، دليله حديث بريرة. قال ابن التين: وفيه دليل على أصبغ ومن نحا نحوه؛ لأنه يقول: موالي القوم منهم لا تحل لهم الصدقة ويقول: إن آل أبي بكر لا يأكلونها إلا أن يصح ما ذكره الداودي أن نسيبة بعثت إلى بريرة، لكن سائر الأخبار فيها: «بلحم تصدق به على بريرة». وإن كان يحتمل صدقة التطوع فأصبغ أيضًا يرى أنها لا تحل لهم في أحد قوليه وفي الآخر مكروهة.

---------
(١) انظر ما سيأتي برقم (٢٥٧٦)، وراه مسلم (١٠٧٧).
(٢) انظر ما سيأتي برقم (٢٥٨٥).



٦٣ - باب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا
١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ». [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٣٥٧]
ذكر فيه حديث معاذ، وسلف في أول الزكاة أكثره وبعضه في أثنائه (١) وقد سلف هناك الاختلاف في نقل الصدقة من بلدها وهو حجة للمانع؛ لأنه أخبر أنها تفرد في فقراء اليمن إذا أخذت من أغنيائهم.
واحتج المجيز بأثر معاذ السالف: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة (٢)؛ فإنها أنفع لأهل المدينة فأعلمهم أنه ينقلها إلى المدينة. وكان عدي بن حاتم ينقل صدقة قومه إلى الصديق بالمدينة فلم ينكر عليه (٣) وفية: أيضًا كما سلف هناك أن الزكاة تعطى لصنف واحد خلافًا للشافعي.

-----------
(١) برقم (١٣٩٥) باب: وجوب الزكاة.
(٢) سلف قبل حديث (١٤٤٨) باب العرض في الزكاة.
(٣) انظر: «سنن البيهقي» ٧/ ١٠، ١٩ - ٢٠.



وقد اختلف العلماء في الصدقات هل هي مقسومة على من سمى الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجوز أن توضع في صنف واحد من الأصناف المذكورة على قدر اجتهاد الإمام، وهو قول عطاء والنخعي والحسن البصري، وقال الشافعي: هي مقسومة على ثمانية أصناف لا يصرف منها سهم عن أهله ما وجدوا، وهو قول عكرمة، وأخذ بظاهر الآية (١).
قال: وأجمعوا لو أن رجلًا أوصى بثلاثة لثمانية أصناف لم يجز أن يجعل ذَلِكَ في صنف واحد وكان ما أمر الله بقسمته على ثمانية أصناف أولى ألا يجعل في واحد، ومعنى الآية عند مالك والكوفيين إعلام من الله تعالى لمن تحل له الصدقة بدليل إجماع العلماء أن العامل عليها لا يستحق ثمنها وإنما له بقدر عمله، فدل ذَلِكَ على أنها ليست مقسومة على ثمانية أصناف بالسواء
واحتجوا بما روي عن حذيفة وابن عباس أنهما قالا: إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك (٢) ولا مخالف لهما من الصحابة، فهو كالإجماع. وقال مالك والكوفيون: المؤلفة قلوبهم قد بطلوا ولا مؤلفة اليوم وليس لأهل الذمة في بيت المال حق. وقال الشافعي: المؤلفة قلوبهم من دخل في الإسلام ولا يعطى مشرك يتألف على الإسلام.

-------------
(١) «المبسوط» ٣/ ٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٢، «بدائع الصنائع» ٢/ ٤٤،
«المعونة» ١/ ٢٦٨، «الأم» ٢/ ٨٩، «عبد الرزاق» ٤/ ١٠٥ (٧١٣٥)، «ابن أبي
شيبة» ٢/ ٤٠٥ (١٠٤٥٢،١٠٤٥٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٠٥ (١٠٤٤٥ - ١٠٤٤٧) عن حذيفة، ورواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٠٤ (١٦٩٠٢ - ١٦٩٠٣ - ١٦٩٠٧) عنهما.



وقوله: («اتق دعوة المظلوم») فيه عظة الإمام من ولاه النظر في أمور رعيته، ويأمره بالعدل بينهم، ويخوفه عاقبة الظلم ويحذره وباله، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ولعنة الله: الإبعاد من رحمته. والظلم محرم في كل شريعة، وقد جاء أن دعوة المظلوم لا ترد، وإن كانت من كافر (١) ومعنى ذَلِكَ أن الرب تعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن، وأخبر تعالى أنه لا يظلم الناس شيئًا، فدخل في عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر. وحذر معاذًا من الظلم مع علمه بفضله وورعه، وأنه من أهل بدر وقد شهد له بالجنة، غير أنه لا يأمن أحد بل يشعر نفسه بالخوف.
-----------
(١) رواه أحمد ٢/ ٣٦٧، والطيالسي ٤/ ٩٢ (٢٤٥٠)، وابن أبي شيبة ٦/ ٤٩ (٢٩٣٦٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٢٠٨ (٣١٥) من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه».
قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٣/ ١٣٠ (٣٣٧٢)، والحافظ في «الفتح» ٣/ ٣٦٠، والهيثمي في «المجمع» (١٧٢٢٧): إسناده حسن.
وله شاهد من حديث أنس؛ رواه أحمد ٣/ ١٥٣ عنه مرفوعًا: «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا فإنه ليس دونها حجاب».
وقال الهيثمي في «المجمع»١٠ (١٧٢٣٥) فيه: أبو عبد الله الأسدي، لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح والحديثين صححهما الألباني في «الصحيحة» (٧٦٧).



٦٤ - باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ
وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ إلى قوله ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التو بة: ١٠٣]

١٤٩٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى». [٤١٦٦، ٦٣٣٢، ٦٣٥٩ - مسلم: ١٠٧٨ - فتح: ٣/ ٣٦١]
ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى».
هذا الحديث ذكره في غزوة الحديبية عن عمرو سمعت ابن أبي أوفي، وكان من أصحاب الشجرة (١) ولأبي داود، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفي قال: كان أبي من أصحاب الشجرة (٢).
وهما صحيحان، هو ووالده من أصحابها، وأخرجه مسلم أيضًا (٣).
وهذِه الآية نزلت -فيما قاله الضحاك- في قوم تخلفوا عن غزوة تبوك منهم: أبو لبابة فندموا وربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد (٤) فقال - عليه السلام -: «لا أعذرهم» فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾

--------------
(١) سيأتي برقم (٤١٦٦) كتاب: المغازي.
(٢) «سنن أبي داود» (١٥٩٠).
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٧٨) كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: إنما ربط أبو لبابة نفسه حين طلبه بنو قريظة فاستشاروه أينزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فأشار إلى حلقه، فجاء إلى المسجد ولم يجتمع بالنبي - ﷺ -، وربط نفسه بساريته. الحديث.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* مجموعة من الاحاديث الضعيفة والموضوعة ---- متجددة إن شاء الله
* {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}
* الهجرة النبوية وعاشوراء
* تفسير سورة الفاتحة
* خاتم النبيين
* لمحات من الهَدْي النبوي في الوقاية والصيانة
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس