عرض مشاركة واحدة
قديم 06-13-2026, 09:09 PM   #296

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 511 الى صـــ 530
الحلقة (296)







مرفوعًا بذلك (١). وأعله يحيى بن سعيد وشعبة فقالا: يرويه حكيم بن جبير، وهو ضعيف (٢).
وقالت طائفة: من ملك مائتي درهم حرم عليه الصدقة المفروضة.
وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، ورواه المغيرة عن مالك (٣).
وقال المغيرة: لا بأس أن يعطى أقل ما تجب فيه الزكاة.
وروي عن مالك: يعطى من له أربعون درهمًا إذا كان له عيال (٤).
واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله - ﷺ - «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في (فقرائهم) (٥)» فجعل المأخوذ منه غير المردود عليه، ومن معه مائتا درهم تؤخذ منه الزكاة فلم تجز أن ترد عليه لما فيه من إبطال الفرق بين الجنسين، بين الغني والفقير.
وقال الطحاوي: قوله - ﷺ -: «أما وجد عنها مندوحة» بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق، «وأما من سأل وله أوقية أو عدلها» منسوخ بقوله - ﷺ -: «من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافًا» (٦)، فجعل هذا حدًّا

-------------
(١) رواه أبو داود (١٦٢٦) كتاب: الزكاة، باب: من يُعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٠ - ٦٥١) كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الزكاة، والنسائي ٥/ ٩٧ كتاب: الزكاة، حد الغنى، وابن ماجه (١٨٤٠) كتاب: الزكاة، من سأل عن ظهر غِنًى، وأحمد ١/ ٣٨٨.
(٢) والحديث صححه الألباني في: «صحيح أبي داود» (١٤٣٨)، «الصحيحة» (٤٩٩). وقال: هذا إسناد صحيح من طريق زبيد، لا من طريق حكيم بن جبير فإنه ضعيف.
(٣) انظر: «الاختيار» ١/ ١٥٨، «المنتقى» ٢/ ١٥٢.
(٤) انظر: «التاج والإكليل» ٣/ ٢٢٠.
(٥) عليها في الأصل كلمة (كذا)
(٦) رواه أحمد ٤/ ١٣٨، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٧٢، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٩٥، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٠٢٢)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ٣٩٩ (٢٣١٤).



لمن لا تحل له الصدقة، قال بعضهم: وكل من حد من الفقهاء في الغنى حدًّا أو لم يحد فإنما هو بعد ما لا غنًى به عنه من دار تحمله ولا تفضل عنه، وخادم هو محتاج إليها، ولا فضل له من مال يتصرف فيه، ومن كان هكذا، فأجمع الفقهاء أنه يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه.
قال الطبري: والصواب عندنا. في ذَلِكَ أن المسألة مكروهة لكل أحد إلا لمضطر يخاف على نفسه التلف بتركها، ومن بلغ حد الخوف على نفسه من الجوع، ولا سبيل إلى ما يرد به رمقه، ويقيم به نفسه إلا بالمسألة فالمسألة عليه فرض واجب؛ لأنه لا يحل له إتلاف نفسه وهو يجد السبيل إلى حياتها.
والمسألة مباحة لمن كان ذا فاقة وإن كرهناها ما وَجدَ عنها مندوحة بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق، وإنما كرهناها له لقوله - ﷺ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى» (١)، ولا مأثم عليه إلا على سائل سأل عن غنًى متكثرًا بها فالمسألة عليه حرام.
قُلْت: وقد أسلفنا فيما مضى أقسام المسألة، فراجعه.
وأما حديث المغيرة ففيه الكتاب بالسؤال عن العلم، والجواب عنه.
وفيه: قبول خبر الواحد، وقبول الكتابة، وهو حجة في الإجازة.
وفيه: أخذ بعض الصحابة عن بعض. والمراد بـ (قيل وقال) هنا: حكايته شيء لا يعلم صحته، وأن الحاكي له يقول: قيل وقال. قاله ابن الجوزي. وعن مالك: هو الإكثار من الكلام والإرجاف نحو قول

--------------
(١) سلف برقم (١٤٢٩) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر قلب، ورواه مسلم (١٠٣٣) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.


القائل: أُعطِي فلان كذا ومنع من كذا والخوض فيما لا يعني (١).
وقال ابن التين: له تأويلان:
أحدهما: أن يراد به حكايته أقوال الناس وأحاديثهم والبحث عنها لينمي، فيقول: قال فلان كذا وفلان كذا بما لا يجر خبرًا، إنما هو ولوع وشغف، وهو من التجسس المنهي عنه.
والثاني: أن يكون في أمر الدين فيقول: قيل فيه كذا، وقال فلان، فيقلد ولا يحتاط لموضع الإخبار بالحجج. وفي لفظ آخر: نهى عن قيل وقال (٢).
قال أبو عبيد: فيه تجوز، وذلك أنه جعل القال مصدرًا كأنه قال عن قيل وقول، يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالا. فعلى هذا يكون: إن الله كره لكم قيلا وقالا منونًا؛ لأنهما مصدران وقال ابن السكيت: هما اسمان لا مصدران وقال غيره: من روى غير منون قال: إنهما فعلان. والأول على أنهما اسمان. وفي حرف عبد الله (ذلك عيسى بن مريم قالُ الحق الذي فيه تمترون) (٣).
وقوله: و«إضاعة المال» هذا على وجوه جماعها الإسراف، ووضعه في غير موضعه كالأبنية، واللباس، والفُرُش، وتمويه الأبنية بالذهب،

-------------
(١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣١٥.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٩٢) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ورواه مسلم (٥٩٣/ ١٤) كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل بغير حاجة والنهي …
(٣) هذِه قراءة شاذة قرأ بها ابن مسعود بضم اللام، قال ابن خالويه: يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالًا وقولة. كل ذلك مصادر، وانظر «مختصر في شواذ القرآن» من كتاب «البديع» لابن خالويه ص ٨٧.



وتطريز الثياب به أو سقوف البيت فإنه من التضييع والتصنع، ولا يمكن تخليصه منه وإعادته إلى أصله حتَّى يكون أصلًا قائمًا. ومن إضاعته: تسليمه لغير رشيد.
وفيه: دلالة على إثبات الحجر على المفسد لماله، ومن الحجر احتمال الغبن في البياعات (١)، وقسمة ما لا ينتفع بقسمته كاللؤلؤة، وتركه من غير حفظ فيضيع، أو يتركه حتَّى يفسد، أو يرميه إذا كان يسيرًا كبرًا عن تناوله، أو يسرف في النفقة أو ينفقه في المعاصي، وأن يتخلى الرجل من ماله بالصدقات وعليه دين لا يرجو له وفاء، ولا صبر له على التفسير والإضاقة، ولا يرد على فعل الصديق حيث تصدق بماله كله لغناه بقوة صبره، ومن في الأمة مثله يقاس به؟! وانظر من أنفقه عليه.
ويحتمل أن يتأول معنى: «إضاعة المال» على العكس مما سلف أن إضاعته حبسه عن حقه، والبخل به على أهله، كما قال:
وما ضاع مال أورث المجد أهله … ولكن أموال البخيل تضيع (٢)
وقال الداودي: إضاعة المال تؤدي إلى الفقر الذي يخشى منه الفتنة. وكان الشارع يتعوذ من الفقر وفتنته.
قال: وفيه دليل على فضل الكفاف على الفقر والغنى؛ لأن ضياع المال يؤدي إلى الفتنة بالفقر وكثرة السؤال، وربما خشي من الغنى الفتنة، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧] قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]

----------
(١) هي الأشياء التي يتبايع بها في التجارة، «لسان العرب» ١/ ٤٠٢.
(٢) وقد قيل أيضًا:
وما ضاع مال ورث الحمد أهله … ولكن أموال البخيل تضيع



فنهى عما يؤدي إلى الحالتين، وألف قوم في تفضيل الغنى على الفقر، وعكس قوم، واحتج كلٌ، وسكتوا عن الحال التي هي أفضل منهما وهي التي دعا الله ورسوله إليها، وإنما الفقر والغنى محنتان وبليتان كان الشارع يتعوذ منهما، ولا يتعوذ من حالة فيها الفضل غير أن الغنى أضر من الفقر على أكثر الناس، وإنما توصف الأشياء بأكثرها.
وقال المهلب في «إضاعة المال»: يريد السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أنه - ﷺ - رد تدبير المعدم؛ لأنه أسرف على ماله فيما يحل ويؤجر فيه لكنه أضاع نفسه، وأجره في نفسه آكد من أجره في غيره.
ومن هنا اختلف العلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله، فجمهور العلماء يوجب عليه الحجر صغيرًا كان أو كبيرًا. روي ذَلِكَ عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (١).
وقال النخعي، وابن سيرين، وبعدهما أبو حنيفة، وزفر: لا حجر عليه (٢) يدل لهم حديث الذي يخدع في البيوع ولم يمنعه الشارع من التصرف، وللأولين حديث معاذ. ولعل يكون لنا عودة إليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما «كثرة السؤال» ففيه وجهان ذكرا عن مالك:
الأول: سؤال الشارع فإنه قال: «ذروني ما تركتكم» (٣).

------------
(١) انظر: «الهداية» ٣/ ٣١٥، «المعونة» ٢/ ١٥٩، «روضة الطالبين» ٤/ ١٨١، «المغني» ٦/ ٥٩٥.
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٩٧، «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٢١٥.
(٣) رواه مسلم (١٣٣٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر.



الثاني: سؤال الناس (١)، وهو ما فهمه البخاري وبوب عليه وقال ابن التين فيه وجوه:
أحدها: التعرض لما في أيدي الناس من الحطام بالحرص والشره وهو تأويل البخاري.
ثانيها: أن يكون في سؤال المرء ما نهي عنه من متشابه الأمور على مذهب أهل الزيغ والشك وابتغاء الفتنة، أو يكون على ما كانوا يسألون الشارع عن الشيء من الأمور من غير حاجة بهم إليه، فتنزل البلوى بهم كالسائل عمن يجد مع امرأته رجلًا. وأشد الناس جرمًا في الإسلام من سأل عن أمر لم يكن حرامًا فحرم من أجل مسألته، كما روي (٢).
وجاءت المسائل في القرآن على ضربين: محمودة: مثل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ونحوه وبذلك أمر الرب ﷻ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ومذمومة: مثل ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ [النازعات: ٤٢] وإليه يرجع قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١].
وأما حديث سعد فتقدم بفوائده في كتاب الإيمان، في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (٣). وأسلفنا هناك أن (أراه) بفتح الهمزة، وأنه ضبط بضمها، وعليه اقتصر ابن التين هنا، أي: أظنه.

------------
(١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣١٥.
(٢) يشير المصنف رحمه الله إلى حديث سيأتي برقم (٧٢٨٩) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ورواه مسلم (٢٣٥٨) كتاب: الفضائل، باب: توقيره - ﷺ - وترك كثرة سؤاله.
(٣) سلف برقم (٢٧).



وقوله: «أو مسلمًا» إنما نهاه أن يقطع بما لا يعلم غيبه. ومعنى «مسلمًا»: مستسلمًا يظهر بلسانه ما لا يعتقده بقلبه، وليس هذا المسلم الذي في قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] والنبي - ﷺ - مع هبوط الوحي عليه لم يكن يعلم بحقيقة إيمان أحد إلا بوحي، وقد خفي عليه بعض المنافقين قال تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]
وقوله: (فضرب بيده فجمع بين عنقي وكتفي) سببه؛ لينبهه لاستماع ما يقول له، وأسلفنا أن (يكُبّه) بضم الكاف لأنه ثلاثي متعد، وإذا كان رباعيًّا كان غير متعد (١)، وهو شاذ؛ لأن سائر الأفعال إنما يؤتى بالهمزة فيها والتضعيف للتعدية.
وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾، أي: كبوا على رءوسهم. وقال أبو عبيد: طرح بعضهم على بعض، والأصل كببوا، قلب من الباء كافًا استثقالًا للتضعيف. وقيل معناه: فجمعوا مشتق من الكبكبة وهي الجماعة. وقد أسلفنا هناك أن فيه فوائد: الشفاعة للرجل من غير أن يسألها ثلاثًا لما في الصدقات وغيرها.
وفيه: أن العالم يحب له أن يدعو الناس إلى ما عنده وإلى الحق والعلم بكل شيء حتَّى بالعطاء.
وفيه: أن الحرص على هداية غير المهتدي آكد من الإحسان إلى المهتدي.
وفيه: أنه يعطي من المال أهل النفاق، ومن على غير حقيقة الإسلام على وجه التألف، إذا طمع بإسلامه. وفي أحاديث الباب كلها الأمر بالمعروف، والاستفتاء، وترك السؤال. وفي الآية الثانية وهي قوله:

-----------
(١) في هامش الأصل: وله إخوة نحو ستة أو أكثر.


﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] ودليل قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب» الحديث، بيان قوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» رواه ابن عمر وأبو هريرة (١)، وأن معناه خصوص لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣] فدل على أنه لو زال عنهم الإحصار لقدروا على الضرب في الأرض، ودل ذَلِكَ على أنهم ذووا مِرة أقوياء، وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة بالفقر خاصة. وكذلك قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب» يدل على هذا المعنى؛ لأنه لا يقدر على ذَلِكَ إلا ذو المرة السوي، ولم تحرم عليه المسألة.
فذهب قوم إلى الأخذ بالحديث السالف: «لا تحل الصدقة لغني»
إلى آخره وقالوا: لا تحل لذي مرة سوي كالغني، هذا قول الشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيدة، ذكره ابن المنذر، وخالفهم آخرون فقالوا: كل فقير من قوى زمن فالصدقة له حلال، وتأولوا الحديث أن معناه: الخصوص هذا قول الطبري؛ لأنه لا خلاف بين جميع الأمة أن الصدقة المحرمة التي يكون أصلها محبوسًا وغلتها صدقة على الغني والفقير أنه يجوز للأغنياء أخذها وتملكها. فالحديث في الفرض لا في التطوع. وكذا أجمعوا على أن غنيًّا في بلده، لو كان في سفر

-------------
(١) حديث ابن عمر رواه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٨١، وحديث أبي هريرة رواه النسائي ٥/ ٩٩ كتاب: الزكاة، إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، وابن ماجه (١٨٣٩) كتاب: الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنى، وأحمد ٢/ ٣٧٧، ٣٨٩.
وفي الباب من حديث عبد الله بن عمرو، وحبشي بن جنادة وطلحة، وجابر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فمن شاء الوقوف عليها فليراجع «نصب الراية» ٢/ ٣٩٩ - ٤١٠، و«الإرواء» ٣/ ٣٨١ - ٣٨٥ (٧٨٨).



فذهبت نفقته، له أن يأخذ من الصدقة المفروضة ما يحمله إلى بلده. فالحديث مخصوص إذن، وأنه معني به بعض المفروضة؛ ولأن الله تعالى جعل في المفروضة حقًّا لصنوف من الأغنياء كالمجاهد، والعامل، وابن السبيل العاجز حالًا، وإن كان غنيًّا ببلده. وكذا ذو المرة السوي في حال تعذر الكسب عليه جائز له الصدقة المفروضة. وأما التطوع منها ففي كل الأحوال.
وقال الطحاوي: لا تحرم الصدقة بالصحة إذا أراد بها سد فقره، وإنما تحرم عليه إذا أراد بها التكثر والاستغناء (١). يدل على ذَلِكَ حديث سمرة السالف: «المسائل كدوح» إلى آخره فأباح فيه المسألة في كل أمر لا بد من المسألة فيه. وذلك إباحة المسألة في الحاجة لا بالزمانة. وروى يحيى بن سعيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن وهب بن خنبش قال: جاء [رجل] (٢) إلى رسول الله - ﷺ - وهو واقف بعرفة، فسأله رداءه، فأعطاه إياه فذهب. ثم قال رسول الله - ﷺ -: «إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع، أو غرم مفظع (٣)، ومن سأل الناس ليثرى به، فإنه خموش في وجهه، ورضف يأكله من جهنم، إن قليل فقليل، وإن كثير فكثير» (٤).
فأخبر في هذا الحديث أن المسألة تحل بالفقر والعدم، ولا تختلف في حال الزَّمِن والصحيح. وكانت المسألة التي أباها هي للفقير لا لغيره.
وكان بصحيح الأخبار عندنا يوجب أن من قصده - ﷺ - بقوله: «لا تحل

-----------------
(١)»شرح معاني الآثار«٢/ ١٨.
(٢) زيادة مسند»شرح ابن بطال«نسيها المصنف.
(٣) في الأصل: مفضع، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) رواه الطحاوي في»شرح معاني الآثار" ٢/ ١٩.



الصدقة لذي مرة سوي» هو غير من استثناه في هذِه الآثار، وأن الذي تحرم عليه الصدقة من الأصحاء: هو الذي يريد أن يتكثر ماله بالصدقة، حتَّى تصح هذِه الآثار وتتفق معانيها، ولا تتضاد، وتوافق معنى الآية المحكمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ١٠١]؛ لأن كل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف فهو من أهل الصدقة التي جلعها الله تعالى لهم في كتابه، وسنة رسوله، زَمِنًا كان أو صحيحًا.
فهذا الذي حملنا عليه وجوه هذِه الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد. قال ابن بطال: وهو قول مالك أيضًا فيما رواه المغيرة عنه أنه يعطى القوي البدن من الزكاة، ولا يمنع لقوة بدنه (١).
خاتمة:
في بعض نسخ البخاري عقب الحديث الأخير (٢)، وقال أبو عبد الله: صالح بن كيسان أكبر من الزهري، وهو قد أدرك ابن عمر.
ومشى عليها ابن التين فقط. فقال: قول البخاري: صالح: إلى آخره هو كما قال. وقد ذكر أن الزهري أدرك ابن عمر وروى عنه.
قُلْتُ: وجماعات غيره، ذكرتهم في «المقنع في علوم الحديث»، وذِكْرها عقب الثالث أنسب (٣).
والزهري اسمه: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب إمام جليل، أعلم أهل زمانه بهذا الفن.

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٢٣.
(٢) في هامش الأصل ما نصه: في نسختي هذِه الزيادة بعد الحديث الثالث وهي أوجه.
(٣) «المقنع في علوم الحديث» ١/ ١٣١.



٥٤ - باب خَرْصِ التَّمْرِ
١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى، إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ: «اخْرُصُوا». وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ». فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ: «كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟». قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ». فَلَمَّا -قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ». فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: «هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟». قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ» يَعْنِي: خَيْرًا. [١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢ - مسلم: ١٣٩٢ (كتاب الفضائل- باب (٣) بعد حديث ٧٠٦ - فتح: ٣/ ٣٤٣]

١٤٨٢ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِي عَمْرٌو: «ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ: حَدِيقَةٌ. [فتح: ٣/ ٣٤٤]
ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تبوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرى، إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّﷺ - لأصْحَابِهِ: «اخْرُجوا». وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» .. الحديث.


وفي آخره: فَلَمَّا رَأى أُحُدًا قَالَ: «هذا جُبْلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنصَارِ؟». قَالُوا: بَلَى. فذكره.
وقًالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِي عَمْروٌ: «ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غزيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ: حَدِيقَةٌ.
الشرح:
الكلام عليه من أوجه: (قال البزار: ولا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أبي حميد وحده) (١).
أحدها:
غزوة تبوك تسمى: العسرة، والفاضحة، وهي من المدينة على أربع عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة في رجب يوم الخميس سنة تسع (٢).
قال الداودي: وهي آخر غزواته، ولم يعذر أحدًا تخلف عنها، وكانت في شدة الحر، وإقبال الثمار، ولم يكن فيها قتال. قال ابن التين: لعله يريد آخر غزواته بنفسه، وإلا فقد ذكر الشيخ أبو محمد أنها في سنة تسع، خرج إليها في أول يوم من رجب، واستخلف عليًّا على المدينة. ومكرت في هذِه الغزوة برسول الله - ﷺ - طائفة من المنافقين أرادوأ أن يلقوه من العقبة، فنزل فيهم ما في براءة (٣). ورجع في سلخ شوال منها.

---------------
(١) هكذا جاءت في الأصل وكأنها مقحمة على النص.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٣٠٣، و«معجم البلدان» ٢/ ١٤ - ١٥.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٨٤٤، والبيهقي في «دلائله» ٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧، =



قُلْتُ: وقيل في رمضان. قال: وبعث عليًّا في سنة عشر إلى اليمن (١) وبعث فيها أسامة بن زيد إلى الداروم (٢) من أرض مصر (٣) فغنم وسلم (٤).
وبعث أيضًا في سنة عشر عيينة بن حصن إلى بني العنبر يدعوهم فلم يجيبوا، فقتل منهم وسبى (٥).
وبعث جريرًا إلى ذي الكلاع سنة إحدى عشرة يدعوه إلى الإسلام، فأسلم (٦). ولم تأت غزوة إلا ورى النبي - ﷺ - بغيرها إلا تبوك. وقال ابن سيده: تبوك: اسم أرض، وقد تكون تبوك تفعل (٧). وزعم ابن قتيبة أن رسول الله - ﷺ - جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حسيها بقدح، فقال: «ما زلتم تبوكونها بعد» فسميت تبوك. ومعنى تبوكون: تدخلون فيه السهم، وتحركونه ليخرج ماؤه (٨).

--------------
= وذكره الواحدي في «أسباب النزول» ص ٢٥٧ (٥١٦)، البغوي في «معالم التنزيل» ٤/ ٧٥، السيوطي في «الدر» ٣/ ٤٦٦ وعزاه للبيهقي في «دلائله».
(١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٢/ ١٦٩، ٣٣٧، وانظر: «البداية والنهاية» ٥/ ٢٢٩، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: قوله (الداروم) كذا صواب النطق به، أعني: بالميم، وقوله من أرض مصر فيه نظر، إذ الشام من العريش إلى الفرات .. والعريش بعدها، فهي شاميَّة.
(٣) الداروم تقع في أرض الشام وليست في أرض مصر، انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٤٢٤، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٨.
(٤) انظر: سيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٨.
(٥) رواه البخاري معلقًا عن ابن إسحاق كتاب: المغازي، باب: ٦٨، وانظر: «تاريخ الطبري» ٢/ ٢٠٩، و«الإصابة» ١/ ٥٥ و٣/ ٥٤ و٢٠١.
(٦) انظر: «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦، و«تاريخ الطبري» ٢/ ٢٢٦، و«الاستيعاب» ١/ ٣٠٩ - ٣١٠، ٢/ ٥٣، و«الإصابة» ١/ ٣٨٢.
(٧) «المحكم» ٦/ ٤٨٤ وفيه: تبوك تفعول، لا كما ذكر هنا: تفعل.
(٨) انظر: «تفسير القرطبي» ٨/ ٢٨٠، و«معجم ما استعجم» ١/ ٣٠٣.



ثانيها:
وادي القرى، ذكر السمعاني أنها مدينة قديمة بالحجاز مما يلي الشام. وذكر صاحب «المطالع» أنها من أعمال المدينة.
ثالثها:
الحديقة: الأرض ذات الشجر. قاله ابن فارس (١) وقال الهروي: إنها كل ما أحاط به البناء. وكذلك قال البخاري وغيرهما.
وقال ابن سيده: هي من الرياض كل أرض استدارت، وقيل: كل أرض ذات شجر مثمر ونخل، وقيل: البستان والحائط، وخص به بعضهم الجنة من النخل والعنب، وقيل: حفرة تكون في الوادي يحبس الماء فيه، وإن لم يكن الماء في بطنه فهو حديقة. والحديقة: أعمق من الغدير، والحديقة: القطعة من الزرع. وكله في معنى الاستدارة (٢).
وفي «الغريبين» يقال للقطع من النخل: حديقة.
رابعها:
الخرص: الحزر لما على النخل تمرًا يقال: خرصت تمر النخل خرصًا، وكم خرص أرضك بالكسر والفتح، كما قاله المازني. قال ابن سيده: وهو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم (٣) والخراص: الحزار، خرص العدد يخرصه -بكسر الراء وضمها- خرصًا -بفتح الخاء وكسرها- حزره.

---------------
(١) «مجمل اللغة» ١/ ٢٢٢.
(٢) انتهى من «المحكم» ٢/ ٣٩٦ بتصرف.
(٣) «المحكم» ٥/ ٣٥.



خامسها:
كيفية الخرص أن يطوف النخيل، ويحزر عناقيدها رطبًا، ثم تمرًا.
ويتعين إفراد كل نخلة بالنظر لتفاوت الأرطاب إن اتحد النوع. فإن اختلف جاز أيضًا، وأن يطوف بالجميع، ثم يخرص الجميع دفعة. وعبارة ابن الحاجب: ويخرص نخلة نخلة ويسقط سقطه (١).
سادسها:
فيه حجة على أبي حنيفة وصاحبيه في منع الخرص، وأنه يؤدي عشر ما يحصل بيده زاد الخرص أو نقص، إذ فعله الشارع وأصحابه، فهو حجة للجمهور منهم: أبو بكر، وعمر، والزهري، وعطاء، وأبو ثور، ومالك، والشافعي، وأحمد (٢).
وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث سعيد بن المسيب، عن عتاب (٣) بن أسيد: أمر رسول الله - ﷺ - أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا، حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٤) (٥).
وقال أبو داود: لم يسمع سعيد من عتاب (٦).

------------
(١) «مختصر ابن الحاجب» ص ٨٢. (١٥٧).
(٢) انظر: «المعونة» ١/ ٢٥٥، «العزيز» ٣/ ٧٨، «الكافي» ٢/ ١٤١.
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: لا خلاف أنّ سعيدا ولد في خلافة عمر، ولم يسمع من عمر على الصحيح، وعتاب توفي يوم توفي الصديق.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٧٣ - ٧٤ (٣٢٧٨ - ٣٢٧٩) كتاب: الزكاة، باب: العشر.
(٥) رواه أبو داود (١٦٠٣ - ١٦٠٤)، الترمذي (٦٤٤)، النسائي ٥/ ١٩، ابن حبان ٨/ ٧٣ - ٧٤ (٣٢٧٨ - ٣٢٧٩)، ابن ماجة (١٨١٩) وابن نافع في «معجم الصحابة» ٢/ ٢٧٠، والبيهقي ٤/ ١٢٢.
(٦) وقال ابن قانع: لم يدرك سعيد بن المسيب عتاب بن أسيد والحديث ضعفه ابن =



وهو حجة على إلحاق العنب بالنخل. وهو حجة على داود حيث قال: لا خرص إلا في النخيل فقط (١)، وإنما يخرص إذا بدا صلاحه، ولا يخرص الحب لاستتاره. وقول الشعبي: الخرص بدعة (٢). والثوري: خرص الثمار لا يجوز لا تحل حكايته عندي.
قال ابن قدامة: وممن كان يرى الخرص سهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، والحسن، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم بن أبي المخارق، وأبو عبيد بن سلام، وأكثر أهل العلم (٣).

--------------
= حزم وقال: سعيد لم يولد إلا بعد موت عتاب بسنتين. وعتاب لم يوله النبي - ﷺ - إلا مكة ولا زرع بها ولا عنب «المحلى» ٥/ ٢٢٣. ونقل ابن عبد البر في «الاستذكار» ٩/ ٢٤٦ عن داود الظاهري قال: إنه منقطع. لم يسمع سعيد من عتاب.
وقال هو في موضع لاحق ٢١/ ٢١٣: حديث ليس بمتصل عند أهل العلم؛ لأن عتاب بن أسيد مات بمكة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق، أو في اليوم الذي ورد النعي بموته، وسعيد بن المسيب إنما ولد لسنتين مضتا لخلافة عمر، فالحديث مرسل على كل حال.
وممن أعله بذلك وضعف الحديث أيضًا، المنذري في «مختصرالسنن» ٢/ ٢١١، وعبد الحق في «أحكامه» ٢/ ١٧٨. والنووي في «مجموعه» ٥/ ٤٣٠ - ٤٣١ فقال: هو مرسل، والإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في «الإمام» فيما نقله عنه المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٤٠، والمصنف في نفس الموضع مؤكدًا ذلك.
وكذا الألباني فقال في «ضعيف أبي داود» (٢٨٠): إسناده ضعيف. وضعفه في «الإرواء» (٨٠٧).
وخالف ذلك كله الحافظ ابن كثير فقال في «الإرشاد» ١/ ٢٥٣: إسناده حسن!
ذكره مرة أخرى ١/ ٢٥٤ ونقل كلام أبي داود وتحسين الترمذي، وسكت!
(١) انظر: «بداية المجتهد» ٢/ ٥٢٥.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٢٧ (٧٢١١) كتاب: الزكاة، باب: الخرص.
(٣) «المغني» ٤/ ١٧٣ - ١٧٤.



وكذا عدد ابن المنذر جماعة، ثم قال: وعامة أهل العلم. قال: وخالف ذَلِكَ أبو حنيفة وأصحابه.
فرع:
المشهور عن الشافعي إدخال جميعه في الخرص، ولا يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكلها أهلها، خلافًا لنصه في البويطي (١)، وعند أحمد يلزم الخارص أن يترك الثلث أو الربع في الخرص توسعة على أرباب الأموال. وبه قال إسحاق، والليث (٢).
وقال ابن حبيب: يخفف عن ربه، ويوسع عليه، وهو خلاف مشهور في مذهب مالك (٣)،
وفيه حديث جيد من طريق سهل بن أبي حثمة، صححه ابن حبان والحاكم (٤).

------------
(١) انظر: «المجموع» ٥/ ٤٦٠.
(٢) انظر: «المغني» ٣/ ١٧٧، «الفروع» ٢/ ٤٣٣.
(٣) قال أبو الوليد الباجي رحمه الله في «المنتقى» ٢/ ١٦٠: وهل يخفف في الخرص على أرباب الأموال أم لا؟ المشهور من مذهب مالك أنه لا يُلْغَى له شيء، وقال ابن حبيب: يخفف عنهم، ويوسع عليهم. وقال الشيخ أبو محمد: هذا خلاف مذهب مالك، وحكى القاضي أبو محمد الروايتين عن مالك، انظر: في «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦٦، «الذخيرة» ٢/ ٩١.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٧٥ (٣٢٨٠)، «المستدرك» ١/ ٤٠٢.
ورواه أيضًا أبو داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي ٥/ ٤٢.
وصححه كذلك ابن الجارود ٢/ ١٥ - ١٦ (٣٤٨)، عبد الحق ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، والنووي في «المجموع» ٥/ ٤٦٠، والمصنف هنا، وفي «البدر المنير» ٥/ ٥٤٥ - ٥٤٧ إشارة. لكن أعله ابن القطان في «بيانه» ٤/ ٢١٥ بعبد الرحمن بن مسعود بن نيار -قلت: هو راويه عن سهل بن أبي حثمة.
وقال النووي ٥/ ٤٦٠ - بعد أن قال: إسناده صحيح-: إلا عبد الرحمن فلم يتكلموا فيه بجرح ولا تعديل ولا هو مشهور، ولم يضعفه أبو داود، والله تعالى =



وقال الشافعي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يدل على أنه لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد (١). وتحمل الآية على العموم أي: آتوا جميع حق المأكول والباقي.
فرع:
لو كانت هذِه الثمرة لا يجيء منها تمر ولا زبيب فيخرصها على ما يكون فيها لو أثمرت. ذكره ابن التين. ومن يقول بالقيمة التخريص عنده لأجل النصاب. وأغرب ابن العربي فقال في «مسالكه»: لم يصح حديث عتاب، ولا حديث سهل (٢).
فرع:
يكفي خارص واحد على الأصح عندنا وبه قال مالك (٣).
سَابِعُها:
اعتذر من منع من الخرص بجن حديث الباب أراد به معرفة مقدار ما
في نخلها خاصة، ثم يأخذ منها الزكاة وقت الصرام على حسب ما يجب

-------------
= أعلم. أهـ. وكذا ضعفه الإمام ابن دقيق العيد في «إلمامه» ص ٢٢١ - ٢٢٢، وفي «إمامه» كما نقله عنه المصنف في «البدر» ٥/ ٥٤٧. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٨١)، وفي الضعيفة (٢٥٥٦).
(١) انظر: «مختصر المزني» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠، «الحاوي» ٣/ ٢٣٨.
(٢) قلت: حديث عتاب أعله أكثرهم، وحديث سهل أعله غير واحد. والله أعلم.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٦٠، وقال النووي رحمه الله: وهل يكفي خارص واحد أم يشترط اثنان؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بخارص، كما يجوز حاكم واحد، وبهذا الطريق قال ابن سريج والإصطخري، وقطع به جماعة من المصنفين. وأصحهما وأشهرهما، وبه قطع «المصنف» والأكثرون فيه قولان. قال الماوردي: وبهذا الطريق قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة وجمهور أصحابنا المتقدمين، أصحهما باتفاقهم خارص.=



فيها. وأيضًا فقد خرص حديقتها، وأمر أن تحصى، وليس فيه أنه جعل زكاتها في ذمتها، وأمرها أن تتصرف في ثمرها كيف شاءت. وإنما كان يفعل ذَلِكَ تخفيفا لئلا يخونوا، وإن لم يعرفوا مقدار ما في النخيل ليأخذوا الزكاة وقت الصرام هذا معنى الخرص.
قال الطحاوي: ولم يأت في هذِه الآثار أن الثمرة كانت رطبًا حينئذٍ (١). وقال ابن العربي: لا يصح في الخرص إلا حديث الباب.
ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود.
وهذِه المسألة عسرة جدًّا؛ لأنه ثبت عنه خرص العنب، ولم يثبت عنه خرص الزبيب، وكان موجودًا في حياته وكثيرًا في بلاده. ولم يثبت عنه خرص النخل إلا على اليهود؛ لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم.
قال الماوردي: واحتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعًا: «نهي عن الخرص» (٢) وبما رواه جابر بن سمرة أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع كل ذي ثمرة بخرص (٣). وبأنه تخمين وقد يخطئ، ولو جوزنا لجوزنا خرص الزرع وخرص الثمار بعد جدادها، وهي أقرب إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلما لم يجز في القريب، لم يجز في البعيد. ولأن تضمين رب المال قدر الصدقة. وذلك غير جائز لأنه بيع رطب بتمر.
والثاني: بيع حاضر بغائب (٤).

-----------
= والثاني: يشترط اثنان كما يشترط في التقويم اثنان، «المجموع» ٥/ ٤٦٠.
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٣٩.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٣٩٤، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٤١.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٣.
(٤) «الحاوي» ٣/ ٢٢١.



وأيضًا فهو من المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمرة على رءوس النخل بالتمر كيلًا.
وأيضًا فهو من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل، ومن النسيئة. وقالوا: الخرص منسوخ بنسخ الربا.
واستدل من رآه بحديث ابن عباس في بعث النبي - ﷺ - ابن رواحة إلى خيبر حين كان يصرم النخل، فحزر النخل وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص. أخرجه أبو داود (١) وأخرج أيضًا من حديث عائشة مثله. قال الدارقطني: وروي مرسلًا ومسندًا (٢).
وبحديث جابر قال: أفاء الله تعالى خيبر على رسوله، فبعث ابن رواحة فخرصها عليهم عشرين ألف وسق، أخرجه الدارقطني كذلك (٣)، وابن أبي شيبة في «مصنفه». وقال: بأربعين ألف وسق (٤).

--------------
(١) «أبو داود» (٣٤١٠) ورواه أيضًا ابن ماجه (١٨٢٠). قال الألباني في «الإرواء» ٣/ ٢٨٢: إسناده جيد. وحسنه في «صحيح ابن ماجه» (١٤٧٣).
(٢) «سنن أبي داود» (١٦٠٦ و٣٤١٣). وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ١/ ٢٥٥: رجال إسناده على شرطهما، ولكن قال البخاري: ليس بمحفوظ. والحديث يرويه حجاج عن ابن جريج قال: أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة.
لذا قال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٤٣: فيه جهالة المخبر لابن جريج. وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٧١: فيه جهالة الواسطة.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٨٢): إسناده ضعيف، لجهالة المخبر.
وقال في «الإرواء» ٣/ ٢٨١: رجاله ثقات كلهم غير أنه منقطع.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٣ - ١٣٤. قال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦: قال المنذري: رجال إسناده. كلهم ثقات. وقال الألباني في «الإرواء» ٣/ ٢٨١: إسناده رجاله ثقات كلهم لولا أن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه.
(٤) «المصنف» ٢/ ٤١٥ (١٠٥٦١) كتاب الزكاة، ما ذكر في خرص النخل، و٧/ ٢٩٣ (٣٦١٩٩) كتاب: الرد على أبي حنيفة.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فضائل الحج والعمرة
* طاف وهو يدفع عربة من لا يستطيع المشي
* جامع زوجته بعد رمي جمرة العقبة
* بيع عروض التجارة لتحصيل نفقة الحج
* الجمع بين طوافي الإفاضة والوداع للحائض
* دليل الشاب المسلم في العالم الحديث
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس